نشأة التشيع وإشكالية خلافة الرسول صلى الله عليه وسلمالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2015-11-17 08:47:47

د. علي عفيفي علي غازي

أكاديمي وصحفي

عاش الرعيل الأول من الأمة الإسلامية وسلفها الصالح قلبًا واحدًا، عاضين على دينهم بالنواجذ، باذلين في سبيل طاعة الله ورسوله ومرضاتهما كل ما يملكون، ملتفين حول خير خلق الله التفاتًا، لم يجعل الله تعالى فيهم، ولا بينهم، منفذًا للشيطان، لينال من تمسكهم وحبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، الأمر الذي كافأهم المولى عليه فألف بين قلوبهم، وأنزل السكينة عليهم، فكانوا إخوانًا متحابين، لم تفرق بينهم الأنساب والألوان والأعراف، ولا غيرها من عصبيات الجاهلية.

وعاش المسلمون الأوائل حياة خالية من الاختلافات، التي من شأنها إيجاد الفرقة، وتكون الفرق والأحزاب والمذاهب، والتفوا حول إمام الهدى والرحمة أمة واحدة، وكلمة واحدة، وإذا ما كانت تطرأ بعض الاختلافات في بعض المسائل، فإنها سرعان ما تتلاشى برجوعهم إلى نبي الرحمة، صلى الله عليه وسلم، وعرضهم تلك المسائل عليه، ولا ينفضون من عنده إلا وقد اتفقوا، وزالت عنهم كل اختلافاتهم في كل مسائلهم وأحوالهم، من شحناء وبغضاء، وهكذا عاش رجال هذه الأمة، بهذه الروح الطيبة، حتى رضي الله تعالى عنهم، وكذلك قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض.

واستمر السلف على تلك الحالة الصافية النقية من كل شوائب الفرقة والاختلاف والبغض والكراهية، طيلة أيام خليفة رسولهم أبي بكر الصديق، الذي حمل اللواء، وسار بالركب على نهج وسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فما يكاد يظهر خلاف حتى يسوى، ثم جاء الخليفة الثاني أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والأمة كلها على اتفاق لا اختلاف بينهما، ولا فرقة، واستمروا كذلك، وخلفه عثمان بن عفان رضي الله عنه، فانتهج نهج سلفيه السابقين، على وفق سيرة رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، فما زاغ عن ذلك كله قيد شبر، ولا غير ولا بدل، بل سلك بالأمة المسلك القويم برغم كثرة الفتن، وخاصة في أخريات أيامه، حين لاحت بوادر الفرقة والاختلاف في الأمة الإسلامية، وارتفعت أصوات أهل الشر والفساد في صفوف المسلمين، جاهدين أنفسهم في تبديل حالهم، وتغيير دينهم مستغلين أحداثًا تاريخية، وغايتهم هي النيل من هذا الدين الذي حطم آمالهم وأمانيهم، وبدد دولهم وسلاطينهم.

فاستطاع هؤلاء الغلاة، في أواخر أيام الخليفة الثالث، تحقيق بعض أغراضهم، فأحدثوا فتنة عظيمة أمسى الحليم فيها حيرانًا، ولقد آثر الخليفة عدم مقاومتهم، ولزم الصمت والصبر رغبة منه في حقن دماء المسلمين، وبعد استشهاده استمرت الفتنة وظهرت بين المسلمين، واشتهر بعض دعاة الشر والفرقة، واصلوا عملهم وجهدهم في بث روح الفرقة، ونشر الفتن باسم المصلحة الدينية والسياسة الشرعية، وغيرها من الشعارات الدينية، وكان ذلك بداية الفرقة والاختلاف والتنازع بين المسلمين، وظهرت الفرق والأحزاب الواحدة تلو الأخرى، وتشيع لكل منها طائفة وجماعة من المسلمين، فظهرت فرقة الخوارج، وفرقة الشيعة.

والمقصود بالشيعة الفرقة من الناس، ويقال "شيعت الرجل على الأمر تشييعًا إذا أعنته عليه"، وشيعة الرجل هم أنصاره وأتباعه، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، ومنها اشتق تشيع، أي ادعى دعوة الشيعة، وعلى هذا فالشيعة تطلق على الجماعة، ويراد بها الفرقة من الناس، وتطلق على الأفراد والأنصار والصحب والأتباع والأعوان، وتطلق على المفرد والمثنى والجمع، وتطلق على المذكر والمؤنث أيضًا بلفظ واحد وبمعنى واحد.

ولقد جاءت هذه اللفظة بمشتقاتها في عدة مواضع من القرآن الكريم، وفي كل مرة حملت معنًى جديدًا، فجاءت بمعنى الحزب والأنصار والأتباع في الملة والدين والمنهاج في قوله تعالى:  (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ) (القصص: آية 15)، وقوله جل وعلا: (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ) (الصافات: آية 83). وجاءت بمعنى الفرق والطوائف والأحزاب المتعاونة فيما بينها، والمتشيع بعضها لبعض في قوله تعالى: (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا)  (مريم: آية 69)، وقوله جل وعلا (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ) (الحجر: آية 10)، وقوله سبحانه (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ) (الأنعام: آية 65)، ومثله (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا) (الأنعام: آية 159)، وقوله أيضًا (مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا) (الروم: آية 32). وجاءت بمعنى الأشباه والأمثال والنظائر في الكفر والتكذيب في قوله تعالى  (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ ) (القمر: آية 51)، وقوله جل (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ) (سبأ: آية 54).

وعلى ذلك يتضح أن الشيعة في اللغة، وفي القرآن الكريم، معناها يدور حول المتابعة والمناصرة والتحزب حول ملة أو مذهب، أو حول شخص معين، يُتخذ كإمام ويتبعه الأفراد في الأمر والنهي والنصرة، فالمدلول اللغوي موافق للمدلول الشرعي تقريبًا. إلا أن المقصود بالشيعة كفرقة دينية إسلامية، هم الذين شايعوا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقالوا بإمامته وخلافته نصًّا ووصية، وأن الإمامة لا تخرج عن أولاده، فهم يعتقدون أنه هو الأحق بخلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والشيعة بأصولها ومعتقداتها لم تولد فجأة، بل مرت بمراحل كثيرة ونشأت تدريجيًّا، وانقسمت إلى فرق كثيرة، وارتبطت منذ نشأتها بالعراق، الذي عرف التشيع بعد موقعة الجمل، التي دارت رحاها على أرض البصرة، بين جيش علي بن أبي طالب المكون من أهالي البصرة والكوفة، وبين الجيش القادم من مكة بقيادة طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، وأم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر، وبالرغم من نجاح الشيعة في السيطرة على الخلافة خلال حكم البويهيين، فإن التشيع ظل محصوراً في مدن معينة، وظل غالبية سكان العراق على المذهب السني حتى انهيار الدولة العباسية. وقد لعبت الحكومات المتتابعة على العراق، منذ دخول الإسلام إليه، دورًا كبيرًا في محاربة التشيع ومنع انتشاره، ولهذا لم تكن العلاقة بين الشيعة وأغلب الحكومات المتعاقبة جيدة.

وفي هذا الإطار تأتي دراسة الباحث محمد فياض المعنونة نشأة التشيع وإشكالية خلافة الرسول صلى الله عليه وسلم، التي تعد جزءًا من أطروحة تقدم بها لنيل درجة الماجستير من كلية الآداب جامعة طنطا، والتي ترى أن حركة التشيع من أخطر الحركات التي برزت في التاريخ الإسلامي، وتعد إشكالية كبرى، فهي الحركة الوحيدة المعاصرة التي تضرب جذورها في أعماق التاريخ الإسلامي، وحافظت على ديمومتها واستمراريتها، ويرجع ذلك إلى ما ترسخ في عقيدتهم من أفكار وأدبيات بنيت بالأساس على حوادث تاريخية عدة، كان لها الفضل في تشكيل عقائد التشيع، التي استمرت بعناد فكري منقطع النظير، ولقد بدأ الأمر بفكرة بسيطة وبدائية متمثلة حب وتفضيل أحد أفراد آل البيت النبوي، وهو الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، الذي أهلته مكانته، وقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزواجه من ابنته السيدة فاطمة، وإنجابه منها سبطي الرسول صلى الله عليه وسلم: الحسن والحسين، ولكن الأمر ما لبث أن تطور تطورًا خطيرًا، انحنى بعيدًا عن فكرة حب آل البيت، التي يتبناها المسلمون جميعًا فأبعد الفكر الشيعي عن هذا المضمون، فدخل بعضهم في جدل عميق، ودخل البعض الآخر في أفكار ميتافيزيقية غيبية، بعيدة عن المنطق والمعقول، في حين اندمج البعض الآخر في الفكر التنظيمي وآل على نفسه مد الشبكة الدعوية الشيعية، لتعم العالم الإسلامي بطريقة عنكبوتية، وحاول بعضهم اللحاق بركب الاعتدال والبعد عن الغلو والتطرف الفكري، في حين جلس بعضهم منتظرًا فرجًا قد يأتي عن طريق مهدي منتظر من آل البيت.

وجاءت قمة التطرف الأيديولوجي في من اتخذوا التشييع ستارًا لضرب السيادة العربية، فلا هم أحبوا آل البيت، ولا هم أمنوا بعلي بن أبي طالب وبنوه، لكنهم آمنوا بأن ضرب السيادة العربية لن يكون الانضمام لأحد الأحزاب المعارضة القوية، ولما كان حزب الشيعة هو الحزب المرتبط بآل البيت، وحب آل البيت هي المنطقة الحساسة والعاطفية عند كل مسلم، فكان ذلك الحب هو بوابة العبور الملكية لهؤلاء من دعاة التخريب الفكري والطلاق الأيديولوجي.

وبالرغم من الكتابات الكثيرة، التي وجهت لدراسة الشيعة والتشيع، إلا أن الباحث يرى أن هناك دوافع كثيرة دفعته للدراسة الأكاديمية فيه، فيرى أن معظم الكتابات التي وجهت لدراسة الموضوع كانت كتابات عامة، غير متخصصة اللهم إلا القليل، وكانت هذه الكتابات وبالاً على الموضوع فرسخت حالة من التشتيت وعدم الفهم، فلو جئنا، مثلاً، ببضع كتب، من الكتابات السابقة لن نجد كتابين متفقين على أبسط الأبجديات في بحث قضية التشيع، فكانت الأيديولوجيات المتناحرة هي العامل الأول، ونقطة الانطلاق الأولى في الكتابة والبحث.

فمعظم هذه الكتابات تعاملت مع الشيعة والتشيع بمفهوم واحد، واضعين إياهم في إطار فكري واحد ناسين بذلك أن التشيع بفرقه العديدة، لكل فكره وأدبياته، لدرجة أن الاختلافات الفكرية الشيعية - الشيعية تفوق في كثير من الأحيان الخلافات السنية - الشيعية. ولا تخرج هذه الكتابات العديدة غير المتخصصة عن موقفين إما التكفير أو التعظيم منطلقين في مواقفهم هذه في حالة من العداء الفكري الشديد والتخاصم الأيديولوجي بين الفسطاطين الذين نظر كل منهما إلى نفسه أنه فسطاط الإيمان، وأن الآخر هو فسطاط الكفر، مستمدين ذلك من أعماق التاريخ الإسلامي الذي كان الصراع بين السنة والشيعة يمثل وجهًا قبيحًا ومعلمًا أساسيًا من معالمه والذي تطور من مجرد خلاف سياسي ليصبح خلافًا دينيًا كبيرًا.

وعلى هذا ترصد الدراسة الشيعة والتشيع من المنظور التاريخي، منذ نشأتهم وتبلور فكرتهم، وكذا حوادث التاريخ المبكرة، التي ترسبت الواحدة تلو الأخرى، لتشكل في النهاية ما عُرف بالتشيع، مرورًا بالتفرق الشيعي، وبث الفرق دعاتهم في مناحي العالم الإسلامي، وتسابقها في ذلك، وكانت الفرقة الإسماعيلية صاحبة النفس الأطول، فاستطاعت تحقيق أو نصر مدوي للشيعة والتشيع، الذي تطور من حلم إلى فكرة إلى دعوة إلى دولة، كل ذلك من منظور تاريخي، وبرغم أن دراسة التشيع قد وزعت على دارسي الفلسفة والسياسة والاجتماع والأدب والاقتصاد والعديد من فروع العلم المختلفة الأخرى، إلا أن المنظور التاريخي هو المنظور الأساس لفهم المضمون الشيعي، فتاريخهم كان مسئولاً عن أفكارهم.

ويرى الباحث أن جذور نشأة التشيع هي إشكالية كبرى، لأنها لا تخرج عن حالة الاختلاف الفكري السني - الشيعي، فالكتابات الشيعية والمنظرون للفكر الشيعي، حاولوا تأصيل التشيع إلى المراحل الأولى من التاريخ الإسلامي، فروجوا لفكرة أن التشيع نشأ منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وخلافة أبي بكر الصديق له، قائلين إن هناك حزبًا كبيرًا من المسلمين قد حزن لإبعاد علي بن أبي طالب عن خلافة الرسول صلى الله عليه وسلم، مدعين أنه كانت هناك وصية من الرسول صلى الله عليه وسلم، لعلي كي يستخلفه فيها لحكم المسلمين، أوجب ذلك أن يرجع الباحث لتلك الحقبة الأولى فناقشت الدراسة مسألة خلافة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقضية الوصية، واتضح من خلال الدراسة أن ما قيل عن مسألة الوصية لا وجود له بين صفحات التاريخ الحقيقي، فظهر ذلك من الإمام عن نفسه وموقفه من أبي بكر وعمر وعثمان الخلفاء الثلاثة الأوائل، فكانت علاقتهم من الروعة بمكان، وكانت شهادات الإمام علي نفسها كفيلة بهدم مسألة الوصية له، وسارت الأمور كما ينبغي إلى أن جاءت اللحظة الأصعب، التي تمثلت في خلافة عثمان بن عفان، وظهور التشيع المتمثل في عبدالله بن سبأ، الذي حاول اتخاذ التشيع للإمام علي ستارًا لهدم الإسلام نفسه، إلا أن ذلك كان بمعزل عن الإمام علي، الذي كان أول من حارب ذلك، وناقشت الدراسة أيضاً في فصلها الأول خلافة الإمام علي، التي مرت بعدة حوادث ترسبت في النفسية الشيعية، فالإمام علي، حسب وجهة النظر الشيعية، أُبعد عن الخلافة مرارًا، ولما جاءت له لم يهنأ بها، فخرج عليه طلحة والزبير والسيدة عائشة (معركة الجمل) وحاربه فارس الشام معاوية بن أبي سفيان (صفين)، وخرج عليه غالبية جنوده (الخوارج)، ولم يلبث إلا وطعن بخنجر أحد هؤلاء، لتنتهي بذلك حياته، كل هذه العوامل والحوادث التاريخية ساهمت بعد ذلك في تشكيل العقلية الشيعية.

وجاءت خلافة الحسن بن علي، الذي فهم الموقف الشيعي الضعيف وغير المسئول، فقرر ترك السياسة بشئونها وشجونها، فتنازل عن خلافته لمعاوية ابن أبي سفيان، ليقل بذلك في أعين الشيعة. وتأتي خلافة معاوية بن أبي سفيان، لتظهر حركة شيعية بدائية، ولكنها كانت مخاضًا لما ظهر بعد ذلك، متمثلة في حركة حجر بن عدي الشيعي، الذي انتهت حياته نتيجة لأفكاره الشيعية المناوئة للدولة.

وتنتقل الدراسة لبحث الطور الانقلابي لحركة التشيع، متمثلاً في خروج الحسين بن علي، الذي أدى إلى مقتله في كربلاء (61هـ/ 680م) في حادثة كانت المسئولة عن البلورة النهائية لنشأة التشيع، فكان مقتله هو الحادثة التي شكلت العقيدة الشيعية بكامل صورتها، إذ تمخض عنها الإعلان الرسمي لعقيدة التشيع، فانطلق التشيع إلى طور الغليان، وأصبح التشيع عقيدة راسخة في نفوس الشيعة.


عدد القراء: 2354

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-