
هل اخترع إدغار آلان بو أدب الجريمة والتحقيق؟
لا يحتاج المرء إلى شيرلوك هولمز كي يستنتج أيُّ كاتبٍ كان رائدَ أدب التحقيق الجنائي. فإدغار آلان بو لم يهب الحياة للقصة البوليسية فحسب، بل منح أيضًا القصة القصيرة المرعبة روحها الأولى.
مع أنَّ جماعةً من كتّاب أوروبا في القرن التاسع عشر أسهموا في تشكيل ملامح القصة البوليسية وصياغتها على الورق، فإن إدغار آلان بو يُنسب إليه، على الدوام، فضلُ أن يكون أولَ عبقريٍّ عظيم في هذا الفن. ففي عام 1841 نشر قصته «جرائم شارع مورغ»، وهي أولى حكاياته القائمة على «الغموض والخيال»، وفيها قدّم محققه اللامع الهاوي أوغست دوبان، ابن باريس.
وبعد أكثر من خمسين عامًا، اعترف آرثر كونان دويل بنفسه بأن دوبان كان الإلهام الأدبي الأبرز لشخصيته الشهيرة شيرلوك هولمز؛ ذلك العبقري اللندني الذي يحل الجرائم بقوة الاستدلال العقلي.
من إدغار آلان بو إلى بوارو: تتبّع الجذور
وكما هي الحال مع معظم الاختراعات والابتكارات، نادرًا ما يكون ظهورُ شيءٍ جديد ثمرةَ عقلٍ واحد أو شخصٍ واحد. ففي الغالب تنشأ الأفكار من روح العصر ذاته. وهكذا كان الأمر مع أدب التحقيق أو الرواية البوليسية؛ إذ ساهم عددٌ من الكتّاب في فرنسا وإنجلترا في تمهيد الطريق أمام المحققين ذوي العقول الحادة الذين يطاردون الجرائم بعقولهم قبل أسلحتهم، من هرقل بوارو لدى أغاثا كريستي ــ صاحب «الخلايا الرمادية الصغيرة» ــ إلى المفتش كولومبو في التلفزيون الأمريكي، بملابسه المجعّدة وهيئته التي لا تُنسى، كما أدّاها بيتر فالك.
ولو أراد مؤرخٌ أدبيٌّ دقيق أن يتتبّع البدايات الأولى لهذا الفن، لعاد آلاف السنين إلى مسرحية سوفوكليس الإغريقية الخالدة «أوديب الملك»، باحثًا فيها عن أثرٍ قديم لأدب التحقيق. فها هو الملك أوديب، في سعيه المشؤوم، يحل لغز مقتل أبيه خطوةً خطوة: يستدعي الشهود، يستجوبهم، يبحث عن القرائن، يكشف الأسرار، ثم يقود هذا «الملف البارد» العتيق إلى قصره هو نفسه.
وكذلك الأمر في امتدادٍ إليزابيثيٍّ ما، حيث يُكلَّف الأمير هاملت عند شكسبير بالبحث عن قاتل أبيه والثأر منه. ولعل الشعار الأنسب للبطل المحقق هو عبارة هاملت الشهيرة:
«قد يبدو الأمر جنونًا، لكن في هذا الجنون منهجٌ خفي.»
الشرطة… والمدينة الحديثة

غير أن المؤرخين يميلون إلى القول إن الثورة الصناعية في أواخر القرن الثامن عشر هي التي هيأت المسرح الحقيقي لولادة أدب التحقيق. فمع تدفق عمّال المصانع والنسيج وغيرهم من الأرياف والبلدات الصغيرة إلى المدن، بدأت تظهر ظروفٌ جديدة: ازدحام خانق، وغربة بين الحشود، وجرائم يرتكبها غرباء لا يعرف بعضهم بعضًا.
حتى مسألة إنارة الشوارع البسيطة كان لها أثرها؛ فالضوء يردع الجريمة بطبيعته. وقبل أن تُضاء مدن أوروبا وأمريكا ليلًا ــ أولًا بالغاز ثم بالكهرباء ــ كانت أحياءٌ كاملة تغرق في الظلام بعيدًا عن الطرق الرئيسية، مما خلق بيئة مثالية للجرائم، وخصوصًا ضد النساء. ولعل المثال الأشهر هنا جرائم «جاك السفاح» المروعة في لندن بين 1888 و1891.
