الشرق بمنظار الغرب: كتابـات الرّحّالـة الأوروبـيين أنموذجًاالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2015-08-23 18:22:59

أ.د. عبد القـادر شـريف بـموسى

أستـاذ التعليم العالي بقسـم اللـغة العـربية وآدابـها كلية الآداب واللغات - جامعـة تلمسـان- الجــزائــر

كان الشّرق مصدر إشعاع حضاري منذ القديم، فقد بزغت على أرضه وبين شعوبه أهـمّ الحضارات القديمة (الفرعونية والبابلية وحضارات بلاد الرافدين). ولعلّ من أهمّ هذه الحضارات الّتي أضاءت بنورها العالم بما فيه الغرب نفسه، الحضارة العربية الإسلامية، إذ كان لها فضل كبير على تقدّم الغرب وتطوّره، حيث أخرجته من ظلام الجهل والهمجية الّذي كان يعيش فيهما إلى نور العلم والمدنية.

 

ويُعدُّ احتكاك الأوروبيين بالحضارة الإسلامية في كلٍّ من إسبانيا وصقلية وجنوب إيطاليا من الدّلائل القاطعة الّتي تبرهن على مدى تأثير المسلمين في أوروبا ومدى فضلهم على تقدُّمها. لكن، وبدلاً من أن يردّ الغرب الجميل للشرق ولحضارته، ناصبه العداء، بل وأطلق عليه اسم "البرابرة ". إنّ أوّل ما يقوم به قومٌ حين يسكنون أرضًا جديدة، إنّهم يقومون برسم حدود بين أرضهم والجوار المباشر، وبين المناطق الّتي تقع وراء ذلك والّتي يُسمّونها منذ ذلك الحين "أرض البرابرة "1؛ وهذا ما قام به الغرب عند احتكاكه بالشّرق (ممثّلاً في الحضارة العربية الإسلامية)، إذ رسم حدودًا بينهما، فأطلق لفظة "غرب" على أراضيه والمناطق المجاورة لها، وفي الوقت ذاته أطلق لفظة "شرق" على كلّ المناطق الّتي تقع وراء ذلك. فالشّرق من ابتداع الغرب، بل يكوِّن ثُنائيًّا معه، فهو عكسه ونقيضه وهو في الوقت نفسه تجسيدٌ لمخاوف الغرب وإحساسه بالتّفوّق.

إنّ من الطبيعة البشرية أنّ الشيء المجهول والغامض يثير مخاوفها ويفزعها، فهي إمّا أن تستسلم له وتذعن، وهذا ما حدث مع الإنسان القديم حينما لم يستطع إدراك حوادث الطبيعة ومعرفة كُنـهِها، فكانت البراكين والزلازل والصّواعق... تثير مخاوفه ورعبه ممّا دفعه إلى أن يُـؤلِّه هذا المجهول ويُذعن له؛ فجعل للزلازل إلها وللفيضانات إلها آخر يتقرّب إليها بالقرابين والصّلوات.

أمّا الطريقة الأخرى للنّفس البشرية الّتي تسلكها تُجاه هذا الشيء المجهول، فهي أن تناصبه العداء، بل وقد تحاول مهاجمته إن قدرت على ذلك، حتّى تحمي نفسها منه وتحسّ بالأمان والطمأنينة؛ وهذا ما حدث مع شعوب أوروبا حين احتكّت بالشّرق وخصوصًا بعد أن أحسّت بتهديده لها من خلال فتوحات المسلمين لإسبانيا وصقلية وجنوب إيطاليا.

ومنذ هذه اللّحظة، أصبح الغرب «يرى في الشّرق مكاناً خطِرًا يتنامى فيه الإسلام وتتكاثر الأجناس الشريرة، وأمّا المسلمون فهم سُودٌ ذَوُو هيئات بشعة. وقد أدّت هذه البغضاء إلى إنشاء عداوة للإسلام أتاحت حماية عقول المسيحيين من الارتداد عن دينهم وحقنت المسيحية بشعورٍ من الاحترام للذات من خلال تعاملها مع مدنية أرقى منها في أَوْجُهٍ كثيرة » 2. فحينما أحسّ الغرب بتفوّق الحضارة العربية الإسلامية عليه في كلّ المجالات، بما فيها التعاليم الدينية والقيَم الأخلاقية الّتي جاء بها الإسلام، أصابه خوف شديد على دينه المسيحي من أن يَرتدَّ عنه كلّ من يتّصل بالشّرق (الحضارة الإسلامية)؛ ممَّا دفعه إلى ابتداع صورة أخرى للشّرق مخالفة لِما هو عليه في الحقيقة. فأصبح المسلمون - في عيون أوروبا – سـودًا ذوي هيئات بشعة ومفزعة. فقد استطاع بهذا أن يكوِّن خلفية فكرية مشوَّهة للإنسان الغربي عن الشّرق، وذلك حتّى يضمن (الغرب) عدم الارتداد عن الدين المسيحي، الّذي يُعد - ولا يزال – الدّعامة الأساسية الّتي ترتكز عليها أوروبا في مواجهة العالم الإسلامي.

إنّ التعصّب الأعمى لدى أوروبا في القرون الوسطى لكلّ ما هو غربي ومسيحي، دفع بها - حينما رأت نفوذ الإسلام يزداد وحضارته تنتشر في ربوعها على الرّغم منها - إلى أن تجهر بالعداوة والبغضاء للحضارة الإسلامية من أجل الحدّ من انتشارها؛ بل وأصبحت ترى في الدولة الإسلامية خصمها اللّدود. «ومن هنا أصبح يُنظر للإسلام على أنّه إلغاءٌ للمسيحية، وأنّ رسوله محمدًا هو عدوٌّ للمسيح، وكان الغرب يرى في العالم الإسلامي عالمًا مضادًّا لأوروبا، وبذلك أصبح موضع الشّكّ والرّيبة»3.

ولعلّ من أهمّ مظاهر هذا العداء والتعصّب، الحروب الصّليبية على العالم الإسلامي، والّتي دامت أكثر من قرنين حيث تجلّت فيها روح الحقد والكره للمسلمين وللإسلام بشكل سافر. وحتّى بعد ذلك بقرون عديدة، لم تستطع أوروبا التّخلّص من هذا العداء والحقد الدفينين اللّذين تُكِنُّهما للشّرق والعالم الإسلامي على الخصوص؛ «ولهذا كان من السّهولة بمكان أن تتحوّل رغبتها القديمة في الوقوف في وجه خصمها الإسلامي إلى تصميمٍ على السّيطرة، هذا التّصميم الّذي كان الأساس النفسي للإمبرياليين منذ نابليون» 4 أثناء حملته على مصر سنة 1798م.

