العدد الحاليالعدد رقم 47ثقافات

الذكاء الاصطناعي وأفول الواقع: شبحُ بودريار يُلاحقنا

عام 1998 قدَّمَ لنا المُخرِج العبقري بيتر ويير Peter L. Weir رائعته: عرض ترومان The Truman Show، أحد أعظم وأعمق الأفلام في تاريخ السينما الأمريكيَّة. تدور أحداث الفيلم حول شخصيَّة ترومان بُربانك1 Truman Burbank، الرجل الذي يعيش – منذ لحظة وجوده في رَحِم أمَّه، وطيلة 30 عامًا من حياته – في عالَم زائف بالكامِل! عالَم مِنْ صُنْع مؤسَّسة إنتاج ضخمة، تبُثُّ عرضًا تليفزيونيًّا عالَميًّا يُتابِعهُ جميع النَّاس من كافَّة أنحاء العالَم، هذا العَرْض هو: حياة ترومان بأسرها!

كل شيء في عالَم وحياة ترومان مُصطنع بالكامِل؛ إنَّ عالَم ترومان ليس إلا ستوديو تصوير ضخم بحجم مدينة واسعة، مصنوع على نحو يُشبه العالَم الحقيقي بدِقَّة مُتناهية، غير أنَّه يكتظُّ بآلاف الكاميرات المُخبَّأة بشكل يتعذَّر لترومان كشفُه؛ سماؤه قُبَّة صِناعية ضخمة مليئة بكشَّافات إنارة تُضاء وتنطفئ معًا بمواعيد مُحدَّدة لمُحاكاة دورة النهار والليل، شمسُهُ وقَمَرُه ليسا إلا مصباحًا ضخمًا على شكل قُرص دائري يتحرَّك في المواعيد المُلائمة لمُحاكاة الشروق صباحًا وإنارة القمر لَيلًا.

أيام حياة ترومان2 هي عدد حَلَقات المُسَلْسَل (10,909 حَلَقة) وسنوات حياته هي عدد المَواسِم (30 مَوْسِم)، أهلُ ترومان ومعارِفه وسُكَّان مدينته جميعهم فريقُ تمثيلٍ ضخم؛ والِدَيْ ترومان، وزَوجته، وصديق طفولته الوحيد، وجيرانه، وزُملاؤه في العمل، جميعهم مُمثِّلون يؤدّون أدوارًا يوميَّة مُعَدَّة لهم سَلَفًا بتنسيق فريق الإعداد خارِج الاستوديو، ويرأسهم مُخْرِج هذا العمل: كريستوف3.  ويُمَوَّل «عرضُ ترومان» خارجيًّا بواسطة شركات تجارية عُظمى، في مُقابِل إظهار مُنتجاتها بشكل دعائي مُستتر داخل العرض، من أغذية وملابس وأجهزة ومُستلزمات شخصية يستهلكها البطل (ترومان) أو فريق التمثيل.

كل هذا العالَم الزائف وكل هؤلاء المُمثِّلين وفريق الإعداد يَسْعَونَ إلى تحقيق هدف واحد: أن يبقى ترومان المِسكين غير مُدرِكًا لحقيقة عالَمه.. أنْ يعيش حياته بأسرها في الوهم، من دون أنْ يَعي ذلك أبدًا؛ فبذلك يكون «عَرضُ ترومان» عملًا فنيًّا أصيلًا بأتمّ معنى للكلمة، إذ على الرغم من زَيْف العالَم الذي يعيشه ترومان، إلَّا أنَّه هو الحقيقة الوحيدة فيه. لتوضيح هذه النقطة، يصف لنا المُخرِج كريستوف (وهو العقل المُدبِّر لعالَم ترومان) فنَّ التمثيل في مُداخلته مع أحد المُذيعين، قائلًا: «لقد سئمنا من مُشاهدة مُمثِّلين يُقدِّمون لنا مشاعرَ زائفة! لا نصوص، ولا بطاقات إرشاديَّة. ليسَ العرضُ شكسبيريًّا دائمًا، ولكنَّه أصيل، إنه حياة».

