التاريخ الأوروبي وتاريخ أوروباالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2015-05-10 09:32:22

د. علي عفيفي علي غازي

أكاديمي وصحفي

للوهلة الأولى يشعر القارئ بأن المصطلحان عنوان هذا المقال يتشابهان إلى حد كبير، بحيث يصعب التمييز بينهما. وربما يكون ذلك حقيقة، ولكن هذه محاولة بقدر الاستطاعة لكي نميز بين دلالتيهما، لتحقيق فهم أعمق لـ "التاريخ الأوربي" بصفته فرع من فروع التاريخ.

وبادئ ذي بدء، لابد أن نوضح أن الآراء قد اختلفت وتعددت حول ماهية التاريخ وأهميته، واهتم المؤرخون بذلك الأمر، ودليلنا على ذلك قيام عدد كبير من المؤرخين بتناول تفسير التاريخ من حيث معناه وأهميته وتفسير حركته ومسيرته، وذلك من جميع النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وغيرها.

 واختلف المؤرخون العرب أيضًا في تفسير التاريخ، فمنهم من ذكر أنه سجل لكل ما تركه الإنسان من آثار نتيجة لتفاعله مع البيئة المحيطة به، مشتملاً على كافة نواحي الحياة، وقصر بعضهم معنى التاريخ على "بحث واستقصاء حوادث الماضي".

وقد طُرح سؤال حول ماهية التاريخ الأوروبي على مجموعة من المؤرخين والأساتذة في الجامعات الأوروبية والأمريكية، واختلفت الإجابات فكل مؤرخ يعرض إجابته وفقًا لوجهة نظره الخاصة، ووفقًا لبعض الظروف التي إن وجدت استطاع أن يجيب عن هذا التساؤل، ولهذا وجدت مجموعة من الآراء تمثل رأي المؤرخ وفكره.

وقبل أن نوضح الفروق بين التاريخ الأوروبي وتاريخ أوروبا، يستوجب الأمر أن نشير إلى أن أي حادثة تاريخية تقوم على ثلاثة دعائم هي: الزمان والإنسان والمكان، ولا يمكن تصور ظاهرة تاريخية خارج حدود هذه الدعائم الثلاثة، فالزمان هو الذي يجعل للحادثة التاريخية صفتها التاريخية، ومن المستحيل تمامًا تصور أي حادثة تاريخية خارج نطاق الزمن، والزمن الذي نعنيه هو الزمن الإنساني أي عمر الجنس البشري فوق كوكب الأرض، ذلك لأن الفعل التاريخي في حقيقته فعل إنساني وقع داخل حدود الزمن الإنساني، وارتباط التاريخ بالزمن يتضح من خلال الحقيقة القائلة: إن الماضي الحضاري لبني الإنسان على سطح الأرض هو موضوع علم التاريخ.

أما المكان أو البيئة فهي الركن الثاني من أركان الظاهرة أو الحدث التاريخي؛ لأن البيئة هي مسرح العملية التاريخية؛ فلا نستطيع تصور وجود الفعل التاريخي في فراغ بعيدًا عن المكان أو البيئة، فالتفاعل بين الإنسان والبيئة في إطار الظرف الزماني هو الذي يُنتج لنا الظاهرة التاريخية في أي عصر من العصور، ذلك لأن الإنسان هو منفذ العملية التاريخية ما دام ميدان التاريخ ومجال بحثه هو ماضي النشاط البشري، فالارتباط بين الإنسان بوصفه فاعلاً تاريخيًّا؛ والتاريخ الذي يهتم بدراسة الفعل الإنساني ومحاولة تفسيره يبدو في غاية الوضوح، وليس بوسعنا أن نتصور وجود ظاهرة تاريخية لا ترتبط بالإنسان؛ فذلك لن يكون تاريخًا بالمعنى المقصود، وإنما سيكون نوعًا من التاريخ الطبيعي الذي يختلف تمام الاختلاف عن التاريخ كعلم الإنسان؛ فالتاريخ يميل إلى حفظ كل ما له قيمة بالنسبة لبني الإنسان ويترك ما عدا ذلك للفناء والهلاك.

وعلى هذا فإن الحدث التاريخي يتكون من ثلاث عناصر رئيسية هي وجود الإنسان في مكان ما، وزمان معين، وهذه العناصر الثلاث الإنسان والزمان والمكان تتفاعل مع بعضها البعض فتنتج الحادثة التاريخية، وهذا الحدث يحتاج إلى منهج وكذلك مؤرخ لكي يصبح مادة تاريخية مكتوبة خاضعة للنقد والتحقيق. ولابد أن يكون هناك منطقة يستمد منها الحدث التاريخي ماهيته، أو يحدث على أرضها، فالحدث التاريخي بدون تحديد منطقة لحدوثه يفقد تفاعله مع الإنسان، ولهذا كانت الاختلافات في تحديد خريطة أوروبا عبر العصور المختلفة عائقًا أمام تحديد التاريخ الأوروبي، لأن أوروبا لم يكن لها شكل واحد، فهي كمساحة جغرافية لم تكن بشكل ثابت على مر العصور، فهي مرة تتوسع، وأخرى تتضاءل.

والتاريخ الأوروبي هو تاريخ الأوروبيين على الأرض الأوروبية وفي كل قارة نزلوا فيها، وفي كل بقعة من الأرض استعمروها، وفي أي مكان تواجدوا به، فلا يمكن فهم تاريخ أي دولة أوروبية سواء فرنسا أو بريطانيا أو غيرها من الدول بمعزل عن التاريخ الأوروبي وتاريخها الاستعماري خارج أوروبا؛ فضلاً عن تاريخ العلاقات الدولية، على أساس العلاقات بين أوروبا والدول الأخرى في جميع نواحي الحياة. وعلى هذا النحو فإن التاريخ الأوروبي هو تاريخ الأوروبيين داخل أوروبا وكذلك تاريخهم خارجها إلى حيث يصنع الأوروبيون التغيير في الحياة اليومية، بمعنى أنهم إذا وجدوا في أي بلد آخر فإنهم يعدون جزءًا من التاريخ الأوروبي أيضًا. وعلى ذلك فإن التاريخ الأوروبي أعم وأشمل من تاريخ أوروبا.

وأصحاب هذا التفسير يبنون رؤيتهم على أساس أن الفرد يمارس ثقافته في أي مكان ينزل فيه، ويستوطنه، وينقل معه عاداته وتقاليده، وفكره، ومن نتاج هذا التفاعل تبرز الحضارة، فالإنسان عندما ينتقل من مكان لآخر فهو ينقل ثقافته معه، وعلى هذا يكون التاريخ الأوروبي هو تاريخ الأوروبيين أينما كانوا وأينما حلو، والمؤثرات التي أثرت فيهم، ودورهم في التأثير في الآخر.

فنجد أن الإنسان عند وجوده في أي مجتمع فإنه يؤثر في هذا المجتمع ويتأثر به، فمثلاً الاحتلال الفرنسي للجزائر ترك بصمته الواضحة عليها، فقد أثر فيها وتأثر بها، ولذا فنحن نجد الآن أن الشعب الجزائري يتحدث الفرنسية بطلاقة، وكذلك نجد أنه عند ذهاب أي شخص إلى بلد ما فإنه يحاول التكيف معها ومع عاداتها وتقاليدها بما لا يتعارض مع مفاهيمه وديانته، فالإنسان يؤثر ويتأثر بالمجتمع الذي يعيش فيه، وبالبيئة التي تحيط به.

أما تاريخ أوروبا فيقصد به تاريخ الأرض (القارة الأوروبية) والبشر الذين يعيشون عليها فقط، والتفاعلات التي جرت عليها؛ دون النظر إلى امتدادهم خارج الأراضي الأوروبية، أي أنه نتاج تفاعل الناس في أوروبا مع الأرض الأوروبية في الزمان، فهو بذلك محدد جغرافيًّا وبشريًّا. فيقصر المؤرخون تاريخ أوروبا على تلك المنطقة من الكرة الأرضية التي تضم دول المجموعة الأوروبية، ويقصدون بتاريخها تاريخ التجمعات الإنسانية التي تعيش عليها وتعمرها، ونتاجها الثقافي والفكري والأثري.

ولكن أصحاب هذا الاتجاه وجدوا أنفسهم في حيرة حول المعنى الحقيقي للمنطقة المسماة أوروبا، لذلك اختلف المؤرخون حول المعنى الحقيقي لتاريخ أوروبا، فبعضهم اعتمد على عامل الزمان، بينما ركز بعضهم على عامل المكان، وبما أن التاريخ الأوروبي هو في مجمله تاريخ، فإنه لابد أن يكون نتيجة لتفاعل الإنسان مع المكان في وجود عامل الزمان.

وفيما يخص عامل الزمان، فإن القارة الأوروبية قد اختلفت من قرن إلى آخر، فالهند كانت مستعمرة بريطانية خاضعة للتاج البريطاني، كذلك الأمريكتين كانت مستعمرة لعدد من الدول الأوروبية، لكن حينما نالت أمريكا استقلالها فإن مساحة أوروبا قد تقلصت عن الأحقاب السابقة.

أما عن عامل المكان، فقد اختلف معنى التاريخ الأوروبي تبعًا لإختلاف المكان، فنجد أن حدود القارة الأوروبية متغيرة، فهي لا تشمل الدول الداخلية في القارة فقط، وإنما تشتمل على مستعمراتها الأوروبية في الخارج مثل الهند التي كانت مستعمرة بريطانية خاضعة للتاج البريطاني، وبالتأكيد تأثرت الدول الأوروبية بالدول التي قامت باستعمارها، فنجد أنها تأثرت ثقافيًّا وحضاريًّا بتلك الدول فنقلت حضارتهم إليها مثل حضارات الفنيقيين والعبرانيين والمصريين الفراعنة وغيرهم.

كذلك نجد أنه مع زيادة عدد البلدان التي تحررت من الاستعمار، والتي بدأت تبحث عن أصولها وجذورها، بدأت تنهار فكرة تاريخها الأوروبي والتي لم تكن سوى جزء من أوروبا، وبأعين الأوروبيين، وذلك يعني أن الدول التي كانت تابعة لأوروبا، والتي كانت تشكل التاريخ الأوروبي في وقت معين حين استقلت عن أوروبا، أعيد تشكيل خريطة أوروبا من جديد، وتاريخ أوروبي جديد، ليس به تلك المستعمرات، وهو ما يوضح أن التاريخ الأوروبي اختلف من حقبة تاريخية إلى أخرى تبعًا لعامل المكان أو تبعًا للمساحة التي كان ينظر إليها على أنها جزء من القارة الأوروبية.

وذهب البعض إلى أن التاريخ الأوروبي ممكن أن يتطابق مع تاريخ أوروبا الذي هو تاريخ الشعوب الأوروبية وثقافتها والأراضي التي يحتلونها، واختلف البعض مع هذا الرأي فيرون أنه إن كان هناك تشابه أو تطابق بين اللفظين، فإن هناك اختلافًا كبيرًا في مفردات كل من التاريخ الأوروبي وتاريخ أوروبا على أساس أن تاريخ أوروبا هو تاريخ القارة الأوروبية جغرافيًّا والبشر الذين يعيشون عليها، أما التاريخ الأوروبي فهو تاريخ الأوروبيين سواء كانوا على أرض أوروبا أم لا متضمنًا الشعوب والأراضي التي بقيت مرتبطة باستمرار بأوروبا.

ومن هنا نرى أن التاريخ الأوروبي ينظر إلى أوروبا وعلاقاتها مع غيرها، فنجد أن التاريخ الأوروبي لم يكن سوى تاريخ يرى فقط بأعين أوروبا وبرؤية أوروبية للتاريخ، وخدمته كل القيم التي استخدمت كأساس للحكم، وهي مجد الدولة، والدين الشامل، وفكرة التقدم التي ارتبطت بأوروبا في إشارة إلى تفوقها وسيادتها.

ومن هنا ارتبطت فكرة التاريخ بالمؤسسات الاجتماعية التي وقع عليها حكم المجتمع مثل الكنيسة والدولة والحزب السياسي، فالتاريخ هنا يخدم قضية أو مشاريع أولئك الذين يمثلهم، في محاولة لمقارنة ماضي وحاضر الدول الأوروبية مع المجتمعات الأخرى.

ويرى آخرون أنه ليس هناك تاريخ أوروبي واحد وإنما تواريخ كثيرة كل منها يتعلق بمشكلة محددة أو سياق محدد ولذلك يجب التمييز بينه من النواحي الجغرافية والزمانية، فمثلاً المؤرخين البريطانيين يرون أن التاريخ الأوروبي هو تاريخ القارة الأوروبية فقط ولا يشمل بريطانيا الجزيرة المنعزلة عنها جغرافيًّا، أما مؤرخي القارة الآخرين فيرون أن التاريخ الأوروبي يشمل بريطانيا العظمي التي لم تكن تغيب عنها الشمس أيضًا. وينظر هؤلاء إلى الولايات المتحدة على أنها مجرد امتداد للتاريخ الأوروبي.

أما المؤرخون الروس فقد كانت أوروبا هي المعيار الذي قيم به الروس أنفسهم، وكان واجبًا على المؤرخ الروسي أن يدرس ويفهم الظروف الأوروبية وثيقة الصلة بروسيا في وقت معين، فيما يتعلق بقضية معينة، وهذه الرؤية توضح أن الشيء ذو الأهمية لروسيا ليس بالضرورة أن يشكل أهمية بالنسبة لأوروبا.

ولم تكن المصادر الروسية حتى نهاية القرن السادس عشر تعرف أوروبا، ولم تشر إلى أوروبا باسمها، وكانت تعرفها بالبيزنطيين نسبة إلى بيزنطة، ولم يقم البيزنطيون باطلاق هذا المسمى عليهم، وإنما أسماهم به من جاء بعدهم، وكانت الحدود بين الروس وجيرانهم حدود دينية وضعوها حاجزًا بينهم وبين جيرانهم من هراطقة في الغرب، ووثنيين في الشرق، إلا أن هذه النظرة قد تغيرت منذ منتصف القرن السابع عشر حيث أقامت موسكو علاقات تجارية ودبلوماسية وثقافية قوية مع الدول الأوروبية، وبصفة خاصة مع بولندا وألمانيا والسويد وإنجلترا وهولندا وإيطاليا، وأشاروا إليها في عهد بطرس الأكبر (1689-1725) "أوروبات" ويظهر من اللفظ إدراكهم للتنوع والاختلاف، وحاول المفكرون الروس الإبتعاد بروسيا عن الإطار الأوروبي، والاتجاهات الفكرية الأوروبية.

وجهود المفكرين الروس للابتعاد عن الإطار الأوروبي بأفكاره وافتراضاته الفكرية تأثرت بنفس الاتجاهات الفكرية الأوروبية التي يرغبون في الإبتعاد أو الانفصال عنها، ولهذا لم ينظر الروس إلى أنفسهم على أنهم جزء من أوروبا، ولم ينظر الأوروبيون إلى الروس على أنهم جزء من أوروبا، وكانت منطقة البلقان والبحر المتوسط في النصف الثاني من القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر تمثل أطراف أوروبا.

والتاريخ الأوروبي يحتوي على ثلاث معطيات تتمثل في تحديد أوروبا من الناحية الجغرافية بحدود القارات الحالية، وأن كل دولة معاصرة لها تاريخ، وأن التاريخ الأوروبي جوهر هذه التواريخ القومية، وتواريخ الدول الصغيرة.

وعلى ذلك يمكن تحديد أوروبا من الناحية الجغرافية باستخدام الحدود الحالية للقارات، وهذه النظرة تفترض أن كل دولة معاصرة في أوروبا لها تاريخ، والتاريخ الأوروبي هو جوهر هذه التواريخ القومية للدول الصغيرة، كذلك فالتاريخ الأوروبي هو تاريخ ارتقاء أو تدهور العالم الغربي، وذلك يعني أن أوروبا في وقت اتساعها وقوتها وضمها لبلاد مختلفة تختلف عن أوروبا الضعيفة التي فقدت مستعمراتها.

ويمكن تحديد أوروبا من الناحية الثقافية على أنها تقليد حضاري، والتاريخ الأوروبي هنا هو تاريخ ارتفاع أو تدهور العالم الغربي، وهنا نجد ترابط بين النواحي الثقافية والحضارية، وذلك على أساس أن النواحي الثقافية تتعلق بالأشخاص وكيف يفكرون، وكيف يتعاملون مع الآخرين، أما الحضارة فهي المنتج الذي يفرزه هذا التفاعل.

ونستخلص مما سبق أن مفهوم التاريخ الأوروبي قد اختلف من حقبة زمنية إلى أخرى، فأوروبا العصور الوسطى تختلف عن أوروبا الحديثة، حيث تغيرت معالهما بتغير مستعمراتها في الخارج، حيث أثرت فيها وتأثرت بها، وتختلف عن أوروبا المعاصرة بعد انهيار أيديولوجياتها الإستعمارية في الخارج، وتقلص مساحتها لتقتصر على القارة الأوروبية الصغيرة، وعلى هذا فإننا نرى أن حدود القارة الأوروبية المتغيرة قد أثرت في تفسير مفهوم التاريخ الأوربي، وأثرت في تغيره من مدة زمنية إلى أخرى.

ونخلص من هذا أنه لا يمكن دراسة تاريخ أي دولة أو منطقة بمعزل عن تاريخ أوروبا، وعلى هذا فإن التاريخ الأوروبي هو تاريخ الأوروبيون في أي مكان سواء في القارة الأوروبية أم في أمريكا أو أفريقيا أو آسيا.

 


عدد القراء: 892

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-