لقد أدّت الحملات الصليبية إلى تواتر الأخبار عن الشّرق وارتسام عددٍ من التّصوّرات المبالَغ فيها والمنسجمة مع المعطيات الثقافية المحلّية. ولعلّ من النتائج المباشرة لذلك، ظهور عدد من القصص الّتي عُرفت بـ"الرومانس"، إضافة إلى أعمال شعرية ملحمية يمكن وصفها إرهاصات لاستشراق أدبي سيستمر حتّى القرن العشرين. وقد انقسمت تلك الأعمال- المتولّدة عن الاحتكاك بالشّرق العربي الإسلامي-  إلى قسمين رئيسين: هما الأعمال القائمة على الغرائبية أو الفانتازية (Le Fantastique) الّتي تصوِّر الشّرق بصور يغلب عليها عنصر الإثارة والتّشويق غير الواقعي؛ والأعمال الّتي تعكس الرّوح القتالية أو التعبوية، كما في الملاحم. ولعلّ أشهر هذه الملاحم المعروفة عند الغربيين الّتي تعود إلى بداية القرن الثاني عشر الميلادي "أنشودة رولاند - La Chanson De Roland" والّتي تصوِّر مشاهد من الصراع الإسلامي- المسيحي في إسبانيا مبرزة المسلمين بوصفهم أعداءً وثنيين يعبدون ثلاثة آلهة منهم الرسول محمد عليه الصلاة والسلام الذي وصلهم أنّ اسمه " ماهون "5.

فهناك رؤية ما تكوّنت في أوروبا تجاه الشّرق. وقد وضعت الصّورة الأساسية لتلك الرؤية في القرن الثاني عشر،- إبّان الحروب الصليبية - ثم توسّعت في القرنين الثالث عشر والرّابع عشر، لتمتدّ حتّى العصر الاستعماري. هذه الرّؤية تنطلق من عداءٍ واسعٍ للرّسول محمّد عليه الصّلاة والسّلام الّذي أوقف بنبوءته الكاذبة - كما يزعمون - تطوّر الإنسانية باتّجاه المسيحية "بطبعتها الأوروبية طبعًا"؟!. وقد تطوّرت بعد ذلك النظرة الأوروبية "الغربية" إلى الإسلام، وإلى الشّرق، فأصبحت أكثر مباشرة، حيث غدَا مفهوم الشّرق (الفارسي/التركي..) يعني حضارة مغايرة - بغضّ النظر عن القيمة التي تُعطى لها- وصارت النظرة العامّة "الشعبية"، تتراوح بين الشّرق المدهش والفنان، "شرق ألف ليلة وليلة"، وبين الشّرق المتوحش، البربري، الفظّ، العنيف. ولم تتغيّر النظرة الأوروبية إلى الإسلام، بوصفه دينًا متعصِّبًا، عدوانيًّا، بسيطًا وبدائيًّا 6.

وحتّى تستطيع أن تستعمر شعوب الشّرق دون أن تجد عراقيل من داخلها، أرسلت أوروبا الرّحّالين إلى الشّرق ليزوّدوها بمعلومات عنه وأخبار تكون ذريعة لها لاحتلاله وتزيد في الوقت نفسه من تعميق ذلك الكره والعداوة في نفوس الشعوب الغربية تجاه العالم الإسلامي بخاصّة، والشعوب الشّرقية بعامّة. وحتّى تجعل الشّرق كبش فداء، كان لا بدّ لها من أن تُلصق به صفات قبيحة وشرّيرة من أجل تبرير استعماره واضطهاده. فجاءت الرّوايات عن الشّرق لِتُركّز تركيزًا متعمَّدًا على تلك السّمات الّتي تجعل هذا الشّرق مختلفًا عن الغرب، بل وتنفيه إلى عالم (الآخر) وتخفضه إلى مرتبة (الغير) الّذي لا صلاح له7. فمن بين الصّفات القبيحة والشّريرة الّتي وُصف بها الشّرق، صفة الخمول والفسق والعنف وعدم القدرة على أن يحكم نفسه بنفسه. كلّ هذه الصفات جعلت للغرب الإمبريالي مبرّرات تسمح له بالتّدخل فيه والتّحكم به، إذ تجعله يظهر وكأنّه منقذ الشّرق من الجهل والهمجية، وأنّه ما جاء إلى داره إلاّ ليحمل له الحضارة والمدنية.

ولعلّ من أهمّ الملاحظات الّتي تُلفت النظر بخصوص هذه الروايات الأوروبية عن ذلك الشّرق (الآخر)، مقولتان: إحداهما تتمثّل في الإلحاح على الادّعاء بأنّ الشّرق هو مكان الفسق والملذّات، والأخرى تتمثّل في أنّ هذا الشّرق هو عالم العنف المتأصّل8. وهاتان المقولتان كان لهما تأثيرهما الخطير على عقول الشعوب الأوروبية، إذ رسّختا فيها - ولا تزال إلى الآن - مفهومًا مشوَّهًا عن الإسلام والمسلمين. فالمقولة الأولى تحاول إفهامهم (الغربيين) بأنّ الدين الإسلامي ليس دينًا سماويًا منزّلاً من عند الله مثل الدين المسيحي، لأنّه يدعو إلى الفسق ويشجّع على طلب الملذّات، وهذا ما يخالف كلّ ما جاءت به الديانات السماوية؛ بينما تحاول المقولة الثانية - الّتي تركّز عليها هذه الروايات - أن تُنشئ في الذهنية الغربية صورةً مشوَّهة عن الشّرق، والعالم الإسلامي على وجه الخصوص. فهي تُظهر الإسلام على أنّه يدعو للعنف، وأنّ المسلمين ما هم في الحقيقة إلاّ همجيون وبرابرة يبحثون عن دماء البشر في كلّ مكان، ولا يتلذّذون إلاّ بسفك الدّماء، فهم أصل العنف ومصدره. فالإسلام دين عنف على خلاف الديانة المسيحية الّتي تدعو إلى السّلام والمحبّة، وبهذا فإنّه ليس دينًا سماويًا ولا ينبغي أن يدخل فيه النّاس؛ بل من المفروض أن يُحارب حتّى يُقضى على العنف المتأصّل فيه وعلى الفسق المنتشر فيه، ويُستبدَل بتعاليم المسيحية السّمحاء المسالمة وقيمها الأخلاقية الطاهرة. وفي سبيل القضاء على ذلك لا بُدّ من استعمال بعض العنف من الغرب تجاه الشّرق حتّى تنعَم البشرية بالأمان والسّلام، وتنتشر بين ظهرانيها سمات المحبة والفضيلة.

