
القراءة الكلاسّيكية والقراءة الإلكترونية: بين كينونة الوعي وآلية الفهم
مع تعاقب العصور، تنوّعت أشكال القراءة وتشعّبت بين أنماط متعددة، كالصامتة، والتحليلية، والاستكشافية، والتحصيلية، والسريعة… حتى بلغنا ما يُعرف اليوم بالقراءة الإلكترونية أو الآلية.
في هذا العصر، باتت القراءة أشبه بتلازمٍ آليٍّ وهمي، إذ لم يعد الإنسان يُعير اهتمامًا حقيقيًا لذائقة المعرفة، بل بات يستهلك المعلومة دون وعيٍ تأمّلي، مما يهدد كينونة وعيه تهديدًا عميقًا وجليًّا.
فبعد أن كانت القراءة فعلًا واعيًا نابعًا من خطّ اليد، وممارسةً تنطوي على تفاعل داخلي مع النص، صار أقصى همّ القارئ هو «الخلاص المعرفي»؛ أي الوصول إلى المعلومة بأسرع ما يمكن، ولو على حساب المنهج والطريقة. لقد تراجع الاهتمام بمسار المعرفة لحساب نتيجتها، وغاب التروّي التأملي والتحليل العميق.
ثمّة فرقٌ جوهري بين آلية إدراكية نابعة من آلةٍ تُنتج المعلومات وتُحللها، وبين تجربةٍ يدوية مباشرة يخطّ فيها الإنسان ملاحظاته، ويتوقف أمام الكلمات، ويتأمل ويستنتج بنفسه. فالمعلومة المنبثقة من الورقة المخطوطة باليد ليست كمثيلتها الخارجة من آلة باردة؛ إذ تختزن الأولى شيئًا من الروح، ومن التجربة الذاتية، ومن التفاعل الحي بين الإنسان والمعنى.
في حين تختزل الآلة المسار والمنهج المعرفي نحو الوصول إلى لبّ المعلومة، تتيح الكتب والأوراق للقارئ إمكانية استشعار تلازم المعلومات وترابطها من البداية إلى النهاية، مما يُمكّنه من عيش الحالة الثقافية والمعنوية والاندماج في سياق الموضوع وبنيته.
فهل تُعدّ القراءة الكلاسيكية، أو ما يُعرف بالقراءة التقليدية، مهددة في ظل التحوّل التقني المتسارع، الذي يُوهم القارئ بأنه يملك معرفة حقيقية، بينما ما يحصل عليه في الغالب ليس سوى نتائج سريعة لمعلومات مجزأة، لا ترتقي إلى مستوى المعرفة العميقة؟
وإن كانت للقراءة الإلكترونية فائدة قائمة، فكيف يمكننا أن نحصل عليها بشكل يضمن الفهم، لا مجرّد المرور؟ وهل بالإمكان تكييف هذه الوسائط الحديثة لخدمة الوعي بدلاً من استنزافه؟
القراءة الكلاسّيكية في ظل التّحُّول التقني
رغم التقدّم التكنولوجي المتسارع، وما أتاحته الأجهزة المحمولة من إمكانية القراءة المتنقلة في أي زمان ومكان، يبقى هناك فرقٌ جوهري بين القراءة الكلاسيكية والقراءة الإلكترونية، سواء من حيث درجة الوعي أو آلية الفهم.
فعندما يقرأ الإنسان من كتاب ورقي، يدخل في حالة من الانسجام الواعي والتأمل العقلي، تُمكّنه من استيعاب المعلومة تدريجيًا وبشكل مترابط، مما يعزّز لديه التذوق المعرفي، ويُفضي إلى فهم أعمق وإيضاحٍ أوضح للموضوع.
يوجد فارق جوهري على الصعيد النفسي بين القراءة الكلاسيكية والقراءة الإلكترونية، يتمثّل في أنّ القراءة الكلاسيكية – التي تكون غالبًا من خلال الكتاب الورقي – تتيح للقارئ التفاعل النفسي مع سياقات الموضوع، ومع الأحداث، بل وحتى مع الشخصيات، سواء كانت شخصيات روائية أو شخصية الكاتب نفسه.
هذا البُعد النفسي والتفاعلي غالبًا ما يكون غائبًا أو ناقصًا في الأجهزة الإلكترونية، التي لا تتيح للقارئ نفس مستوى الاندماج العقلي والانخراط الشعوري مع سياق النص، مما يجعل ما تقدّمه أقرب إلى معلومات مجردة لا ترقى إلى مستوى «المعرفة الحقيقية»، ممّا قد يؤدي إلى فقدان القارئ لكينونة وعيه اللحظي، وربما يعوق إدراكه الكامل للمعلومة، نتيجة لاختلاف آلية الفهم المُمَارسة.
من الضروري أن يحرص القارئ على جعل القراءة الكلاسيكية في صدارة أولوياته اليومية، أو على الأقل أن يُحافظ على توازنٍ واعٍ بينها وبين القراءة الإلكترونية ضمن برنامجه المعرفي اليومي، بما يضمن صون البنية العقلية الطبيعية من التشوش والتيه الثقافي، ويكفل ممارسة العمليات الذهنية بأسلوبها الفطري، بما يحافظ على حيوية العقل ونشاطه.
القراءة الإلكترونية بين فائدة السرعة ووهم المعرفة
قد يظن القارئ الإلكتروني أنه يَحصُل على معرفة حقيقية، لكنه يغفل عن أهمية الزمن وآلية الفهم المتّبعة؛ فالمعلومة المتاحة بشكل سريع ومجرّد تختلف جوهريًا عن تلك التي تُكتسب عبر مسار معرفي متدرّج، يقوم على التأمل، والتحليل، والاستنتاج. فالقراءة الإلكترونية، في الغالب، تفتقر إلى هذه البنية العقلية المتكاملة التي تُمكّن الذهن من بناء المعرفة وتخزينها بصورة عميقة وفاعلة.
بل قد تُدخل القارئ في حالة من الاستهلاك الوهمي للمعرفة، وهي حالة نفسية يتوهّم فيها أنه يُحصّل الفهم، بينما هو في الواقع يمرّ على معلومات سطحية، لا ترسخ في الذهن، ولا ترقى إلى مستوى المعرفة الحقيقية.
من الممكن أن نمارس القراءة الإلكترونية بشكل يجعلها ذات فائدة حقيقية، وذلك من خلال التعاطي مع المعلومات الجاهزة بدافع المناقشة الذاتية والنقد الواعي.
فلكي نُحوّل القراءة الإلكترونية إلى تجربة معرفية عميقة، لا يكفي أن نستهلك المعلومة، بل ينبغي أن نمارس تجاهها نقاشًا داخليًا وتحليلًا عقليًا، نتعامل فيه مع المحتوى كما لو كنا نتحاور مع كاتب حيّ أو عقل بشري.
إن تحويل العلاقة مع الآلة من علاقة استهلاك إلى علاقة تفاعل نفسي وعقلي، يُمكّننا من استخدام الأجهزة الإلكترونية بالشكل الأمثل، ويُقرّبنا من جوهر المعرفة، لا من مجرد سطحها.
هناك فرقٌ أساسي بين أن يعتمد الإنسان على الجهاز الإلكتروني بشكل مفرط لتحصيل المعلومات، وبين أن يوظّف الآلة لخدمة عقله، مع الحفاظ على حيوية العمليات الذهنية لديه.
فالحفاظ على فاعلية العقل يتطلب بقاءه في حالة نشاط مستمر، لا استسلامًا للاستهلاك السلبي. ومن هنا، ينبغي أن تبقى القراءة الكلاسيكية عنصرًا أساسيًا في حياة القارئ، لما لها من دور في دعم البنية العقلية المتكاملة، بينما يُستحسن أن تُوظَّف الوسائط الإلكترونية كأدوات مساندة، تُستخدم للضرورة المعرفية أو لأغراض التنقيح اللغوي والتحقّق السريع، لا كبديل دائم للقراءة الواعية.
هل يمكن للقراءة الإلكترونية أن تضاهي القراءة الكلاسيكية في مستوى الفائدة؟
لا توجد إجابة مطلقة عن هذا السؤال، فالأمر يعتمد على كيفية تفاعل القارئ مع الأجهزة الإلكترونية. ومع ذلك، تبقى القراءة الكلاسيكية أكثر قدرة على تحفيز التفاعل الحسي الكامل لدى القارئ، إذ تتيح له التأمل، والإلهام، والتفكير، بل وحتى الاندماج النفسي والمعرفي مع المواضيع المطروحة في الكتاب أو المتوفرة في أجواء المكتبة.
المراجع:
– الناصري، علي. قراءة النصوص: النظرية والتطبيق. القاهرة: دار الفكر، 2019.
– سميث، جون.
– Digital Reading and Comprehension. New York: Routledge, 2018.
– البنا، فاطمة. الوعي القرائي والتحليل المعرفي. عمان: دار العلم، 2020.
– كارتر، مايكل.
– The Art of Reading: From Paper to Screen. London: Palgrave, 2017.
– العمري، خالد. القراءة التقليدية وأثرها النفسي. جدة: دار المعرفة، 2018.
– روز، آن.
– Reading and Cognition in the Digital Age. Boston: MIT Press, 2019.
– حسين، أحمد. القراءة الإلكترونية ومخاطر الاستهلاك المعرفي. القاهرة: الهيئة المصرية للكتاب، 2021.
– جابر، سمر. تأملات في القراءة التقليدية والرقمية. بيروت: دار النهضة، 2020.
– سميث، جون. المرجع السابق.
– الناصري، علي. المرجع السابق.
– روز، آن. المرجع السابق.
– حسين، أحمد. المرجع السابق.
– كارتر، مايكل. المرجع السابق.
– البنا، فاطمة. المرجع السابق.
– العمري، خالد. المرجع السابق.
– سميث، جون. المرجع السابق.
– الناصري، علي. المرجع السابق.



