بناء الشخصية الرئيسية في رواية (الحالة الحرجة للمدعو «ك.») لعزيز محمدالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2021-05-29 04:41:02

د. سعيد بكور

جامعة ابن طفيل - المغرب

الكتاب: "الحالة الحرجة للمدعو ك."  

المؤلف: عزيز محمد

الناشر: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع

عدد الصفحات: 272 صفحة

تاريخ النشر:2017

يدل مصطلح "البناء" في اللغة على التشييد وتركيب الأجزاء وضمها لتكوّن شكلاً ماديًا كالبناية أو معنويًا كالشرف والمجد. وفي الاصطلاح النقدي تفيد البنية "الطريقة التي تتكيف بها الأجزاء لتكون كُلاّ ما سواء كان جسمًا حيًّا أو معدنيًّا أو قولاً لغويًا"1، بعيدًا عن التفكك المفضي إلى الهدم، وبذلك تفيد البنية بأنها " كلّ مكون من ظواهر متماسكة، يتوقف كل منها على ما عداه، ولا يمكنه أن يكون ما هو إلا بفضل علاقته بما عداه"2، حيث تكون قيمة العنصر مرتبطة ببقية العناصر.

إنّ الروائي الحقيقي هو الذي يخلق الشخصيات3 التي تتعدد أنواعها في الرواية تبعًا لدورها، حيث نجد الرئيسية والثانوية، وبينهما توجد الشخصية التي تنمو والشخصية التي لا تتطور وتظهر منذ الوهلة الأولى مكتملة السمات أو تظل ناقصة لعدم الحاجة إلى نموها لأنها لا تفيد في خدمة الأحداث.

إن الشخصية لا تكتمل منذ الوهلة الأولى، بل تتشكل سماتها من خلال سيرورة الأفعال وتراكم الأحداث والتفاعل مع غيرها، فهي من هذا المنظور "علامة أدبية أو قالب أدبي يتخذ شكله خلال السيرورة النصية، ليكون عند نهاية الرواية تام المعالم، واضح القسمات"4.

تتشكل ملامح الشخصية الرئيسية عبر التدرج، ويمكن تتبّع بنائها في الرواية من خلال التركيز على تقنيتي الوصف والاسترجاع، وكذا على تطور الأحداث الذي يكشف جوانبها الخفية، وعلى علاقتها بغيرها من الشخصيات الثانوية، وسنتبنى في رصد ذلك منهجًا يقوم على تتبع السمات وانتقائها وترتيبها بناء على تقسيم مجالي.

السارد في الرواية المدروسة هو الشخصية الرئيسية، يتحدث بضمير المتكلم في غالب الأحيان، ويبدي معرفة شبه كاملة بالأحداث والشخصيات، يحضر في كل الأحداث، علاقته بغيره تبنى على التواصل والصراع، يعلق على الأحداث، يبدي رأيه. والرواية خليط من سيرة وهذيان وحلم ومعاناة وانتقاد للواقع وأمل في الشفاء، إنها في النهاية فلسفة في الحياة.

السمات النفسية:

تعيش الشخصية الرئيسية بين الكتب، وتبتعد عن الواقع، ما يجعلها ضمنيا تتشبع بفلسفة الشخصيات التي تعايشها في الروايات وتتبنى رؤيتها للحياة.

يبدو (ك.) شخصية مركبة يميزها الغموض، تعيش حالة من الملل القاتل والروتين اليومي، وتعاني من قلة النوم والفزع، وتتأفف من العمل الرتيب، وتظهر الشخصية الحذر الشديد ممن حولها في العمل، وينقم البطل على المدير (لغد الديك) الذي يثير اشمئزازه، ويخلط وصفه له بالسخرية والسخط.

يوغل (ك.) في التخيل والتوهمات، ويميل إلى الانعزال عن الأقران والانكفاء على الذات. ويكشف الاسترجاع (موت الأب والجدة) عن بعده النفسي، ويتأثر بموت الشيخ الذي كان يجاوره في العمل.

 إن شخصية "ك." من الناحية النفسية غريبة التشكل، تهيمن عليها الهواجس والمخاوف والوساوس، شديدة القلق والتوتر، ويحتل الأمل (الأمل في الشفاء) من رقعة نفسه وفكره حيزًا صغيرًا، وفي غمرة الشعور بالوجع والوهن والعياء في المستشفى يتعلق بالله رغم عدم تدينه.

السمات الجسدية:

يركز السارد على البعد الجسدي والبعد النفسي للشخصية نظرًا لارتباطهما الوثيق بمرضه، فمنذ البداية يلازم (ك.) الشعور بالغثيان والإنهاك، وتستمر معاناته مع الغثيان والصداع والألم، ويقاوم عبثًا الإعياء ويفقد الشهية، وتزيد رتابة العمل من تأزيم المعاناة.

تستفحل معاناة "ك." مع المرض، إذ تفقده الحمى الصوت فينقل إلى المستعجلات، ويتطور وضعه الصحي فيصاب بفقر الدم مما يزيد من تأزم حالته، ويستفحل الأمر فيتساقط شعره وتتراجع تأثيرات الأدوية، ويستمر الشعر في التساقط فيحلق الرأس ويهاجمه الشحوب والهزال، ويعود لممارسة عمله مرغمًا، ومع تدهور وضعه الصحي يفقد القدرة على الكتابة، وبعد أن يغادر المستشفى يركن إلى القراءة والمسكنات والتلفاز، ثم ما يلبث أن يداهمه فيروس الرئة وتتدهور حالته.

السمات الاجتماعية والثقافية:

 تنتمي الشخصية إلى أسرة متوسطة، تحملت فيها الأم المسؤولية بعد وفاة الأب بالسرطان، له أخت وأخ يكبرانه، تكفل جدّه الصارم بمسؤولية النفقة.

يعمل (ك.) في شركة البيتروكمياويات، وهو خريج تقنية المعلومات، يهتم برصد ما حوله ومن حوله بعين مجهرية تنفذ إلى الداخل؛ يصف الموظفين وخوفهم من المدير وحرصهم على التأنق وينتقد نفاقهم، ويميل إلى الانعزال الاجتماعي، وتتسم علاقته بأفراد الأسرة بانعدام الدفء والحميمية.

ومن ناحية أخرى يبدو "ك." ثائرًا على العادات والتقاليد، ويكشف كثيرا من الأنساق الثقافية المضمرة التي تميز المجتمع (الفحولة، الحسد، الطيرة، الجنس...)، ويؤمن بالعين، ويتذكر المدرسة والعقاب وأثر ذلك في نفسه.

السمات الفكرية:

شخصية (ك.) مميزة من الناحية الفكرية، يجد ضالته في كتب كافكا ويجتهد في الكتابة، ويسترجع حصة الإنشاء وتشجيع الأستاذ له، وحفظه للقصائد ودور ذلك في تكوين شخصيته القرائية والكتابية.

مع سيرورة الأحداث نجد أنفسنا أمام شخصية مولعة بالأدب الغربي، تقرأ لهمنغواي ودوستويفسكي وكافكا، ومع اشتداد المرض يجد السارد أنسه في القراءة درءا للاكتئاب.

والجانب النقدي في شخصية "ك." لا ينفصل عن الجانب الفكري، لذلك نجده يبدي نظراته في العمل والمُلاّك الذي يملؤون الجيوب على حساب عناء الآخرين، وينتقد تدين الناس ومراقبتهم لغيرهم من برج إيماني عاجي (الناس موظفون عند الله لا عبادًا له).

علاقة الشخصية الرئيسية بغيرها:        

تنكشف كثير من سمات الشخصية بالنظر إلى علاقتها بغيرها من الشخصيات، وتتميز علاقة (ك) بأمه بالتوتر فهي دائما تلومه وتوجهه، ويتبادلان الانتقاد. أما علاقته بأخته فتنطبع بالتوتر الدائم والعدائية والصدامية، إذ يظهر في بعض المواقف الطفولية رغبته في السيطرة مطبقا نسق الفحولة الذي يميز الجماعة.

وفي عمله تتأرجح علاقته بمن يجاوره بين النفور والقبول، فهو يتآلف روحيا مع الشيخ الذي يجاوره في العمل رغم أنه شديد الصمت، وينفر من الموظف الجديد (ربطة العنق) الذي حلّ محل الشيخ، ويتبرم من المدير (لغد الديك) ويبدي اشتياقه للشيخ وضيقه بالآخرين، وينتقد الموظفين ونفاقهم.

توضح علاقته بالشخصية جوانب من شخصيته وانفعالاته، إذ تتسم علاقته بأخيه بالبرودة والهدوء والمسالمة، رغم الصراع الخفي بينهما.

ومما يميز "ك." احترام أخيه الأكبر، وإبداء التسلط على الأخت، ويخاف من الجد ويبالغ في توقيره، فقد كان شديد الغموض يشبه أبا الهول.

إنّ تتبع سمات الشخصية النفسية والجسدية والفكرية كفيل بأن يعطينا صورة واضحة عن أبعادها المختلفة التي تساعد على تشكيلها، ويزيد تسليط الضوء على علاقة الشخصية بغيرها من كشف هذه الأبعاد والسمات، وتسعف سيرورة الأحداث والاسترجاع في بيان بعض الجوانب المستترة من الشخصية، ولا شكّ أن السارد وهو يبني الشخصية لا يذكر كل ما يميزها بل يترك للمتلقي هامشا من الحرية في رسمها ذهنيًا حسب درجة تلقيه.

 

الهوامش:

1 - نظرية البنائية في النقد الأدبي، صلاح فضل، مكتبة الأنجلو المصرية، ط2، ص 176

2 - المرجع نفسه والصفحة نفسها

3 - مفاهيم نقد الرواية بالمغرب مصادرها العربية والأجنبية، فاطمة الزهراء أزرويل ، نشر الفنك، ص 137.

4 - النص الأدبي والنقدي بين القراءة والإقراء : نحو نموذج تطبيقي ، يونس لشهب، عالم الكتب الحديث، إربد الاردن، ط1، 2012م، ص 103


عدد القراء: 147

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-