
النص المتجانس في السرد المتشظي
تميزت رواية (غريزة الطير)* للشاعر العراقي عبدالزهرة زكي بكونها نصًا مفتوحًا، يعمل على تشكيل معانٍ مفتوحة كثيرة ومنبثقة من الوقائع التاريخية – السياسية – الاجتماعية، وأحداثها تكون متشابكة، متداخلة، بحيث يستطيع القارئ أن يبدأ من أية صفحة يشاء، ولكن في الأخير ستتجمع قطعه المتشظية المتوزعة بين ثنايا سرد النص الروائي، وهي قطع تعمل على تشكيل الصورة المضمرة المختفية بين سرد الرواية المتشظي، لتكون «قوة تفعيل محتوى مُضمَر ما منوطة إلى حد معينٍ بدرجة اخباريّته وحداثّته وأهميّته وإثارته للاهتمام بالنسبة الى المُحاور»1. وتكون وجهة النظر هنا على المُضمّن نسبيًا مع درجة إخباريّته، فكلما كان المحتوى المُضمر مٌفارقًا بالنسبة إلى المٌحاور، جذب انتباه هذا الأخير، واجمالاً، كلما كان المحتوى المٌضمر جليًا صعب ادراكه. وفي هذا الصدد يؤكد رولان بارت أن «قوام القراءة هو بلا شك أن نعيد كتابة نص المؤلف من وحي نص حياتنا»2. وهنا أقول: كيف إذا كان نص «حياتنا» الذي هو ذات نص «المؤلف» في الوقت نفسه؟
إن القراءة تصبح بلا فائدة إذا لا تستطيع إنتاج معنى، فالمعنى ينتج من التفاعل الحاصل بين البنية اللغوية للنص وبين فعل الفهم لدى القارئ، كذلك لا يصدر أي تأويل ما لم تسبقه قراءة، أي أن القراءة تسبق التأويل الذي يخضع لمعطيات القراءة الذاتية التي تعتمد على اختيار مقاطع معينة من النص استنادًا على عمق ثقافة الناقد أو القارئ، وتعدد مرجعياته وقراءاته، وشمولية رؤيته، ومدى انفتاحه على العالم، أثناء مزاولة العملية القرائية، لاختيار وحداته الدلالية، واستبعاد أخرى، من أجل إكمال عالمه الدلالي القصدي على معنى يختاره هو. بمعنى أن تعدد القراءات يقود إلى تعدد التأويلات الذي يفضي إلى تعدد المعاني أيضًا، من خلال القراءة العميقة الناقدة للنص.
إن أهم سمة أو صفة للرؤيا الفنية عند عبدالزهرة زكي، في هذه الرواية، لا تتمثل في التشكل، بل في التعايش وفي التأثير المتبادل بين الشخصيات، وأدرك أن عالمه هو في المكان، أي عالم «مدينة البصرة» لا في الزمان. وهذا الشيء أدى به إلى أن يقوم بالاشتغال على تداخل الأزمنة، الذي فسح المجال كله للمكان، بمعنى أن الزمان أصبح تابعًا للمكان تمامًا، وأسبغ «الطابع الدرامي في المكان حتى على التناقضات الداخلية وعلى المراحل الداخلية لتطور إنسان واحد»3. دون ان يشعر أو يلاحظ ذلك المتلقي.
إن السارد الضمني يٌخبر القارئ بجملة إخبارية اعتراضية ستعمل على إضاءة الكثير من خفايا النص: «نهاية عام 1979..
انقلبت السياسة في البلد، وكثرت الاعتقالات وامتلأت السجون وجرى تغييب الكثيرين – ص 21». ثم يضيف السارد معلومات مهمة عن المثقفين الأربعة للقارئ ملحقة بالجملة الإخبارية: «لم نكن الأربعة معنّيين بالسياسة، خلال حياتنا التي قادها الحب والطموح والمعرفة، لم يكن من شاغل لنا سوى كتب الأدب والفلسفة والتاريخ واللغة الإنكليزية ثم المهم وهو التفوّق الدراسي»، هذه الجملة التي تعتبر استشرافية وتمهيدًا لما سوف يحصل في العراق من: الحرب العراقية – الإيرانية عام 1980، واجتياح الكويت عام 1990، والحصار الوحشي، لهذا نشاهد محاولة فوزي الخروج من البلد ما هي إلا تحصيل حاصل. «تريد تسافر؟ – ص 23»، نتيجة وصول زمرة من الـ«توتاليتارية»4 . وهذا ما جعل الخوض حينذاك في هكذا مواضيع مجازفة مميتة لمن يتطرق اليها، لذلك استعملت التورية واللغز والتلميح والكلام المرموز بين الشعب.