حَقَّق فيلم The Truman Show نجاحًا ساحقًا منذ عام 1998، وأثارَ نقاشًا واسعًا في أوساط النقاد والمُثقَّفين والعامَّة، فللفيلم دلالات مُتعدِّدة وأبعاد فلسفيَّة عميقة للغاية، على أنَّ أهمَّها هو إعادة طرح المُعضلة القديمة، مُعضلة «الظاهر والحقيقة»، من زاوية جديدة؛ فمن لَحظة بداية الفيلم إلى نهايته، يبدو أنَّ التمييز بين الحقيقي Real والمُحاكى أو المُصطنع Simulated أصبح إشكاليًّا للغاية. ولم ينفرد الفيلم في زمنه بتناول هذه الإشكاليَّة، فقد شَغَلَتْ هذه المسألة حَيِّزًا كبيرًا من سينما هوليوود في نهاية التسعينيات، فأفلام مثل The Thirteenth Floor (1999)، Dark City (1998)، eXistenZ (1999)، Pleasantville 1998، وسلسلة أفلام The Matrix الشهيرة، جميع هذه الأعمال تتناوَل الإشكاليَّة ذاتها: العِلاقة بين الواقع Reality والتمثيل Respresntation، بين الأصل والمُحاكاة.

ولعلَّ أكثر مَنْ وَجَّهَ أنظارنا تجاه هذه المسألة حديثًا هو الفيلسوف وعالِم الاجتماع الفِرنسي جان بودريار Jean Baudrillard، إذ اشتهَرَ بودريار عام 1983 برفعهِ لشعار «مَوْت الواقِع» والتبشير بما يُسمِّيه «الواقِع الفائق» Hyberreality، وربما كانت هذه الأطروحة نفسها سببًا – من بين عِدَّة أسباب – لظهور هذه المَوْجة من الأفلام السابقة في نهاية التسعينيات؛ إذ يقول الباحث ماكجريجور وايس J. Macgregor Wise في مُراجعته لفيلم The Truman Show: «إنَّ الفيلم يأخُذ بودريار على نَحو جاد». (Macgregor, 2002, p. 35) ويعلِّق الكاتب كريس نيويل C. H. Newell في مُراجعته لفيلم eXistenZ للمُخرِج ديفيد كروننبِرج David Cronenberg، قائلًا: «يعمل فيلم كروننبِرج بشكلٍ وثيق في إطار فلسفة جان بودريار المُتعلِّقة بالمُحاكاة؛ فكرة توليد واقع، عبر النماذج، بغير أصل أو بِلا حقيقيَّة. فمن خلال عالَم الألعاب، يستكشف كروننبِرج فَلسفة بودريار وبشكل مُحدَّد عن طريق الرموز، والواقع الفائق، والعناصر البيولوجية المُستَخدَمة للولوج إلى الواقع الافتراضي».  (Newell, 2021)

فأيُّ واقع هذا الذي زَعَم بودريار مَوته؟ وكيف مات؟ وما هو «الواقع الفائق» الذي حَلَّ مَحلَّه؟ وإلى أي مدى يُمكننا أنْ نقول بأنَّ بودريار كان مُحِقًا، خاصةً في ظل ما نشهده مؤخرًا من تغلْغُل للذكاء الاصطناعي في واقعنا؟ سأُحاول في السطور التالية مُقاربة الإجابة عن هذه الأسئلة.

(1) بودريار وأطروحة الواقع الفائق Hyber-reality

يُشير مفهوم «الواقع-الفائق» لدى بودريار إلى: عجز الوعي البشري عن التمييز بين «الواقع» Reality و «المُحاكاة» Simulation، خاصةً في المُجتمعات المُتقدِّمة تكنولوجيًّا في عصر مابعد-الحداثة؛ فيظهر «الواقع-الفائق» كحالة امتزج فيها الواقع مع الوهم واندمجَ معه بسلاسة، على نحو يتعذَّر معه أن نُحدِّد متى ينتهي أحدهما ويبدأ الآخر؛ حالةٌ يجوز فيها الاختلاط بين الواقع الفيزيائي والواقع الافتراضي (VR)، الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي (AI)، الأصل والصورة، الدال والمدلول.

