سيميائية الصورة (الطفل السوري الغريق) أنموذجًاالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2017-02-03 03:49:04

شيخة عبدالله عبدالمحسن الخالدي

الدمام

توثق الصور لحظات مهمة فتدخل التاريخ من أوسع أبوابه، ولهذا شكلت الصورة  مكانة مهمة في حياة البشر ، وبصورة خاصة في النواحي الاجتماعية؛ ما للصورة من أهمية في توثيق التاريخ  وحفظ الذكريات وربط الحاضر بالماضي والمستقبل.

واليوم اقتحمت الصورة حياتنا من دون استئذان من خلال الإعلام، ومن نافذة وسائل التواصل الاجتماعي التي دخلت عالمنا بشكل مفاجئ، وأصبح للصورة حضورًا قويًّا في السنوات الأخيرة، بل وأخذت تنافس الكلمة المكتوبة في جذب أنظار المتلقي. ولا عجب أن قيل: إن "الصورة تغني عن ألف كلمة" فقد مالت الكفة في الوقت الراهن إلى الصورة؛ والسبب أن لغة التواصل اليوم تقوم عليها، فهذا العصر يمكن أن يطلق عليه بعصر الصورة، فقد أصبحت عامل جذب للسلع أو الأحداث المختلفة سياسية كانت أو رياضية أو اقتصادية، فهي تحتوي على معنى قوي، وتبعث برسائل مؤثرة وقوية للتأثير على المتلقي ، وجذب حواسه.

ومصطلح الصورة يقصد به ما يُلتقط بواسطة آلة تصوير (الكاميرا ) لأشخاص، أو أماكن مختلفة، أو مناظر طبيعية، أو أحداث متنوعة، وما تحدثه هذه الصور من أثر على نفسية المتلقي. فالصورة تُعدُّ دليلاً دامغًا على حقيقة حدث ووقوعه، وتكون ذكرى خالدة للأبد سعيدة كانت أو تعيسة.

انطلاقًا من هذه المقدمة النظرية سنسعى في هذه الدراسة إلى قراءة الصورة وتحليل مكوناتها، واتخذنا صورة "الطفل السوري الغريق" أنموذجًا لقراءتها وتحليلها سيميائيًّا.

أولاً: وصف الرسالة

المرسل: الصحفية التركية (نيلوفير ديمير).

الرسالة: عنوانها "الطفل السوري الغريق".

وهي عبارة عن لقطة ثابتة مكونة من صور متتابعة.

تاريخها: يوم 2 سبتمبر 2015م.

انتشرت الصورة بشكل كبير في شبكات التواصل الاجتماعي، وعرضت في المواقع الإخبارية على شبكات الإنترنت.

نوع الرسالة: صورة فوتوغرافية ذات بعد إنساني وسياسي واجتماعي.

محاور الرسالة: جاءت لقطات الصور على النحو  التالي.

الصورة الأولى: جثة طفل نائم على بطنه ومُلقى على رمال شاطئ البحر.

الصورة الثانية: جندي بحري من خفر السواحل التركية يحمل جثة الطفل.

أسباب التقاط الصورة:

التقطت الصورة عند قيام المصورة التركية بتغطية أوضاع اللاجئين السوريين، الذين انتقلوا عبر قوارب بحرية من تركيا إلى اليونان، وفي أثناء التغطية تفاجأت بوجود طفل مرمي على شاطئ البحر. فالمصورة كانت تسعى من خلال هذه الصورة إلى: كشف الغطاء عن مأساة الشعب السوري، ولفت أنظار العالم إلى معاناة هذا الشعب، وفضح النظام السوري الجائر والمتوحش الذي شتَّت وفرَّق شعبه الذي لم يرحم الكبير ولا الصغير.

البث: تم إعلان ونشر الصورة في فترة التقاطها، مباشرة بعد انقلاب المركب الذي يقل الطفل وعائلته وغرق من فيه، وقد نشرت هذه الصورة على مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية.

 التأثير: ويتمثل في كون هذه الصورة أثارت الغصة في الحلق، وهزت العالم بأسره، وأثارت صدمة نفسية عنيفة لدى كل من شاهدها، وسؤال يطرح نفسه: كيف يقوم نظام دولة بمحاربة شعبه وتشريده ومن ثم المشاركة في قتله.

هوية الصورة الفنية

تنتمي هذه الرسالة إلى الصورة الفوتوغرافية الملونة، وتبرز أهميتها من خلال قوة الألوان الموجودة بها التي تألفت وتكونت منها، و هي تمازج ما بين الألوان الباردة والحارة.

سنن الأشكال والألوان (الإبداع الجمالي في الصورة)

هذه الرسالة هي عبارة عن صور ثابتة وجاءت متتابعة ومكملة لبعضها البعض.

الصورة الأولى: الطفل الغريق

الصورة الثانية: الجندي البحري.

ويتضح التجانس والتكامل الذي جاء من خلال الألوان المتعددة ما بين الأحمر والأزرق والأخضر، فهذا التنوع والتمازج بينها هو ما حقق الترابط، وهو ما ساعد على قراءتها بشكل واضح، ومن ثم التأثير على المتلقي أو المشاهد وهذا ما يعرف بالوحدة الجمالية في الصورة.

السنن التشكيلية:

ويتضح في هذه الفقرة العناصر التي ساهمت في تكوين وتشكيل هذه الصورة وهي كالآتي:

 شاطئ البحر

 الطفل

 الجندي البحري

هذا التكوين أو التشكيل يوحي ويبين مدى إجرام وطغيان النظام السوري، والإرهاب الذي يُمارس في حق هذا الشعب، مما جعله عرضة للنزوح والترحال، فيد الغدر والخيانة طالت هذا الشعب الأعزل، والهروب بحرًا  كان وسيلتهم للخلاص وللفرار من أجل إنقاذ أرواحهم، فهم يلوذون بأنفسهم طلبًا للجوء والمساعدة من الدول الأخرى، لكن  جاءت نهايتهم بالموت غرقًا!.

مجال البلاغة والرمزية في الصورة:

احتوت الصور على عدة علامات بصرية، التي تشير إلى دلالات معينة وهي:

البحر: علامة بصرية تدل على الهدوء والصفاء والغموض، والانتقال والغربة، ويدل أيضًا على الغدر والخيانة. فالبحر بصفائه وهدوئه تتقلب أحواله كما تتقلب نفوس البشر وأحوالهم، وهو مثل بني آدم يغدر ويخون وينقلب على من يدخل في عالمه، وكما في الأمثال "البحر غدار" من يدخل فيه لا يخرج سالمًا أو حيًّا، وهذا ما حدث للطفل الصغير وعائلته، الذين هربوا من ظلم بلادهم، ورحلوا بحرًا في رحلة يلفها الغموض، فهم لم يسلموا من طغيان نظامهم، ولم يسلموا من أهوال البحر وتلاطم أمواجه، فماتوا غرقًا في سبيل الحصول على حياة آمنة مطمئنة، يسودها الأمن والعدل والاستقرار، وهذا ما افتقدوه في الوطن.

الطفل: علامة بصرية تدل على الضعف والبراءة، واليتم والضياع، والوحدة والخوف، فمنظر انكباب الطفل على بطنه يوحي في أول الأمر بأنه نائم، ولكن هو في الحقيقة جثة هامدة، ويرمز إلى قتل الحياة والسعادة، وإلى موت القلب وانعدام الضمير, ويرمز لخذلان البشر وخيانتهم، وتدل على انتصار الشر على الخير، والباطل على الحق، والقوة على الضعف، وانتصار التشرد والتشتت، على التآلف والتجمع، وانتصار الخوف على الأمان.

الجندي: علامة بصرية تدل على القوة والسلطة، والشجاعة والمراقبة ،وتقديم العون والمساعدة، والحماية والإنقاذ. ويتضح أن وجه الجندي ارتسمت عليه علامات الحزن والرهبة، والقلق والارتباك ونظرات عيونه وهو حامل لجثة الطفل، كانت ترمز إلى العطف والشفقة، والألم والدهشة، والحسرة. ويبدو أنها مشاعر مختلطة على مصير هذا الطفل اللاجئ.

زاوية التصوير: جاءت زاوية التقاط الصورة على المستوى نفسه، أي ليست بأعلى ولا بأسفل؛ وذلك للدلالة على تقديم الحقيقة ونقلها كما هي.

المعنى التقريري والمعنى التضميني:

كشفت هذه الصورة عن خبايا الحياة في سوريا، والأحداث التي تعيشها، ومدى جبروت النظام السوري، وانتهاكه لحقوق شعبه، والإرهاب الذي يُمارس عليهم بجميع صوره وأشكاله: من ترويع وتخويف وقتل وتعذيب وتدمير. فالصورة تعبّر عن قتل الإنسانية وموت الضمير والقسوة والوحشية في معاملة البشر، وإن أذية الإنسان وقتله جريمة يندى لها الجبين؛ لفظاعة هذا الجرم، إلا أنها قد بلغت أوجها في عهد النظام السوري الجائر والمتسلط الذي عكسته هذه الصورة.

حوصلة وتقييم:

دخلت الحرب في سوريا عامها الخامس، وهذه الصورة تجسد واقع الشعب السوري، الذي يعاني من ويلات هذه الحرب، و ما يواجه من الظلم والتنكيل. لأن الموت يفتك بهم في كل لحظة، والمصورة أرادت من خلال هذه الصورة أن تروي حكاية! نعم حكاية عنوانها غصة! فمنظر الطفل وهو مُلقى على شاطئ البحر يجلب الغصة والبكاء، ويوحي بأن وراء هذا الطفل حكاية التي بدأت بهروبهم بحرًا عبر رحلة مليئة بالغموض لطلب اللجوء والحماية، ولكن ماتوا غرقًا في سبيل الحصول على حياة مستقرة!

هذه الصورة تحمل بعدًا سياسيًّا وإنسانيًّا واجتماعيًّا، أرادت المصورة من خلال رسالتها أن تبين للعالم أجمع مدى استبداد النظام السوري ووحشيته، التي طالت الكبير، ولم يسلم منها الصغير، وهذه الصورة تختزل معاناة الشعب السوري ومأساته، وتجعل اللسان ينطق بالرثاء.

إذن نجد أن الصورة الفوتوغرافية صادقة؛ لأنها تترجم الواقع السوري «فالصورة الفوتوغرافية تمدنا بالبراهين نسمع عن شيء ما لكننا في شك منه، سيبدو مبرهنًا عليه حين ترى صورة له. واحدة من منافع الكاميرا أنها تسجل المتورطين في الجرائم»1.

هذه الصورة جعلت المتلقي يعيش الحدث، وقدمت أسرارًا مخبئة، «تقدم معلومات حقيقية ومهمة عن العالم»2  والصورة تعد شهادة تدخل في سجلات التاريخ السوري؛ لأنها تنقل الواقع بدقة متناهية.

والمصور الفوتوغرافي يبحث ويفتش عن المآسي، ويطارد المعاناة ويكشف الحقائق، وقد نجحت المصورة إلى حد كبير في أداء مهمتها؛ فقد لفتت أنظار العالم إلى قضية سوريا والرعب الذي يعيشه هذا الشعب.

«يكتشف رعب العالم بشكل رئيسي من خلال الكاميرا: بوسع الصور أن توجع ، وهي تفعل ذلك حقًّا»3. 

وننهي هذه الدراسة بالملاحظات التالية:

1 - نجد أن الصورة أبلغ من الكلمة، وأقدر على التأثير في المتلقي وتوصيل المعنى والرسالة إليه؛ والدليل على ذلك أن قضية سوريا على الرغم من كونها معروفة للقاصي والداني إلا أن الصورة لفتت أنظار العالم إلى الوضع المأساوي الذي يعيشه هذا الشعب.

 2 - نرى أن الصورة تحتوي على لغة، وهي ما يمكن أن نطلق عليها بلغة التأثير؛ فقد أثَّرت في العالم أجمع على مختلف أديانهم ولغاتهم ومشاربهم.

3 - يتضح أن المصوِّر قد يحل أزمة أمة ويعالج جراحها، وهذا ما ينطبق على المصورة التي وثَّقت هذه المأساة التي كسبت تعاطفًا كبيرًا من العالم.

 

الهوامش:

1ـ سونتاغ ،سوزان، حول الفوتوغراف،ط1، ترجمة: عباس المفرجي ( بيروت : دار المدى،2013)،ص12.

2ـ حول الفوتوغراف، ص 125

3ـ حول الفوتوغراف ، ص 130


عدد القراء: 6237

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

التعليقات 5

  • بواسطة ساره العبدالله من المملكة العربية السعودية
    بتاريخ 2017-07-09 04:41:42

    مقال رائع وصف المشهد بصدق

  • بواسطة محمد صبحي من مصر
    بتاريخ 2017-02-18 15:50:56

    أفضل ما قرأت حديثا....

  • بواسطة لولوه الرشيدي من المملكة العربية السعودية
    بتاريخ 2017-02-10 00:26:16

    طرح وافي لجميع النواحي ليس بغريب هذا التحليل الراقي من استاذة راقية يعطيك العافية استاذة شيخه ابدعتي بالطرح

  • بواسطة نوره من المملكة العربية السعودية
    بتاريخ 2017-02-06 20:56:58

    موضوع رائع وتحليل عظيم لمأساة الشعب السوري وماحال بهم سلمتي وسلمت أناملك المبدعه( شيخه الخالدي)

  • بواسطة فوزية الحربي من المملكة العربية السعودية
    بتاريخ 2017-02-06 11:34:35

    قد تكون الصورة أبلغ من الكلام ، وعدسة المصورة اختزلت مأساة الشعب السوري من خلال هذه الصورة سلمت أنامل الكاتبة شيخة الخالدي على هذا الطرح

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-