مغامـرة الكـلمة الـعـربيـة في اللـغـة الـتركـيـةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2022-05-29 06:48:56

د. عبد الستار الحاج حامد

عضو الهيئة التدريسية في قسم اللغات الشرقية/ جامعة إسطنبول

لا تكاد تخلو لغة من لغات العالم من كلمات أجنبية وصلت إليها بطرق مختلفة، وأصبح جزء لا يتجزأ منها، والكلمات العربية -شأنها شأن غيرها من الكلمات- وجدت طريقها إلى اللغات الأخرى، ويرجع ذلك لأسباب كثيرة، منها كونها لغة القرآن الكريم وشعائر الدين الإسلامي ومصادره الأولى، إلى جانب كونها ظلت لغة العلم في العالم لفترة طويلة.

ومن بين اللغات التي استقبلت الكلمات العربية بأعداد كبيرة اللغة التركية، فقد بدأت الكلمات العربية بالدخول إلى اللغة التركية مع اعتناق الترك الإسلام، واحتكاكم مع العرب، ولا سيما في بدايات الدولة العثمانية، حيث كانت اللغة العربية لغة التعليم والعلم في المدارس والجوامع، وأظهرت دراسة أجريت على كتاب أخلاق العلائي الذي ألفه قاضي دمشق العثماني قنالي زادة علي أفندي في عام 1565م، أن نسبة الكلمات العربية فيه وصلت إلى 73.8%، مع الإشارة إلى أنه ليس كتابًا دينيًا، بل هو أقرب ما يكون إلى كتب الفلسفة.

وفي العصر العثماني قام الترك بإنتاج كلمات جديدة تلبي احتياجاتهم وذلك باستخدام الكلمات العربية، وتعددت هذه الطرق، وهي:

1 - اشتقاق كلمات غير متداولة في اللغة العربية من الكلمات العربية وفقًا لقواعد اللغة العربية، مثلًا: كلمة (تَنقيد) من الجذر(نقد)، ومعناها (انتقاد)؛ واشتقوا منها اسم فاعل (مُنقِّد) ومعناه (ناقد)؛ كذلك كلمة (مفكورة) من (فكر)، وهو تعريب لكلمة (ideal) اشتقه المفكر ضياء كوك ألب.

2 -  تركيب الكلمة العربية مع كلمة تركية أو فارسية لإنتاج كلمة جديدة لها معنى جديد، والمثال على ذلك أنهم ركبوا كلمة (جرأة) مع كلمة (كار) الفارسية، فحصلوا على كلمة (جرأتكار)، ومعناها (جريء)؛ كذلك ركبوا كلمة (أجزاء) مع كلمة (خانة) الفارسية، فنتجت كلمة (أجزاخانة) التي أصبحت في التركية الحديثة (أجزانه) ومعناها (صيدلية)؛ وركبوا كلمة (دين) مع كلمة (دار) الفارسية، فنتجت كلمة (ديندار) ومعناها (مُتَدَيِّن).

3 - إنتاج مصادر أفعال بتركيب بعض الكلمات العربية مع بعض مصادر الأفعال تركية، وأهمها:

- المصدر (أيتمك) ومعناه (الجعل، الفعل)، وقد أضافوه لعدد كبير من الكلمات العربية، على سبيل المثال أضافوه للمصدر (فتح)، فحصلوا على مصدر (فتح أيتمك) بمعنى المصدر (فَتحٌ).

- المصدر (أولمق)، ومعناه (الكون)، أضافوه إلى اسم الفاعل (مشتكي)، فحصلوا على مصدر جديد (مشتكي أولمق) بمعنى المصدر(شكاية).

- الفعل (يابمق) ومعناه (فعل) مثال: أضافوه لكلمة (حيلة) فحصلوا على مصدر (حيلة يابمق) بمعنى المصدر(احتيال).

كذلك قاموا بإنتاج أفعال ومصادر جديدة بإضافة لواحق مختلفة أهمها (لانمق، لنمك) مثال: (كبر+ لنمك) بمعنى المصدر (تكبر)؛ (حرص + لانمق) بمعنى المصدر (حرص).

كما قاموا بإضافة بعض الملحقات إلى الكلمات العربية لينتجوا منها كلمات جديدة، ومن أهم هذه اللواحق:

- ملحق (جي): مثال: (تاريخ + جي) أي: (مؤرخ)؛ (اقتصاد + جي) أي: (اقتصادي).

- ملحق (سز): مثال: (أخلاق + سز) أي: (عديم أخلاق)، (تربية  +  سز) أي: (عديم تربية).

ومن الغريب أنهم استخدموا ملحق جمع المؤنث السالم في اللغة العربية (ات) مع بعض الكلمات التركية لجمعها أو لإنتاج كلمات جديدة، على سبيل المثال: كلمة (بشين) وتعني (نقدنًا) أضافوا لها ملحق جمع المؤنث السالم فأصبحت (بشينات) أي (العربون). وجمعوا كلمة (أر) التي تعني (رجل) بإضافة الملحق ذاته فصارت (أرات) أي: (رجال).   

في أواخر العصر العثماني بدأت الكلمات العربية تقل تدريجيًا في اللغة التركية، ومع بروز التيار القومي، ومناداة بعض الأدباء والمفكرين بضرورة إصلاح اللغة التركية وتخليصها من الكلمات والأدوات والقواعد غير التركية، بدأت حركات تصفية اللغة التركية من الكلمات الأجنبية، وعلى رأسها الكلمات العربية، ولا سيما في الفترة التي تلت تأسيس الجمهورية التركية، حيث أغلقت المدارس العربية، واستعملت الحروف اللاتينية بدلًا عن الحروف العربية، وجعلت اللغة التركية لغة التعليم الوحيدة في البلاد، واستبدل بقسم من الكلمات العربية التي ظلت بضيافة اللغة التركية ما يقارب أربعمئة سنة كلمات جديدة مشتقة من اللغة ذاتها أو كلمات من اللهجات التركية الأخرى، أو كلمات أجنبية، ولا سيما من اللغة الفرنسية التي أصبح عدد كلماتها في اللغة التركية ما يقارب 5200 كلمة، أي في المرتبة الثانية بعد العربية مباشرة. هذا الأمر أدى إلى تقلص عدد الكلمات العربية في اللغة التركية الحديثة إلى أن وصل عددها في أيامنا هذه إلى ما يقارب 6500 كلمة، وبعض هذه الكلمات تغيرت طريقة النطق بها لعدم وجود بعض الأصوات العربية في اللغة التركية الحديثة، كالعين والهمزة والخاء والظاء والضاد، فمثلًا كلمة (استعفاء) أصبحت (استِفا)، وقس على ذلك.

ويمكن أن نقسم الكلمات العربية في اللغة التركية الحالية إلى ثلاث مجموعات:

المجموعة الأولى: وهي الكلمات التي احتفظت بمعناها في اللغة العربية، نذكر منها على سبيل المثال: دفتر، قلم، كتاب، بناء.

المجموعة الثانية: وهي كلمات اكتسبت معنى آخر جديد في اللغة التركية إلى جانب معناها في اللغة التركية، نذكر منها على سبيل المثال: (بركة) التي أصبحت تعني (من حسن الحظ) إلى جانب معناها في اللغة العربية؛ وكلمة (أسرار) التي أصبحت تعني (حشيش، مادة مخدرة) إلى جانب معناها الأصلي في اللغة العربية.

المجموعة الثالثة: وهي الكلمات التي فقدت معناها الأصلي في اللغة العربية، واكتسبت معنى جديدًا، نذكر منها على سبيل المثل: كلمة (بادرة) التي باتت تعني (خطر) في اللغة التركية؛ وكلمة (عادة) التي باتت تعني (كأن) في اللغة التركية؛ وكلمة (قيافة) التي باتت تعني (ملابس) في اللغة التركية.

ومع هذه الكلمات أيضًا دخلت تراكيب وعبارات، قسم منها دينية مثل: (إن شاء الله)، و(الحمد لله)، (أستغفر الله)، وقسم آخر تراكيب غير دينية، مثل: (مع الأسف)، (مع ما فيه)، (بناء عليه)، (ما جرى). ولا بد من الإشارة إلى أن بعض هذه التراكيب أصبح له معنى يختلف عن معناه في اللغة العربية، فأصبح تركيب (أستغفر الله) تعني -إلى جانب معناه الأساسي- (قطعيًا، أبدًا) أو تستعمل جوابًا للتعبير عن التواضع عند المدح (بمعنى أنا لا استحق هذا المدح)؛ كذلك (ما جرى) صار كلمة تعني (مغامرة).

إن للكلمة العربية مكانًا هامًا في اللغة التركية، وذلك منذ دخولهم في الإسلام إلى يومنا الراهن، وتكمن أهميتها في أن تأثيرها لم يكن محدودًا، فلم يكتف الترك بالكلمات العربية التي دخلت لغتهم، بل استطاعوا أن يثروا لغتهم بمفردات ومصطلحات ومصادر جديدة اعتمادًا على هذه الكلمات، فما أحرانا بأن نتمسك بهذه الكلمات ونشتق منها بدلًا عن استعمل واستيراد كلمات من اللغات الأخرى.


عدد القراء: 976

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-