العدد الحاليالعدد رقم 48ثقافات

فن التبسّم والضحك والمرح والسرور

تبسّم، تبسّم، تبسّم (الابتسامة وتأثيرها السحري):

تعد الابتسامة من أهم أنواع التواصل غير الفمي – وإحصائيًا، وجد أن الأطفال يبتسمون 400 مرة باليوم، بينما البالغين قرابة 20 مرة باليوم. بل حتى مع الحيوانات، فعندما تناغي وتلاطف الحيوان وتتبسم له وتضحك، يتفاعل معك تمامًا. فترى القرد يصيح ويفرح، وترى الكلب يهز ذيله ويلحس وجه صاحبه.

وهل سبق أن حاولت أن تمسك قلم رصاص بأسنانك؟ فلقد أثبت الباحثون أن تقصّد تمرين العضلة الوجنية الرئيسية zygomaticus major muscle وعضلة مقلة العين orbicularis oculi يمكن أن تجعلنا نشعر بتحسن. كيف؟ لأن حمل قلم رصاص بأسنانك، أو ببساطة يجعلك وكأنك تبتسم Smiles!

إذًا ما الذي يحدث في أدمغتنا عندما نبتسم؟ تخيل أننا في وضع لطيف، كمقابلة صديق قديم في الطريق. عندما تشعر أدمغتنا بالسعادة، يتم إنتاج الإندورفين endorphins وتنتقل الإشارات العصبية إلى عضلات وجهك لتحفيز الابتسامة. هذه هي بداية حلقة التغذية الراجعة الإيجابية positive feedback loop للسعادة. عندما تنقبض عضلاتنا المبتسمة، فإنها تطلق إشارة إلى الدماغ، وتحفز نظام المكافأة reward system لدينا، مما تحفز إفرازًا آخرًا لهرمون السعادة (الإندورفين).  باختصار، عندما تشعر أدمغتنا بالسعادة، نبتسم. وعندما نبتسم، تشعر أدمغتنا بسعادة أكثر.

تصنّعها (الابتسامة) إلى أن تحصل عليها (Fake it till you make it!)

نعم، إذا كنت تريد أن تكون سعيدًا، فقط ابتسم. وبفضل حلقة التغذية الراجعة الإيجابية للابتسامة، يمكننا تغيير مسار العواطف لدماغنا لنشعر بسعادة أكثر من ابتسامة بسيطة.

الابتسامة معدية Smiling is contagious

هل تجد الابتسامة المصطنعة صعبة؟ لا تقلق. فقط كن مع شخص يبتسم. فلقد وجدت دراسة سويدية أنه من الصعب بالفعل الحفاظ على وجه عبوس عندما تنظر لأشخاص يبتسمون لك. لأن التبسّم معدي! إن رؤية الناس يبتسمون يحفز الخلايا العصبية المرآتية للتماثل والتحكم بعضلات الوجه، لإثارة وتحفيز الابتسامة. «إن تبتسم، أبتسم أنا أيضًا – You smile, I smile» هي في الواقع حقيقة علمية!

إضافة لذلك، فإن عبارة «الضحك هو أفضل دواء Laughter is the best medicine» عبارة صحيحة، لإن التبسّم والضحك له فوائد صحية عديدة، مثل تقليل هرمونات التوتر كالأدرينالين والكورتيزول وبالتالي تقليل القلق anxiety، ويريح العضلات، مع خفض مستوى ضغط الدم، ومعدل ضربات القلب. ويعزز المناعة، ويقلل الألم، ويحسن المزاج (عن طريق إفراز هرمون السعادة اندورفين)، ويقوي العلاقات، ويجذب الآخرين نحونا، ويعزز العمل والترابط الجماعي، ويساعد على نزع فتيل الصراع؛ والضحك يساعدك على البقاء بصحة جيدة عقليًا، ويشعرك بالرضا. ويبقى هذا الشعور الإيجابي معك حتى بعد أن يهدأ الضحك. تساعد الفكاهة Humour بالحفاظ على نظرة إيجابية متفائلة عند المواقف الصعبة وخيبات الأمل وعند الخسارة.

يقدر مستوى السعادة الذي يمكن للتبسّم جلبه لأدمغتنا بما يعادل تناول 2000 قطعة من الشوكولاتة، أو الحصول على 16000 جنيه إسترليني. وبالتالي، لسنا بحاجة للشوكولاته ولا المال لنكون سعداء. ابتسامة واحدة ستفي بالغرض!

كيف تعمل عضلات الوجه معًا للتبسّم

معظم العضلات الـ 43 التي نستخدمها للابتسام تخضع لسيطرة العصب القحفي السابع، باسم العصب الوجهي. يبدأ في القشرة الدماغية، يخرج من الجمجمة أمام الأذنين. من هناك ينقسم إلى خمسة فروع تعرف باسم الفروع الأولية.

يتصل كل فرع بجزء مختلف من الوجه، ولهذا السبب لدينا مجموعة متنوعة من التعبيرات الممكنة. تتحكم الفروع في حركة العضلات التي تتحكم في الفم من كلا الجانبين. العضلات المحددة هي:

  • خافض زاوية الفم Depressor anguli oris
  • الوجنية الكبرى Zygomaticus major
  • الوجنية الصغرى Zygomaticus minor
  • رافعة الشفة العليا Levator labii superioris
  • العضلة الضاحكة رايسوريوس Risorius

تعمل عضلات التعبير الوجهي muscles of facial expression، وخاصة الوجنيات الكبرى والصغرى، على سحب عضلة الفم المحيطية orbicularis oris لأعلى لتشكيل الابتسامة. تحيط  orbicularis oris حول الفم، وتتحكم في الحركات المرتبطة بالفم والشفتين.

عندما تنتج فروع العصب الوجهي ابتسامة، فإنها ترسل إشارات إلى دماغنا ليفرز اندورفين endorphin ودوبامين dopamine لرفع المزاج ولإسعاد الشخص. تعمل عضلات الوجه لدينا في مجموعات لإنتاج تعبيراتنا المختلفة. تستخدم بعض الابتسامات زوجين من العضلات فقط، بينما يمكن أن تستخدم الابتسامة القلبية عشرة أزواج من العضلات. للعبوس، نستخدم عدة أزواج من العضلات لتقطيب الجبين والحاجبين والعينين ولتهطيل الشفة السفلية وخفض زوايا الفم.

عمومًا، يتطلب العُبُوس (التجهم والإكفهرار وتقطيب الجبين) frowning 43 عضلة، بينما الإبتسام والتبسم (انفراج الشفتين عن ثناياها، والتبسّم هو الضحك دون صوت، ويعدّ أخف الضحك وأحسنه) Smiling 17 عضلة فقط. (وفي إحصائية أخرى 62 عضلة للعبوس والتجهم، و 26 عضلة للتبسم والإبتسام).

ابتسم ليبتسم العالم معك Smile and the World Smiles with You

“عندما تبتسم يبتسم العالم كله معك” ربما تكون صحيحة. تشير الأبحاث إلى أن الناس يميلون لاستقبال الابتسامات بابتسامات خاصة بهم، في حين أن العبوس لا يؤدي إلا إلى عبوس كردة فعل في 50% من الحالات.

ثم إن الابتسامات تعمل في كلا الاتجاهين (لك وللمقابل): تمامًا كما يمكن للسعادة أن تجعلك تبتسم، فقد أظهرت الدراسات أنه يمكن للابتسام أن يجعلك سعيدًا. لسوء الحظ، ينطبق الشيء نفسه على تعبيرات العبوس والتجهم التي تجعلك تشعر بالحزن والضيق. وترتبط كلتا الظاهرتين بالخلايا العصبية المرآتية mirror neurons – خلايا الدماغ التي تشتغل عندما نلاحظ إجراء ما، مثل الابتسامة، وعندما نشارك فيها.

مستقبلًا إذا شعرت بالحزن (feel blue or having long face)، جرّب ابتسامةً حيث أنك لن تجعل الناس يبتسموا لك وحسب، بل ستخدع عقلك لتشعر بسعادة أكبر أيضًا.  إن الابتسامات معدية حقًا. وهذا موثق بالدليل العلمي. كما ونشهد هذه الظاهرة يوميًا خلال تفاعلاتنا مع الآخرين. عندما تشعر بالإحباط قليلًا، حاول أن تبتسم. حتى تزييف الابتسامة يرشد دماغنا لإفراز الإندورفين والدوبامين، وهو رافع المزاج mood lifter. ولهذا فمن المستحيل ألا نرد الابتسامة عندما يبتسم لنا شخص ما.

اجعل العالم مكانا أفضل – ابتسم أكثر

Make the world a better place – smile more!

التبَسُّم النبوي:

وأما التبَسُّم: فهو فرصة لزيادة رصيد الحسنات؛ عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: (تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ)؛ [رواه البخاري في الأدب، والترمذي وحسَّنه، وصحَّحه ابن حبان]، وَفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ: (لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَو أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ).

والضحك طبيعة بشرية، ومن الحالات البشرية التي جُبِلَ عليها الإنسان، والضحك من خصائص الإنسان، والغالب أنه ينشأ عن سرور يعرض للقلب، وقد يضحك غيرُ المسرور.

والنبي ﷺ كغيره من البشر يضحك ويحزن ويبكي؛ فهو الضحوك القتَّال؛ الضحوك مع أصحابه، القتَّال لأعداء الله.

وفي هذا الباب جملة من الأحاديث في بيان صفة ضحك النبي ﷺ، وبيان بعض المواقف التي ضحك فيها النبي ﷺ.  والضحك له مراتب:

  1. التبَسُّم: مقدمات الضحك، ويكون بلا صوتٍ.
  2. الضحك: انبساط الوجه، ويكون بصوت يسمعه القريب ولا يسمعه البعيد.
  3. القهقهة: رفع الصوت حتى يسمعه البعيد، ولم يكن يفعله النبي ﷺ.

عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه، قال: (مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ)، وفي رواية: (مَا كَانَ ضَحِكُ رسول الله ﷺ إِلَّا تَبَسُّمًا)؛ [رواه الترمذي، وغيره، وصححه الألباني]

وفي الصحيحين، قالت عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: (مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ).

قال ابن بطال رحمه الله: (وفيه أنَّ لقاء النَّاس بالتَّبسُّم وطلاقة الوجه من أخلاق النبوة، وهو منافٍ للتكبُّر، وجالب للمودَّة).

قال ابن حجر رحمه الله: (الذي يظهر من مجموع الأحاديث؛ أنه ﷺ، كان في معظم أحواله لا يزيد على التبَسُّم، وربما زاد على ذلك فضحك. والمكروه من ذلك إنما هو الإكثار منه، أو الإفراط فيه؛ لأنه يذهب الوقار).

مواقف ضحك فيها النبي ﷺ:

في الصحيحين عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِالله رَضِيَ اللَّهُ عَنْه، قَالَ: (مَا حَجَبَنِي رَسُولُ الله ﷺ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إلا ضَحِكَ) وفي رواية: (إلا تَبَسَّمَ).

«مَا حَجَبَنِي»: ما منعني من الدخول عليه؛ فكان يأذن له في أي وقت؛ لمنزلته عند النبي ﷺ.

قال عُمَر رضي الله عنه: «مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَحْسَنَ مِنْ صُورَة جَرِيرٍ إِلا مَا بَلَغَنَا مِنْ صُورَةِ يُوسُفَ الصِّديقِ عَلَيْهِ السَّلامُ». وكأنه تفسير لسبب ضحك وتبَسُّم النبي ﷺ كلما رأى جريرَ بنَ عبدالله رضي الله عنه.

في الصحيحين عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إِنِّي لَأَعْرفُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا، رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْهَا زَحْفًا، فَيُقَالُ لَهُ: انْطَلِقْ، فَادْخُلِ الْجَنَّةَ. قَالَ: فَيَذْهَبُ لِيَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَيَجِدُ النَّاسَ قَدْ أَخَذُوا الْمَنَازِلَ، فَيَرْجِعُ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ قَدْ أَخَذَ النَّاسُ الْمَنَازِلَ، فَيُقَالُ لَهُ: أَتَذْكُرُ الزَّمَانَ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. قَالَ: فَيُقَالُ لَهُ: تَمَنَّ. قَالَ: فَيَتَمَنَّى. فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ الَّذِي تَمَنَّيْتَ، وَعَشَرَةَ أَضْعَافِ الدُّنْيَا. قال: فيقول: أتسخر بِي وَأَنْتَ الْمَلِكُ)، قَالَ: (فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَحِكَ، حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ).

وقوله (إِنِّي لَأَعْرفُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا): وهو من مات على التوحيد من أهل الكبائر.

(أَتَذْكُرُ الزَّمَانَ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ؟): أي كيف كنت في الدنيا وكانت المنازل كل واحد له مكانُه، ثم أنت إذا أتيت إليها بعد ذلك صار لك مكانٌ فيها مع أنها كان كل واحدٍ فيها له مكانه ومنزله، والآن في الجنة كما أن كل واحد له منزلُه أنت أيضًا يكون لك مكان فيها.

في صحيح مسلم عن عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: شهدت عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أُتِيَ بِدَابَّةٍ لِيَرْكَبَهَا فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ، قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا، قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ ثُمَّ قَالَ: (سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مقرنين، وإنا إلى ربِّنا لمنقلبون)، ثُمَّ قَالَ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ (ثَلَاثًا) وَاللَّهُ أَكْبَرُ (ثَلَاثًا) سُبْحَانَكَ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ) ثُمَّ ضَحِكَ. فَقُلْتُ لَهُ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَنَعَ كَمَا صَنَعْتُ، ثُمَّ ضَحِكَ، فَقُلْتُ: مِنْ أَيِّ شيء ضَحِكْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (إِنَّ رَبَّكَ لَيَعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي يعلمُ إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ أحدٌ غيرُه).

وأحيانًا يتبَسَّم تبَسُّم المُغضب؛ كما في حديث توبة كعب بن مالك رضي الله عنه، قال كعب: (فجئتُه فلما سلَّمتُ عليه، تبَسَّم تبَسُّم المُغضَب) قال ابن حجر رحمه الله: (التَّبَسُّم قد يكون عن غضب؛ كما يكون عن تعجُّب، ولا يختصُّ بالسرور).

وأحيانًا تبسَّم وصبر على مَن آذاه تأليفًا واستعطافًا له؛ فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قال: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَومًا الْمَسْجِدَ فجبذه أَعْرَابِيٌّ مِنْ خَلْفِهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَعْطِنَا مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ، وَتَبَسَّمَ ﷺ، وَأمر له بعطاء.

وأحيانًا يتبَسَّم إقرارًا على فعل من الصحابة؛ كما في قصة عمرو بن العاص رضي الله عنه عندما تيَمَّم في برد شديد، والمواقف غيرها كثيرة.

فن الفكاهة والمزاح والمرح أو الفن الكوميدي الصادق

إن الطرائف واللطائف تذيب الحواجز النفسية بين المتحادثين. وفي مقال ماتع للأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي بعنوان فن الفكاهة والمرح في (إسلام ويب) اقتطع منه بتصرف وأضيف إليه:

الحياة رحلة شاقة، حافلة بالمتاعب والآلام، ولا يسلم امرؤ فيها من تجرع لون أو ألوان من غصصها، ومكابدة آلامها وإن ولد وفي فمه ملعقة من ذهب كما يقولون. وقد أشار القرآن إلى ذلك حين قال: (لقد خلقنا الإنسان في كبد) البلد:4. وأهل الإيمان أكثر تعرضًا لبلاء الدنيا من غيرهم.. حتى ورد في بعض الآثار: [المؤمن بين خمس شدائد: مسلم يحسده، ومنافق يبغضه، وكافر يقاتله، وشيطان يضله، ونفس تنازعه] .

لهذا كان الناس بحاجة إلى واحات ومحطات في طريقهم تخفف عنهم بعض عناء رحلة الحياة، وكان لا بد لهم من الترويح عن أنفسهم، ليضحكوا ويفرحوا ويمرحوا، ويشحنوا بطارية العمل والإستمرار بالحياة، كيلا يغلب عليهم الغم والحزن والنكد، فينغّص عليهم عيشهم، ويكدر عليهم صفوهم.

من تلك المحطات: الفكاهة والمزاح، وكل ما يستحث الإنسان للضحك، ويطرد الحزن من قلبه، والعبوس من وجهه، والكآبة من حياته.

والناس بفطرتهم، وفي ضوء ما عرفوه من سماحة دينهم، ابتكروا ألوانًا من وسائل الترويح:

«النكت» التي برع فيها المصريون والعراقيون بشكل خاص، واشتهروا بها بين الشعوب بخفة الدم، وتشمل: «النكت السياسية» التي تهزأ بالحكام، خصوصًا في أوقات التسلط والاستبداد السياسي. ويحكوا هذه النكت لتضحكهم وتسرِّي عنهم بعض ما يعانون، وأحيانًا يسندونها لأسماء معروفة، مثل جحا، أو أبي نواس، أو غيرهما، وأحيانًا لا ينسبونها إلى معين.

وهناك الشخصيات الفكهة، مثل «أشعب الطماع» و «بهلول».

وهناك المطاردات الشعرية التي يتطارح فيها أبيات الشعر طرفان أو أكثر.

وألوان الألعاب الشعبية المضحكة، مثل لعبة «الأراجوز أو القراقوز»، ومثله «خيال الظل» الذي كان يعتبر نوعًا من التمثيل الشعبي الفكاهي.

ومن ذلك: الألغاز والأحاجي، أو ما يسمى في لغة العامة «الفوازير».

ومن ذلك: القصص الفكاهية، أو ما يسميه العوام «الحواديت» المسلية والمرفهة.

ومن ذلك: «الأمثال الشعبية» التي كثيرًا ما تتضمن حكمًا وأفكارًا أو تعبيرات تبعث على الضحك والمرح.

والمنولوجات العراقية للاغاني البغدادية التراثية، والمربعات البغدادية، والمقامات.

ولكل عصر ألوانه ونكهته يضاف عليها أشياء جديدة من العصور اللواحق.

كما نرى في عصرنا فن «الكاريكاتير» الذي حوّل النكتة من مجرد كلمة تقال إلى صورة معبرة، مصحوبة ببعض الكلام، أو غير مصحوبة.  وصارت «أفلام الكارتون» تعرض حكايا وطرائف على ألسنة الحيوانات.

وهكذا فإن الضحك من خصائص الإنسان، فالحيوانات لا تضحك؛ لأن الضحك يأتي بعد نوع من الفهم والمعرفة لقول يسمعه، أو موقف يراه، فيضحك منه. ولهذا قيل: الإنسان حيوان ضاحك، ويصدق القول هنا: أنا أضحك، إذا أنا إنسان.

والإسلام بوصفه دين الفطرة، لا يُتصور منه أن يصادر نزوع الإنسان الفطري إلى الضحك والانبساط، بل هو على العكس يرحب بكل ما يجعل الحياة باسمة طيبة، ويحب للمسلم أن تكون له شخصيته متفائله، ويكره الشخصية المكتئبة المتطيّرة، التي لا تنظر إلى الحياة والناس إلا من خلال منظار قاتم أسود.

وأسوة المسلمين في ذلك هو رسول الله ﷺ، فقد كان رغم همومه الكثيرة والمتنوعة، يمزح ولا يقول إلا حقًا، ويحيا مع أصحابه حياة فطرية عادية، يشاركهم في ضحكهم ولعبهم ومزاحهم، كما يشاركهم آلامهم وأحزانهم ومصائبهم.

يقول زيد بن ثابت، وقد طُلب إليه أن يحدثهم عن حال رسول الله ﷺ فقال: (كنت جاره، فكان إذا نزل عليه الوحي بعث إليّ فكتبته له، فكان إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، قال: فكل هذا أحدثكم عن رسول الله ﷺ؟). [رواه البيهقي] . وقد وصفه أصحابه بأنه كان من أفكه الناس.

وكان النبي ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقا. فقد روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنهم قالوا يا رسول الله: إنك تداعبنا، قال: إني لا أقول إلا حقًا.

وجاء في مختلف الحديث لابن قتيبة .. فلو ترك رسول الله ﷺ طريق الطلاقة والهشاسة والدماثة إلى القطوب والعبوس والزماتة أخذ الناس أنفسهم بذلك على ما في مخالفة الغريزة من المشقة والعناء، فمزح ﷺ ليمزحوا، ووقف على أصحاب الدركة وهم يلعبون فقال: خذوا يا بني أرفدة، ليعلم اليهود أن في ديننا فسحة.. وكان أصحابه رضوان الله عليهم يتأسون به ﷺ ويقتدون بهديه وشكله.. كما قال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ﴾ الأحزاب:21

وقد رأيناه في بيته ﷺ يمازح زوجاته ويداعبهن، ويستمع إلى أقاصيصهن، كما في حديث أم زرع الشهير في صحيح البخاري.

وكما رأينا في تسابقه مع عائشة رضي الله عنها، حيث سبقته مرة، وبعد مدة تسابقا فسبقها، فقال لها: هذه بتلك!

وقد روى أنه وطـّأ ظهره لسبطيه الحسن والحسين، في طفولتهما ليركبا، ويستمتعا دون تزمت ولا حرج، وقد دخل عليه أحد الصحابة ورأى هذا المشهد فقال: نعم المركب ركبتما، فقال عليه الصلاة والسلام: [ونِعم الفارسان هما]!

ورأيناه يمزح مع تلك المرأة العجوز التي جاءت تقول له: ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال لها: (يا أم فلان، إنّ الجنة لا يدخلها عجوز!) فبكت المرأة، حيث أخذت الكلام على ظاهره، فأفهمها: أنها حين تدخل الجنة لن تدخلها عجوزًا، بل شابة حسناء، وتلا عليها قول الله تعالى في نساء الجنة: ﴿إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ 35 فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا 36 عُرُبًا أَتۡرَابٗا 37﴾ الواقعة:35-37 والحديث أخرجه الترمذي] .

وجاء رجل يسأله أن يحمله على بعير، فقال له ﷺ: (لا أحملك إلا على ولد الناقة)! فقال: يا رسول الله، وماذا أصنع بولد الناقة؟! – انصرف ذهنه إلى الحُوار الصغير- فقال: (وهل تلد الإبل إلا النوق؟) رواه الترمذي.

وقال زيد بن أسلم: إن امرأة يقال لها أم أيمن جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن زوجي يدعوك، قال: (ومن هو؟ أهو الذي بعينه بياض؟) قالت: والله ما بعينه بياض! فقال: (بلى إنّ بعينه بياضًا) فقالت: لا والله، فقال ﷺ: (ما من أحد إلا بعينه بياض) رواه ابن أبي الدنيا، وأراد به البياض المحيط بالحدقة.

وقال أنس بن مالك رضي الله عنه قال لي النبي ﷺ: يا ذا الأذنين! رواه أحمد وأصحاب السنن.

وقال أنس: كان لأبي طلحة ابن يقال له أبو عمير، وكان رسول الله ﷺ يأتيهم ويقول: (يا أبا عمير ما فعل النُّغَير؟) متفق عليه. النغير كان يلعب به وهو فرخ العصفور.

وقالت عائشة رضي الله عنها؛ كان عندي رسول الله ﷺ وسودة بنت زمعة فصنعت حريرة – دقيق يطبخ بلبن أو دسم – وجئت به، فقلت لسودة: كلي، فقالت: لا أحبه فقلت: والله لتأكلن أو لألطخن به وجهك، فقالت: ما أنا بذائقته، فأخذت بيدي من الصحفة شيئًا منه فلطخت به وجهها، ورسول الله ﷺ جالس بيني وبينها، فخفض لها رسول الله ﷺ ركبتيه لتستقيد مني، فتناولت من الصفحة شيئًا فمسحت به وجهي! وجعل رسول الله ﷺ يضحك. رواه أبو يعلى.

وروي أن الضحاك بن سفيان الكلابي كان رجلًا دميمًا قبيحًا، فلما بايعه النبي ﷺ قال: إن عندي امرأتين أحسن من هذه الحميراء – وذلك قبل أن تنزل آية الحجاب – أفلا أنزل لك عن إحداهما فتتزوجها! وعائشة جالسة تسمع، فقالت: أهي أحسن أم أنت؟ فقال: بل أنا أحسن منها وأكرم، فضحك رسول اللهﷺمن سؤالها إياه؛ لأنه كان دميمًا.

وفي سنن البيهقي وغيرها أن رجلًا من أهل البادية كان اسمه زاهر بن حزام، وكان النبي ﷺ يحبه، وكان دميما، فأتاه النبي ﷺ يومًا وهو يبيع متاعه في السوق فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره، فقال: أرسلني! من هذا؟ فلما عرف أنه النبي ﷺ جعل لا يألو ما ألزق ظهره بصدر النبي ﷺ حين عرفه، وجعل النبي ﷺ يقول: من يشتري العبد؟ فقال يا رسول الله: إذًا والله تجدني كاسدا، فقال النبي ﷺ: لكنك عند الله لست بكاسد.

وكان ﷺ يحب إشاعة السرور والبهجة في حياة الناس، وخصوصًا في المناسبات مثل الأعياد والأعراس .

ولما أنكر الصديق أبو بكر رضي الله عنه غناء الجاريتين يوم العيد في بيته وانتهرهما، قال له: (دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد!)

وفي بعض الروايات: (حتى يعلم يهود أنّ في ديننا فُسحة).

وقد أذن للحبشة أن يلعبوا بحرابهم في مسجده ﷺ في أحد أيام الأعياد، وكان يحرضهم ويقول: (دونكم يا بني أرفدة) .

وأتاح لعائشة أن تنظر إليهم من خلفه، وهم يلعبون ويرقصون، ولم ير في ذلك بأسًا ولا حرجًا.

وهو لون من ألوان الرقص الشعبي.

واستنكر يومًا أن تُزف فتاة إلى زوجها زفافًا صامتًا، لم يصحبه لهو ولا غناء، وقال: (هلاّ كان معها لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو، أو الغزل).

وفي بعض الروايات: (هلاّ بعثتم معها من تغني وتقول: أتيناكم أتيناكم … فحيونا نحييكم) .

وعن عائشة رضي الله عنها، أن النبي ﷺ، قال: ما فعلت فلانة؟ ليتيمة كانت عندها. فقلت: أهديناها إلى زوجها، قال: فهل بعثتم معها بجارية تضرب بالدف، وتغني؟ قالت: تقول ماذا؟ قال: تقول:

أتيناكـــــم أتيناكــــــم

                                فحيونــــا نحييكـــم

لولا الذهـب الأحمــر

                               ما حلت بواديـكـــم

ولولا الحبة السمراء

                           ما سمنت عذاريكـم

(رواه الطبراني في الأوسط، وصححه الألباني في آداب الزفاف)

وكان أصحاب النبيﷺ ومن تبعهم بإحسان في خير قرون الأمة يضحكون ويمزحون، اقتداءً بنبيهم ﷺ واهتداءً بهديه، حتى أن رجلًا مثل عمر بن الخطاب رضي الله عنه – على ما عُرف عنه من الصرامة والشدة – يُروى عنه أنه مازح جارية له، فقال لها: خلقني خالق الكرام، وخلقك خالق اللئام! فلما رآها ابتأست من هذا القول، قال لها مبينًا: وهل خالق الكرام واللئام إلا الله عز وجل؟!

وكان أصحابه رضوان الله عليهم ربما مازحوه ﷺ. ففي غزوة تبوك كان ﷺ في قبة صغيرة من أدم فجاءه عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه فسلم عليه فرد عليه النبي ﷺ وقال له: ادخل، فقال: عوف: أكلي يا رسول الله؟ قال: كلك! رواه أبوا دود.  فعوف رضي الله عنه يمازح رسول الله ﷺ بذلك.

وقد عُرف بعضهم بذلك في حياته ﷺ، وأقره عليه، واستمر على ذلك من بعده، وقبله الصحابة، ولم يجدوا فيه ما ينكر، برغم أن بعض الوقائع المروية في ذلك. من هؤلاء المعروفين بروح المرح والفكاهة والميل إلى الضحك والمزاح: النعيمان بن عمر الأنصاري رضي الله عنه، الذي رويت عنه في ذلك نوادر عجيبة وغريبة. وقد ذكروا أنه كان ممن شهد العقبة الأخيرة، وشهد بدرًا وأحدًا، والخندق، والمشاهد كلها.

روى عنه الزبير بن بكار عددًا من النوادر الطريفة في كتابه «الفكاهة والمرح» نذكر بعضًا منها…

قال: وكان لا يدخل المدينة طُرفة إلا اشترى منها، ثم جاء بها إلى النبي ﷺ فيقول: هذا أهديته لك، فإذا جاء صاحبها يطلب نعيمان بثمنها، أحضره إلى النبي ﷺ قائلاً: أعط هذا ثمن متاعه، فيقول: «أو لم تهده لي»؟ فيقول: إنه والله لم يكن عندي ثمنه، ولقد أحببت أن تأكله! فيضحك، ويأمر لصاحبه بثمنه.

وأخرج الزبير قصة أخرى من طريق ربيعة بن عثمان قال: دخل أعرابي على النبي ﷺ، وأناخ ناقته بفنائه، فقال بعض الصحابة للنعيمان الأنصاري: لو عقرتها فأكلناها، فإنّا قد قرمنا إلى اللحم؟ ففعل، فخرج الأعرابي وصاح: واعقراه يا محمد! فخرج النبي ﷺ فقال: «من فعل هذا»؟  فقالوا: النعيمان، فأتبعه يسأل عنه حتى وجده قد دخل دار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، واستخفى تحت سرب لها فوقه جريد، فأشار رجل إلى النبي ﷺ حيث هو فأخرجه فقال له: «ما حملك على ما صنعت؟» قال: الذين دلوك عليّ يا رسول الله هم الذين أمروني بذلك قال: فجعل يمسح التراب عن وجهه ويضحك، ثم غرمها للأعرابي.

وقال الزبير أيضًا: حدثني عمي عن جدي قال: كان مخرمة بن نوفل قد بلغ مائة وخمس عشرة سنة، فقام في المسجد يريد أن يبول، فصاح به الناس: المسجدَ المسجدَ، فأخذه نعيمان بن عمرو بيده، وتنحى به، ثم أجلسه في ناحية أخرى من المسجد فقال له: بُل هنا! قال: فصاح به الناس فقال: ويحكم، فمن أتى بي إلى هذا الموضع؟! قالوا: نعيمان، قال: أما إن لله عليّ إن ظفرتُ به أن أضربه بعصاي هذه ضربة تبلغ منه ما بلغت! فبلغ ذلك نعيمان، فمكث ما شاء الله، ثم أتاه يومًا، وعثمان قائم يصلي في ناحية المسجد، فقال لمخرمة: هل لك في نعيمان؟ قال: نعم، قال: فأخذه بيده حتى أوقفه على عثمان، وكان إذا صلى لا يلتفت فقال: دونك هذا نعيمان، فجمع يده بعصاه، فضرب عثمان فشجه، فصاحوا به: ضربت أمير المؤمنين! فذكر بقية القصة.

