العدد الحاليالعدد رقم 48ثقافات

تنقية البيئة العلمية والأمن المجتمعي

حين نتكلم عن البيئة العلمية فإننا نتكلم عن أساسٍ متينٍ وركيزة قوية من ركائز التقدم، فضلًا عن أنها من أقوى دعائم الأمن المجتمعي؛ فمِن خلالها يعرف الإنسان أمور دِينه ودنياه؛ لذلك يجب أن تكون هذه البيئة آمنة من كل خللٍ يمكن أن يصيب أي عنصرٍ من مكوِّناتها؛ وقد كان العلماء في العصور السابقة يحرصون على تنقية بيئتهم العلمية من كل ما يشُوبها؛ لأنَّ نِتاج هذه البيئة -وهو العلم- لا بدَّ أن يتَّسم بالصحة والبعد عن المغالطات؛ ومن أساليب تنقية البيئة العلمية في العصور السابقة:

المناظرات العلمية التي كانت تجري بين العلماء: والمناظرة كما عرَّفها الجرجاني [ت: 816هـ] هي «النظر بالبصيرة من الجانبين في النسبة بين الشيئين؛ إظهارًا للصواب»(1)؛ حيث كانت تهدف هذه المناظرات إلى إظهار الحجَّة الأقوى، وصولًا إلى الصواب، وكانت مجريات الأمور تنتهي بانتصار الحق، ونظرًا إلى أهمية هذه المناظرات فقد كانت تتم أحيانًا بإشراف السُّلطة الحاكمة، كما أنها كانت تجري دائمًا في إطار علمي ومنهجي صحيح، ومن أمثلة هذه المناظرات: مناظرة عبد العزيز الكناني [ت: 240هـ] وبشر المريسي [ت: 218هـ] التي جرت تحت إشراف الخليفة المأمون [ت: 218هـ] وانتصر فيها عبد العزيز الكناني.

المصنَّفات النقدية: وقد صنَّف العلماء قديمًا في الرد على الأخطاء العَقَدية والعلمية وغيرها؛ فبيَّنوا في كتبهم الصواب والخطأ بالحجة والبرهان، وكانوا يردُّون في كتبهم على الفِرَق الضالة والمنحرفة، كما كانوا يتعقَّبون أخطاء المؤلفات العلمية في كل مجال، فإذا وجدوا مؤلَّفًا علميًّا يشتمل على أخطاء من أي نوعٍ؛ سارعوا بتأليف الكتب والرسائل في نقده وتحليله بأسلوبٍ علميٍّ يستند إلى الأدلة والبراهين، مهما كانت المكانة العلمية للكِتاب أو لمؤلِّفه.

كتب الجرح والتعديل: وقد اهتم بهذا الجانب علماء الحديث، الذين وضعوا علم الجرح والتعديل ليتكلموا من خلاله عن رجال أسانيد الحديث ودرجة عدالتهم التي تؤهلهم للأخذ عنهم، وكان العلماء يبالغون في تحرِّي الدقة، مع أن ذلك كان يكلفهم كثيرًا من الجهد والوقت والمال.

المجالس والأمالي: كان العلماء يحرصون في مجالسهم العلمية وفي أماليهم التي يُملونها على تلاميذهم؛ على توضيح ما يشاع من أغاليط علمية حتى ينتبهوا إليها، ومن ذلك ما قاله المفضل الضبي [ت: 168هـ] حول أكاذيب حماد الراوية [ت: 156هـ]: «قد سُلِّط على الشِّعر حماد الراوية فأفسده؛ فقيل للمفضل: أيخطئ في روايته أو يلحن؟ فقال: ليته كان ذلك؛ فإن أهل العلم يردُّون من أخطأ إلى الصواب؛ وحماد رجل عالم بلغات العرب وأشعارها ومذاهب الشعراء ومعانيها، فلا يزال يقول الشعر يشبه به مذهب رجل ويُدخله في شعره، ويُحمَل ذلك عنه في الآفاق فيختلط بأشعار القدماء، ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد»(2)؛ فالمفضل الضبي يشهد لحمادٍ بعلمه، لكنه يحذِّر من مغالطاته وتدليسه.