وزاد الأمر سوءًا أن معظم المدن، حتى القرن التاسع عشر، لم تكن تملك قوات شرطة منظمة أو محترفة. فقد كانت الأحياء تُراقَب محليًا على نحو محدود، غالبًا بواسطة متطوعين، ونادرًا ما كان ذلك يحدث ليلًا.
كانت «موجات الجريمة» تتصاعد، لا سيما في الأحياء الفقيرة والمهاجرة، كأنها أمواج تتحطم على المدن المكتظة. وبينما كانت لندن من أوائل العواصم الغربية التي أنشأت قوة شرطة رسمية سنة 1829، ثم تبعتها بوسطن ونيويورك، فإن باريس عرفت شكلًا مبكرًا من الإدارة الشرطية منذ عهد لويس الرابع عشر. غير أن باريس لم تعرف جهازًا شرطيًا حقيقيًا، بزيٍّ رسمي وعناصر سرية، إلا مع بدايات القرن التاسع عشر.
ومن هنا يقودنا الطريق إلى أول بطل حقيقي للتحقيق الجنائي في الغرب: الفرنسي أوجين فرانسوا فيدوك (1775–1857).
المحقق الذي كشفه الأدب
بعد حياةٍ حافلة بالاحتيال والسجن، «استقام» فيدوك عام 1809، لكن استقامته قادته مباشرةً إلى مكاتب الشرطة الباريسية. وهناك، ووفق المقولة الشهيرة «لا يمسك اللصَّ إلا لصٌّ مثله»، استعانت به الشرطة لقيادة وحدة تحقيقات سرية جديدة.
ورغم الجدل الذي أحاط بأساليبه وأخلاقه، فإن سجلّه الحافل بالاعتقالات الشهيرة جعله أسطورةً حيّة. كما ساهم في تطوير أساليب حديثة في العمل الشرطي، مثل الأدلة الجنائية، وملفات السوابق، وبصمات الأصابع. ويُنسب إليه أيضًا تأسيس أول وكالة تحرٍّ خاصة في باريس عام 1832.
كان إدغار آلان بو قارئًا شغوفًا لمذكرات فيدوك الثلاثة، بل إنه أشار إليه صراحةً في «جرائم شارع مورغ». وقد ألهم فيدوك عددًا من كبار الروائيين الفرنسيين، من فيكتور هوغو وألكسندر دوما إلى أونوريه دي بلزاك.
ويكفي أن نتأمل شخصية المفتش جافير القاسي في «البؤساء» لهوغو لنلمح بوضوح أثر الرواية البوليسية الناشئة في أدب القرن التاسع عشر الأوروبي. وفي الوقت نفسه، كان تشارلز ديكنز في إنجلترا يستكشف هذه النماذج السردية الجديدة، كما فعل في روايته «البيت الكئيب» التي قدّمت المفتش باكيت من سكوتلانديارد.
دوبان… الأب الروحي لشرلوك هولمز
قد يكون من الصعب دائمًا الادعاء بأن عملًا ما هو «الأول» في التاريخ، لكن «جرائم شارع مورغ» تُعد، على نحو شبه متفق عليه، أول قصة قصيرة منشورة يقوم بناؤها بالكامل تقريبًا على شخصية محقق يسعى لكشف الجريمة.
ولم تكتفِ مغامرات دوبان ــ التي تلتها قصص أخرى مثل «لغز ماري روجيه» ــ بإرساء قواعد الحبكة البوليسية، بل أصبحت نموذجًا احتذى به عدد هائل من الكتّاب، وعلى رأسهم آرثر كونان دويل في قصص وروايات شيرلوك هولمز.
فمنذ اللحظة التي «تبدأ فيها اللعبة»، يصعب على القارئ ألّا يلاحظ التشابه المدهش بين بطلي «شارع مورغ» ونظيريهما عند دويل.
شريكان في حل الجريمة
وكما كان الدكتور واطسون يروي لنا مغامرات هولمز، فإن الراوي المجهول عند بو يقدّم للقارئ شخصية دوبان، ذلك «الشاب النبيل» الباريسي الغريب الأطوار والمنعزل.
وكما يتشارك هولمز وواطسون السكن في شقتهما الشهيرة في شارع بيكر، فإن دوبان ورفيقه يعيشان معًا في قصر قديم متداعٍ بحي سان جيرمان.
وفي الحالتين، يندهش الراوي حين يبدو أن المحقق يقرأ أفكاره. ففي إحدى نزهاتهما الليلية، يقطع دوبان الصمت فجأةً بعبارة تطابق تمامًا ما كان يدور في ذهن رفيقه. ثم يشرح، خطوةً خطوة، كيف قادته ملاحظاته الدقيقة إلى استنتاج ما كان يفكر فيه صاحبه.
وبالمثل، يقول هولمز لواطسون عند لقائهما الأول:
«أراكَ كنتَ في أفغانستان».
فيجيبه الطبيب مذهولًا:
«كيف عرفت ذلك؟»
ثم يكشف هولمز لاحقًا سلسلة الاستنتاجات التي أوصلته إلى الحقيقة: هيئة عسكرية، بشرة سمراء من بلاد حارة، وجه مرهق، ذراع مصابة… ومن ثم لا بد أنه خدم في أفغانستان.
العقل بدل القوة
لم يكن دوبان رجل عضلات أو مطاردات جسدية، بل رجل عقل وتحليل. يهوى تفكيك الألغاز والرموز، ويعتمد على الحدس والمعرفة العلمية والملاحظة الدقيقة.
ولكي يحل جريمة شارع مورغ، يستعين بمعرفته بكتاب «مملكة الحيوان» لعالم الحيوان الفرنسي جورج كوفييه.
وبالمثل، يفحص هولمز مسرح الجريمة في «دراسة في اللون القرمزي» بعدسة مكبرة، ويولي اهتمامًا بالغًا لتفاصيل تبدو تافهة، مثل علبة حبوب صغيرة.
وهكذا، أصبح المحقق الأدبي – من دوبان إلى هولمز ومن بعدهما – بطلاً يعمل غالبًا وحده، أو بمساعدة رفيق أقل منه ذكاءً، وينجح في حل القضية رغم عجز الشرطة أو أخطائها.
فالشرطة كثيرًا ما تعتقل الشخص الخطأ، بينما تنظر بازدراء إلى المحقق الهاوي الذي يتدخل في عملها. ففي قصة بو يطلب الشرطي من دوبان ساخرًا أن «يهتم بشؤونه الخاصة»، أما هولمز فيصف مفتش سكوتلانديارد بأنه مجرد «أفضل السيئين».
لغز الغرفة المغلقة
تقوم القصتان على عنصرٍ سيصبح لاحقًا حجر أساس في الأدب البوليسي: «جريمة الغرفة المغلقة».
في «شارع مورغ»، تُعثر على امرأة مقتولة بوحشية داخل غرفة مغلقة من الداخل، بينما تُكتشف جثة أمها المشوهة أسفل المبنى بعد أن أُلقيت من النافذة. لكن النافذة نفسها مغلقة أيضًا من الداخل.
إنها، في نظر الجميع، «جريمة مستحيلة».
لكن ذلك كان قبل أن يأتي دوبان ويفحص كل شيء بعينٍ لا تفوّت تفصيلًا.
وبالمثل، يُستدعى هولمز وواطسون إلى منزل في جنوب لندن حيث يرقد رجل أمريكي مقتولًا في غرفة الطعام. وبينما تخطئ الشرطة في استنتاجاتها بسبب دليل مضلل تركه القاتل عمدًا، يفحص هولمز المكان كله بدقة تجعل واطسون يشبّهه بكلب صيد مدرَّب يتتبع الأثر.
ثم يعلن هولمز نتائجه بثقة وهدوء، كما لو أن الأمر «لعبة أطفال».
على خطى إدغار آلان بو
لم تلقَ رواية «دراسة في اللون القرمزي» نجاحًا كبيرًا عند صدورها، ربما بسبب استطرادها الطويل الذي يروي خلفية الثأر الدموية في يوتا المورمونية. لكن دويل، مع بدايات تسعينيات القرن التاسع عشر، صقل أسلوبه وأحكم بناء حبكاته، وبدأ يقدّم قصصًا قصيرة متقنة مثل «العصابة المرقطة»، فتحوّل هولمز وواطسون إلى ظاهرة أدبية عالمية، وإن كان ذلك على خلاف رغبة دويل نفسه أحيانًا.
واليوم ما يزال إرث دويل – ومعه إرث بو- حاضرًا بقوة في أدب التحقيق والسينما والتلفزيون. فمن هرقل بوارو والآنسة ماربل عند أغاثا كريستي، إلى المحقق القاسي فيليب مارلو، إلى المفتش كلوزو الكوميدي، وحتى جيسيكا فليتشر في مسلسل «لقد كتبت جريمة»، نجد الجميع، بدرجات متفاوتة، يسيرون على الطريق الذي شقّه إدغار آلان بو أولًا، بينما كان آرثر كونان دويل يمضي خلفه مباشرة.
المصدر:



