
قيمة التفاهة: حين تُصبح السطحية مادة للتأمل
في زمن تفيض فيه الأسواق الثقافية بآلاف الكتب والمحتويات، لم يعُد من الغريب أن نصادف ما يُسمّى بـ«الكتاب التافه»؛ ذاك الذي يخلو من المعنى العميق أو الفكرة الأصيلة، ويقدّم محتواه بلغة مبتذلة أو مضامين سطحية. ومن هنا، يفتح لنا المفكر والأديب الكبير عباس محمود العقاد باب التساؤل، وفاجأنا بنظرة مغايرة حين قال: «ليس هناك كتاب أقرؤه ولا أستفيد منه شيئًا جديدًا، فحتى الكتاب التافه أستفيد من قراءته، أني تعلمت شيئًا جديدًا هو: ما هي التفاهة؟ وكيف يكتب الكتّاب التافهون؟ وفيما يفكرون؟».
وقد كانت هذه الكلمات مدخلًا للتفكر في هذا العالم المليء بالسطحية، ودعوة للتأمل في ما وراء التفاهة.
ما الذي يجعلنا نحكم على عمل أدبي أو ثقافي بأنه تافه؟ هل هو ضعف الفكرة؟ أم قصر النفس التعبيري؟ أم الانشغال بالتفاصيل الصغيرة على حساب الأسئلة الكبيرة؟ فالمسألة ليست في وجود أعمال سطحية، بل في الطريقة التي نتعامل بها مع هذا النوع من المحتوى؛ هل نمرّ عليه مرور الكرام؟ أم نحاول فهم سياقه وتحليله؟ إن أكبر ما نحتاج إليه اليوم هو تثقيف الذائقة العامة لتصبح قادرة على التمييز. فليس الخطر في وجود كتب تافهة – فهي موجودة في كل العصور – بل في قرّاء يقبلون عليها دون وعي أو مساءلة. القراءة الواعية لا ترفض المادة السطحية، لكنها تقرأها بعين ناقدة، تستخرج منها دلالات، وتحلل أسباب ظهورها وانتشارها.
في عصر مواقع التواصل الاجتماعي، لم تَعُد التفاهة حكرًا على بعض الكتب، بل صارت أسلوب حياة. منشورات سريعة، محتوى بلا مضمون، مقاطع فيديو تهدف فقط إلى الإضحاك أو إثارة الجدل. والسؤال: هل نحن بحاجة لرفض هذا الواقع؟ أم لفهمه واستيعابه حتى نطوره؟ القضية هنا ليست في رفض السطحية تمامًا، بل في إعادة توجيه وعينا تجاهها. أن نعرف أن وراء هذه الظواهر هناك رسائل أعمق: عن الذوق، عن الاهتمامات، عن المشكلات المجتمعية التي تبحث عن تفريغ أو ترفيه سريع.
حين نقرأ كتابًا سطحيًا أو نشاهد محتوى هابطًا، فإننا – من حيث لا ندري – نغوص في دراسة اهتمامات المجتمع، ونتعرّف إلى ما يشغل أذهان فئة من الناس. هذه التجربة قد تكشف لنا الكثير عن أزمة التعليم، أو غياب الوعي، أو تسليع الثقافة. وبالتالي، لا يجب أن تكون غايتنا فقط التنصّل من التفاهة، بل أن نُحسن قراءتها، لنفهم أسبابها وسياقاتها، ونمتلك أدوات نقدها وتجاوزها.
ولعل أبرز مظاهر التفاهة المعاصرة ما نراه في كتب «التنمية الذاتية» المزيفة التي تعد القارئ بأنه «سيصبح مليونيرًا في أسبوع»، أو «سيجد السعادة في خمس خطوات فقط»، من دون أي أساس علمي أو منطقي. هذه الكتب تُباع بكثرة رغم أنها تقدم وعودًا وهمية وأفكارًا مكررة، لكنها تكشف كيف أن القلق الوجودي لدى الناس أصبح سلعة يُستغل تجاريًا. وكذلك في منشورات المؤثرين الذين يملكون ملايين المتابعين، ولا يُقدّمون شيئًا سوى يومياتهم الشخصية أو صورهم أمام الأطعمة الفاخرة والسيارات الفارهة، وكأن «المحتوى» أصبح مجرد استعراض لا فكر فيه ولا رسالة. هنا، التفاهة تتحول إلى نموذج قدوة، ما يعكس خللًا في الوعي العام بمن يستحق المتابعة والتقدير. ولا نغفل عن البرامج التلفزيونية التي تعتمد على الصراخ أو الإثارة الجسدية، فنجد بعضها يرفع نسب مشاهدته فقط لأنه تحوّل إلى حلبة جدال، أو إلى استعراض سطحي يغلب فيه اللباس على الموهبة. هذه ظواهر لا تُمثل فقط انحدارًا إعلاميًا، بل تكشف كيف يتم توجيه الذوق العام إلى الاستهلاك لا التفكير.
هذا ما أدركه المفكر الكندي آلان دونو حين كتب: «لقد تم القضاء على النخبة الحقيقية، لا من خلال الاستبداد، بل عبر الغمر؛ التفاهة تغمرنا».
وما كان يقصده أن الرداءة لم تعد صدفة، بل نظامًا مقننًا، يُكافَأ فيه من يتجنب التفكير، ويُقصى من يطرح الأسئلة الكبرى.
أما رولان بارت، فكان يرى أن حتى أكثر العبارات تفاهة تحمل أيديولوجيا مستترة، قائلاً: «ما من لغة بريئة». وهنا، نبدأ بفهم التفاهة ليس كفراغ، بل كعلامة ثقافية وسياسية تنتمي إلى منظومة كاملة من القيم والتوجهات والاختلالات.
ومن أبلغ الشواهد على ذلك، قصة الرسمة البسيطة التي وُلدت بلا قصد: وجه ضاحك أصفر، خُطَّ على منديل، تحوّل إلى رمز رقمي عالمي – الإيموجي – يُستخدم يوميًا للتعبير عن مشاعر ملايين البشر. ما بدأ كلحظة تافهة تحوّل إلى لغة عصرية مختزلة، تختصر التعبير وتُعيد تشكيله. لم يكن الاختراع نابعًا من عمق فلسفي، بل من «تفاهة موفقة» أحسنت التقاط لحظة ثقافية.
هذه النظرة تدعونا لأن نعيد التفكير في كل ما نقرأه ونشاهده، حتى إن كان سطحيًا أو تافهًا. فالتفاهة ليست دائمًا فارغة من القيمة، بل قد تكون مرآة لأزمة أعمق، وفرصة لفهم ما يدور في العقول. إنها مرايا الحضارة في لحظة ارتباك، وعلينا أن نقرأها جيدًا قبل أن تُصبح هي اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع.