ولقد كان لهاتين المقولتين تأثيرهما الخطير ليس على عقول العامّة من الغربيين وحسب، وإنّما تعدّى خطرهما إلى الجيل الثاني والثالث من الرّحّالة الأوروبيين والمستشرقين إبّان العصر الرّومانسي ومابعده؛ هؤلاء لم يستطيعوا الفكاك من الخلفية المشوّهة (بكسر الواو وفتحها معًا) للشّرق الّتي زرعها الرّحالة الأوائل. فلا أحد يستطيع أن ينكر بأنّ الشّرق قد احتلّ مكانة أسطورية في جماليات العصر الرومانسي، كما كان خلفية شائعة تنطلق منها الروايات القوطية، أمّا حريم الشّرق أو نساء السّلطان وجواريه في الشّرق، فقد صُوِّرت في شكل غريب ومثير بقصد تسلية الجمهور الغربي. وقد تجسّد هذا الأسلوب في لوحة (أوجان دي لاكـروا 1798 - 1863 - Eugène Delacroix) " موت ساردانا بالو " 1827 - 1828(La  Mort de Sardanapale) الّتي استوحاها من قصيدة لبيرون تحمل الاسم نفسه. وقد صُدم المجتمع الأوروبي الّذي كان موجودًا في الشّرق من جرّاء ما قرأ عن العنف والخسّة والبذاءة، الّتي وضعت الشّرق في هذا السّياق. وقد كان لنقاد القرن العشرين مآخذ على الاستشراق لكونه مرآة إمبريالية مشوِّهة للشرق، حيث إنّها عكسٌ للثقافة الأوروبية لا لحقيقة الشّرق9.

إنّ المقولة الأوروبية الّتي تركّز على فسق الشّرق ووَلَعه بالجنس لم تكن وليدة الرّحلات الأوروبية، بل قد «تَرافَق الشّرق دائمًا في الذهن الأوروبي بالتَّوقُّعَات الجنسية، إذ كان يَبرز في ثنايا النّصوص اللاّهوتية والأسطورية القديمة نموذج المرأة الغاوية: فهناك (ديدو Dido) في رواية "فيرجيل" تستقبل (إيناس Aeneas) في فراشها كما استقبلت كليوباترا أنطونيو في سريرها، وهناك (ميديا Medea) المتطرّفة في عواطفها وعنفها، إنّها الشّرقية، الهمجية الّتي تغوي وتصدّ في اللحظة الواحدة»10.

ولقد جاء بعد ذلك الرّحّالة الأوروبيون ليركّزوا على أسطورة "الشّرق الجنسي". ويُعدّ (ريتشارد بورتون Richard Burton) واحدًا من هؤلاء، فقد كان «الشّرق في نظره: مجالاً محرّمًا، حيث النساء جوارٍ يمنحن ملذّات جنسية»11. ومن بين الرّحلات الأخرى الّتي تُعدُّ أُنموذجًا لهذا التشويه - والّتي تصوّر الشّرقي على أنّه مَثارٌ للسخرية ومدعاةٌ للتّسلية والازدراء معًا، وتصوّره ذليلاً دائمًا ومستسلمًا لمن هو أقوى منه – رحلة (كنغليك Kinglake) إذ يقول عن الشّرقي (الآسيوي) : «... يبدو أنّ الآسيوي يُكنّ شعورًا بالاحترام العميق الّذي يصل غالبًا إلى درجة العبادة، لكلّ من أساؤوا إليه بقسوة عنيفة... ولهذا كنتُ أرى كيف أنّ استسلامه وانصياع عقله كانا بلا حدود أمام فكرة القوّة »12.

لقد كان لهؤلاء الرّحّالة النصيب الأوفر في إبراز الصّورة المشوَّهة للشرقي، كما كان لهم التأثير الكبير في زرع هذه الصّورة في الذهنية الغربية. فها هو الرّحّالة (بورتون Burton) يصف أحد أبناء السّند (الهند وباكستان حاليًا) بقوله: « ...إنّه كسول ولا مبال، وقذر، ومدمن، ومعروف بجُبنه في أوقات الخطر، في حين أنّه يصبح وقحًا عندما لا يكون ثمّة ما يخشاه، وليس لديه أيّة فكرة عن الصدق» 13.

إنّ الاتّهام الخطير الّذي يوجّهه الرّحّالة الإنكليز إلى الشّرقيين يخصّ إفساد الأخلاق: «فكلّ الشّرقيين يُعدون مولعين بالنقائص والآفات الأكثر انحطاطًا. ويُعدُّ العرب أناسًا شهوانيين وفُسّاقًا حتّى داخل الأماكن المقدّسة في الإسلام، وهذا ما يُعدّ تدنيسًا للمقدّسات وانتهاكًا للحرمات. ففي حوالي سنة 1820 وَسَمَ بعض الرّحّالة العربَ بالشذوذ الجنسي...إضافة إلى أنّه حتّى الخاصية الّتي أُسندت إلى الإسلام تفضّل اللاأخلاقية: فعلى حسب الرّحّالة ليس الدين هو الّذي يربّي الإنسان»14.

فهذه الروايات عن الشّرق للرّحّالة الأوروبيين، جاءت في معظمها مشوِّهة لصورة الشعوب الشّرقية، تُصوّرها على أنّها مخلوقات همجية تُحرّكها الغريزة وتُسيّرها النّزعات الجنسية والعدوانية، وأنّها ذات بشرة داكنة ومفزعة، وهي لا تستطيع أن تصل إلى ذلك الصّفاء والنقاء اللّذين وصل إليهما العرق الأبيض (الأوروبي طبعًا)؛ بل إنّ هذه الروايات زادت في ترسيخ بربرية الإنسان الشّرقي وحيوانيته داخل المجتمعات الأوروبية من خلال التركيز على شدّة الاختلاف بينهما، ممّا يسمح لها باعتبار الشّرقي نوعًا آخر من الكائنات؛ فهو أقرب إلى الحيوان منه إلى الإنسان.

وإذا ما استثنينا بعض الرّحّالة النّزهاء الّذين حاولوا تقديم صورة نزيهة وحقيقية عن الشّرق، فإنّ معظم روايات الرّحّالة الأوروبيين أنتجت صورة بشعة للشرق، كان من شأنها أن عزّزت السلطة السياسية بمختلف بنياتها داخل المجتمعات الغربية؛ وبالشكل نفسه عملت هذه السلطات السياسية على تعزيز هذه الصّورة وترسيخها لدى العامّة من الغربيين، وحتّى لدى المثقفين والرّحّالين أنفسهم. ولعلّ ما ذهبت إليه االدكتورة "رنا قباني"، يصف وصفًا دقيقًا الحالة الّتي كانت عليها كتابات الرّحّالة الأوروبيين في تلك العصور(عصر النهضة الأوروبية) من تأثّرها بثقافة العصر المهيمنة، إذ تقول: «ولكنّ هذا لا يعني أنّ جميع الرّحّالة الّذين تحدّثوا عن الشّرق قد أساؤوا تصويره، وإنّما يعني أنّ سوء التّصوير هو الّذي طغى، وهو الّذي أسر خيال عامّة النّاس في الغرب. إنّ قصص الرّحلات كانت على كلّ حال جزءًا من الاستشراق الّذي حرّض على قيام الإمبراطورية»15. ثمّ تضيف بأنّ «القوّة تحتاج دائمًا إلى المعرفة. ومن هنا تأطّرت الثقافة الأوروبية ضمن صورة مشوّهة عن الشّرق باعتبار أنّ الذوق المهيمن وغريزة الأسطورة كانت لهما الغلبة في نهاية المطاف»16.

فلابدّ للاستعمار الأوروبي الإمبريالي - قبل أن يقوم باحتلال الشّرق - أن يكون مزوّدًا بكلّ المعلومات عن هذا الشّرق في مختلف ميادين الحياة، بدءًا بطريقة أكل شعوبه ولَهوها وكيفية عيشها، ووصولاً إلى طريقة الحكم عنده وأخبار حكّامه وخلافاتهم وحروبهم وإسرافهم وملذّاتهم.

وهذه المعلومات مهمّة جدًّا للقادة الأوروبيين، حتّى يكونوا على علم ودراية بكلّ ما يجري فوق الأرض الّتي ستطؤها أقدامهم. وكي تصل إليهم هذه المعلومات كان لا بدّ من بعث رحّالة من بني جنسهم إلى هذه الأقطار البعيدة والشاسعة، حتّى يزوّدونهم بكلّ ما يحتاجونه عن الشّرق الغامض والمُبهَم.

وكي ينال هؤلاء الرّحّالة استحسان دولهم الّتي أمدّتهم بالمال، وسهّلت لهم مهمَّتهم، كان لابدّ لكتاباتهم أن تتضمّن تلك الصور المشوّهة للشرق والّتي تُبرزه همجيًّا وبدائيًّا وغريزيًّا حتّى يكون ذلك مبرّرًا لقادتهم الغربيين في احتلاله ذات يوم تحت شعار "تقديم الحضارة إلى شعب متخلّف". بل إنّهم - الرّحّالة الأوروبيين - مضطرّون إلى تأكيد هذه الصّورة المشوّهة الّتي جاء بها من قبلهم الرّحّالة الأوائل، الّتي رسخت في أذهان الشعوب الغربية حتّى أصبحت هي الذّوق المسيطِر عليهم. لأنّه إذا ما حاول بعضهم مخالفة ما أَلِفهُ النّاس عن الشّرق منذ مدّة، وأن يكون نزيهًا في كتاباته، فسيكون مصير ما ألَّفه، الإهمال والاستهجان وربّما السّجن أو الموت، متّهمين إيّاه بالعمالة للشرق. ولهذا فإنّ بعضهم كان مضطرًّا لتلفيق الأكاذيب عن الشعوب الشّرقية وطريقة حياتها، هذه الأكاذيب ما هي إلاّ نسخة طبق الأصل مع قليل من التغيير للكتابات والأساطير الّتي جاء بها الأوائل عن الشّرق. إذ من المألوف دائمًا أن يُقال بصدد الاستشراق: إنّ الغرب يعرف عن الشّرق أكثر ممّا يعرف هذا الشّرق عن نفسه، الأمر الّذي من شأنه أن يفتح مجرًى محدَّدًا سلفًا للكتابة، ممّا يؤدّي إلى تقييد المراقب الغربي بل وجعله في كثير من الحالات أسيرَ ما قرأ 17.

فإذا كان هؤلاء الرّحّالة مقيَّدين بآراء من سبقهم وبالثقافة السائدة في عصرهم، فهم - ومن ورائهم الغرب وإلى حدّ القرن الثامن عشر على الأقلّ كما بيّن ذلك بلباقة (R.W.Southern) - كانت لديهم فكرة معقّدة ومبهمة عن أحد أشكال الثقافة الشّرقية والّتي هي الثقافة الإسلامية، لأنّ مفهوم الشّرق يجتذب دائمًا على ما يبدو، تداعيات من الأفكار الّتي لم تكن محدّدة، لا من طرف ذلك الجهل المطلق عن الشّرق ولا من طرف المعلومات الأحادية المصدر الّتي كانوا يتحصّلون عليها18.

ولقد كان أحد التطوّرات المهمة في استشراق القرن التّاسع عشر يتمثّل في تكرير الأفكار الجوهرية حول الشّرق، حواسّيته وميله إلى الطغيان، تخلّفه ولاعقلانيته، وعادة غياب التّنظيم والدّقة لديه، وترسيخ هذه الأفكار إلى الحدّ الّذي صار معه استخدام كاتب للفظة "شـرقي" إشعارًا كافيًا يحدّد للقارىء الغربي هويّة جسد معيّن من المعلومات حول الشّرق. هذه المعلومات جاءت من خلال المضامين الّتي كانت تتوارى في ثنايا كتب الرّحّالة الأوروبيين والكتب الاستشراقية الغربية الّتي أُلِّفت في الآداب والعلوم، والّتي يتصوَّر فيها الشّرق على نحوٍ خيالي خرافي، يُظهره بأنّه متخلّف، ميّالٌ إلى الطّغيان، ذو عقلية منحرفة، وعرق دوني، وإنّه غير جدير بالحياة الحرّة، وينبغي على الغرب أن يستحوذ عليه ويأسره ويسوده.19

 فهذه الصّورة المبهمة والغامضة للشرقي سمحت للغرب بأن يُسقط الجانب السلبي فيه ويرمي به على الشّرق، خصوصًا صفة الشّبق الجنسي والعنف المتأصّل. فها هو ذا أحد الكتّاب الغربيين (ريموند شواب Raymond Schwab) «يعتبر بأنّ كلمة شرقي كانت مرادفًا لِـ" غريب " و" غامض" وعميق ومَنَوي»20.

وما هذه المقولة من وجهة التحليل النفسي إلاّ تعبير عن نفسية الأوروبي، إذ إنّ الكثير من دوافعنا وغرائزنا الفطرية (بما فيها غريزة الجنس) - بعدما تُكبت في اللاشعور ولا يُسمح لها بالظهور في الوسط الاجتماعي – تتّخذ لها أشكالاً أخرى وطرقًا غير مباشرة، فتصبح بذلك غامضة وعميقة عن شعور الفرد، وخصوصًا عن الأنا الأعلى(Sur-Moi) الّذي هو الرّقيب الأخلاقي في الشخصية، وذلك حتّى تجد لها متنفَّسًا في المجتمع أو وسيلة تظهر فيها بشكل تقبله القيم الاجتماعية والخلقية. ولعلّنا لا نبتعد عن المنطق إذا ما قلنا: إنّ إطلاق صفة "منوي" أو "جنسي" على الإنسان الشّرقي الّذي هو غامض ومبهَم ما هي إلاّ عملية إسقاط (Projection) للجانب السلبي (الجنسي) في شخصية الغربي على الشّرقي؛ لأنّه - الأوروبي- لا يمكن أن يعترف بها بينه وبين نفسه. فهذه الدوافع الجنسية غامضة في شخصيته غموض الشّرقي وغريبة وعميقة في الوقت نفسه غرابة ذلك الشرقي وعمقه كذلك، ممّا يجعل الغربي يحسّ بالدونية والنقص إذا ما اعترف بهذه الميول الجنسية؛ وهذا ما يجعله يُسقط ويرمي بهذه الصّفات - الّتي تَحُطُّ من شأنه - على الآخر (الشّرقي).

فالكبت الجنسي الّذي كان يعاني منه الغربي جعله يصف الإنسان الشّرقي بالشّبق الجنسي، وذلك حتّى يجد له تفريغًا ومتنفّسًا عمّا يَكبته ويرغب فيه. ولعلّ أصدق دليل على ذلك ما كان يمارسه الرّحّالة الأوروبيون من مُتع جنسية في الشّرق حينما يجدون الفرصة للتعبير عن هذا الكبت - الّذي يعانون منه - خارج مجتمعهم وأهلهم. ومن بين هؤلاء الرّحّالة (بورتون Burton) إذ «كانت الحرية الجنسية واحدة من حريات تطّلع إليها: ففي الهند مارس (بورتون) أوّل اتّصال جنسي كامل له، وكما فعل أكثر أقرانه، بحث عن خدمات امرأة محليّة تُلبّي له... احتياجاته المادية دون أن يلتزم حيالها بأيّ رباط أدبي أو عاطفي، وبذلك تكون هي مدبّرة منزله وهي متنفّسه الجنسي جميعًا»21.

ولا يمكن لنا أن نمرّ على الرّحّالة (بورتون Burton) دون أن نستشهد ببعض ما كتبه هو بنفسه عن الحضارة العربية الإسلامية وخصوصًا فن العمارة الإسلامية المرتبطة بالمسجد، حيث يحاول في الفصل السادس – تحت عنوان المسجد -  من كتابه "رحلة بورتون إلى مصر والحجاز – الجزء الأول" إرجاع كلّ عناصر العمارة الإسلامية إلى حضارات سابقة أو معاصرة ونفي أيّ خصوصية للعمارة الإسلامية، إذ يقول في هذا المعنى: "فالنزعة التوفيقية Syncretism للمعماريين - والتي هي نتاجٌ للصدفة والاندفاع، والغلوّ واللاّمبالاة – لاقت أعينًا جاهلة غاية الجهل، بحيث لا يجرحها أن تقع على كلّ مخلط هجين يعوزه التناسق. لقد قام هؤلاء المعماريون بتخليد العناصر المعمارية المتنافرة فيما يُسمّى بالنّمط العربي أو الإسلامي Saracenic Style مع أنّ جميع عناصر هذا النمط مُنتحَلة من الأنماط المعمارية البيزنطية، ومكرّرة مُعادة في النمط المعماري القوطي، الذي هو فرع من النمط الإسلامي"22. ويضيف في الكتاب ذاته بالطريقة العدائية واللاّموضوعية نفسها متحدّثًا عن فن عمارة المسجد قائلاً: "وأعتقد أنّه لا جديد في المسجد العربي (الإسلامي) فهو مجرّد إحياءٍ غير واعٍ للأشكال المعمارية الّتي استُخدمت منذ عصور ممعنة في القدم"23.

يحمل هذا النوع من الكتابات جانبًا دلاليًّا خطيرًا، فهو يُحيل بطريقة مباشرة وسافرة إلى أنّ فن العمارة الإسلامي عبارة عن سرقات مبتدئة من أنماط العمارة البيزنطية وعمارات حضارات سابقة. بل ويحاول أن يُزيل كلّ خصوصية وقدسية أهم عنصر في الحضارة العربية الإسلامية، ألا وهو المسجد، وذلك بربط عمارته بعمارات حضارات سابقة، ممّا يُحيل بطريقة خطيرة في أذهان الغربيين إلى أنّ الدين الإسلامي ليس دينًا سماويًّا جديدًا ولكنه دين مُنتحل من ديانات سابقة مثله مثل عمارته.

وأذهب كذلك إلى ما ذهب إليه مترجم هذا الكتاب لِـ (بورتون Burton)، الدكتور عبد الرحمن عبد الله الشيخ في تعليقه، فَـ(بورتون Burton) يشير في قوله هذا إلى أنّ هذا الاقتباس المباشر من الأنماط المعمارية البيزنطية واضح تمامًا في مساجد القاهرة القديمة. ولا نُنكر تأثير الحضارات بعضها في بعض الآخر، لكن إنكار خصوصية كلّ حضارة فيه تجاوز كبير وخطير. فهل أخذ المسلمون من الحضارة البيزنطية فكرة "مكان الوضوء" الّذي لا يخلو منه مسجد؟ بالطبع لا، لأنّ الوضوء خاصية إسلامية. كما أنّ فكرة الأروقة الأربعة في المسجد فرضها وجود مذاهب إسلامية أربعة، ولو كانت خمسة لكانت الأروقة خمسة. إذن ما دخل الحضارة البيزنطية بعدد المذاهب الإسلامية؟؟ 24.

وأُنهي استشهادي بأقوال (بورتون Burton) وما كتبه في رحلته عن شهر رمضان وتأثيره السلبي على المسلمين لما في هذه الكتابات من خطورة كبيرة في تشويه صورة المسلمين وصورة شهر الصيام في أذهان الغربيين. فقد كتب يقول: "فأصوات المسلمين الصائمين الّتي لم تكن أبدًا – قبل رمضان – من بين أرقّ الأصوات، قد اكتسبت – خاصّة في وقت ما بعد الظهيرة - بُحَّة مفزعة ونغمة كنغمة صرير الباب. فالرجال يلعن بعضهم بعضًا، ويضربون النساء. أمّا النّسوة فيلطِمن الأطفال ويُسئْنَ معاملتهم. أمّا الأطفال فهم بدورهم يتضرّعون ويعاملون القطط والكلاب بقسوة... والمساجد غاصّة بالناس العابسين المتذمّرين، يتربّص كلّ منهم بالآخر، مع أنّهم يسيرون في طريق يرضوْن الله به "25.

يجعل بورتون من شهر رمضان المقدّس عند المسلمين، شهر العداء والتّلاعن والضرب واللّطم والتّربّص بالآخر. بل ويُعمّم ذلك على كلّ المسلمين دون استثناء. فالرجال يلعن بعضهم بعضًا ويضربون نساءهم والنساء يلطمن أطفالهم والأولاد يقسون على القطط والكلاب. بل تصبح المساجد مكان العداء والتّربّص بالآخر للانقضاض عليه. هذا ما يحاول هذا الرّحالة زرعه في أذهان مواطنيه الغربيين عن المسلمين وعن إسلامهم ومكان عبادتهم. فتعميمه لم يستثنِ الأطفال الّذين ينقضّون بقسوة على القطط والكلاب. هذه المبالغة الكبيرة والتعميم المضلّ لا يمكن لنا أن نجد لهما تفسيرًا مقنعًا إلاّ من خلال ربطهما بالنظرة الاستعمارية للشرق من طرف الحكومات الغربية التي موّلت رحلات أمثال (بورتون Burton) كي يقدّموا لها صورًا مشوّهة عن الشرق المسلم تُبرّر أمام شعوبها حتمية الاعتداء عليه واستعماره تحت غطاء درء خطره المتنامي وتقديم حضارة لشعب همجي ومتخلّف.

وقد وقفت بعض الشيء عند الرّحّالة (بورتون Burton) لأنّ كتاباته المضلّلة عن الشرق المسلم ودينه الإسلامي بقي أثرها الخطير والمؤثّر في أذهان الغربيين (دولاً وحكومات وشعوبًا) في أثناء تعاملهم معنا إلى غاية اليوم ونحن في الألفية الثالثة.

كما يجب أن ننتبه إلى أنّ المفكّرين الغربيين - حتّى هم كذلك - لم يروا من الشّرق إلاّ ما أراد هذا الشّرق أن يبديه لهم، أو بالأحرى ما أرادهم أن يبحثوا عنه فيه، بعملية اصطفائية "غير علمية ولا موضوعية". وفي الحالين أنشأ هؤلاء صورة للشرق إنشاءً يعتمد على ما ترسّب في الذاكرة الجمعية الغربية من مقولات، وعلى ما صنعه الخيال الشعبي من تصوّرات، شكّلت الفضاء لمجمل الأفكار الغربية، وشكّلت من ثم أداة ضغط لم يستطع المفكّرون الغربيون الفكاك من إسارها، أو التّحرّر من ربقتها. وهكذا كان هؤلاء يرون ما أسقطه اللاّوعي عندهم، أكثر مما يرون بأعينهم ومنطقهم العقلي، فيقومون بعملية انتقائية فجّة لما جاؤوا يبحثون عنه. فالشّرق عند بعضهم موطن الحكمة، وبلاد شهرزاد وشهريار، والسندباد، وشعبه مجموعة من الشعراء والحكماء والفلاسفة. بينما كان عند آخرين بلاد التّخلّف، والجمود، والسّكون، وشعبه مجموعة من الكسالى، والمتعصّبين، المحبّين للعنف والمتعطّشين للدّماء. وفي الحالين- وكما يبدو واضحًا- فإنّ الشّرق عبارة عن عناصر مشتّتة، منمَّطة، لا رابط بينها، تمثّل لحظات معزولة من سياقها الموضوعي، لخدمة الأفكار المسبقة الّتي تتحكّم بهؤلاء الباحثين وبأبحاثهم26.

ومن هنا نستطيع القول إنّ الشّرق قد حقّق كلَّ الاحتياجات الّتي أرادها الغرب منه، سواء الاحتياجات النّفسية منها أو الدينية أو الاجتماعية. فكلمة " شرق "  تُثير فورًا تداعيات كثيرة في ذهنية الأوروبي مثل: الشّرقي المسلم، المحتال، ألف ليلة وليلة، الصّحراء، الرقص، الحروب الصليبية، الإنجيل، الجواري، الحريم ...إلخ.

ومع هذا كلّه، فمن الإنصاف أن نذكر بأنّه قد ظهر من الأوروبيين مَن اعترف بعظمة الشّرق؛ «فبعد دراسته للّغة العربية، اعترف"هيردر (Herder "(1803 - 1744 بعظمة اللغات السّامية وأهمّها العربية والعبرية والآرامية والحبشية. واطَّلع على أمثلة قليلة من الشعر العربي، فظهر له أنّ الشعر أجمل تعبير عن ثقافة شعب من الشعوب»27. لكنّ الملاحظة الّتي يمكن أن نضيفها هنا، وهي أنّه مع هذا الاعتراف الموضوعي والنّزيه إلاّ أنّ هذا القول مع غيره من الأقوال، جاء ليرسم صورة أخرى عن الشّرقي، وإن كانت في الحقيقة صحيحة فهي من خلال التأويلات المتعمّدة من بعض الغربيين، أخذت منحىً آخر من التشويه: فهي صورة الشّرقي الّذي يعشق الشعر وينشده بل ويجعله ترجمان أحاسيسه الدفينة وعواطفه الجياشة مثل عاطفة الحب. فأشعار العرب على وجه الخصوص مليئة بالغزل والحب. لكنّ بعض التأويلات المتعمّدة من الغرب جعلت الشعر العربي محصورًا فقط في الحبّ والغزل والمجون وطلب اللذّة لتصل إلى أنّ الشّرقي جنسي حتّى في شعره يبحث عن اللّذات الحسّية.

ولا يمكننا أن نختم هذه الدّراسة دون التّعرّض إلى أحد أهمّ المفكّرين الغربيين المعاصرين الّذين اعترفوا بعظمة الشّرق، وفضحوا خرافات بلدانهم وأساطيرها الخاصّة بمدنية الغرب وحضارته ودونية الشعوب الشّرقية. هذا المفكر الغربي هو "روجيه غارودي "؛ فهو يعيب على بلاده النظرة الأحادية الّتي بها تحكم على الحضارات الأخرى، فتَسمُها بالتخلُّف والبدائية، لأنّها لم تُساير طريقتها وتَتَّبع منهجها، فيقول: «إنّ الغرب ينصِّب نفسه قاضيًا على جميع الحضارات الأخرى- لأنّه يعتبر أنّ المسار الّذي يتبعه مثالي، وأنّه المسار الوحيد الممكن- ويحكم ومن ثم على شعب وحضارة وعلم أو تقنية بأنّها بدائية أو نامية أو متخلّفة، وفقًا لنقطة وجودها على هذا المسار، أي وفقًا لكثرة أو قلّة تشابهها معها»28. بل إنّ هذا المفكر الشجاع لَيسخر من المؤرخين الغربيين حينما يطلقون لفظة "الغزوات البربرية" على غزوات البرابرة لروما وسقوطها في أيديهم عام  476م وعلى غزوات أخرى، بينما يبدّلون هذه التسمية - وهذا ما يثير عجبه وسخطه - عندما تكون الغزوات من صنع الأوروبيين، فيصبح اسمها " الاكتشافات الكبرى "29.

ولعلّ هذا أكبر دليل يقدّمه شاهد، على همجية الغرب وأحادية تفكيره وتلاعبه بالمعلومات والأحداث التاريخية، الّتي تظهره على أنّه حاملُ الحضارة ومكتشف القارات، بينما من جهة أخرى، تُظهر الآخر (الشّرقي) همجيًّا بدائيًّا ومتخلّفًا. لكنّ هذا المفكّر يحاول أن يُزيل بعض ما لُفِّق لصورة الشّرقي والحضارة الشّرقية - وخاصة الحضارة الإسلامية - من صفات لا تَمُتُّ إليها بصلة الّتي ما تزال راسخة في أذهان الكثير من الغربيين. فقد اعترف صراحة بعظمة الحضارة العربية الإسلامية وبمدى تأثيرها على مدنية الغرب إذ يقول في ذلك: «إنّ الحضارة العربية الإسلامية لقّحت الماضي وهيّأت المستقبل طوال ألف سنة. ونقلت إلى أوروبا - عبر إسبانيا وصقيلية - ثقافة حملت مسؤوليتها ألف عام، ومارست تأثيرها على الغرب، بترجمة الآثار الإسلامية إلى اللاتينية... إنّ هذه الآثار الآتية من إسبانيا وصقيلية رسمت منعطفًا في رؤية الغرب للعالم»30.

ومع أنّه قد ظهرت نزعة غربية تحاول فهم الشّرق من جديد فهْما مبنيًّا على الدراسة الموضوعية لثقافته وحضارته فإنّنا يجب ألاّ ننسى بأنّ غالبية روايات الرّحلات الأوروبية عن الشّرق شَابَها التّحامل وداخَلَها الافتراض. فلا يُنْكَر بأنّ هذه الروايات أدّت بشكل أو بآخر إلى توسيع معرفة الغرب للعالم؛ إلاّ أنّ هذه المعرفة كانت مشوَّهة خدمت إلى حدّ بعيد الاستعمار ورؤيته الإمبريالية والتسلّطية. وللأسف لا يزال بعض هذا التشويه موجودًا بيننا حتّى اليوم بالرّغم من زوال الاستعمار منذ مدّة. ولعلّ أصدق ما يدلّ على بقاء هذه الخلفية الذهنية المشوّهة عن الشّرق لدى الغربيين هو ما يحدث الآن ونحن في القرن الواحد والعشرين، حيث ما يزال الشّرق- والإسلام على وجه الخصوص- يُوسـم بالعنيف والشهواني، بل ظهرت صفة أخرى ألصقـها هؤلاء بالإسلام والمسلمين والّذين هم منها بَراء، هذه الصفة هي الإرهاب. فإذا كان العداء للإسلام جزءًا لا يتجزَّأ من البنية العقلية للشعوب الغربية والرّحّالة الغربيين في القرون الماضية، فإنّه لا يزال كذلك - ونحن داخلون على الألفية الثالثة - ضمن البنية العقلية للإنسان الغربي واللاشعور الجمعي(Incocscient Collectif) الآن. ولا أَدَلّ على ذلك ما يحدث الآن في البلدان الإسلامية وما يلاقيه المسلمون في العالم من حصار واستئصال تحت غطاء القضاء على الإرهاب الدولي الّذي يمثّله هؤلاء.

 

 

 

   المـراجـع المعتـمدة في الـدراسـة:

 

1  -  ينظر:  Edward Said : L'Orientalisme : l’Orient crée par l’Occident - Traduit par : Catherine Malamoud – Editions du Seuil – Paris – 1980 – p 70.

2  - رنا قباني- أساطير أوروبا عن الشّرق: لَفّقْ تَسُدْ- ترجمة: د. صباح قباني- دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر - دمشق- الطبعة الأولى- سنة 1988 - ص 36.

3  - المرجع نفسه – ص 19.

4  - المرجع نفسه – ص 19.

5  - ينظر : د. ميجان الرويلي و د. سعد البازعي- دليل الناقد الأدبي – المركز الثقافي العربي- الدار البيضاء (المغرب) وبيروت ( لبنان) - الطبعة الثانية - 2000 - ص30.

6 -  ينظر : محمد راتب الحلاق - نحن والآخر: دراسة في بعض الثنائيات المتداولة في الفكر العربي الحديث والمعاصر الشّرق/الغرب* التراث/الهوية * الممكن/الواقع- منشورات اتحاد الكتاب العرب - دمشق -1997- ص15.

7  - ينظر : رنا قباني- أساطير أوروبا عن الشّرق – مرجع سابق - ص 19 و 20.

8  - ينظر : المرجع نفسه – ص 19 و 20.

* - لوحة أوجان دي لاكروا - Delacroix " موت ساردانا بالو- La  Mort de Sardanapale  " الّتي رُسمت ما   بين سنتي 1827م و1828م وهي لوحة زيتية على قماش بطول 395 سم وعرض 495 سم، توجد الآن في متحف اللوفر بباريس (Musée du Louvre, Paris).

9- ينظر: دونكان هيث، جودي بورهام - الرومانسية - ترجمة: عصام حجازي- مراجعة وإشراف وتقديـم: إمـام عبد الفتاح إمام - المجلس الأعلى للثقافة - القاهرة - الطبعة الأولى 2002 - ص161.

10 - رنا قباني- أساطير أوروبا عن الشّرق – مرجع سابق – ص 46.

11 - المرجع نفسه – ص 22.

12 - المرجع نفسه – ص 25.

13 - المرجع نفسه – ص 25.

14 - Joelle Redouane – L’Orient arabe vu par les voyageurs anglais – Office des Publications

 Universitaires ( O.P.U ) – Alger – 1988 – p 139.

15 - ينظر : رنا قباني - أساطير أوروبا عن الشّرق – مرجع سابق- ص 26.

16 - المرجع نفسه – ص 27.

17 - ينظر :  المرجع نفسه – ص 27.

18 - ينظر : L'Orientalisme – Edward Saïd - مرجع سابق - ص72.

19 - ينظر: باقر بري - إضاءات على كتاب الاستشراق لإدوار سعيد - دار الهادي للطباعة والنشر - بيروت - الطبعة الأولى 2002 - ص61.

20 - المرجع نفسـه – ص 67-68.

** -  الإسقاط: Projection:  هو عملية هجوم لاشعورية يحمي بها الإنسان نفسه من خلال إلصاق عيوبه وأخطائه ونقائصه ورغباته المحرّمة أو المستهجنة بالآخرين. ويمكن اعتبار ذلك عبارة عن لوم للآخرين على ما فشل هو فيه، بسبب ما يضعونه أمامه من عقبات وما يُوقعونه فيه من زلاّت أو أخطاء. وعلى سبيل المثال إنّني أكره شخصًا ما ولكنّي أقول للآخرين هو يكرهني؛ بهذه الطريقة أتخفّف من إثمي. وبالمعنى التحليلي النفسي المحض، يدلّ الإسقاط على العملية الّتي ينبذ فيها الشخص من ذاته بعض الصّفات والمشاعر والرّغبات وحتّى بعض"الموضوعات " الّتي يتنكّر لها أو يرفضها في نفسه، كي يموضعها في الآخر، سواء أكان هذا الآخر شخصًا أم شيئًا. فالإنسان، إذا زاد ضغط الدوافع أو ضغط المُثُل على ذاته إلى درجة يشعر معها بالقلق والتوتّر، فإنّه يحاول أن يخفّف من هذا العبء النفسي الثقيل وذلك بأن ينسب هذا العبء إلى مصدرٍ في العالم الخارجي.فالفرد الّذي يخاف من نزعاته و ميوله العدوانية والجنسية، تلجأ الأنا داخل ذاته إلى التّخفيف من حدّة هذه الميول ووطأتها حين تنسبها إلى الآخرين، أي أنّ الآخرين هم الّذين يميلون إلى العدوان والجنس، وليس ذات الفرد. لمزيد من التوسع يراجع:

- جان لابلانش، ج . بونتاليس- معجم مصطلحات التّحليل النّفسي- ترجمة: مصطفى حجازي- ديوان المطبوعات الجامعية -

الجزائر- الطّبعة الاولى- 1985- ص70.

21 - ينظر : رنا قباني - أساطير أوروبا عن الشّرق – مرجع سابق - ص 84.

22- ريتشارد ف. بيرتون – رحلة بيرتون إلى مصر والحجاز – ترجمة وتعليق: د. عبد الرحمن عبد الله الشيخ – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة – د.ط – 1994 – الجزء1 – ص 85-86.

23- المرجع نفسه – ص 86.

24- يُنظر: المرجع نفسه – ص 86.

25- يُنظر: المرجع نفسه – ص 72.

26- ينظر: محمد راتب الحلاق- نحن والآخر - مرجع سابق - ص 16 -17 .

27 - ينظر: برند مـانوئيل فـايشر - الشّرق في مرآة الغرب - دار سراس للنشر (تونس) وديوان المطبوعات الجامعية  - الجزائر - سنة 1983 - ص 65.

28 - روجيه غارودي – وعود الإسلام – الدار العالمية للطباعة والنشر والتوزيع – بيروت – الطبعة الأولى 1984

    – ص 104.

29 - ينظر:  المرجع نفسه - ص 21.

30 - المرجع نفسه - ص 139.

 ٭٭٭- اللاشعور الجمعي Incocscient Collectif – هو، بالمعنى الّذي حدّده " يونغ " : ما في لاشعور الفرد، ربما يكون من أصل سلفي أي يرجع للأسلاف. وهو مجموع الصفات غير الشعورية الّتي لم يكتسبها الفرد بل هي موروثة. وهي غرائز بما هي حوافز على القيام بأفعال تقتضيها ضرورة ما، دون أن تتدخّل الواعية (الشعور) في استشارتها. فالغرائز، والنماذج البدئية « Archétypes » مجتمعة، تشكّلُ اللاشعور الجمعي الّذي لا يتكوّن من محتويات فردية خاصّة فقط، بل ومن محتويات جماعة أو أمّة أو جنس بشري معيّن ويتكوّن كذلك من محتويات عالمية ذات حدوث نظامي.

لمزيد من التفصيل، يمكن مراجعة :

- كمال الدسوقي: ذخيرة علوم النفس – الدار الدولية للنشر والتوزيع – القاهرة، الجزء الأوّل، ص 695.

وكذلك كتاب:

- كارل غوستاف يونغ :علم النفس التحليلي– ترجمة وتقديم: نهاد خياطة - دار الحوار- دمشق-  الطبعة الأولى سنة 1985 ص293.

 


عدد القراء: 10452

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

التعليقات 1

  • بواسطة Sadjia من الجزائر
    بتاريخ 2019-02-10 19:33:37

    هذا استاذي و شهادتي فيه مجروحة و من ضمن الاساتذة الذين كان لي الشرف ان اتعلم على يدهم و تحت اشرافهم ، استاذ عاشق لمهنته و يجعلك تعشق مادته و تهضمها بدون ان تشعر او تحس ، فوالله في الامتحانات اكيد اتمنى ان آخذ علامات جيدة في كل المواد لكن يوجد مواد تراجعها غصب خوف الرسوب الا مادة الاستاذ شريف بموسى فانني اتلاهف لمراجعتها و لنيل اعلى النقاط فيها حلاسعده و لاعيد له امانته (الدروس التي قدمها لنا ) و لابين له ان تعبه لم يذهب سدى ، مهما قلت فيك استاذي ساكون مقصرة لذى شكرا لك على مجهودك و جزاك الله خيرا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-