ومن الطرائف أن صحابيًا آخر من أهل الفكاهة والمزاح، استطاع أن يوقع نعيمان في بعض ما أوقع فيه غيره من «المقالب» كما في قصة سويبط بين حرملة معه، وكان ممن شهد بدرًا أيضًا، قال ابن عبد البر في «الاستيعاب» في ترجمة سويبط رضي الله عنه، وكان مزّاحًا يفرط في الدعابة، وله قصة ظريفة مع نعيمان وأبي بكر الصديق رضي الله عنهم، نذكرها لما فيها من الظرف، وحسن الخُلق.

وروي عن أم سلمة قالت: خرج أبو بكر الصديق رضي الله عنه في تجارة إلى بصرى قبل موت النبي ﷺ بعام، ومعه نعيمان وسويبط بن حرملة، وكانا قد شهدا بدرًا، وكان نعيمان على الزاد، فقال له سويبط – وكان رجلًا مزّاحًا-: أطعمني فقال: لا، حتى يجيء أبو بكر رضي الله عنه، فقال: أما والله لأغيظنك، فمروا بقوم فقال لهم سويبط، تشترون مني عبدًا؟ قالوا: نعم، قال: إنه عبد له كلام، وهو قائل لكم: إني حر، فإن كنتم إذا قال لكم هذه المقالة تركتموه، فلا تفسدوا عليّ عبدي، قالوا: بل نشتريه منك، قال: فاشتروه منه بعشر قلائص، قال: فجاؤوا فوضعوا في عنقه عمامة أو حبلًا، فقال نعيمان :إن هذا يستهزىء بكم، وإني حر، لست بعبد، قالوا: قد أخبرنا خبرك، فانطلقوا به، فجاء أبو بكر رضي الله عنه، فأخبره سويبط فأتبعهم، فرد عليهم القلائص وأخذه، فلما قدموا على النبي ﷺ أخبروه قال: فضحك النبي ﷺ وأصحابه منها حولًا .

موقف المتشددين وضوابط المزاح:

ولا ريب أن هناك من الحكماء والأدباء والشعراء من ذم المزاح، وحذّر من سوء عاقبته، ونظر إلى جانب الخطر والضرر فيه، وأغفل الجوانب الأخرى. ولكن ما جاء عن رسول الله ﷺ وأصحابه أحق أن يُتبع، وهو يمثل التوازن والاعتدال.

وقد قال لحنظلة حين فزع من تغير حاله في بيته عن حاله مع رسول الله ﷺ، واتهم نفسه بالنفاق: [يا حنظلة؛ لو دمتم على الحال التي تكونون عليها عندي لصافحتكم الملائكة في الطرقات، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة] هذه هي الفطرة، وهذا هو العدل.

روى ابن أبي شيبة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: لم يكن أصحاب رسول الله ﷺ متحزقين ولا متماوتين، كانوا يتناشدون الأشعار، ويذكرون أمر جاهليتهم، فإذا أريد أحدهم على شيء من أمر دينه، دارت حماليق عينيه كأنه مجنون.

والتحزق – كما يقول الإمام الخطابي -: التجمع وشدة التقبض. وفي النهاية لابن الأثير: متحزقين: أي منقبضين ومجتمعين.

وسئل ابن سيرين عن الصحابة: هل كانوا يتمازحون؟ فقال: ما كانوا إلا كالناس. كان ابن عمر يمزح وينشد الشعر. ومثله عن سعيد بن المسيب.

وبهذا يكون موقف أولئك النفر من المتدينين أو المتحمسين للدين، وعبوسهم وتجهمهم الذي ظنه البعض من صميم الدين، لا يمثل حقيقة الدين في شيء، ولا يتفق مع هدي الرسول الكريم وأصحابه.

والضوابط التي ينبغي مراعاتها في المزاح، باختصار:

1ـ ألا يكون الكذب والاختلاق أداة الإضحاك للناس.

2ـ ألا يشتمل على تحقير لإنسان آخر، أو استهزاء به وسخرية منه.

3ـ ألا يترتب عليه تفزيع وترويع لمسلم.

4ـ ألا يهزل في موضع الجد، ولا يضحك في مجال يستوجب البكاء.

5ـ أن يكون ذلك بقدر معقول، وفي حدود الاعتدال والتوازن.

ولا شك أن مراعاة هذه الضوابط تجعل المزاح في نطاقه المقبول، بل والمطلوب في بعض الأحايين.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى