لا وقت للغداء.. تاريخ موجز لـ"طعام الشارع" الفرنسيالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2022-10-02 04:50:37

د. رضا الأبيض

جامعة قابس - تونس

مورغان مولكا

ترجمة: د. رضا الأبيض

إن العجلة إلى درجة عدم القدرة على تناول الطعام على المائدة ليس أمرًا جديدًا. ولكنْ إذا كان "طعام الشارع"، مثل البرغر burger و السوشي sushi والرامان ramen، في الوقت الحاضر جزءًا من الحياة اليومية للفرنسيين، فإنّ تاريخ أكل الشارع في فرنسا يعود إلى العصور الوسطى..

* * *

هل تسبّبُ وجبةُ الطعامِ الفرنسية، المسجلة في التراث غير المادي لليونسكو، في اختفاءِ مطبخٍ وطني بسيطٍ وسريع، يمكن تذوقه تحت مدخل عربة أو أثناء المشْي في الحدائق العامة؟ نعم ولا. 

إنَّ ظهور المطاعم في فرنسا في عصر التنوير أدى إلى اختفاء "طعام الشارع" وتغيير عاداتنا الغذائية بشكل كبير. لقد نتج عن هذه المؤسسات أنْ أصبح المطبخُ الراقي والمطبخ البرجوازي أكثر ديمقراطية، حين حلّ المرق محلّ التجار المتجوّلين الذين أطعموا عامة الناس منذ العصور الوسطى.

في الوقت نفسِه، تحسن مستوى معيشةِ الأشخاص الذين لم تكن لديهم نار ولا موقد ولا خشب يسمح لهم بالطهي في المنزل.

ومع مهننة تجارة المواد الغذائية سرعان ما وجد الباعةُ الجوالون أنفسَهم ضعفاء، واختفوا تدريجيًا.

قد نكون نسينا هذا التاريخَ الذي لا يزال صداه يتردّد في شمال وجنوب شرق البلاد حتى ثمانينيات القرن الماضي!

إذن، ما هو طعام الشارع الفرنسي؟ 

يظل المبدأ كما هو الحال في بانكوك أو نيويورك أو نيودلهي: "كافئ نفسَك بوجبة سريعة وغير مكلفة وليست وسخة جدًا."

طبخُ الأحشاءِ وبيع الصلصات.. مهنُ الشارعِ المنسيةُ: 

"ها هي المتعة، أيها السادة، إنها المتعة، سيداتي، استمتعوا!"

لقد كان البائعون في ليهال Halles وساحة ساليا Cours Saleya يعرفون، بما مُنْحوا من مواهبَ، كيف يسقون أفواهَ المارة. فمنذ منتصف النهار إلا ربع، عندما تكون المعد خاويةً، فإن رؤية قدور البخار وصواني التحْميص تثير العقولَ والأجسام إثارةً لا تقاوم.

في العصور الوسطى، لم يكن ثمة تمييزٌ بين الأطباق المالحة والحلوة. وبالنسبة إلى الوجبات الخفيفة، فقد كان الفرنسيون يفضِّلون الفطائر والكعك المدور الصغير oublie، الذي يحمل رمزًا دينيًا. وقبل عيد الميلاد، كانوا يأكلون الكُستناء الذي يطلقون عليه خطأ الكستناء السّاخن.

وكان للشوارع نصيبُها من الأنواع المختلفة من الكعك الحلو والمالح. لقد كانت كلُّ العجائن المخمّرة والمسلوقة والمحمّصة والمجفّفة والمقلية.. لذيذةً. وكان بائعو اللحم الذين سيصبحون بعد ذلك محمِّرين وحشاةَ لحمٍ مفرومٍ وبائعي نقانقَ ومملِّحين.. يحملون أفرانا متحركة تسمّى أفران الغفران fournaise à pardon، عليها يتم طهيُ الأوزّ والعجول والحملان والخنازير ولحم البقر والنقانق.

لقد كان صانعو الصلصات، حتى القرن العشرين، يبيعون أطعمةً ساخنة كانوا يُفرغونها مباشرةً من قدور ثقيلةٍ مصنوعة من حديدٍ أو نحاس، فيأكل الناسُ أطباقا من لحم البقر miroton وغيرها من أطباقِ اللحم المفروم المحمَّر galimafrée. أما طبّاخو الأحشاءِ فكانوا يتجوّلون من مكانٍ إلى آخر لإطعام حرفائِهم. وكانت هناك أيضًا ساحاتُ الخردةِ حيث تباع بقايا طعامِ العائلات البرجوازية التي يتمّ تناوُلها على الفور أو تُحمل إلى البيوتِ.

وستسْهم المعجّناتُ (التي ما تزال تُعرف منها فطائرُ اللحم) إلى حدٍّ كبير في شراهة الفرنسيين في المدن.

في القرن الثالث عشر، تحدث جان دي جارلاند Jean de Garlande  عن معجّناتِ لحم الخنزير والدواجن وثعبان البحر .. التي يمكن شراؤها وأكلُها أثناء المشْي.

هذه الخلطاتُ ستصبح في ما بعد فطائر مطبوخة.

لقد حققت الفطائر المالحة أو الحلوة، والفلان flan، وفطائر الجبن dariole  نجاحًا باهرًا منذ سنة 1440.

وفي القرن التاسع عشر، أصبح طهاة المعجّنات أكثر حرصًا على إرضاء حرفائهم، وأبدعُوا الجالانتين galantine ومرقَ الدودين dodine والبالوتين ballotine (التي تُعَدُّ من لحمِ الخنزير والطيور وإدخالاتٍ أخرى مختلفة مثل كبد الأوز وأنواع الفِطر).

وكانت للمقْليات أيضًا رائحةُ القداسة. كانت الكفتةُ والشرائحُ والمقرْمشات تؤكل بالأصابع من أقمَاع توضع فيها.

وفي شمال البلاد ظلت مواقفُ البطاطس، حيث يُؤكل كلُّ ما يُقلى في الزيت، تحقق بعضَ النجاح ببيع البطاطس بالطبع، وأيضا الجمبري الرمادي والكعك..

جنوب فرنسا، آخر معاقل طعام الشارع: 

في الجنوب بالقرب من إيطاليا حيث تُقدم أكلاتٌ مخصوصةٌ وسريعةٌ نجد آثارًا لمطبخ الشوارع التقليدي. وليس من غير المألوف أنْ تتذوقَ بين شارعيْن السّوكا socca والشيشي فريجي chichi fregi وسندويتش الـباغنا pan bagnat وأطباق البوتين من البطاطا المقليّة fritures de poutines أو السمك الصغير الذي يُطلق عليه " كُلْ كلَّ شيء"، وتارت الـبيتزا  pissaladière

" حلازين ماءٍ مالح! عندي حلازين كبيرةٌ وصغيرة " مَنْ مِنْ سكّان مرسيليا لم يلتق بجيزيل Gisèle التي تبيع الحلازين البيضاء الصغيرة مقابل قليلٍ من المال. وكان التبادل يتم أحيانًا من النافذة عبر سلّةٍ تُنزل، مشدودةً بحبلٍ.

إلى سنوات الثمانينيات لا يزال من الممكن في شوارع لو بانيه Le Panier تذوّقُ هذه القواقع السّاخنة التي تُلتقط في الأحراش.

أما بالنسبة إلى مصنع الجعة في ليون Brasserie de Lyon، فإنه يقدّم رقائقَ البطاطس والقواقع المطبوخة المحمولة، مع زجاجةٍ من البيرة الداكنة المخمّرةِ في المصنع.

ولكنَّ وضعَ مجموعاتٍ سكانية جديدة وصلتْ مصحوبة بالفريكاسي fricassée والبيتزا pizza  والشاورما shawarma  سيكون أفضلَ من وضع التجّار الصغار الذين لم يعرفوا كيف يعيدون تجديدَ معروضاتِهم.

لقد ساعدت العولمةُ وتوحيدُ الأذواقِ على انتشار بائعي البرغر burger بدلاً من معالم الشهية التقليدية. ومع ذلك، ما يزال بعضُ الرافضين يقاومون. ولقد تمكنوا من المحافظة على بعض أصالة الأمس.

لذا، بدلاً من اختيار النظام الغذائي الأحادي والوجباتِ السّريعة المستوردة، دعونا نعيد اكتشاف ثقافة تذوق الطّعام لدينا، بما في ذلك "طعام الشارع"!

إنه لذيذٌ وسريع وحسن الصّنع. إنه لا ينتظر سوى أنْ يتمّ إحياؤه.

المصدر:

Morgan Malka , Pas le temps de déjeuner ? Petite histoire de la street food à la française

https://www.leshardis.com/2020/06/cuisine-de-rue-france/


عدد القراء: 341

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-