دور الصورة التعليمية في تنمية المعرفة والإدراك لدى الطفلالباب: حياتنا

نشر بتاريخ: 2015-08-24 00:21:17

نجاة مزهود

روائية وأديبة جزائرية

إن الأطفال هم مصدر الثروة الحقيقية لأي مجتمع، وهم أمله في تحقيق مستقبل أفضل، والاهتمام بالطفل في مرحلة التعليم الأولى ضروري جدًّا، لأن هذه المرحلة تمثل البداية والأساس في تشكيل شخصيته، فالتنشئة التي يحظى بها الطفل في بدايات تعلمه ستظهر واضحة كلما تقدم عامًا في عمره فكرًا ووجدانًا وسلوكًا وجسدًا.

إذ إنَّ أهمية رعاية الأطفال وتربيتهم وحثهم على القراءة والمطالعة ودفعهم إلى التساؤل والبحث والاكتشاف يعد جزءًا لا ينفصل من البنيان التعليمي وخطوة جادة في السلّم التعليمي، حيث إن حث الطفل على المطالعة منذ تواجده في الروضة والمدرسة كليهما، يعد من المراحل المهمة التي تبني إدراكه واهتمامه، وتكون شخصيته وتشكل عاداته واتجاهاته وتنمي ميوله واستعداداته وقدراته الفكرية. فالاهتمام بالطفل في مرحلة الروضة يحقق نسبة عالية من النجاح في مراحله القادمة في المدرسة، ويسهم بشكل كبير في اكتسابه مجموعة من الخبرات والمهارات حيث إنها ليست مرحلة تعليمية فحسب، بل هي مرحلة لتحقيق نمو شامل وكامل في جميع الجوانب الشخصية للطفل.

فالطفل يولد ولديه استعدادات التفاعل مع البيئة والمحيط الخارجي، إذ ينطلق هذا التفاعل حين تتوفر له بيئة الاهتمام الأسري من الآباء وكذا من المدرسة، فالطفل ينتبه إلى كل شيء أمامه فيستقبل ذلك عن طريق حواسه سواء أكانت بصرية أم سمعية، وإن كانت المثيرات البصرية تعمل بشكل أكبر في إدراكه واستيعابه، ولذلك تُعد الصورة التعليمية من أهم الوسائل في تعليم الطفل وتثقيفه، وهي القادرة على شحن طاقاتِه تجاه المعرفة وتنمية مداركه واهتماماته، لأن البصر يُعدُّ أهم منافذ المعرفة في حياة البشر، وله القدرة الفائقة في الربط بين المعنيين المجسم واللفظي وهي قدرة مستمدة من الإدراك، فلا يمكن أن نتعرف على شيء عن طريق اللفظ فقط، دون رؤيته أو معرفة مواصفاته، وهذا الذي يسمى بالثقافة الحسية البصرية، فمن خلال الصورة تتولد المعرفة وينتج الإدراك والوعي لدى الطفل، ومِنْ ثَمَّ فنحن -من خلال الصورة التعليمية- نضع الأساسات الأولى لتنشئة الطفل ورسم شخصيته وتحديد ملامح الوضع الذي سيكون عليه مستقبلاً.

ومن هنا تبدو قيمة عملية تثقيف الطفل وتعليمه، في إطار التنشئة الاجتماعية التي أحيانًا لا تراعي المحيط الذي يعيش فيه الطفل، كأن تقدم له تنشئة خارج الأدوات الموجودة في عالمه ومحيطه، فالطفل مثل الإسفنج يمتص كل ما يصل إليه سواء أكان جيدًا أم رديئًا، لذلك يجب أن تكون التنشئة في مجالها التربوي الناضج، لأنها الأقدر على توصيل المفاهيم والمعارف للطفل.

 فالصورة بالنسبة للطفل لغة تعبيرية أكثر من كونها وسيلة لرؤية الجمال، ونحن نرسم للطفل ما يعرفه من أشياء وأدوات، ثم نتدرج معه حتى نقدم له ما يراه في بيئته، لأن الصورة بما تعكسه من دلالة للنمو العقلي والمعرفي واللغوي هي أساس العملية التربوية والتثقيفية للطفل، ومن هنا نطرح تساؤلنا عن كيفية دفع  الطفل إلى القراءة والاستمتاع بما يوجد فيها سواء حكاية أو معلومة علمية أو تربوية في ظل ما يعرف بالتكنولوجيات الحديثة التي أصبحت أداة معرفية تنافس الكتاب والمدرسة؟

مفهوم الصورة التعليمية

إن الصورة تعني النظر والإدراك والتخيل والإصغاء إلى مثير بصري يستطيع الطفل من خلاله التعرف على الحياة التي يعيشها داخل المدرسة والأسرة والشارع والبلدة، وبذلك يستوعب الأشياء المحيطة به من خلال الصور التي يتعلمها ويشاهدها.

والصورة التعليمية هي عبارة عن صورة مرئية، وتمثيل محسوس ومشخص ظاهر أمام البصر، وتتميز عن الصور الأخرى من بلاغية ولغوية التي ينحصر فيها التخيل ويكون مجردًا، يعني أن الصورة البصرية صورة سيميائية وأيقونية بشكل كبير يتداخل فيها الحس والمحسوس والدال والمدلول، وتمتاز بالواقعية والعيان، وهي أقرب للحياة من اللغة التي نتحدث بها، فالصور موجودة أمامنا مثل الطبيعة والمنازل والأشياء الموجودة داخل المنازل، وأيضًا الحيوانات وغيرها من الكائنات والأشكال والألوان والخطوط والظلال والنقاط والهيئات... وبشكل أوضح الصورة المرئية هي صورة حسية تخاطب البصر أكثر مما تخاطب الحواس الأخرى، فهي أسرع مرورًا للعين من اللغة التي تمر إلى الأذن فيحتاج الدماغ إلى مثير مرئي لتفكيك معناها فالصورة بشرحها العلمي تعمل على إثارة العصب البصري، والسبب وجود مؤثرات من ألوان وأشكال تتكرر على حدقة العين فتثير لديها حاسة الإبصار.

ومن حيث سيمة الصورة ودلالتها فهي أكثر تعبيرًا وتوضيحًا من الكلمات اللغوية، وأكثر تأثيرًا في تنشئة الطفل وتدريبه على المعرفة، ومن ثمّ فصورة واحدة تغني عن ألف كلمة، ولذلك تلتجئ وسائل الإعلام إلى توظيف الصورة في عملية التواصل ونقل الخبر، فهي أبلغ للتعبير عن أي حدث موجود، ومن هنا يتبين لنا أن عملية نقل المعلومة هي من أصعب المهمات وتحتاج إلى مثير بصري يكون دافعًا لها أو حافزًا لنقلها وحفظها. وهذا الذي تقوم به المدرسة تجاه الطفل، وأيضًا يقوم به الأديب الذي يكتب للأطفال، فلو خلت القصة من الصورة لن تجد تشويقًا ولا متعة لدى الطفل، لأن الصورة التربوية أو التعليمية هي صورة هادفة تستخدم في مجال توصيل المعلومة وإيضاح المعنى، وأداة بيداغوجية مهمة، تساعد الطفل على الفهم والإدراك وتسهل على المدرس التبليغ والإيضاح، وتفسّر ما غمض من المسميات والألفاظ وتبيّن تفاصيلها المعقدة بشكل محسوس مشخص، فالصورة التربوية هي صورة إدراكية ذهنية قبل أي شيء، وصورة انفعالية ووجدانية من جهة أخرى، وصورة حركية تجسد الفعل والأداء والإنجاز من ناحية، ولذلك أوصت الدراسات العلمية التربوية بضرورة الاهتمام بالبرامج التي تساعد على تنمية الإدراك لدى الطفل‏، والاهتمام بالصورة وخصائصها من إخراج ومؤلفات تعليمية لمساعدة الطفل على الإدراك والتعلم، ومراعاة الجوانب الفنية فيها من ألوان وخطوط ورسوم، والتركيز على ألوان مثيرة وجذابة، هي الأحمر والأزرق والأصفر لإثارة انتباه الطفل، وهي منوعة بين الصورة المرسومة باليد‏، والصورة الفوتوغرافية، ترتبط بما يقع تحت بصر الطفل من البيئة الموجود فيها‏، وتكون مكبرة إلى حد مناسب بحيث لا ترهق عينيه‏.

فالصورة تُعدُّ تمثيلاً دقيقًا للمعنى اللغوي، وأحيانًا دون الحاجة إلى إبراز الكلمة التي تعنيها الصورة نجد الطفل بتلقائية، وبرصيد لغوي اكتسبه من العائلة مدركًا اسمَ الصورة، وهذه تسمى في العلم: البصريات بالعلاقة المباشرة بين المعين البصري (الصورة) وبين العنصر اللغوي (الكلمة) وهي أوضح علاقة من أي مثير آخر، إذ إنّ الصورة التعليمية تستخدم في استحضار المعنى من خلال ما يدل عليه أو استحضار المعنى من خلال الكلمة التي يراها أو يسمعها، وبذلك فإن الصورة تسمح بعرض وفهم دقيق وسريع للكلمات، وهذه العلاقة الفورية بين الصورة والعبارة اللغوية لا تعين الطفل على الفهم فحسب وإنما تسهل عليه الحفظ أيضًا، ومن ثم تساعده على عملية التذكر حين ترد الكلمة لاحقًا في جملة أو في تعبير في أثناء العملية التعليمية، إنما جمالية الصورة هي التي تدهشه وتدفعه للبحث والتساؤل، ومن ثم التعلم والإدراك. وبذلك تصل العملية التعليمية والتثقيفية إلى أهدافها المنشودة ورسائلها الهادفة، ومن ثم فالطفل يتعلم ويدرك حين يرتاح إلى الصورة المرئية أكثر مما يرتاح إلى درس جاف خال من مثيرات بصرية وحسية، وهذا هو الدور التربوي والتوجيهي الذي تحققه الصورة سواء في قصة أو في كلمة.

الأبعاد المعرفية للصورة البصرية لدى الطفل

تنمية إدراك الطفل تعد أهم مبدأ في العملية التربوية التعليمية، ذلك لأن الطفل يمر بمرحلة التكوين في عدة مجالات منها: المجال الحسي والعقلي والمعرفي والاجتماعي والتواصلي واللغوي، فهذه المجالات تحتاج للنمو بشكل يومي وسلس وتتطلب وسائل تعليمية نستطيع من خلالها تعميم المعرفة والعلوم على جميع ما يقع عليه بصر الطفل، وبذلك نجلب انتباهه لتلقي العلم، ولا يمكن إيصال المعرفة للطفل دون استعمال الصورة،  فهي بمثابة المثير الأكثر قدرة على تنشئة الطفل وتنمية إدراكه، ففي عملية التعلم بالصورة يبدأ الطفل بالانتباه وينتهي بالانتباه، أيضًا، وعن طريق الصورة أو بواسطتها يتلقى الطفل المثيرات العقلية والحسية ويضعها في دائرة اهتمامه، ولا تتم عملية إدراك الصورة بمعزل عن لغة الحوار.

فالصورة تمثل اللغة التعبيرية، وهي أهم لغة يفهمها الطفل، كونها تقوم مقام الكلام والتحدث، فلو أراد المدرس أو كاتب قصص الأطفال أن يحكي للأطفال عن شكل هندسي دون رسمه، فإنه يحتاج  لوقت طويل ليفهم التلاميذ ماذا يعني بالدائرة، فالكلمة لا تثير خيال الطفل ولا تنمي لديه معرفة الأسماء والأشكال، ولكن الصورة توضح المعنى في ذهنه وترسخه.

إنّ لغة الصورة هي لغة مرئية لا تحتاج إلى أي وسيط توضيحي، ونستطيع القول: إن الصورة هي ربط للكلمة المراد إدراكها، كون أن الكلمات المكتوبة عبارة عن صور مرسومة، فلا توجد لفظة نتحدث عنها أو نتعلمها أو نكتبها دون وجود الخلفية أو الظل لهذه لكلمة والمتمثلة في الصورة، ومن ثم فإن عملية القراءة لدى الطفل تنطلق أو تبدأ بقراءة الصورة، وهي التي من خلالها يتعرف الإنسان على شكله ومحيطه، كما قال أرسطو، كما أن حضارة الإنسان الحالي هي حضارة الصورة كما أشار إلى ذلك الفيلسوف والمفكر "رولان بارث"

فالوصول بالطفل إلى مستوى إدراك الصورة واستيعاب خصائصها المعرفية لا يتأتّى إلا بوجود شرطين أساسيين هما: الأسرة والمعلم؛ فكلاهما يجب أن يحبب للطفل القراءة الفنية للصور، ويدفعه إلى الاستمتاع بالنظر إليها، مما يجعله يكتسب ملكة الذوق والتفكير، فالصورة تنشيء لديه نشاطًا وفاعلية، وهذا ما يؤكده عالم التربية "جيروم بروفر" حين قال: "إن الناس يتذكرون فقط مما يسمعونه وفقط مما يقرؤونه، في حين يصل ما يتذكرونه من بين ما يرونه أو يقومون به" وهو يقصد أن تذكر الأشياء بشكل كبير يتم عن طريق الرؤية.

ومن هنا يكمن الدور الكبير الذي يتحمله المدرس، لأنه مسؤول مسؤولية كاملة عن تشكيل هذا المجتمع الصغير وتنشئته على ثقافة أصيلة من القيم والأعراف التي يتميز بها المجتمع، فالطفل في حالة تلقي كل ما يصل إليه من معلومات ومعارف، ويفعل ذلك بسعادة كبيرة لأنه في حالة اكتشاف وبحث عن عالمه وأشيائه التي تبعث فيه الأمل والفرح، وبحث عن إجابات عن مسائل هي بالنسبة إليه غامضة يريد معرفة حقيقتها، فهو لا يدرك من الحياة سوى ما يشغل ذهنه الصغير ويلفت انتباهه في كل لحظة، ويثير لديه الاستمتاع بمباهج الحياة.

وقد أشار المربي جان جاك روسو إلى هذه النقطة بقوله: "دعوا الطفولة تنضج في الأطفال، احترموا الطفولة ولا تتسرعوا في الحكم عليها خيرًا أم شرًّا، إن الإيقاع البطيء لزمن النمو ليس شرا نحمله، بل وظيفة ضرورية للنمو، إننا نرعى النبتة بالحراثة ونبني الإنسان بالتربية".


عدد القراء: 13720

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

التعليقات 1

  • بواسطة سليم ناوين من
    بتاريخ 2015-10-06 19:40:30

    أديبة وروائية متمكنة، أحسن ما قرأت لك رواية رحمة.

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-