الأنا المبدعة وتخييل التاريخالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2016-02-15 06:51:38

د.شكير فيلالة

باحث وناقد - المغرب

1 - السرد التاريخي داخل النظرية الأدبية

يتأسس الخطاب المتداول حول النوع التاريخي على تأويل الحدود المعيارية المدرجة في التصنيفية الأرسطية. ذلك أن الانتقال المعروف مما هو "شعري"، الذي يقارنه أرسطو بالخطاب الروائي، والذي يطرح التاريخ كمقابل له، يمكن أن نجد له مقارنة في هذا النص المأخوذ من كتاب "فن الشعر" لأرسطو. "واضح... مما قلناه أن مهمة الشاعر الحقيقية ليست في رواية الأمور كما وقعت فعلاً، بل في رواية ما يمكن أن يقع في الأشياء الممكنة. إما بحسب الاحتمال أو الضرورة، ذلك أن المؤرخ والشاعر لا يختلفان إلا في كون واحد منهما يروي الأحداث شعرًا والآخر يرويها نثرًا، وأن أحدهما يروي الأحداث التي وقعت فعلاً، بينما الآخر يروي الأحداث التي يمكن أن تقع، ولهذا كان الشعر أوفر حظًّا من الفلسفة، وأسمى مقامًا من التاريخ، لأن الشعر يروي الكلي بينما التاريخ يروي الجزئي".1

لقد تم التمييز في هذا المقطع بين نوعين من الخطاب السردي:

 الأول ذو الحقيقة الماضية والمثبتة للموضوع، الثاني ليس حقيقة ما حصل، ولكن ما كان بإمكانه أن يحصل، إنه ليس بالحقيقي لكنه بالممكن. يبقى هذا الإثبات مشوشًا ومبهمًا لو فكرنا في المحاكاة La Mimésis وحدود التقليد أو النسخ، ولو اختزلنا الرواية التاريخية في هاجس التقليد، لسوف نعدُّها ناجمة عن المعادلة المؤسسة لكل ما هو شعري: Poésie=Mimésis، وبصيغة أخرى إنتاج عالم من الكلام والأفعال الممكنة، وليس إعادة إنتاج حالة من الأشياء الحقيقية،(*) فالقصيدة بانتمائها لفعل التشكل لا تستنسخ، بل تخضع لتحليل مختلف عن ذلك الذي يطبق في التاريخ، الذي يشير إلى قضية الحقيقة كمعادل لحقيقة الأفعال.

 في حين فإن المسألة ليست نفسها عندما يتعلق الأمر بالقصيدة، فما هو "شعري" يؤسس لنمذجة لازالت تحافظ على تماسكها في التراث الغربي إلى يومنا هذا، ويمكننا أن ندرك ذلك بالرجوع إلى بعض الأفكار التي تم تداولها من طرف بعض المهتمين:

1 - في نسق الحكي: إن الطريقة الوحيدة التي تسمح بعكس الواقع واحتوائه هي القصة. إلا أنه لا وجود لقصص حقيقية فقد نجد الحكاية من جهة، وقد نجد القصص من جهة أخرى، لذلك ف"سرد" قصص أو روايات أو أساطير، إنما هو خلق للرواية.3

2 - في وصف القصة لا يمكن للشاعر أن يتدخل ليغير النهاية السعيدة أو المحزنة، ولكن بإمكانه أن يغير الظروف والخطابات المتعددة (...) كما أن الوصف صفة للقصيدة وهي تناسب الشاعر وليس المؤرخ الذي يحكي الأحداث كما حصلت فعلا في مطابقتها مع الواقع. 4

3- ما دمنا غير مجبرين على كتابة الأحداث التي تغير حقيقة القصة دون أن تشوهها (....) فإن الأمر يختلف عندما نكتب باعتبارنا شعراء أو مؤرخين، إذ بإمكان الشاعر أن يحكي أو يغني الأشياء ليس كما كانت، ولكن كما كان ينبغي أن تكون، في حين أن المؤرخ يجب أن يكتبها ليس كما يجب أن تكون، ولكن كما حصلت دون إضافة ولا إزالة أي شيء من الحقيقة المثبتة في الموضوع.5

فمن خلال هذه الأفكار يظهر أن القصيدة تحكي عما يجب أن يكون، عبر عرض جيد لتدبير قواعد الخطاب "إن المؤرخ لا يملك الحق في إقصاء هذه النثرية في إنجازه، والمساس بشعريتها. إن عليه أن يحكي ما كان عيانيًّا، دون تأويلات اعتباطية أو تشوهات شعرية، فبعض المجهودات التي يقوم بها المؤرخ ليدرك الحس الباطني لروح العصر والشعب، ولبعض الأحداث التي يصفها ليجعل منها المركز والرابط الذي يصل التفاصيل المحكية ببعضها البعض، لا يكون فيها حرًّا إذ لا يخضع لهذا الهدف الظروف والخاصيات والأحداث، حتى وإن أقصى كل ما هو عرضي وتافه، لكن يتحتم عليه أن يتركها كما وردت، مع كل العرضي الذي فيها، وبكل مظاهرها الاعتباطية (...) لكن المؤرخ حتى وهو يبحث بتوجيه من معارفه الذاتية عن التوصل إلى الدوافع المطلقة للأحداث والذات الإلهية التي يختفي أمامها كل ما هو عرضي ليخرج إلى الوجود الضرورة العميقة والداخلية التي يخضع لها كل شيء، فإنه لا يتوجب عليه التطاول على مجال القصيدة، التي لا تملك وحدها الاختيار والحرية لتحويل المادة الموجودة، وجعلها –ولو ظاهريًّا– مطابقة للحقيقة الداخلية".6

 من خلال هذا المقطع نسجل وجود معجم آمر وناهٍ، زاجر وحاث يجبر المؤرخ على احترام ظروف الوقائع التاريخية بدقة، دون إهمال ما فيها من محتمل واعتباطي، مما يضع المؤرخ في وضعية مفارقة، مادام أن احترام الأحداث التي يجب أن يلتزم بها كقاعدة قابلة، لأن تعميه عن "الضرورة العميقة" التي توجه موضوعه، وفي المقابل نجد أن هذا الأمر مسموح به للشاعر ليقوم بكتابة متخففة من أعباء التفاصيل المربكة، التي تحجب ذاتيته؛ فالتصنيف الأرسطي صار الإطار القانوني الذي يتم بموجبه التحديد الصارم لحقوق وواجبات كل من الشاعر والمؤرخ.

2 - العلاقة بين التاريخ والأدب

إن العلاقة بين الفن والتاريخ، علاقة قديمة وممتدة في تقاليد الأعمال الإبداعية، خاصة الروائية "ذلك إن كبار المسرحيين الغربيين مثل من القرن السادس عشر والسابع عشر استوحوا موضوعاتهم من روايات الإخباريين. فمن يقرأ اليوم تلك الأعمال، ويقارنها مع أصولها يجدها مادة تاريخية أفرغت في قالب مسرحي حتى عند المسرحيين أنفسهم، (....) فلا تكتسي معنى بشريًّا إلا إذا أفرغت في قوالب فنية شعرية".7

فقد ساد الاعتقاد بأن الأحداث في تواليها لا تحمل أي دلالة وقيمة رمزية ما لم يتم إدراجها ضمن نسيج فني شعري يمنحها بعدًا بشريًّا "المؤرخ يستعمل كل الأساليب البلاغية من تقديم وتأخير وإجمال وتفريع وإيجاز وإطناب إلخ..، بل يدعوه المقام إلى محاذاة الواقعي بالمحتمل، والقطعي بالظني، إذ يبدو الواقع أحيانًا مستحيلاً أثناء عملية التألفة"8، فالوقائع مستحيلة ومعقدة في أثناء عملية التأليف؛ مما يجعل المؤرخ يستعمل أساليب الأديب في انتقاء الكلمة والجملة البليغة بصفته يعمد إلى الاستمالة والتأثير، إلا أن ما يزيد فيه عن الأديب هو الدور التهذيبي." يعتمد الشاعر الممكن، كل الممكن، لأن هدفه الاستمالة والتأثير، أما المؤرخ فإنه يقتصر على الواقع المحقق لأن هدفه هو التهذيب لا يكون باعتماد غير الواقع".9

وإذا كان الأدب التاريخي لا تمتاح مواده الأساسية من ظروف وشخصيات التاريخ، ومما هو محدد في السياق التاريخي، فإن اختلاف الأدب مع التاريخ يكون في هيمنة الخواص الإبداعية فيه، أما اختلافه مع الأدب، فيتمثل في كون الأحداث والسمات محددة فيه سلفًا. فالأدب التاريخي يعني الصراع بين "الأنا" التي تطمح إلى التعبير عن ذاتها بحرية، وبين تحديدات مادة التاريخ وإلزاماتها، بحيث تطمح من خلالها "الأنا" المبدعة إلى التعبير عن نشاطها. ومن ثم فالمسألة متصلة بإبراز وجوه اختلاف أنماط تنظيم "الصراع" بين حرية "الأنا" و"إكراهات" التاريخ، لذلك تعد الرواية التاريخية في حد ذاتها وكل ما يرتبط بها عالماً محملاً بتناقض باطني، لهذا فهي شيء آخر غير المحاولة المكررة ألف مرة لإدماج حبكة مبتكرة في إطار صنعة المؤرشف المعني بزخارف التاريخ.

كما أن التعريفات الشائعة للرواية التاريخية بصفتها نوعًا "هجينا" أو"غير شرعي" يكمن مصدرها في تقسيم المعارف الاستدلالية، فهذا النوع الروائي يستمد علة وجوده من إمحاء حده المحفوظ من المزج بين علاقة الأحداث المثبتة والمجدولة، وبين بيانات لا يمكن إحالتها على مرجع ما، من ثم عُدت الرواية التاريخية لوقت طويل نتاج اقتران ضد الطبيعة، "الرواية التاريخية هي نوع "هجين"، يعمل الكاتب والباحث أحيانًا على التدبير السيئ له".10

إن هذا التناقض الباطني الذي يحمله الأدب التاريخي يقود إلى نوع فني مبهم يقع بين التاريخ والرواية، يدعي خدمة المعرفة بقدر ما يخدم التجربة المعيشة، ويخدم العلم بقدر ما يخدم الخيال الشعري؛ وهذا يطرح مشكلاً في حد ذاته "إن مشكل الصلات بين الرواية والتاريخ ليس- على مستوى النظرية الشعرية- إلا مظهرًا خاصًّا من مشكل عام، وهو المتعلق بالصلات بين القصيدة والواقع"،11 وقد تناول "إثيان مزينك  Etienne Mazingue "هذا الأمر من خلال دراسة رواية Anton ulruch  "Aramena"، إذ خلص إلى أن هذه الرواية تقوم على "التوفيق بين الخيال الأصلي والمعطيات التاريخية".12 وأعقب ذلك بتحليل مفصل للتقنية الخاصة التي بدأ الروائي بتنفيذها ليتحقق"وجود الخيالي متوافقًّا مع التاريخي، عبر البناء المنطقي لجينالوجية روائية تعيد تجميع معطيات الثوراتية، وإبداعات روائية في نسق واحد" 13

ويعد "إثيان مزينك  Etienne Mazingue " أن هذه الرواية ترقى إلى أفضل الأعمال، نظرًا لأن "مشكل صلات الرواية بالتاريخ تتلقى فيها الحلول الأكثر إعدادًا والأكثر جرأة في الآن نفسه. وهي حلول تتعلق بالحدث والشخصيات: فبالنسبة للحدث تستوفي الرواية عدة خطاطات منها ما هو خاصة بـ"التماس أو التداخل"، ومنها ما هو متعلق بـ"الدمج"، ومنها ما يهم "التكامل" أيضًا"14. إن هذه الخاصية الأخيرة في نظره متلائمة مع رواية Anton ulruch حيث يقول: أن "تداخل الخيال الروائي والأحداث التاريخية في حاضر الرواية بمستويات متعددة".15

ويرى أن الإطار الزمني والإحداثيات المكانية في تقنية التكامل هذه لها دور أساسي في التحليل المكرس للشخصيات، ويؤكد على أن هاجس "التماس" و"التكامل" هما اللذان ضمنا للأثر الفني تمييزه الاستثنائي وأصالته في الرواية.

وفي كتاب 16Guy Rosa "Quatre vingt treize ou la critique du roman" historique " استنتجت الناقدة بأن الروائي بدل جهدًا كبيرًا من أجل ألا تظهر الحكاية التاريخية إجراء تقويضيًّا للحبكة، أو استغلالاً للنواقص التي تسم المادة التاريخية في السياق السردي، لذلك ترى بأن الروائي عمل من أجل "أن يكون غرض التاريخ مندرجًا ضمن عوالم الخيال وممكناته".17ويمنع حضور سارد وحيد يشغل الوضعية نفسها بالنسبة للسلسلتين الوقائعيتين (التاريخية والابتكارية) والتمييز بين "الأشكال نفسها التي تم تطبيقها في الحقيقتين، بما فيها الوصف، والحوارات، والخطابات، وتوحيد المحتويات، وتناول الشخصيات في تحديداتها التاريخية – السياسية الوحيدة".18غير أنها ترى بأن توحيد نسقي الحقيقة ليس كليًّا، إذ "أن العلاقة بين الخيال والتاريخ ليس في اختزال أحدهما للآخر، ولا في التعديل المتبادل، ولا في التناقض الجزئي، وإنما في التقارب المتقطع الذي عليه إقامة تفاوت بين مستويي الرواية: الواحد متعلق بالتاريخ والآخر بالحبكة". 19

وتضيف أيضًا بأن هذا "التفاوت" يعني "التقارب والتفاوت الملاحظين بين تصوير التاريخ وسرد التخييل اللذين يشهدان على استحالة تموقع موضوع التاريخ في مكان واحد، وإصدار حكم وحيد عليه". 20

أماJean Mesnard  فقد عدّ أن موهبة Mme de Lafayette الروائية وفضلها، يكمنان في كون عملها الروائي قام برتق الصدع بين الخيال الخالص والتاريخ الخالص، على الرغم من أن عمل الترصيع الذي كان يجب أن تنكب عليه لم يكن دون بعض التفاوتات، مما خلف بعض المساوئ في وصل العنصرين باستمرار. لقد كان مبدؤها أن تلج خيال التاريخ ما أمكن وذلك عبر تأويل المعطيات التاريخية إلى المعنى الأكثر ملائمة لمتطلبات الخيال، فانهمكت في استخراج قياس وحدات الزمن من التاريخ في مسار السرد، ثم ربط اللحظات المتوالية للحبكة العاطفية بأحداث التاريخ الذي يأتي كل مرة ليزودها بطابع الحقيقي. "إذا كان المعطى الروائي لا يصطبغ بصبغة تاريخية، فبالمقابل يصطبغ المعطى التاريخي بصبغة روائية، وليس هنا أي تلوين سياسي كي لا يكون الموضوع مفارقًا بالنسبة للأسلوب الروائي (...) إنها لا تحتفظ من الماضي إلا بما يناسب روايتها (...) من هنا تأتي وحدة أسلوب العمل الأدبي الذي تدخل فيه عناصر متعددة". 21

إذن، تصبح الرواية هي التاريخ، لكن شريطة أن تهمل ما يجعلها رواية، إنه شكل من أشكال التمثيل، لكن هذا الإجراء في الاستخلاص يثير الحيرة، حيث لن يكون ملائمًا لتعميق الصلة بالموضوع، وإنما فقط عملية الشرح هي التي تظهر منطوق التاريخ أو منطوق الرواية بمظهر أو بآخر، خاصة إذا اعتبرنا أن المحتويات منفصلة عن الأشكال التي تتمظهر فيها، وهذه العملية هي تطبيق مدرسي للدراسات التي تفصل الشكل عن المحتوى.

إن المفارقة في علاقة التاريخ بالأدب تبقى قائمة، "هناك تناقض واضح بين التاريخ والشعر: إما أن يتطفل الأول على الثاني، ويستعير منه ما يكتسب به مغزى دائمًا وقيمة أبدية، وإما يفقد الثاني كل دور تربوي وتهذيبي بعد ظهور الأول". 22 إذًا، لقد خصص للشاعر الغاية الموضوعية التي للمؤرخ، وذلك من خلال التصوير الشعري للتاريخ؛ ولبلوغ الشاعر هذه الغاية عليه أن يستسلم لمقتضى الصدق التاريخي، إذ لابد أن يضع كل اهتمامه في خدمة تقصي الحقيقة التاريخية وتصويرها والانعكاس الصادق للأشياء التي وقعت حقًّا.*

كما يكمن الفرق بين المؤرخ والأديب، في كون الأول يصف سلسلة من الوقائع تمتلك خطابًا فعليًّا، والثاني ينتج خطابًا خياليًّا، والمؤرخ مأخوذ بالوقائع المتغيرة، ولا يتلفت إلى صياغتها بشكل أساسي، على خلاف الأديب المأسور ببديع اللغة في المقام الأول، تليها عملية النظر في الوقائع؛ إلا أنهما يلتقيان في استقراء وضع الإنسان من الوقائع. "تختلط الرواية بالتاريخ إلى حدود التماهي، فكلاهما يقصد السببية الاجتماعية، التي أنتجت وقائع معينة ومنعت وقائع أخرى من الظهور، وكلاهما يقرأ وضع الإنسان والوقائع التي ولدت من الوقائع التي جاءت مجهضة". 23

فهذه ليست دعوة إلى تقليص الفروق بين التاريخي والروائي،  ولكن هو تقريب إلى ما هو متماثل بوصفه: "أن كل رواية هي رواية تاريخية لأنها أثر لإنسان عاش أو يعيش في حقبة زمنية معينة، لأنه يتوجه بها إلى أشخاص يوجدون في وضع تاريخي. لكن كل الروايات ليست تاريخية بالشكل نفسه". 24

لكن برغم هذا التماهي في المقصدية يبقى الاختلاف قائمًا، ذلك أن قصدية التاريخ هي بحثه عن الواقعي، بوصفه الأشياء التي سبق أن حدثت، في حين أن قصدية الأدب تكمن في إعادة وصفه للواقعي من حيث إمكانية وجود الأشياء التي قد تحدث أو كان بالإمكان أن تحدث، لأن عوالم النص الأدبي وخواصه التشكلية تطرح مسألة "الأدبية" كخاصية مميزة للنص الأدبي عن غيره، خاصة، وأن الأعمال المندرجة ضمن الحركة الظاهراتية، وبالضبط مع "رومان انجاردن R. Ingarden" وآخرين من أمثال" ميللر Muller G." و"هيجلF.Hedel " و"ستنزال F.Stanzel " و"لامرت E.Lammert" إلخ... قد أفرزت مقاربات من قبيل العلاقات بين الزمن والتاريخ المروي، وزمن القص أو أشكال تدخل السارد في الرواية وغيرها... فأسهمت دراساتهم في بلورة مقاربة أكثر عقلانية للموضوع الأدبي، إذ عينت جهازًا منهجيًّا جديدًا ومنتجًا، وفي الآن نفسه حجمت مسألة عبقرية المفسر الذي كان المصدر الأوحد للمعنى والدلالة.*

3 - السرد التاريخي والسرد الأدبي أوجه التلاقي والافتراق

يقترن التاريخ مع السرد في وحدة لا انفصام فيها، حتى كأن التاريخ مهما اكتسب خاصية "العلمية " لا يبقى إلا سردية خاصة أو مميزة يمكننا تسميتها بالسردية التاريخية، وتلعب اللغة دورًا حاسمًا في هذه السردية، إذ من البديهي القول: إننا لم نستطع ولن نستطيع أن نكتب أو نروي أي تاريخ ما دون اللغة، لتغدو المدونات أو المتون التاريخية برمتها سرديات تتحول في عملية معقدة عبر الزمن إلى حقائق يعتقد الوعي الجماعي العام أنها تمت بالفعل؛ ويشكل التخييل في هذا المقام عنصرًا أساسيًّا مهيمنًا على أي سردية تاريخية مهما كان جنسها: مكتوبة أو شفهية.

وإذا كانت السردية تنطوي بطبيعتها على العنصر التخييلي، بحكم أنها تتم بواسطة اللغة، فإن هذا العنصر يحتل منزلة العنصر "الحاسم" في مجمل العناصر الأخرى من السردية التاريخية، ويعرف "بول ريكور Paul Ricœur " في هذا الإطار السرد التاريخي "نوعًا من الأمثولة على الزمانية، لكنها أمثولة من نوع خاص، هو تحديدًا، الأمثولة الحقيقية"25 وتكتسي الأحداث في هذه الأمثولة مظهر عناصر القصص المعيشة ذات البداية والوسط والنهاية، في حين أن التاريخ (الزمن) مجرد تسلسل. كما أن الخطاب السردي لا يعكس فقط أو يدون تدوينًا سلبيًّا عالمًا مصنوعًا سلفًا، بل ينشئ المادة المعطاة في الإدراك والتأمل ويطوعها ليخلق منها شيئًا جديدًا.

من ثم فالخطاب السردي خطاب أدائي أكثر مما هو يقيني، مما يخول له إعادة تصوير الزمن، وقول الواقع لكن باستهداف قصدي لأفق واقع جديد يمكن أن نسميه عالمًا، يتخلل النص، وهو عالم الفعل الواقعي اليقيني، لكن مع إضفاء تصور جديد عليه فيحول صورته. بذلك، ينطوي السرد سواء أكان أسطورة أم قصة أو رواية على أفقين: أفق التجربة الماثلة في حاضر النص بفعل الإمكانات الإنجازية للروائي، وأفق يتجه نحو الماضي في محاولة لفهمه وإعادة ترتيبه وتنظيمه، ولا بد أن يكتسب هذا الأخير الصياغة التصويرية التي تنقل الأحداث إلى نظام زمني فعلي وأفق توقع المستقبلي يحقق به النص السردي، بمقتضى تقاليد النوع نفسه، أحلامه وتصوراته، ويوكل للمتلقي أو القارئ مهمة تأويله "إن النص لا ينقل الواقع مباشرة، بل ينقله بحسب مقتضيات سردية توجهها أعراف النوع "النص إذن، يقول الواقع الماضي ولكن عن طريق تصريحه بعالم آخر ممكن". 26

إن ما يعارض السرد التاريخي بالنص الأدبي لا نعثر عليه في البنيات السردية كما هي، ولكن يمكن أن نحدده من خلال مسألة الحقيقة، ذلك أن السرد التاريخي ليس حقيقيًّا بالمعنى الذي يتم فيه استرجاع الأشياء كما وقعت في الماضي، لأن هذا الفعل محكوم بإكراهات الذاكرة التي تفقد في صيرورة التذكر تفاصيل ووقائع عشناها، خاصة أن عملية الاستدعاء تتم بشكل يمكن أن تحكى معه الوقائع بأكثر من طريقة؛ فالتاريخ لا يكتب مرة واحدة، بل هو مادة قد تكتب مئات المرات، لأنه ليس مادة مغلقة لها مقدمات ولها نتائج ثابتة لا تختلف من شخص إلى آخر. أو بمعنى آخر إنها تقوم على حادث حدث، وكاتب كتب، بل هي مادة منفتحة ومتحركة لا يدخل في تركيبها الحدث في حد ذاته، بل ونظرة السارد أيضًا لهذا التاريخ، فالسارد ليس بآلة تصوير تلتقط الصورة كما وقعت بكل دقائقها، إنه ينقل الحدث ممزوجًا بشعوره وإحساسه ورأيه، وهو مخلص فيما يفعل، إلا أن إخلاصه يبقى من وجهة نظره الذاتية للوقائع، لا من وجهة نظر الحقيقة والواقع الموضوعي. كما أن سرد واقعة يفرض شد الماضي إلى الحاضر، مما يجعل التاريخ علاقة بحدين: سرد الأشياء بحسب خطط وأشكال مختلفة ولا نهائية، خاصة أن التاريخ حكاية ماض لم يكن حاضرًا يومًا ما، إنه محتمل أن يكون معروفًا بسيناريوهات كثيرة ومتنوعة لا تتطابق مع أي سيناريو آخر، و مماثلة السرد التاريخي "بالحقيقة" هو نوع من الوقوع ضحية وهم المعنى المشترك، وهو بالتأكيد معنى ملتبس.

من هنا يتساءل بارث Barthes "هل من المشروع دائمًا مناظرة الحكي التخييلي بالحكي التاريخي (...) فسرد الأحداث الماضية خاضع بشكل عام في ثقافتنا منذ الإغريق إلى التصديق الإجباري بـ"الواقع" المبرر بمبادئ الاستعراض "العقلي"، فهذا السرد يختلف حقًّا ببعض الملامح الخاصة، والوثيقة الصلة بالسرد الخيالي مثلما نجده في الملحمة أو الرواية أو الدراما".27 ليخلص إلى أن السرد التاريخي "مثل أي خطاب يدعي "الواقعية" يعرف خطاطة دلالية بحدين: المرجع والدلالة (...) بمعنى آخر، في التاريخ لا يكون "الموضوعي" و"الواقعي" دالاً غير مصوغ، إذ إن الخطاب التاريخي لا يتبع الواقع، بل يدل عليه فقط".28 وهذه الدلالة تتم عن طريق مرجع ثانوي "الأدب والتاريخ يتحدثان بطريقة غير مباشرة عن التجارب المنفلتة للزمانية من خلال وبواسطة دول تنتمي إلى أنظمة وجود مختلفة، وتكشف من جهة عن أحداث واقعية ومن جهة ثانية عن أحداث متخيلة".29 لذلك فالسرد التاريخي يتسم بجرأة اقتحام عالم التخييل مما دعا "مارو Marrou" إلى القول بأن "الرواية التاريخية في تقديمها للماضي لا ترتكز على معرفة صحيحة، بل يمتزج فيها الطوباوي بالخيالي ".30

وتقديم هذا الماضي يتم فيه إعادة تشكيل التاريخ بمعمارية معينة، تتداخل فيها عناصر كثيرة وحيل أسلوبية وتنميقات بلاغية، هي فن للإقناع يتم بخطاب يصوغه سارد التاريخ، لأن "أسلوب واستيهامات الكاتب هي فن للإقناع بخطابه، وجعل القارئ ينسى ما لم يقله الكاتب (...) وجعله يصدق بأن ما يقوله هو سيناريو ما وقع مستعملاً في ذلك كل حيل الحكي". 31

ويحدد "ميشال سارتو Michel Certeau" في فصل معنون بـ"العملية الأيسطوغرافية" ضمن كتابه "الكتابة والتاريخ"32 بعض هذه الحيل: إن السرد يقلب الصيرورة الواقعية للبحث والتقصي، فيمحي المساحات المحفورة من جراء البحث ويعوضها بصيرورات دون انكسارات أو غيابات، إنه يمثل المسيرات التاريخية تحت مظاهر سلسلة متتالية من الوحدات التصويرية واضعًا زمن الأشياء ضمن خطية مشتركة محافظة على المعنى نفسه في مختلف أشكاله. فعن طريق التقنيات الخاصة بالكتابة يمكن وضع التاريخ خارج مجال الخطاب العلمي،  لموضعته في مجال التخييل، الشيء الذي سيتم معه الدخول في جدل مع التاريخانية الجديدة المابعد حداثية، والتي يعد "هايدن وايت Hayden White" أحد أبرز أقطابها، الذي يعد السرود بقدر ما هي تاريخية فهي "تخيلات فعلية بمحتويات مختلفة موجودة سلفا في أشكال مشتركة مع نظيراتها الأدبية أكثر منها مع العلمية". 33

كما أن السرد التأريخي يقوم باصطحاب التاريخ المنسي والمكبوت إلى منطقة الأسرة الأدبية، وذلك بوضعه ضمن حبكة. فالمؤرخون يحكون حبكات، وهذه الحبكات لا تحاكي تسلسل الواقع التاريخي، لكن تقيم علاقة مجازية مع النماذج الأدبية الأصيلة، وتؤدي وظيفة الوساطة بين الأحداث المتعددة والقصة التي توحدها الحبكات التي تعطي الأولوية للتوافق على التضارب، والأولوية للتنافس بين التعاقب والصياغة التصويرية "الحبكة بوصفها المكون السردي المركزي ليست سوى تأليف إبداعي للزمن، يستخرج من التشعب العشوائي للتجارب كلا زمنيًّا موحدًا". 34

لأجل ذلك يشتمل التفسير التاريخي من طرف المؤرخ على ترجمة هذا التوفيق بين التضاربات، وعلى تفهم القارئ للتداخل بين السرد التاريخي والسرد الأدبي، وكون المؤرخ لا ينتج معرفة جديدة، بل يقوم بإعادة الإنتاج والتعرف على أشكال قديمة يطلق عليها بلا تمييز (تخيلات أو أساطير). لذلك فان ما يتم هو "تخييل التاريخ Fictionaliser l’histoire".

 لكن يبقى المؤرخ في عملية بناء تخييل تاريخي متأرجحًا بين الذات والموضوع، بين "ادعاء الواقع" و"التخييل الأدبي". فادعاء الواقع تضطلع به ذات واقعية، وهي الذات التي تنفذه، وخصوصية هذا الواقع المدعى خصوصية كونية، لأنه يبني من مادة الألفاظ، مادة موضوعة في (الهنا والآن)، واقع يقوم على موضوع وفعل وحكم.

إن البنية ذات/موضوع هي نفسها البنية التي تحدد الخطاب العلمي كما تحدد التواصل العادي، وفي الحالتين تقدم مادة الادعاء مثل مصدر وفعل الادعاء،  كمن عليه ضمان صدقها، وللالتزام بهذه الضمانة يتم الاعتماد على تجربة المدعي، وعلى معرفته بالعالم لتأكيد هذا الشيء أو ذاك، في حين نجد أنه في الخطاب التخييلي لا توجد أي ضمانات نظرًا لكون الكاتب يمحي أمام أنا أصل- واقعي،  Je-Origine –كما هو وارد مع" Hambourger kate"- المتموضعة في النص، ذلك أن الشخوص حيث تكمن أهمية التخييل، تظهر شاعرة ومفكرة وفاعلة ومنفعلة.

 كما أنه بالإمكان تلمس التخييل الأدبي في خطابات الحقيقة كما هو موجود عليه الأمر في التاريخ، ذلك أن السرد التاريخي المحمل بالحقيقي –تجاوزًا– والمزود بمجموعة من المعلومات التي يضمنها متلق حقيقي بإمكانه أن يتقاطع مع العالم الممكن للنص الخيالي. بهذا المعنى ينتمي السرد التاريخي إلى الأسرة الأدبية التخيلية، والتي ليست مجرد نتاج للوهم "إن الأخيلة لا تقل واقعية، بل لعلها أكثر واقعية من الأشياء التي تتمثلها، إذ يتضمن العمل الخيالي عالمًا كاملاً معروضًا أمامنا. يكتف الواقع  ويجمع ملامحه الجوهرية في بنية مركزة (....) تقول الأخيلة الواقع الإنساني باشتراعها عالمًا ممكنًا يستطيع أن يتقاطع مع عالم القارئ ويحوله".35

إذن، فالسرد التاريخي كما السرد الأدبي يقول الواقع، لكن مع التصريح بعالم آخر ممكن ادعاؤه أو افتعاله، وضمانته الوحيدة هي الارتباك الذي قد يحدثه في مدونة القارئ ومرجعه الثقافي من خلال تقنيات الكتابة الروائية وأساليب تشكلها المتنوعة، التي تخلق عالمًا مماثلاً لعالم التجربة الثقافية التي عند القارئ، وذلك باقتطاعها عناصر من الحقيقة والزج بها بشكل فني في عالم التخييل ليحصل التماهي المنتج لفعل التصديق.

 

هوامش وإحالات:

1 - أرسطو طاليس: فن الشعر، ترجمة وتحقيق عبدالرحمن بدوي، دار الثقافة، بيروت، لبنان، الطبعة 2 .1973، ص:26

*  - لقد تم تناول هذا الموضوع بخاصة في الفصل الأول من كتاب:Temps et récit. ed Seuil.p58-59

2- George Blin : Stendal et les problèmes du roman, José corti  Paris,  P. 8-9.

3-G. PH. Harsdörfer: vurnberg. 1650, cité par Etienne Mazingue, Anton Ulrich, un prince

      romancier du XVIIIe siècle. II. P : 616.

4 - Servantes : Don Quichotte, Partie II Ch. III, P  544.

5 - Hegel: Esthétique, La poésie,1, Aubier. Montaigne, 1965, PP : 55 – 57.

6 - عبدالله العروي: مفهوم التاريخ - ج. 1. الألفاظ و المذاهب، ط3، 1997 المركز الثقافي العربي ص: 49.

7- المصدر نفسه: ص 50

8 - المصدر نفسه :ص50.

9 - Florence Mothe : citée par Jacques Cellard, le monde, 25 Novembre 1983.

10 - G. PH. Harsdörfer: vurnberg. 1650, cité par Etienne Mazingue, Anton Ulrich, un prince

     romancier du XVIIIe siècle. II(Op. Cit.P: 616.

11 - G. PH. Harsdörfer: vurnberg. 1650, cité par Etienne Mazingue, Anton Ulrich, un prince

      romancier du XVIIIe siècle. I(op. Cit)I P : 630.

12 -  G. PH. Harsdörfer: vurnberg. 1650, cité par Etienne Mazingue, Anton Ulrich, un prince

     romancier du XVIIIe siècle. II(Op Cit) P: 636.

13 - G. PH. Harsdörfer: vurnberg. 1650, cité par Etienne Mazingue, Anton Ulrich, un prince

      romancier du XVIIIe siècle. II(Op Cit) P: 658

14 - (Op Cit) P: 643.

15 - En revue d’histoire littéraire  de la France ; Mars-  juin   1975 voire Introduction.

 16 - G. PH. Harsdörfer: vurnberg. 1650, cité par Etienne Mazingue, Anton Ulrich, un prince

   romancier du XVIIIe siècle. II(Op Cit) P: 329.

17 - En revue d’histoire littéraire  de la France, Mars-  juin   1975  (op. Cit), P : 333

18-  (op. Cit) P : 337

19 - (op. Cit)  P : 341.

20 - Jean Mesnard: Introduction à la Princesse de Clèves, colle de l’imprimerie nationale, Paris,

     1980 – P :9 -57

21 - عبدالله العروي: مفهوم التاريخ، الألفاظ والمذاهب ج1، ط3، 1997 المركز الثقافي العربي، ص: 48.

* - ما يستنتج من مذهب أصحاب هذا الطرح هو أنه لابد من إعادة النظر في التعامل مع حرية الشاعر بوصفها حقًا طبيعيًّا غير قابل للتقادم، وذلك بمنحه الغاية الموضوعية التي للمؤرخ.

22 - فيصل دراج: نظرية الرواية والرواية العربية، المركز الثقافي العربي الطبعة الأولى1999ص: 179.

23 - فيصل دراج: المصدر نفسه. ص: 179.

* - إن هذا المسعى يدعونا إلى التفكير في الاتجاهات النظرية التي ظهرت في فرنسا بتأثير من الشكلانيين الروس، والمنتظمة حول البنيوية والسيميائيات، التي ارتبطت بازدهار علوم اللغة.

24 - ديفيد وورد: الوجود  والزمان والسرد، فلسفة بول ريكور ترجمة و تقديم سعيد الغانمي الطبعة الأولى، 1999 المركز الثقافي العربي ص: 188.

25 –المصدر نفسه. ص: 31.

26 -  R. Barthes : le Discours de l’histoire, In informations sur les sciences sociales. Unesco

     VI – 4 août, p, 69  P 67.

27 - (op. Cit) p, 69  73 – 74.

28- هايدن وايت: "ميتافيزيقا السردية"، الزمان والرمز وفلسفة التاريخ عند ريكور، نقلاً عن الوجود والزمان والسرد مرجع سابق ص: 196

29 - Marrou H.I : De la connaissance historique. Seuil; P : 87

30 - Magazine littéraire La nouvelle histoire  N°123 avril 1997 P : 28

31 - Michel de certeau : L’écriture de l’histoire – Gallimard 1975.

32 - Hayden White:" The Historical text as literary artifact», Clio III/3, 1974, P 102.

33 - ديفيد وورد: الوجود والزمن والسرد، ترجمة وتقديم سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، ط1، 1999، ص 69.

34 – المصدر نفسه ص: 30-31.

35 – المصدر نفسه ص: 30-31.


عدد القراء: 5346

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-