والآن في عصرنا الحاضر مع توافر وسائل المعرفة والاطِّلاع، وتنوُّع سُبل البحث والتَّحرِّي، دون ضياع شيء من الوقت أو الجهد أو المال؛ جاءت هذه الوسائل والسُّبل بنتيجة خلاف ما يجب أن يكون؛ فقد ساهم التطور التكنولوجي في تشجيع فئات من العامة على اقتحام البيئة العلمية والتطفل عليها بحجة حرية الرأي وحق المشاركة وغير ذلك من مصطلحاتٍ وُضِعت في غير محلِّها، أو تحت باب طلب العلم وإعداد الأطروحات الأكاديمية، دون إجراء اختبارات علمية، في كثير من الجامعات، مما أدى إلى كثير من الزَّخم والفوضى العلمية.

وقد كانت البيئة العلمية قبل الانفتاح التكنولوجي الذي يشهده العالم منذ نهايات القرن الماضي؛ خالية من ذلك العبث، قائمة على تداول المادة العلمية وفْق قواعد منهجية تعتمد على الخطوات الصحيحة من تنظيرٍ واستدلالٍ وتطبيقٍ ونحو ذلك ممَّا يجري في إطار منظومة علمية راسخة، فقد كانوا يعلمون أنه ليس كل من سمع معلومة يُعَد عالمًا، فالله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]، وقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «فرُبَّ حامل فقهٍ غير فقيهٍ، ورُبَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقَهُ منه»(3)، وقال ابن جرير [ت: 310هـ] في تفسيره: «كان الملوك يَتَعاتبون بالعِلم»(4).

وليس معنى ذلك أنَّ العصور السابقة لم تشهد تطفُّل بعض العوام على المنظُومة العلمية؛ فقد وقع ذلك في القرون الأولى للإسلام، وتصدَّى لهم العلماء، ولذلك قال أبو العباس ثعلب [ت: 291هـ]: «لولا الفرَّاء [ت: 207هـ] لضاعت اللغة؛ لأنَّه حصَّلها وضبطها، بعد أن كان يدَّعيها كل من أراد، ويتكلَّم الناس على مقادير عقولهم وقرائحهم»(5).

وكم من إنسانٍ في هذا العصر الحاضر يعتقد الناس أنه عالم، وليس لديه شيء من العلم!! وأكثر ما يحدث ذلك العبث في العلوم النظرية، حتى دفع ذلك بعض العامة إلى الزعم بأن مصطلح العلم لا ينطبق إلا على العلوم التطبيقية دون النظرية؛ وهذا زعمٌ عبثيٌّ هدفه التضليل؛ فكل عاقل يعلم تمام العلم أن مصطلح العلم يَصدُق على كل علمٍ؛ نظريٍّ أو تطبيقيٍّ، بل إن هذا المصطلح أُطلِق ابتداءً على العلوم النظرية؛ فإن كل علمٍ لا بدَّ له من ملفوظٍ ومضمونٍ، فبداية العلوم التطبيقية شِقُّها النظري، لكن لمَّا رأى الناس كثرة المتطفلين على العلوم النظرية تحديدًا بسبب اختلاط معاييرها في ظل مَعاول الحداثة التي أصابتها؛ ظنوا أنه لو كان ينطبق عليها مصطلح العلم لَما وصلت إلى هذه الحال المتردِّية.

إن إصلاح البيئة العلمية يتطلب أمرين اثنين لا غِنى عن أحدهما: إصلاح التعليم، والتَّمسُّك بمبادئ العلم وقواعده في أي مجال؛ فأما إصلاح التعليم فإنه يؤدي إلى تخريج أجيال قادرة على التعامل مع العلم، وأما التمسك بمبادئ العلم وقواعده فإنه يساعد في معرفة العالِم الحقيقي، ويساهم في القضاء على ظاهرة التطفل العلمي.

 

الهوامش:

(1) انظر: التعريفات، الجرجاني (ص232)، تحقيق: جماعة من العلماء بإشراف الناشر، طبعة: دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى، 1403هـ- 1983م.

(2) انظر: خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، عبد القادر البغدادي (9/ 451)، تحقيق وشرح: عبد السلام محمد هارون، طبعة: مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الرابعة، 1418هـ- 1997م.

(3) أخرجه ابن ماجه في سننه (1/ 84/ رقم 230)، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي، طبعة: دار إحياء الكتب العربية- فيصل عيسى البابي الحلبي، د.ط، د.ت.

(4) انظر: جامع البيان في تأويل القرآن، ابن جرير الطبري (19/ 463)، تحقيق: أحمد محمد شاكر، طبعة: مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1420هـ- 2000م.

(5) انظر: تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي (16/ 224)، تحقيق: بشار عواد معروف، طبعة: دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1422هـ- 2002م.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

حسن الحضري

عضو اتحاد كتاب مصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى