العدد الحاليالعدد رقم 47ترجمات

عثرة اللغة في العصر الرّقمي

ترجمة: د. أسماء كريم

استمرارًا لعمل نعوم تشومسكي Noam Chomsky، طوَّر جيري فودور Jerry Fodor وجهة نظر معياريَّة للعقل، حيث تتفاعل اللّغة بوصفها برنامجًا فرعيًّا مستقلًا. فعلى أيّ أساس؟

لاحظ الباحثون، منذ ما يقرب القرنين من الزّمن، أنَّ هناك علاقة بين بعض اضطرابات اللّغة والتَّلف في مناطق محدَّدة من الدّماغ. إذا أصاب التَّلف منطقة محدَّدة من الدّماغ الأيسر، فلن يتمكّن المريض من الكلام، لكنّه سيظلّ قادرًا على الفهم، وإذا تضرَّرت منطقة أخرى، فسيتمكَّن المريض من الكلام، لكنّه لن يفهم شيئًا، وما سيقوله لن يكون له أيّ معنى. وإذا لم تكن العلاقة بين الدّماغ واللّغة بسيطة، فإنّ علماء الأعصاب واللّسانيّين يتَّفقون أنَّ وظائف اللغة المختلفة تقع في نصْفَيْ الكرة الأيمن والأيسر من الدّماغ.

لقد طرح نعوم تشومسكي، لأوَّل مرَّة في سبعينيات القرن العشرين، الفكرةَ القائلة أنَّ اللغة هي عبارة عن عضو يشبه الكبد أو القلب، وتتحكَّم فيها عمليّات معرفيَّة مستقلَّة. ووفقًا له، فالبنيات العقليَّة هي مجموعات من المعارف الخاصَّة بمجال معيَّن. وسيصبح النّظام العقلي مِعْياريًّا وليس وحداتٍ، وستصبح اللغة إحدى وحداته الأساسيَّة. ترتبط نمطيَّة اللغة، بالنسبة لتشومسكي وآخرين مثله، بالفِطْرِيَّة: فالإنسان يُولد مع استعداد فطريّ للّغة، موروث وغير مكتسَب.

لقد تمَّ تطوير هذا المفهوم للوظيفة العقليَّة المعياريَّة وتعميقه ونشره على يد الفيلسوف الأمريكي جيري فودور، عندما كان أستاذًا في معهد ماساتشوستش للتكنولوجيا MIT. في عام 1983 نشر كتابه (نمطيَّة العقل/ La Modularité de l’esprit). وفيه يتبنّى فكرة أنَّ الدّماغ يتكوّن من وحدات مستقلَّة، تُسكّل آلياتها الـمُعقَّدة أساس الـمَلَكَات المعرفيَّة مثل الذَّاكرة، والإدراك، والانتباه، واللغة…ويقارن طريقة عملها بجهاز معالجة المعلومات: حيث تتمّ معالجة المعلومات (الـحوافز) الوارِدَة من البيئة. في مراحل متتاليَّة أو متوازيَّة، تمامًا مثل برنامج الكومبيوتر، إذ يمكن تقسيم العمليَّة المعرفيَّة إلى عِدَّة وحدات مُعالِـجَة، لكلّ واحدة منها وظيفة خاصَّة. فعلى سبيل المثال؛ عندما نتحدَّث مع شخص ما، فإنَّ الكلام الذي يصل إلينا يخضع أوّلًا لتحليل صوتي إدراكي، ومن ثمَّ يقوم النّظام بتحليل الأصوات (الفونيمات) وتنظيمها (الصّواتة)، ثم يتعرَّف على الكلمات (التحليل المعجمي والدّلالي)، وأخيرًا على طريقة تكوين الجمل (التَّركيب).

في عام 1983 كذلك، طوّر فودور بنية معرفيَّة تتكوَّن من عدَّة أنواع من المكوّنات الوظيفيَّة: أنظمة تحليل الـمُدْخلات، والأنظمة المركزيَّة المسؤولة عن دَمج المعلومات، وأنظمة التَّنفيذ الحركي. أنظمة الإدخال هي بالطَّبع وحدات معياريَّة، والعمليَّات التي تُديرها لها خصائص مشتركة، والتي تَنْطَبِق بوضوح على عالَـم اللغة.

قوالِب اللُّغة

إنَّها مُحدَّدة: يعمل قالَب إدراك اللّغة فقط مع المعلومات اللّغويَّة، دون مراعاة المعلومات المرئيَّة أو الاجتماعيَّة.

إنَّها إلزاميَّة: تكون العمليَّة إلزاميَّة عندها تكون تلقائيَّة ومستقلَّة عن القواعد الأخرى، وبالتالي، لا يمكن التَّحكّم في هذه العمليّات أو تعديلها من خلال عمليّات رفيعة المستوى، مثل معرفتنا للعالَم. فعندما نقابل كلمة ما، لا يمكننا أنْ نُوقِف معالجتها الدّلاليَّة من أجل حساب عدد المقاطع أو تحديد لون الحبر الذي كُتِبَت به هذه الكلمات. إنَّنا نصل مباشرة إلى معنى الكلمة، بطريقة إلزاميَّة وتلقائيَّة. يُوضّح «تأثير ستروب/ effet Stroop» الشَّهير (1935) هذه الظّاهرة: يُطلَب من شخص ما بسرعة، تسميَّة لون الحِبْر الذي كُتِبَت به كلمة «أصفر» على ورقة أو على لوحة. فإذا كانت الكلمة مكتوبة بالحبر الأخضر، فإنَّ الوقت الذي سيستغرقه نطق كلمة «أخضر» يكون أطول من الذي يستغرقه نطق كلمة أخرى؛ «منزل» على سبيل المثال، مكتوبة باللون الأخضر. وهذا يعني أنَّ الأولويَّة تُعطَى للوصول إلى معنى الكلمة، مما يؤدّي إلى إبطاء تحديد اللون وتسميَّته.

سرعة المعالجة: الوقت الفاصل بين تقديم المدخلات وإنتاج الـمُخرجات سريعٌ جدًّا، وسيكون نتيجة للمعالجة الإلزاميَّة. يُعدُّ فَهم اللغة مثالًا واضحًا على المعالجة السَّريعة: يمكن للقارئ العادي قراءة أكثر من 200 إلى 300 كلمة في الدَّقيقة وفهمها.

التّغليق المعلوماتي: هذه هي الخاصيَّة الـمِحْوريَّة للمعياريَّة المعرفيَّة. يَفْتَرض فودور أنَّ العمليَّة لا يمكنها الوصول إلى المعلومات التي تعالجها العمليَّات الأخرى، فهي مستقلَّة. لذلك، لا تتأثَّر بالحالات الجسديَّة (التَّعب، عدم الاهتمام) أو الحالات النَّفسيَّة (المعتقدات، المعارف).

بنية عصبيَّة ثابتة: تصبح القواعد العصبيَّة لكُلّ قالب مُحدَّدة بسبب التَّغليف المعلوماتي. لذا، فإنَّ الخَلل الوظيفي الـمُحدَّد بعد إصابة الدّماغ يجب أنْ يؤدّي إلى خَلل سلوكي مُحدَّد (على سبيل المثال: العَمَه الصَّوتي وعَمَه التَّعرّف على الوجوه). ومع ذلك، ليست بنيةُ الدّماغ للوظائف المعرفيَّة منظَّمةً بالضَّرورة؛ بحيث يتمّ تنفيذ كلّ قالَب في منطقة قشريَّة محدَّدة بشكلٍ جَيّد.

برنامج التَّطوّر الوراثي: سيكون كلّ قالَب فِطْريًّا، وسيتَتبَّع برنامجًا محدَّدًا لينضُج. ووفقًا للنَّظريَّة المعياريَّة، قد تكون بعض الوظائف المعرفيَّة العليا ضعيفة، بينما يتمّ الحفاظ على وظائف أخرى. ومن شأن «متلازمة ويليامز / Syndrome de Williams» أن تؤكّد هذا المبدأ: إنَّه اضطراب نفسي يربط بين التَّخلّف العقلي وارتفاع القدرة على التواصل الاجتماعي والمهارات اللغويَّة الجيّدة. ويبلغ متوسّط معدَّل ذكاء هؤلاء الأشخاص 55 (وهو معدَّل منخفض جدًّا)، وهم غير قادرين على أداء بعض المهامّ الأساسيَّة، مثل إحكام رَبْط أحْذِيَّتهم، أو استخدام سكِّين، أو مكنسة، أو إعادة إنتاج رسم. كما أنَّهم ضعفاء جِدًّا في جميع المهامّ المرتبطة بالفضاء. لكن لديهم قدرة ممتازة في التَّعرُّف على الوجوه، وهُمْ حسَّاسون جدًّا للضَّوضاء (احتداد السَّمع)، ويُظْهِر بعضهم مَوهبَةً وذوقًا للموسيقى. إنَّها القدرات اللغويَّة التي تدفعنا إلى التَّفكير بأنَّ تطوّر اللّغة وعملها منفصلان عن الـمَلَكات المعرفيَّة الأخرى.

في الواقع، يتواصل الأشخاص المصابون بهذه المتلازمة بسهولة ودون أيّ إحراج، ويتحدَّثون بشكلٍ صحيحٍ للغاية، وغالبًا ما يستخدمون كلمات نادرة ومتنوِّعَة، ويتمتَّعون بذاكرة صوتِيَّة ممتازة. ولذلك، يبدو أنَّه على الرّغم من ضعفهم العقلي الشَّديد، فإنَّ مَلَكاتهم اللغويَّة سليمة. ومع ذلك، فإنَّ الدّراسات الأكثر عمقًا والتي تستهدف بعض الجوانب المحدَّدة للُّغة، مثل بعض القواعد النَّحويَّة المعقَّدة أو استخدام الأفعال الجامدة، من شأنها أنْ تُظهر أنَّ هؤلاء الأشخاص أسْوَء من الأشخاص العاديِّين. لذا، فهناك مجال للنّقاش. يعتقدُ العديد من الباحثين أنَّ متلازمة ويليامز تدعِّمُ الفصل بين اللّغة والمعرفة، وبالتالي تُدعِّم فكرةَ مِعياريَّة العَقل. لكن آخرين، يجادلون بأنَّ بعض جوانب اللُّغة فقط هي التي يتمّ فَصلُها عن المعرفة، وليس كلَّها.

منذ فودور، شهدت النَّظريَّة المعياريَّة تطوُّرًا كبيرًا من جانب مُؤيِّدي هذه النَّظريَّة، كما أنَّها اجتذَبت العديد من النُّقاد، خاصَّة جون سيرل John Searle. لقد أحدثت تأثيرًا عميقًا على علم النَّفس المعرفي للُّغة لدى الأشخاص العاديّين وأولئك الذين يُعانون من نقصٍ في الدّماغ أو في السلوك.

 

الهوامش:

مجلة العلوم الإنسانية الفرنسية/ عدد خاص، Sciences Humaines/ les essentiels, Hors-série، العدد 15، أكتوبر-نونبر2023، ص: 110-111-112)

جيري فودور  Jerry Fodor

رانكا بيليجاك بابيتش   Ranka Bijeljac-Babic

عالمة اللسانيات النّفسيَّة، وأستاذة محاضرة في جامعة بواتييه Poitiers، ومختبر علم النّفس الإدراكي (CNRS/ جامعة باريسV).

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

د. أسماء كريم

أستاذة محاضرة، باحثة في الترجمة والتواصل - المغرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى