تمرينات على كتابة الروايةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2021-05-28 14:34:35

السمّاح عبد الله

مدير بيت الشعر المصري

في أول نوفمبر من عام 1929، صدر العدد الأول من مجلة "المجلة الجديدة"، كان "نجيب محفوظ" في السابعة عشرة من عمره، اشترى نسخة من المجلة وقرأها من غلافها لغلافها، أعجبته المجلة، وافتتن بكتابات "طه حسين" و"أحمد الصاوي محمد" و"سلامة موسى" و"أحمد زكي أبو شادي"، ولكي يضمن قراءتها مطلع كل شهر، قرر أن يشترك فيها.

كان اشتراك "نجيب محفوظ" هو أول اشتراك يصل المجلة، لذا فبعد أيام قليلة تلقى رسالة من صاحب المجلة ومحررها "سلامة موسى" يقول له فيها:

(إنني أعتبرك من أصدقاء المجلة).

"نجيب محفوظ" كان فيه بعض الطموح، ولم يرضه أن يكون من أصدقاء المجلة، كان يريد أن يكون واحدًا من الذي يكتوبون فيها، مثله مثل "طه حسين"، وبالرغم من أنه كان قتها في السابعة عشرة من عمره، ومازال طالبًا في المرحلة الثانوية، إلا أنه بدأ يرسل إلى المجلة مقالاته في العلوم الاجتماعية وقصصه القصيرة، "سلامة موسى" عندما تسلم هذه المقالات وتلك القصص، وقرأها، تيقن من أن كاتبها كبير السن، فهذه النظرة العميقة للأمور الفلسفية التي تبدو واضحة للعيان، وتلك الحصيلة اللغوية التي تخطف الألباب في قصصه، كل ذلك وغيره، لا يتأتى إلا لأصحاب التجارب الكبيرة في الكتابة، لذا فبمجرد أن تسلم المقالات والقصص، قرر نشرها تباعًا.

"نجيب محفوظ" لما رأى اسمه يجاور أسماء الكتاب الكبار، تيقن من طريقه، وعرف خطاه، وقرر أن خطاه لا بد وأن تبتديء من مكتب مجلة (المجلة الجديدة)، فقرر زيارة صاحب المجلة ومحررها، صاحب المجلة ورئيس تحريرها، لم يكن يخطر بباله قط أن كاتب المقالات والقصص طالب ثانوي نحيل، ولما جلس إليه، وناقشه، عرف أنه أمام موهبة من نوع فريد، فتبناه، وحدد له موعدًا أسبوعيًا يتقابلان فيه في المجلة، كان "سلامة موسى" في الثانية والأربعين من عمره، وكان محملاً بقدر كبير جدًا من أحلام التغيير والعدالة الاجتماعية، وكانت لديه بعض الأفكار الجديدة على مجتمع محافظ كالمجتمع المصري، وكان مشغولاً جدًا بطرح أفكار عن أهمية التصنيع، وعن منح المرأة حقوقها المسلوبة، أما اهتمامه الأكبر، وشاغله الأكثر أهمية، فهو العلم.

في أحد هذه الجلسات، أسر له "نجيب محفوظ" بأنه يحلم بكتابة رواية.

اندهش "سلامة موسى" من هذه الفكرة الجريئة، وقال له بحسب:

لا.

سأله "نجيب محفوظ":

ولم؟.

قال له مقررًا:

الكاتب الروائي في مجتمعاتنا، لا بد وأن يكون أزهريًا.

وقام من على مكتبه، وجلس في مواجهة "نجيب محفوظ"، وشرح له وجهة نظره في توضيح تام:

الرواية لا بد وأن يكون للمرأة فيها مكان كبير، سواء أكانت رواية عاطفية أو اجتماعية، أما في مجتمعنا العربي، فالمرأة مهمشة تمامًا، ولا دور لها، وليس أمام الكتاب إلا أن يقلدوا الروايات الأوربية، أما الروائي الأزهري، فلن يكون متأثرًا بالثقافة الأوربية، وبالتالي، فيمكنه أن ينقل لنا الفكرة العربية الخالصة للمرأة، كما هي في الواقع، لا كما يتخيلها الكتاب المطلعون على الثقافات الأخرى.

لكن "نجيب محفوظ" لم يقتنع.

بعد فترة، عرض عليه أول رواية يكتبها.

كانت في أربع كراسات، الكراستان الأوليان كل منهما تضم ثلاثة فصول، بينما الكراستان الأخريان تضمان سبعة فصول، وبعد أن قرأها "سلامة موسى"، ردها لصاحبها ردًا طيبًا، وهو يقول له:

الرواية فيها جهد حسن، لكنها لا تصلح للنشر.

أخذها "نجيب محفوظ"، وقام بتمزيقها.

بعد عامين كاملين، كتب "نجيب محفوظ" رواية ثانية، كانت في سبع كراسات، كل كراسة فيها فصلان، والرواية كانت تتحدث عن رجل مهتم بلعبة كرة القدم، وحياته كلها محصورة في الملاعب، حتى أنه أهمل أمر أسرته، وانغمس تمامًا في الملاعب، إلى أن أفاق على كارثة من نوع درامي مؤثر.

الحقيقة أن "نجيب محفوظ" في ذلك الوقت كان لاعب كرة قدم حريفًا جدًا في العباسية كلها، حتى أن أصحابه كانوا ينتظرون أن ينضم لفريق المختلط أو السكة أو الجزيرة، وهو لأنه كان صديقًا للاعب "عبدالكريم صقر"، فقد كان يفضل النادي الأهلي، وقد استوحى أحداث روايته تلك من شخصيات حقيقية كان يلعب معها في فريق العباسية، وكتب على غلاف الكراسة الأولى بخط كوفي منمق:

اللاعب

رواية مصرية  

تأليف: "نجيب محفوظ".

"سلامة موسى" تفرغ بالفعل لقراءة الرواية، ولاحظ أن ثمة موهبة حقيقية تكمن بين السطور، لكنها بحاجة للصقل، وقرر أن يكون حازمًا معه، لذلك، ما إن جلس إليه "نجيب محفوظ"، مشوقًا لأن يعرف رأي أستاذه، حتى ابتدره "سلامة موسى" متسائلاً:

لماذا تتسرع هكذا في وصف الأحداث؟.

قبل أن يرد التلميذ النجيب، واصل المعلم كلامه بهدوء:

اسمع يا بني، لا شك أنك موهوب، ولا شك أن أحداث هذه الرواية أكثر نضجًا من سابقتها، لكنها هي أيضًا لا تصلح للنشر.

حملها "نجيب محفوظ"، ولما قابله بائع بطاطا، أعطاها له في سبع كراريسها ليبيع فيها للطلاب والعشاق والجائعين الفقراء.

بعد سنتين أخريين، جلس "نجيب محفوظ" أمام أستاذه، وقدم له رواية ثالثة، كانت هذه المرة في ثلاثة كشاكيل، في كل كشكول أربعة فصول، وبدون أن يتكلم، تركها له ومضى.

كانت الرواية تتحدث عن الحياة في ريف مصر، وتصف علاقات الرجل الريفي بالزروع والحيوانات والمسجد، وتصف بعض علاقات الفلاحين ببعض النسوة قليلات الأدب، وتتكلم عن فضيلة العمل والصحيان مبكرًا للذهاب إلى الحقل، كانت الرواية تحمل اسم "حياة بسيطة".

بعد مرور شهر كامل، ذهب التلميذ ليستطلع رأي الأستاذ، كان الأستاذ واضحًا جدًا في كلامه، وحادًا بعض الشيء، إذ بمجرد أن جلس بجواره، نظر له وبادره بسؤال:

قل لي يا "نجيب"، هل أنت ذهبت إلى الريف من قبل؟.

بصدق رد عليه "نجيب محفوظ":

لا.

سلم له كشاكيله الثلاثة، وأكمل كلامه:

سأنصحك نصيحة عليك أن تعمل بها إن كنت راغبًا في التفرد، لا تكتب عن شيء لا تعرفه.

"نجيب محفوظ" وصل إلى بيته في حالة متناهية من الإحباط، وأشعل النار في الفلاحين والزروع والنسوة قليلات الأدب اللواتي ينغصن عليه حياته، ويحرقن خشب أحلامه كل ليلة، ونام في المساء بلا أحلام.

أنتم لا تعرفون ما يتمتع به "نجيب محفوظ" من قوة وصلابة وإصرار، نزل إلى المكتبة، واشترى أوراقًا من النوع المفرود المسطر، ابتعد نهائيًا عن الكراريس والكشاكيل التي تذكره بأيام الدراسة وليالي المذاكرة، كان قد كبر، وأصبح في السادسة والعشرين من عمره، وكان فكره قد نضج، وقراءاته قد اتسعت، وكان قد وقع في غرام مصر القديمة، تمامًا كأستاذه الذي كان يكتب وقتها في المجلة الجديدة فصول كتابه (مصر أصل الحضارة).

ما إن انتصف عام 1938، حتى حمل "نجيب محفوظ" مخطوطة روايته الجديدة، مغلفة في جلدتين من الورق المقوى، ووضعها دون أي كلام على المنضدة أمام "سلامة موسى"، وتركه ومضى.

أمسك "سلامة موسى" بالأوراق، وقرأ على جلدة الغلاف الأول:

أبناء خوفو

رواية تاريخية

تأليف: "نجيب محفوظ".

مدد جسمه على الأريكة، وراح يلتهم الأوراق التهامًا.

كان من المفترض أن يذهب إليه "نجيب محفوظ" بعد ثلاثة أسابيع، أو بعد شهر على الأكثر، لكنه كان خائفًا من ردة فعل الإستاذ، فقد جربه مرة ومرة مرة، وكلما نوى أن يتوجه إليه، تخونه خطواته، فيعود أدراجه من حيث أتى، حتى أتاه خطاب مسوجر من "سلامة موسى"، يهنئه على روايته البديعة، ويزف له خبر نيته نشرها في كتاب مستقل، ويطالبه بالحضور فورًا.

لم يذهب إليه "نجيب محفوظ" ماشيًا، بل طائرًا كالطائر الذي جنّح سنوات وسنوات في الآفاق وها هو يقترب من وكره، جلس أمامه مبتسمًا، وشرب سيجارته فرحانًا، ونظر إلى عينيْ أستاذه، فرآه مبتسمًا وفرحانًا، وهو يقول له:

الآن أنت بدأت طريقك، روايتك مكتملة البناء، ثرية الأحداث، ولا أظن إلا أنها ستكون ثورة في دنيا الكتابة.

ثم أخذ شفطة من كوب الشاي، واستدرك قائلاً:

اسم الرواية فقط، في حاجة إلى تغيير، ففيه تقريرية ومباشرة.

"نجيب محفوظ" كان مستعدًا فورًا بالعنوان البديل، فقال له:

ما رأيك في (حكمة فرعون)؟.

وقف الأستاذ، وهو يقول:

لا.

ودار حول المكتب دورة كاملة، وقال:

سيكون اسمها (عبث الأقدار).

كانت المجلة الجديدة تصدر مرة كل شهر، وتحتجب عن الصدور شهرين متتالين في الصيف، هما يوليو وأغسطس، وقد اقترح "سلامة موسى" أن يصدر رواية عبث الأقدار في الشهرين اللذين تحتجب فيهما المجلة، ويرسلها بالبريد إلى المشتركين.

وصدرت الرواية بالفعل كان غلافها أحمر، وأرسلها الأستاذ إلى المشتركين، وأعطى بقية النسخ لـ "نجيب محفوظ"، الذي حملها في عربة حنطور، كانت خمسمائة نسخة، ولم يكن يدري ماذا يفعل بها، سارت به العربة في شوارع كثيرة، حتى أن العربجي الذي يضرب الحصان بكرباجه، قال له أكثر من مرة:

لقد مررنا من هذا الشارع من قبل.

في أحد هذه الشوارع قرأ "نجيب محفوظ" يافطة مكتوب عليها (المكتبة الأدبية، لصاحبها (حنفي العريان)، فأوقف العربجي، وتفاهم مع "حنفي العريان" هذا على أن يبيع له الخمسمائة نسخة، وكان الاتفاق ينص على أن سعر النسخة الواحدة خمسة قروش، أربعة منها لصاحب المكتبة، وقرش واحد للمؤلف، ورضي "نجيب محفوظ" بهذا الاتفاق.

كان يمر عليه مطلع كل شهر، وكان الرد الوحيد الذي يتلقاه، لم يشتر أحد كتابك.

بعد هذه الرواية، أصدر "نجيب محفوظ" ثلاث روايات أخرى، هي: (رادوبيس) و (كفاح طيبة) و(القاهرة الجديدة)، وكان توزيعها قليلاً، وفي عام 1946، أصدر رواية (خان الخليلي) في سلسة الكتاب الذهبي، وهي سلسلة شعبية تطبع خمسة عشر ألف نسخة، وقد نفدت الطبعة كلها خلال أسبوعين، وسطع اسم "نجيب محفوظ" ككاتب يقبل عليه القراء، في هذه الأثناء ميّل عليه أحد أصدقائه، وأخبره أن السيد "حنفي العريان" يبيع رواية (عبث الأقدار) بعشرين قرشًا.

"نجيب محفوظ" من النوع الذي لا يحب أن يترك حقه، فاتجه من فوره إلى المكتبة الأدبية، ووجد جميع نسخ روايته قد نفدت، وطالب المعلم "حنفي" بحقه، وبعد مماطلة، وحلفان بالطلاق، كرمش الرجل في يد "نجيب محفوظ" خمسة جنيهات، كان لها رائحة مغايرة عن روائح ما قبضه كمكافأة عن رواياته السابقة.

بعد حصوله على جائزة نوبل، مر "نجيب محفوظ" على كبري قصر النيل، وتذكر الخمسة جنيهات التي كرمشها في يده المعلم "حنفي العريان"، وتذكر (عبث الأقدار)، تلك الرواية التي كان عليه أن يتدرب على ثلاث روايات قبل أن يكتبها، وتذكر الرواية الأولى التي مزقها، والتي لا يتذكر تفاصيلها، وتذكر رواية لاعب كرة القدم، والتي أعطاها لبائع البطاطا، يلف فيها البطاطا الساخنة للطلاب والعشاق والفقراء الجوعى، وتذكر الرواية الثالثة التي كتبها عن الريف، والتي حرقها هي وفلاحيها ونسوتها قليلات الأدب اللواتي كن يحرقن خشب أحلامه في الليالي الطويلة، وتذكر "سلامة موسى"، فتوقف عن التمشية، واتجه ببصره نحو سماء النيل، وكور قبضته وخبطها على سور الكبري، وتمتم:

لو انني أستطيع ابتعاث رجل من الموت، لابتعثته الآن، وقبلت يده.

 


عدد القراء: 838

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-