ومثال على ذلك هو ما يجري ما بين فوزي وآدم وبين الرجل السكير في كورنيش العشار ليلاً، «سأله فوزي بمناكدة واضحة: «منين نخلص؟»، فرد الرجل بتلقائية: «من أكل التبن» ص 51.
يقوم الروائي أحيانًا بإعطاء بعض الكلمات معاني رمزية غير معناها الحرفي، مثل كلمة ظلام: «الظلام شديد، لا مقاهي، لا مطاعم، لا بارات، لا ملاهي» ص49، ثم يعود مشددًا «الآن ليس سوى الظلام» ص 49، تتكرر كلمة الظلام عدة مرات للإشارة إلى ما وراء المعنى أي المعنى المجازي: «المفلس بالظلمة أمين» ص 51. سماء البصرة يمتزج فيها الظلام بالظلام، والخوف جاثم كالطير، وهذا ما يجعل آدم يقترح على فوزي مكانًا أقل وحشةً وظلامًا حين يدخلان شارع الوطن (حيث لم يكن شارع الوطن أحسن حالاً من الكورنيش، الظلام شديد، هذا شارع كان موئلاً للمرح واللهو ليلاً. الآن ليس سوى الظلام. الفنادق التي كانت على جانبي الشارع مظلمة) ص 49. بل نرى حتى أسماء الاحياء السكنية تصبح رمزًا تشير إلى الخراب والتدهور والموت: «(الجمهورية) الحي هو كناية عن (الجمهورية/ نظام الحكم) وعن الآلاف من الأحياء السكنية والقرى المحطمة، تحطّمُ (الجمهورية) كحيّ هو تعبيرٌ جدير بالانتباه إلى رمزيته واختصاره لتحطّم (الجمهورية) كنظام للدولة» ص 76.
إن الزمن الحقيقي للرواية هو الذي يبدأ ما بعد الانتفاضة 1991، والحصار الدولي، وينتهي في نهايات سنة 2004 للاحتلال الأمريكي – البريطاني. وهنا عمد الروائي على الاشتغال على تداخلات الأزمنة في كل الرواية «حاضر/ماضي وماضي/حاضر» وأحيانًا كثيرة يكون الزمن خارج زمن الرواية، بمعنى العودة إلى الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، مما جعل القارئ يرتبك قليلاً في رؤيته لاشتغال السرد في المتن النصي.
إن من عوامل نجاح رواية (غريزة الطير)، هو تعدد الرواة، تعدد الساردين، مما مكن القارئ أن يواجه أصوات شخصيات متعددة في حالاتها الإنسانية المختلفة، أما حدودها الدلالية فواضحة المعالم: تفكر – تعاني – تعي، التي هي (فوزي الخير الله، آدم زيني، سليمان زيني، سهاد زيني، حسين البدر)، أما بقية الشخصيات «رغم انها لا تقل أهمية عن الأخرى»، فإننا نتعرف عليها ونسمع أصواتها عن طريق الشخصيتين المحوريتين: فوزي وآدم، وهذه الشخصيات نسائية بامتياز هي «نهال علي الحسون» قتلت عن طريق قناص لاتهامها في السجلات الحكومية إنها من النساء المشاركات في أحداث الغوغاء بموجب تسمية الحكومة للانتفاضة -« ناز أحمد صالح» أعدمت لاتهامها بالشيوعية – «إيما هيرلي» هربت إلى لندن هربًا من الملاحقات والتحقيقات المستمرة، وهنا ، الملفت للملاحظة هو ان وعي مبدع الرواية «المتعددة الأصوات يحظى بحضور دائم يعم كل جزء من أجزاء هذه الرواية، وهو حضور فعال إلى أقصى حد في هذه الرواية. أما وظيفة هذا الوعي وأشكال فعاليته فأمور من نوع اخر تختلف عما الفناه في الرواية المونولوجية: إن وعي المؤلف لا يحول أشكال الوعي الأخرى عند الآخرين (أي وعي الأبطال) إلى موضوعات ولا يمنحها تحديدات منجزة ومعدة بمعزل عنهم (غيابيا) إن هذا النوع من الوعي يشعر بوجود أشكال وعي لآخرين تقف إلى جانبه على قدم المساواة»5. لأن هذه الأصوات مكتملة الصياغة نسبيًا ورسمت لهدف معين في محاولة تأدية دورها بالكامل.
رغم أن فوزي الخير الله وآدم سليمان زيني، يعتبران من الشخصيات الرئيسة والجوهرية في الرواية إلا أن شخصية آدم بقيت هي الشخصية الموجهة والمحورية والفاعلة بين جميع شخصيات الرواية بلا استثناء، وبالذات مع فوزي الذي يعتبر الند المساوي له في الصداقة والمختلف في الوعي عنه، ولكن منذ الصفحات الأولى يعمل فوزي بقصد أو غير قصد على آثارة الريبة والشك حول آدم لدي المتلقي عندما يتكلم عنه بصيغة غير اعتيادية: «بات كل منا خزانة أسرار الآخر. كل عائلة، وبعد ذلك كلٌ أمرئ، هو عالم غامض من التفكير والوقائع والأسرار، فيما هو يريد من الآخرين أن لا يروه إلا على أنه واضح أمامهم شديدٌ الوضوح وخالٍ من أي سرً، فإذا ما كانت حياته تنطوي على سرً ما فإن هذا يعني، في ما يعنيه، أنه يخبئ ما يخشى منه على حياته وأمنه، وذلك وضع يدعو للارتياب والاتّهام وحتى التجريم» ص 13.
«كلما انزلق الحديثٌ وتوغّل بنا في المنطقة السوداء التي لا ينبغي ولوجٌها. نقترب من سرً ما، من خطر ما، فيعود آدم بابتسامةٍ يغالبٌها انزعاجٌ على محيّاه ليختم الحديث بالقول عن هذا السرّ» دفينٌ آخر، دعه يمرٌ، دعه يمضي إلى مدفن النسيان، انس يا صديقي، انس ما قلنا» ص 14.
«إنه أكثر حكمةً بتحصينه ذهنه، وقد عاش حياته حريصًا على أن يوطّد مناعاته ضدّ الخارج بما يحمي ذهنه وتفكيره من المؤثرات» ص 14.
«إنه رهن الطبيعة المحافظة التي غالباً ما تجنح الى الرويّة والتبصر، وهي طبيعة ورثها عن أمه ونمّاها هو وسوّغها بالوعي والفكر» ص 23.
هذا كله صار يدفع بالقارئ إلى أن يتساءل: من هو آدم سليمان زيني؟!
إذا علمنا من هي أم آدم زيني فعندئذ ستتضح الصورة عند القارئ، وتتعمق الرؤية ، فأمٌه هي الطبيبة البريطانية إيما هيرلي، وكان فوزي يدعوها بالخالة «أم ناجي»، منذ ان كان صبيًا، وذلك انسجامًا مع التسمية العراقية المتعارف عليها عن الانكَليز «أبو ناجي» أثناء احتلالهم العراق: «فيما كانت والدتي تستغرق بالضحك وهي تقول له: أنت، يا ولد، ستكون سببًا في إجلائي بوصفي آخر بقايا احتلال (أبو ناجي) للعراق» ص 134.
وبالعودة إلى آدم واخته وأمُه نرى أن هذا يدخل ضمن هجرة أو انتقال بعض الأفراد من جغرافيات المراكز الكولونيالية إلى الهوامش أو بالعكس، وهذا سمح بنشوء أطفال في بيئة ثقافية مختلطة، تحوز سمات كل من ثقافة المركز والهامش معًا، وهذا ما حصل مع دكتور آدم أستاذ الأدب الإنكليزي والطبيبة سهاد خريجة جامعة نيويورك.
إن رواية «غريزة الطير» تدخل بامتياز في التعددية الثقافية للرواية، وذلك لأن السمة الغالبة على روايات التعددية الثقافية تتمثل بتعدد الأصوات بحسب باختين. ولأنّ الرواية القائمة على تعدد الأصوات هي رواية حوارية تعددية، أي إنّها تتسم بتعدد وجهات النظر والرؤى الأيديولوجية في الغالب، وتعدد الشخصيات المتحاورة، فهي تتحرر من أحادية المنظور واللغة والأسلوب، بمعنى أنّها تتحرر من سلطة المؤلف، مما يتيح المجال للشخصيات أن تعبر عن مواقفها وتوجهاتها باستقلالية وحرية حتى لو كانت أراءها مخالفة لرأي المؤلف.6
إنّ تحييد الصوت المنفرد في روايات ما بعد الحداثة ولاسيما في روايات التعدد الثقافي قرّب من إمكانية الإفصاح عن الاختلافات الثقافية، وابراز الهويات، وتبين مواقع الذات إزاء ذوات متنوعة متعددة أصيلة بالقدر الذي يُعبر عن المفارقات الثقافية وترسيمها في حدود الرواية بوصفها تمثيلاً للواقع الاجتماعي المعاصر.
يقول اسماعيل زيني، زوج إيما ووالد آدم عن زوجته: «أنّها قالت لي مرّة، وكنت عائدًا من جلسة تحقيقية بشأنها» إن للمدن روحًا يخلقها المجتمع، ويستحيل على أعتى السلطات والظروف أن تغيّرها أو تدمّرها. البصرة روح تشمّ عبقها في نظرات الناس وتلمس رقّتها في كلماتهم وترى أطيافها في تعابيرهم ثم تحسّها في كرمهم الذي لا يضاهى. أنت تعرف البصرة أكثر مني لكنني أبصرها بأجمل مما أنت تراها عليه.. خلال الأيام الماضية بقيت أتحسّب من أن ما تعرضت له إيما من قسوة ونكران جميل قد يخلّف فيها كراهية للبصرة وللبصريين، وذلك بعد عقود على إقامتها وعملها بمدينتنا. هذا ما كنت أخشاه، وكان سيظل ما حييت يخدشُ شيئًا ما فيّ» ص 145.
هل يوجد كلام أبلغ وأعظم منه، يكفيها أنها عملت ليل نهار من أجل أهل البصرة وللبصرة نفسها «كانت هذه هي المرة الأولى التي تنسب فيها نفسها إلى البصرة بين بصريين، كانت سعيدةً بهذا الحب الذي أغدق به أربعة بصريين عليها، حتى قالت إنها ترى فيهم البصرة كلها» ص 145. وهنالك بعض القراء من يشبه الطبيبة «إيما»، ببريطانيا، مقارنة مجحفة وغير دقيقة بتاتًا، لأنه لا يمكننا مقارنة نظام دولة عظمى «رأسمالية» مع مواطن بسيط يمتلك إنسانيته ورؤيته وتفكيره ونفسيته، ولا أدري أين وجه المقارنة أو وجه التقابل بينهما، وهوية إيما الإنكليزية التي تعتز بها حالها حال أي إنسان آخر في العالم، لا تقلل من شخصيتها شيئًا، رغم انها أحبت وتزوجت من عربي، وانجبت منه، ومن المعتاد جدًا أن يتكلموا لغة الأب والأم سويًا، فأين المشكلة؟! وهي لم تغادر العراق إلا مرغمة على ذلك، بسبب ضغط المراقبة والتحقيقات الأمنية واحتمالية الموت بتهمة الجاسوسية والتبشير.
عندما سئل عبدالزهرة زكي ما الذي يريد الوصول إليه من قصائده، أجاب بكل وضوح: «أنّي أريد القبض على الموت بهذه القصائد»، نعم، «القبض على الموت»، عندما يجسد الإنسان الموت، ويتمثله، فإنه بهذا يكون قد قام باستبدال لحظة الفناء بالخلود، وخاصة عندما يصف في الرواية حال مدينة البصرة التي لعنت بالحروب والقتل والدم المستباح والخراب: «بدأت البصرة أقرب إلى مدينة تحتضر. إنها مدينة أخذ جسدها النحيل يتيبّس واستمرت ملامحها تتغضن، فيما باتت روحها تذوي وتتوارى حذرَ الموت، فتختفي في الأعماق السحيقة للناس» ص 83. لكن المدينة، مدينة البصرة تذوي ولكنها لا تموت، مادام فيها إنسان بصري حقيقي يعشق الحياة.
وفي مشهد حديقة/ مقبرة حسن البصري، عند البحث عن مثوى نهال تتكثف كل الصور بجمالية – شِعْرِيةٌ، وبالذات صورة المحادثة بين نهال الزوجة الميتة وفوزي الزوج الحي: «لم تكن معي، وكنت أخشى، يا فوز، أن تكون معي وأنا أستلقي على حرارة الدم، سمعت صوت الرصاصة التي قتلت فؤاد (أخاها)، ولم أسمع الرصاصة التي أسالت دمي، فغفوت لوهلةٍ ثم افقت. وحدي، كنت وحدي. لم يكن الموت مؤلمًا، لقد نزفتَ كثيرًا، نزفت حتى غطى الدمٌ الزقاق كله، وحتى غطى البصرة كلَها، فإذا بي شمسٌ بين يديك، لا تصبر أن تغيب حتى تشرق، هل أشرقٌ ثانيةً بين يديك؟ كنت أستغيث، يا فوز، فلا من مغيث، وحدي وليس من مغيث، حتى تهتٌ. من لي سواك يا أنيسي ويا دليلي ويا حبيبي؟ تهتٌ في بحيرة الدم، وتاه الدمٌ حتى أضاع الطريق إليك» ص 86. وهذا يدفعنا الى التساؤل: أيمكن لمقبرةٍ أن تكون أكثر حياةً من مدينة « تحتضنها»؟. أن نهال مجتمعة الآن مع الحسن الأشعري، وتستمع إلى موسوعة إخوان الصفا، وتقلب كتب الجاحظ، والحسن ابن الهيثم، ومالك بن دينار العالم الزاهد، والصوفي الكبير سهل التستري. والكثير الكثير من الشخصيات التي وهبت العالم من العلم والمعرفة والثقافة الكثير.
لابد من التوقف أمام بنية العنوان (غريزة الطير) الذي عليه بعض الإشكالات، في القصد والمعنى والتأويل، وباعتبار العنوان العتبة الأولى في إضاءة المتن للنص، بشرط أن تتوافق دلالة العنوان مع دلالة سردية المتن، لذا علينا أولًا معرفة ما معنى غريزة كما جاء في معجم المعاني الجامع:
الغَريزَةُ: الطبيعة والقريحةُ والسَّجيّة. أما الغَريزَةُ (في الفلسفة): صورةٌ من صور نفسية، وطِراز النشاط من يعتمد السلوك على الفطرة والوراثة والجمع: غَريز. غريزة البقاء: الرَّغبة الفطرية في البقاء على قيد الحياة، غريزة جنسيَّة: طبيعة اشتهاء اللَّذَّة الجنسية والاندفاع في طلبها بميل قويّ شديد.
يقول فوزي الخير الله مشبهاً نفسه «أنا مثل الطير أحلق وأجرّب أجنحتي وما أستغني عنها، تحليق في عوالمي الداخلية. بعد كل تحليق أرجع وأعود الى مكاني محكوم بغريزة الطير، اللي يطير بحريّته ويعود بحريّته أيضاً الى مكانه» ص 24.
ثم يعود فوزي ليقول عن لسانه مشبهًا آدم زيني وهو راقد في المستشفى الملكي في لندن، في ردهة العناية الفائقة: «ومثل ملاكٍ هائمٍ، مثل طيرٍ يصغي لغريزة اهتدائه إلى مكانه، يمضي النورٌ حرًا، آخذاً معه طيفًا من الجسد الراقد بأمانٍ وسلام إلى أن يصل به إلى هناك، إلى البصرة، المدينة التي تحيا فيه ويحيا فيها»ص 341. الاثنان محكومان بغريزة الطير، لأن مدينة البصرة والإنسان البصري بينهما وشيجة قوية، لا خلاص منها، أينما يسافر البصري فهو في الآخر راجع إليها. راجع إلى البصرة مدينة الله.
قسمت الرواية (غريزة الطير) إلى خمسة أقسام، ووضع بداية كل قسم، جملاً مأخوذة من ذلك القسم، وبالطبع لم يضعها الروائي جزافًا، بل وضعت بقصدية وحكمة مبطنة، وهذه الجمل تخضع لتفسير القارىء من حيث الفهم والاستيعاب، بالاعتماد على عمق تراكماته الثقافية والمعرفية والوجودية:
1 – ما دمنا عاجزين عن تغيير العالم حوالينا، فلنكن جريئين في تلطيف كوننا الخاص، أروحنا، وحيواتنا – ص 119.
2 – حين تصنع الحكومات الحروب على الناس تحصين أروحهم من الخراب الذي تخلّفه الحرب فيهم – 137.
3 – ما أصعب أن تكون الشيخوخة مثل المصائب لا تأتي فرادى. أحيانًا، وفي لحظةٍ قسوةٍ، يستحيل الإنسان فجأة إلى عجوز – ص 223.
4 – المدن هي التي في دواخلنا وليست تلك التي على الأرض – ص 281.
5 – الأبقى هو ما يضيع – ص 340.
هنالك موقف إنساني علينا أن نتذكره دائمًا، وهذا الموقف سوف يوضح الكثير من الأمور للقراء، هو موقف الدكتور آدم سليمان زيني تجاه المحتل الإنكليزي عندما تتوقف أمام بيته ثلاث مصفحات عسكرية، وأحدهم يطلب من آدم زيارةً ولقاءً سريعًا داخل المنزل: «سألت المتحدّث، ويبدو هو كبيرهم، ما إذا كان معهم مترجم، قلت هذا بالعربية، واكتفيت بكلمة (مترجم) بالإنكَليزية حتى يفهم ما أريد. بقى الضابط يتلفّت باتجاه من كانوا معه، كان يسألهم ما إذا كنت فعلاً بروفيسورًا باللغة والأدب الإنكليزيّين، أم أنهم أوهموه» 313، يرفض التكلم باللغة الإنكليزية لغته الأولى مع اللغة العربية، ثم يخبرهم يجب «أن يعرفوا أنا في هذه اللحظة أمامهم عراقي وأتحدث بلغتي العربية» ص 314، وعندما يسألونه عن بورتريه كان قد رسمه فائق حسن لوالدته الطبيبة إيما هيرلي تعبيرًا عن تقدير العرقيين لدور الوالدة الطبي في البصرة، يتساءل الضابط الإنكليزي: «هل يرسمنا الفنانون العراقيون الآن تقديرًا لما قمنا به؟ «فأجبت» الأمر منوط بكم أكثر مما هو بالعراقيين. والدتي هي التي بدأت بتقديم دور إنساني حفظه العراقيون لها، وكانت اللوحة بعضاً من صيغ التعبير عن امتنانهم. العراقيون شعب كريم وذكي. الأمر منوط بكم وبطبيعة المهمة التي أنتم فيها هنا» ص 316.
الرواية تظهر لنا انها كتبت بجهد كبير جدًا، وبدقة محسوبة، والتأني في الكتابة ظاهر للعيان، وهي تجربة رائدة ومهمة في كتابة تاريخ العراق المعاصر برؤية مختلفة في السردية العراقية، وبسبب كثرة الأحداث وكثرة الشخصيات وتشظي السرد فلربما لا يستطيع المتلقي بقراءة واحدة الالمام بكل ما جاء في النص، وهي أخيرًا محفزة على تعدد القراءات من حيث قدرتها على الشد وعلى قوة العاطفة فيها..
الهوامش والإحالات:
*عبدالزهرة زكي – غريزة الطير «رواية»، دار الرافدين، بغداد/العراق، 2023م.
1 – المُضمَر – كاترين كيربرات – أوريكيوني، ترجمة: ريتا خاطر، مراجعة: د جوزيف ريم، المنظمة العربية للترجمة، بيروت/لبنان، 2008م، ص 549.
2 – م. ن، ص 558.
3 – م. ب. باختين – قضايا الفن الإبداعي عند دوستويفسكي، ترجمة: د. جميل نصيف التكريتي، مراجعة: د. حياة شرارة، دار الشؤون الثقافية، بغداد/العراق، 1986م، ص 41.
4 – ودور القائد في النظام الشمولي هو محوري يمثل مركز الاستقطاب لكل الفعاليات التي تقوم عليها الدولة. ومواقفه لا تحتمل النقد أو المراجعة لأنها تنبع من رؤية استشراقية خاصة ليست بمتناول الآخرين، ولذا فاننا نراه يتدخل في كل الأمور والمسائل السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، والايديولوجية فهو المنظر السياسي والأيديولوجي، وهو القائد العسكري، والاقتصادي، وهو الحارس على القيم الاجتماعية. وهو يستمد طاقته الكبرى من إيمان الجماهير به التي تكرس له نوعًا من التعظيم يصل إلى درجة العبادة. ولعل مثال هتلر وستالين دليل واضح على أهمية القائد في النظام التوتاليتاري.
5 – م. ب. باختين – قضايا الفن الإبداعي عند دوستويفسكي، ترجمة: د. جميل نصيف التكريتي، مراجعة: د. حياة شرارة، دار الشؤون الثقافية، بغداد/العراق، 1986م، ص 96.
6 – جيسي ماتزر – تطور الرواية الحديثة، ترجمة: لطيفة الدليمي، دار المدى، بغداد/العراق، 2016م، ص 23.



