إضاءة في قضايا الفكر ومناهج التفكيرالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2016-02-15 07:34:59

د. حمد بن حسين الجعيدي

السعودية - الخرج

التفكير من خصائص الإنسان، الكائن المميز به، الممكن من إنتاج المعرفة، المتحرك بالإرادة والاختيار والقدرة على التمييز، حتى لكأن الأنا الذات بإطلاقها الفلسفي وفي جميع اتجاهاتها في الضمير اللغوي القائم في كل شخصيّة إنسانية بذاتها المستقلة بمقوماتها في الأنا و(الأنوات الأخرى) تنحصر في قدرة الإنسان على التفكير. (أنا أفكر، إذن أنا موجود) حكمة ديكارت الشهيرة، وبكل الاحتمالات التي تفسر بها هذه المقولة سواء ذكرها باقتصاره على المقدمة الكبرى والنتيجة مع إسقاط المقدمة الصغرى، أو قررها عندما تعرف على وجوده واستيقنه من خلال قدرته على التفكير، والتي بنى عليها فلسفته ومنهجيته، بعيدًا عن محاكمة تلك المنهجية هل نتجت منه ابتداءً أو بناءً على ما استفاده من الإمام أبي حامد الغزالي في رحلة الوصول إلى اليقين عبر بوابة التفكير؟ كما يحاول إثبات هذا التأثر أو يلفت النظر إليه بعض الباحثين. وسواء استفاد اللاحق من السابق، أو حصل بينهما التوافق، فالذي يهمنا هنا الإشارة إلى أهمية خاصية التفكير والقدرة عليه عند الإنسان، وأنه مقوم أساس من مقومات وجوده، بل إن إنتاجه الفكري يتعدى وجوده ويمتد عبر الزمان ولو غادر الحياة. فالإنسان هو الكائن المتميز بالتفكير والمكلف بالتفكّر. وفي استقراء سريع لآي الكتاب العظيم، نجد الكم الكبير من الحث على التفكير وإعمال الذهن في الكون والوجود وما فيه وما سخر منه وما وراءه وسننه وقوانينه وحركة الحياة، في الأمر بالتبصر والتفكر والنظر والتعقل والتدبر لبناء المعرفة والإنتاج العلمي ماديًّا أو معنويًّا، محسوسًا أو مدركًا، بقدرة الإنسان على الإدراك بما يتعدى أدوات المعرفة المادية وامتلاكه خاصية القدرة على استشراف الغيب والتعمق بالفكر والاستدلال بالشاهد على الغائب، والانتقال من المحسوس إلى المجرد، والتمييز والمقارنة والاستقراء والفقه والاستنتاج والتحليل والتركيب، وغير ذلك من عمليات الفكر. وبقدر ما يرتب الإنسان أفكاره بقدر ما يحسن إنتاجه، فيحتاج إلى منهجية وضوابط في التفكير.

إذا أدركنا هذه الطاقة الهائلة في الإنسان، واستشرفنا أهميتها في هذه المقدمة القصيرة، فإني سأحاول هنا وضع بعض الإضاءات في سبيل التفكير الإيجابي ليس تحجيرًا عليه كما قد يُظن به ذلك، ولكن مشاركة نحو تفكير بناء، وإضاءة في طريق التفكّر وتقييم الفكر:

الأولى: ليس كل ما يتوصل إليه الإنسان بفكره حقًّا مسلّمًا لا يقبل النقاش والاستدراك عليه. وفي رحلة الفكر الإنساني الطويلة عبر التاريخ ما يدل على هذه الحقيقة، فالفلسفة وهي من أعظم ما اشتغل به الفكر البشري وأشغله لم تصل إلى الحقيقة المطلقة السالمة من الاعتراض والمناقشة فقد قاربت وابتعدت، وأصابت وأخطأت كأي محاولة للفكر الإنساني. ولو أصابت الفلسفة في كل ما قالت لم يتناقض الفلاسفة حول الفكرة الواحدة، ولم يستدرك الخالف على السالف، وإن كانت هناك محاولات لوضع قانون للتفكير وميزان لضمان عصمته، كما في المنطق الأرسطوطاليسي، لكن هذا المنطق الذي شغل به كثير من المفكرين في زمن بعثه وتجديده في أيام الحضارة الإسلامية، وظن الكثير منهم أنه الميزان الوحيد لإنتاج الفكر السليم لم يسلم من الاعتراض، حتى تباينت فيه الفتوى عند علماء المسلمين وظل محل نقاش بين مؤيد ورافض وناقد وناقض له، ولما بدأت الحضارة تتجه غربًا انتقل معها النقاش حوله، وانقسم المفكرون فيه قسمين: مؤيدين وناقدين، وتنامى الانتقاد له مع البحث عن مناهج جديدة ومفيدة للتفكير، وظهر المعارضون له والرافضون له في بداية الأمر على تخوف كما هو حال روجر بيكون، الذي لم تفلح محاولته لقوة الاتجاه نحو منطق أرسطو في زمانه، وبعد أكثر من قرنين من الزمان تجددت المعارضة لمنطق أرسطو بشكل أقوى على يد ليونارد دفينشي، واشتد عودها بعد مجيء فرانسيس بيكون وجاليليو وديكارت فتراجع المنطق الأرسطي، بل نسفوه نسفًا ورفضوه رفضًا لعدهم له غير مفيد في إنتاج المعرفة أساسًا وابتداءً، وظهر منهج التفكير القائم على التجربة والملاحظة والاستقراء.

لم يكن النقد لفلسفة الأولين مقتصرًا على أوروبا بل كان في العالم الإسلامي في الحقبة الزمنية نفسها حراك متنامٍ في النقد لها سابق ومواكب لنظيره في أوروبا الناشئة في ذلك الحين، وإني أرى أن أول من أثار هذا الحراك النقدي لفلسفة الأقدمين والمؤيدين المجددين لها في العالم الإسلامي على منهج علمي هو الإمام الغزالي، ومن أحسن نقاد الفلسفة المسلمين ابن خلدون فقد اتسم منهجه بميزتين في نظري: 

أولاهما: أنه لم يقبل الفلسفة في الإلهيات، ووقف منها موقف المعارض، واعتبارها فيما عدا ذلك من العلم القائم على الظن القابلة للنقاش والقبول والرفض، إلا ما كان منها قائمًا على منهج صحيح ينتج الحقيقة كالتجربة والعلوم الرياضية.

والأخرى: فصل العلم التجريبي عن الفلسفة، فيعد ابن خلدون من روّاد الدعوة إلى فصل العلم التجريبي عن الفلسفة التي بدت ملامحه تتضح في عصره، وبخاصة في العالم الأوروبي، حتى عُدّ ابن خلدون من أصحاب المنهج العلمي أكثر من كونه فيلسوفًا، فهو ينزع إلى التفكير التجريبي، فيختبر الحقائق، ويحقق النتائج، وعلى هذا المنهج نقد التاريخ وبنى مقدمته.

بهذا تمايزت مواضيع الفلسفة وخرجت العلوم الرياضيّة والفيزيائية وغيرها من القائمة على التجربة والملاحظة والاستقراء من اختصاص الفلسفة وتحررت منها، واقتصرت مباحثها على ما وراء ذلك. والذي جعل هذه العلوم تخرج منها أنها وجدت مرجعيتها التي يمكن أن يتحاكم إليها من اختلف فيها بما يقطع الشك باليقين، وبقيت الفلسفة الميتافيزيقية تفتقد المرجعية المعصومة، أو بالأحرى لم تسلّم لها في أهم جوانبها، ولو سلمت للمرجعية المعصومة من الخطأ في الخبر بما لا يقع تحت الحس مع القدرة البشرية على اعتقاد ذلك وتصديقه، لسلمت من التيه في الظن، وبلغت احترام العقل وما بالغت في تقديسه، ووضعت الأمور في نصابها وتحقق العدل القائم على وضع الشيء في موضعه المناسب والرجوع بالشيء إلى مصدره الأساسي. وفي الصحيحين يوجد الحق في العلم القائم على الاستقراء بأنواعه والتجربة والملاحظة، وفي الوحي المعصوم من الخطأ فيما كان منه قطعيًّا، فهو الحق المطلق الذي لا تُبني حقيقته على إيمان المؤمنين به، ولا يُفنيها وينفيها كفر من كفر به، لأنه الحق في ذاته ف(َمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ ) الكهف: 29. وهذان الصحيحان رفيقان متعاضدان وإني أجدهما يجتمعان في قول الله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) فصّلت: 53 ، وبهما تتحقق وظيفة الإنسان بجانبيها: عمارة الأرض، وتحقيق العبودية لله، وهما أساسا استخلافه فيها.

مُحِّصت الفلسفة القديمة وتجافى الزبد وبقي ما ينفع الناس، ولئن تطورت الحضارة المادية في الغرب بعد أن تمايزت عن الفلسفة، وقامت على منهج التجربة والملاحظة والاستقراء التي قادها أولئك الرواد في أوروبا الذين تقدم ذكرهم، ففي المدة الزمنية نفسها والحقبة التاريخية تلك حفظ الجانب الروحي والقيمي من حضارة الإنسان في العالم الإسلامي بقيام علماء مسلمين بنقدها وتفنيدها في الألوهية والنبوات وقضايا العقيدة التي تعتمد على الوحي، ومن أبرز هذه الرموز العلمية الإسلامية ابن تيمية. لكن الفلسفة لم تمت ولا ينبغي لها أن تؤد أو تستبعد، بل يجب أن تبقى في مجالها فيما وراء هذين الحقين والحقيقتين، وأن يُعرف قدرها بأنها نتاج عقل بشري يصيب ويخطئ، يمحص وينقد بالمعايير الثابتة، لتنتج لنا المفيد في جوانب أخرى من النشاط الفكري البشري. 

الثانية: وهي منطلقة من حكمة الخبر أو الأثر: "تفكروا في آلاء الله، ولا تتفكروا في ذات الله"، وفي لفظ: "تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في الله"، الذي يروى مرفوعًا ويروى موقوفًا. وفي هذا احترام للعقل وصيانة للفكر عندما يتبع منهجية منطقية في الاستدلال، فالعقل البشري لا يمكنه الإحاطة بكل شيء في الوجود، ولكن بمقدوره أن يستدل على ما لا يراه بالموجود الواقع في نطاق حواسه أو إدراكه على ما وراءه. ووجود ما وراء إيجاد هذه الكون وهو الله تعالى في الوحي لا يمكن أن ينكره أحد إنكارًا كليًّا وقطعيًّا، ولا يمكن أن يجزم بهذا الإنكار عاقل لأنه لا يمكن أن يحيط بما وراء هذا الكون فينكره، ويبقى حتى في عقيدة أكابر الملاحدة التقابل بين الاحتمال الأكبر والاحتمال الأصغر، وقد نقد القرآن مثل هذا الإنكار بقوله: (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ) يونس: 39. وما نشأ من الجحود للموجِد فمن الجهل بحقيقة الوجود وما وراءه، والقياس للخالق على المخلوق، والتصور لله تعالى، والتشبيه والتوصيف والتخييل الذي يجب أن يستبعد عمن ليس كمثله شيء، ولا يحيطون به علمًا، ولا تدركه الأبصار.

إن إدراك أن للكون موجدًا قادرًا مريدًا ليس مما يستحيل على عقل البشر، وإنما قد يحار فيه الفكر، ولذلك الأنبياء لم تأت بمحالات العقول وإنما أتت بالهداية في محارات العقول، كما يقول ابن تيمية. فلا جدوى من التفكر في ذات الله تعالى، وإنما السبيل إلى معرفته التفكر في آلائه، والتعرف على أسمائه في خلقه في ضوء الوحي.

ونقف مع أعظم اسم من أسماء الله الحسنى (الله) بالتعريف الذي لا ينكّر أبدًا ولا يقبل ذلك، ولا يقبل حذف أل التعريف عندما تدخل عليه ياء النداء، ولا يثنى ولا يجمع، وكل هذه السمات حصر على هذا الاسم الأعظم ومن خصائصه، ويتضمن معنى الألوهية، فالله هو الإله ذو الألوهية على خلقه أجمعين، وفي تفسير القرآن بالقرآن نجد آيتين في سياق واحد تدلان على أن كلمة الله معناها الإله، لالتقائهما عند معنى واحد، فتفسر كل منهما الأخرى من حيث دلالة اسم الله على معنى الإلهية الأولى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ) الأنعام: 3 والأخرى (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ) الزخرف: 84. فالله في الآية الأولى معناه الإله في الآية الأخرى، والإله هو المعبود، فيكون معنى الله الإله أو ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، كما فسره ابن عباس رضي الله عنه، فتشمل إلهيته جميع خلقه بالخضوع لأمره والاستجابة له لتحقيق الألوهية، لأنه الله.

ومن بلاغة الآيتين أنه لما جاءت الكلمة الدالة على الألوهية بلفظ إله قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ) الزخرف: 84. فهو إله الأرض وإله السماء، وإله من في الأرض، وإله من في السماء، وإله الناس. ولما كانت الكلمة بلفظ (الله) قال تعالى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ) الأنعام: 3 ولم يقل: هو الله في السماوات وهو الله في الأرض، بل هو الله في السموات والأرض الذي له الخلق والأمر، لأنه الله.

أما دلالات هذا الاسم العظيم في الوجود وانعكاساته في الكون فمن تفكّر وجد هذه الحقيقة، فالحركة الكونية سواء كانت مكانيكية فيزيائية أو تفاعلات كميائية، أو حركة نمائية في انقسام الخلايا الحيوية، أو حركة النجوم والكواكب في أفلاكها والمجرات في مداراتها والإلكترونات في مجالاتها واستمرارها في الحركة وأداء خصائصها وحدوث الزمن وانتظام ذلك في نظام تعكس استجابة لأمر قاهر ظاهر عليها لا تعرف التمرد عليه، منضبطة بقوانين تسير بها، ولا تحيد عنها. وقد علمنا القرآن أن لله أمرًا كونيًّا، وأمرًا شرعيًّا: الأمر الكوني ما تسير عليه المخلوقات وفق ما رسم لها وقدّر (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) طه: 50 وخلقه الذي أعطاه إياه هو تقديره المناسب له، ثم سار على الطريق الذي رسم له، فحصل بالخلق والأمر الإيجاد والوجود للكون (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) الأعراف: 54، فلا يخرج هذا الكون وما فيه عمّا قدّر له، ويسير على ما أمر به، فلا يحيد عن الاستجابة للأمر الكوني تحقيقًا للتأله الفطري، وهذه هي الهداية الكونية، فأعطى كل شيء خصائصه التي يؤدي بها دوره في الوجود، فالموجودات من الذرة إلى المجرة تبرهن على وجود خطة مرسومة في خلقها وتنفيذها وأمر تخضع له.

إن وراء هذا الكون إرادة يستجيب لها ومشيئة تدبره في تناسق وانتظام وفي استسلام تام لا يمكنه التمرد عليها أو مخالفتها، وهذه هي العبودية أو التأله الكوني لله، استجابة لأمر الله الكوني بمقتضى إلهيته، لأنه الله.

أما الأمر الآخر فهو الأمر الشرعي المُوجَّه للمكلف بحرية الاختيار والمحمّل أمانة الاستجابة، ذلك هو الإنسان الذي يمكنه أن يمتثل لأمر الله الشرعي فيحقق التأله لله، وينسجم مع الكون من حوله، أو يعصي الأمر الشرعي فيقصّر في هذا الحق. ولا يمكن أن يتلقى الإنسان هذا الأمر ويعلم به ويعلم أنه ينفذه وفق إرادة الله الشرعية إلا عن طريق الوحي الذي تبلغه رسل الله فقط، فلا يعبد الله إلا بما شرع، إذ لا بد أن يُعرف الأمر من الله فيمتثل تعبدًا وتألهًا لله على مراد الله، فيستقيم على الهدى كما استقام الكون على أمر الله الكوني عندما استجاب لأمره وتقديره واهتدى به، وعندئذٍ تلتقي العبودية الاختيارية المكلف بها الكائن البشري مع العبودية الفطرية في الكون المسخر بأمر الله القدري، والاستسلام لله، لأنه الله.

إذا وعينا معنى هذا الاسم الأعظم، وأدركنا أثره في الكون والوجود، وانعكاسات الدلالات الكونية والعلمية التي تمدنا دائمًا بما يؤكد هذه الحقيقة أيقنا أنه قد جاءت رسول ربنا بالحق، وضمنا مرجعية ثابتة يتحاكم إليها فيما اختُلِف فيه من الحق. ثم نترك العقل يجول فيما وراء ذلك من نافع مفيد وعامر للأرض في ضوء التأله لله. 

إن العقل البشري يضلّ ويهتدي، ويصيب ويخطئ، فهو آلة وليس إلهاً، مُيّز به الإنسان وكلف به لعمارة الأرض والعبودية لله، ويصل بالإنسان في سلام إذا سار على منهج صحيح، فينعم عندئذٍ بالعقل ولا يشقى به.


عدد القراء: 6313

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-