سبق أنْ استعان بودريار بحِكاية لجورجي بورخيس (1899-1986م) كأفضل مثال على الاصطناع/المُحاكاة Simulacrum التي تحلُّ مَحلَّ الأصل، ومضمون هذه الحكاية أنَّه في أحد الأيام قام أحدُ الأباطرة بجَمْع رسَّامي الخرائط وأمَرَهم بأنْ يَرسُموا له خريطةً مُفَصَّلة لإمبراطوريَّته بحيث «تُغطي كافَّة مجالها الترابي بدِقَّة كبيرة»، فكانت النتيجة أنْ جاءت هذه الخريطة بقدر مساحة الإمبراطوريَّة تمامًا، بحيث أصبحت الخريطة والأرض شيء واحد، فصارتْ النسخةُ الشبيهة هي الأصل! غير أنَّ بودريار يعودُ في موضعٍ آخر ليقول بأنَّه حتى هذه الحكاية لَمْ تعُد صالِحةً إلا للتعبير عن مُصطنعات/مُحاكَيَاتْ من الدرجة الثانية فحسب، ذلك أنَّ الاصطناع كما تراءى له آنذاك (في عام 1981م) إنما هو: توليد، عبر النماذج، لواقع بلا أصل ولا حقيقيَّة. (Baudrillard, p. 1)

تَضرب فِكرة «مَوْت الواقع» بجذورها، كالعديد من أفكار ما-بعد الحداثة، إلى نيتشه. ولا عَجَبَ في ذلك، فهو الأبُ الروحيُّ لِما-بعد الحداثة. في نَص له بعنوان «الـ’عالَم الحقيقي‘ خُرافة: تاريخ خطأ» يقول نيتشه:

«5 – الـ«عالم الحقيقي» فكرة لم تعُد صالِحة لأيِّ شيء. لم تعد تدعو لأيِّ شيء – فِكرة غير نافِعة، غير مُجدية، إذًا فِكرة مرفوضة: لنُبطِلها».

«6 – لقد أبطلنا العالَمَ الحقيقيّ: أيُّ عالَمٍ تبقَّى؟ لعلَّهُ الظاهِر؟ لا! فقد أبطلنا عالَمَ المظاهر مع العالَم الحقيقي في الآن ذاتُه!»4.

أراد نيتشه هنا الخروج على منطق الثنائيات المتضادَّة الذي رسَّخهُ أفلاطون، لأنَّ التمسُّك بنقيض الفِكرة يفترض وجودًا للفِكرة؛ فلا معنى لفكرة العالم الظاهري ما لَمْ نفترض ضمنًا عالَمًا حقيقيًّا يُقابله، وهو ما ترفضه فلسفةُ نيتشه. غير أنَّ نقد نيتشه لفكرة العالَم الحقيقي ينبني على تحليلٍ جنيالوجيّ؛ بحثٌ في أصل الفِكرة ومنشأها التاريخي ودوافعها النفسيَّة، فإذا ما وُجِدَ لها مَصدرًا مَشبوهًا عُدِّتْ فكرةً باطلة. والحقُّ أنَّ نيتشه قد أساء استخدام هذا المنهج وبالَغَ في تقديره؛ فعلى الرغم من الجاذبية الفِعليَّة التي يتمتَّع بها هذا النمط من التفكير بالنسبة إلى وفرة من المُفكِّرين الأوروبيين، إلَّا أنَّ نتائجه غالبًا ما تتقيَّد بدلالة إبستمولوجيَّة فحسب؛ وعِلَّة ذلك أنَّ الدعاوى الأنطولوجيَّة (وهي التي تتعلَّق بما يُوجد) لا تعتمد في صِدقها بالضرورة على مصدر أو منشأ أو أصل الاعتقاد بها أيَّما كان، سواءٌ تاريخيًّا أو نفسيًّا. فقد يتشكَّل اعتقادُ المرء بأنَّ «القمر جسم مُعتِم» بناءً على مصدر مشبوه أو غير موثوق (كأن يستقي المعلومة من مجلَّة «مانجا»، أو من بَيْت شِعر)، ولكن يظل من الصحيح أنَّ القمر جسم مُعتِم بالفِعل، وكل ما في الأمر أنَّ اعتقاده بهذه «الحقيقة الواقعية» غير مُبرَّر بشكل سليم من الناحية المعرفيَّة.

ينطوي مفهوم «الواقع-الفائق» لدى بودريار كذلك على رفض لثنائيَّة الوهمي والحقيقي، ذلك أنَّ «استحالة تقديم الوهم للنَّاس تتساوى مع استحالة اكتشاف مُستوىً مُطلَق للحقيقة. فالوهم لم يعد مُمكنًا لأنَّ الحقيقة لم تعُد مُمكنة». (من «الصور الزائفة وصور الزيف»، 1995، صفحة 240) إلا أنَّ بودريار يُقارب هذه المسألة من زاوية مُختلفة عن نيتشه. فرفضُ بودريار لهذه الثنائية إنما يأتي نتيجةً لتحليله «الصورة» بوصفها ضربًا من الاصطناع أو المُحاكاة Simulacrum، والدَّوْر المُعاصِر الذي باتت تُمارِسه في طمس الحدود بين الحقيقة والزَّيْف.

يُقسِّم بودريار مراحل تطوُّر وظيفة الصورة إلى أربعة مراحل على النحو التالي:

1 – الصورة بوصفها انعكاسًا لواقع أساسي؛ تجسيد لموضوعي خارِجي حقيقي.

2 – الصورة كحَجْب لواقع أساسي وإفساد له؛ محاولة تمثيل الواقع على نحو مثالي.

3 – الصورة بوصفها حجبًا لغياب واقع أساسي؛ مُواراة الصورة لحقيقة غياب الأصل.

4 – فُقدان الصِّلَة بأيِّ واقع على الإطلاق؛ الصورة كائنة بذاتها بغير أصل أو مرجعيَّة.

ويصف بودريار هذه المراحل على النحو التالي:

في المرحلة الأولى تُعَدُّ الصورةُ مظهرًا طيبًا؛ وفي المرحلة الثانية مظهرًا شريرًا؛ وفي المرحلة الثالثة تتظاهر بأنَّها «مظهر»؛ وفي المرحلة الرابعة لا تعود في حالة مظهر على الإطلاق، بل في حالة «مُحاكاة». في هذه الحالة الأخيرة تُمارِسُ الصورةُ طمسًا للحقيقة وتحلُّ محلَّها، فلا يعود التمييز بين الواقعي والمُزيَّف مُمكنًا.

ويضرب بودريار مثالًا لتوضيح هذه الحالة فيقول:

«لنفترض أنَّك ذهبت وقُمت بتنظيم عملية سطو مُصطنعة بعد أنْ تأكَّدت من أنَّ أسلحتك لا تُصيب بالأذى، ثم احتجزت رهينة مُتواطئة معك، بحيث لا يتعرَّض أحدهم للخطر فعليًّا (وإلا فإنك قد تُتهم بالاعتداء على الغير)، ثم طالبتَ بفدية وحرصت على أن تُحقق العملية أكبر قدر من الضجيج. ولنفترض أنَّك كنت أقرب ما يكون إلى «الحقيقيَّة» بحيث تختبر ردَّ فِعل النظام تجاه عملية زيف أقرب ما تكون إلى الكمال. لكنك لن تُحقق النجاح لأنَّ شبكة الدلائل المُصطنعة ستكون مُمتزجة بالعناصر الحقيقية لدرجة مُعقَّدة (رجل شرطة يُطلق النار على المكان، أحد المتواجدين يُصاب بالإغماء وقد يموت بأزمة قلبيَّة؛ والفدية الزائفة تُسَلَّم إليك في النهاية، فيتم القبض عليك)، فما الاتّهام الذي يُمكن أنْ يُوَجَّه إلَيك؟ ليس في القانون عقوبة لمُدَّعي الجريمة، تمامًا كما هو الحال مع مُدَّعي الفضيلة. وهذه هي الجريمة الرئيسة للمُحاكاة، إنها تُلغي الفوارق بين الحقيقة والادّعاء، بين الواقع والوهم. وهي جريمةٌ لا تستطيع السُّلطات أن تُقاومها». (بودريار، 1995، الصفحات 247-248)

يتضح من هذا المثال كيف يُمكن للمُحاكاة أن تقلِبَ الأمور رأسًا على عَقِب، فنعجز عن تمييز الصِّدق من الكذب، الواقع من الوهم، الحقيقة من الزَّيْف. والحق أنَّ السيناريو السابق إنما هو انعكاس لعلاقتنا بالواقع الذي تُقدِّمه لنا وسائلُ الإعلام. يقول بودريار في ذلك:

«لقد أصبحتْ الصورة تُسيطِر بطريقة رمزية على العصر، لم يعُد من المُمكن أن نتكلَّم عن الصورة والحقيقة، أو عن وسائل الإعلام والمجتمع، فكلٌّ من هذه الثنائيات قد غدا مُتشابكًا بدرجة كبيرة، حتى أنَّه قد صار من الصعب وضعُ خطٍّ فاصِل بينهما، وبدلًا من أنْ تُشير وسائلُ الإعلام إلى العالَم الحقيقي، نجدُ أنَّ أغلب ما تُنتجه يُشير إلى صورٍ أُخرى». (دروب ما بعد الحداثة، 2018، صفحة 240)

فبقدر ما تنجح السُّلطة (سواءٌ السياسية أو الاقتصاديَّة) في إحكام سيطرتها على وسائل الإعلام، بقدر ما سيُنْتِجُ هذا الأخير صورةً مُشوَّهة، مُجتزأة، مُضلِّلة ومُغرِضة، وبقدر اعتمادنا وثِقتنا في وسائل الإعلام، أو بالأحرى على «الصورة» بوصفها «وسيطًا» بيننا وبين الواقع، بقدر ما سيتعذَّر علينا التمييز بين الحقيقة والوهم، أو بتعبير آخر: سنعيش في حالة من «الواقع-الفائق».

على الرغم من تصنيفه لدى بعض الباحثين ضمن «الراديكاليين» من تيار فلاسفة ما-بعد الحداثة (دروب ما بعد الحداثة، 2018، صفحة 33)، إلا أنَّ أطروحة بودريار عن «مَوْت الواقع» وبزوغ «الواقع-الفائق» لا ينبغي فَهمها على نحو راديكالي من الناحية الأنطولوجيَّة، ولا ينبغي أنْ تُقارن بفرضيَّة «شيطان ديكارت» أو سيناريو «الأدمغة في الوعاء» وما شابه ذلك. فلم يكن بودريار من ذَوي المِزاج الميتافيزيقيِّ بأيِّ حالٍ من الأحوال، وموضوعاتُ أعمالهِ خير شاهدٍ على ذلك، إذ لم يُعنى بودريار في كتاباتهِ بشؤون الفلسفة الأكاديمية (كنظرية المعرفة ونظرية الوجود)، وإنما اهتمَّ بتحليل الأنظمة السيميائيَّة وثقافة الاستهلاك والقضايا السياسية. والحقُّ أنه قد بالَغ أحيانًا باستخدام اللغة التقريريَّة الصادمة في تحليله لبعض الوقائع (وأبرز مثال على ذلك هو تعليقه على «حرب الخليج» بأنَّها لم تقع!) غير أنَّ هذا قد يدخل في باب النقد الساخر، أكثر من التصريح الجاد.

إنَّ نطاق مفهوم «الواقع» عند بودريار، فيما يبدو، أضيَق بكثير مِمَّا تعنيه هذه الكلمة عادةً، فهو غالبًا ما يُشير إلى الوقائع المُدرَكة على نحو غير مُباشر فقط. ثمَّة نَوْعين من الأحداث لا نجد غضاضةً في اعتبارها واقعًا: لنفترض بأنَّ هناك مُباراة كُرة قدم ستُقام بين فريقي المُفضِّل وغريمه (الأهلي والزمالك مثلًا). إنَّ ذهابي إلى الاستاد لحضور المُباراة ومُشاهدة فريقي المُفضَّل هو نوع من الأحداث التي لا يُمكن (عمليًّا) أنْ أشك في واقعيتها، لسبب بسيط: أنَّني خَبرتُها مُباشرةً؛ أمَّا إذا فاتتني المُباراة ولم أستطع الذهاب إلى الاستاد، لأيِّ سببٍ كان، فقد أعتقد بأنَّ المُباراة وقعت بالفعل إذا شاهدتُها لاحِقًا عبر التلفاز، أو إذا سألتُ أحدهم لاحقًا عن النتيجة، غير أنَّ اعتقادي بواقعية حدوث المُباراة في الحالة الأولى يتمتَّع بمصداقيَّة قُصوى مُقارنةً بهذه الحالَة، فربما كنتُ أُشاهِد إعادةً لمُباراة قديمة دون أنْ أنتبه إلى تاريخ وقوعها، وربما أخبرني أحدهم بنتيجة خاطئة لسببٍ ما. تُمثِّل الحالة الثانية تحديدًا الواقع المُدرَك على نحو غير مُباشر، وهو ما يزعم بودريار مَوْته.

ويرى كاتب هذه السطور أنَّ أطروحة «الواقع-الفائق» يُمكن فهمها على أفضل وجه بوصفها نبوءة عمَّا سيعتري مفهومنا لـ «الواقع» من تشوُّه كبير مُستقبلًا، من جرّاء فعاليَّة الدور التكنولوجي في حياتنا، أكثر منها وصفًا لماهيَّة الواقع بالفعل إبان الفترة التي عاش فيها بودريار. فعلى الرغم من التقدُّم التكنولوجي الذي لا يُمكن إنكاره للنصف الثاني من القرن العشرين، وعلى الرغم من التأثير الهائل للتكنولوجيا على العديد من مناحي الحياة الإنسانية آنذاك، إلا أنَّ القدرة على التزييف والإيهام والتضليل التكنولوجي لم تكن بعدُ قد بلغت ذلك الحدّ الذي يصفه بودريار بـ «مَوْت الواقع»، مُقارنةً بوضعنا الحالي على الأقل!

بالعَودة إلى فيلم The Truman Show، يبدو أنَّ أطروحة «الواقع-الفائق» إذًا تتنبّأ بتغييرٍ جذريٍّ سيطرأ على فَهمنا للواقع مُستقبلًا، تغييرًا قد يضطرنا إلى أنْ نُعَرِّفَ الواقعَ على نحو ما عرَّفه لنا المُخرِج كريستوف داخل الفيلم، عندما سُئل: لماذا في رأيك لم يكتشف ترومان حقيقة عالَمه حتى الآن؟

فأجاب: إننا نتقبَّل حقيقة العالَم التي تُقدَّم إلَينا. الأمر بهذه السهولة!

والحق أننا، في خضم ثورة الذكاء الاصطناعي الحالية، نشهدُ أبرزَ الدلائل على تحقُّق هذه النبوءة بالفعل؛ في القِسْم التالي سنُركِّز على إبراز مظاهر المُحاكاة والاصطناع التي يقوم بها الذكاء الاصطناعي بوصفه المضخَّة التقنيَّة للواقع-الفائق حاليًا.

(2) أفول الواقع: إذا لم تتمكَّن من اكتشاف زَيْفُه فهو حقيقي!

أ- اختبار تورينج والعلاقات الفائقة:

في عام 1950 قدَّمَ عالِم الرياضيات والحَوْسَبة آلان تورينج Alan Turing أطروحته الشهيرة بـ«لُعبة المُحاكاة» The Imitation Game كمُحاولة لإعادة صياغة سؤال «هل تستطيع الآلات أنْ تُفكِّر؟» في صورة جديدة والإجابة عليه (Turing, 1950). فحوى اللعبة ثلاثة عناصر؛ مُحَقِّق يجلس في غرفة مُغلقة، ويقوم بمُحادثة إلكترونيَّة مع اثنين آخرين، أحدهما x شخص حقيقي، أما الآخر y فهو آلة مُبرمجة على التحدث على نحو مُماثل للأشخاص تمامًا. دَوْر المُحَقِّق هو أن يكتشف، من خلال الأسئلة، أيَّهما هو «الشخص» الحقيقي وأيَّهما الآلة، ودَوْر الآلة هو مُحاولة خِداع المُحَقِّق وإقناعه بأنَّها الشخص الآخر، أمَّا الشخص الآخر فدَوْره هو مُساعدة المُحَقِّق على اكتشاف الآلة. إذا لم يستطع المُحَقِّق أنْ يُميِّز بين x و y فهذا يعني أنَّ الآلة تتمتَّع بنَوْع أو درجة ما من الذكاء.

أثارت أطروحةُ تورينج نقاشًا واسعًا بين فلاسفة العقل، فألهَمَتْ فريقًا منهم بالنظرية الوظيفيَّة لتفسير العقل، ولاقَتْ نقدًا شديدًا من فريق آخر5. وبالرغم من أنَّ اختبار تورينج اِقتُرِحَ في الأساس كمُقاربة جديدة لتفسير العقل في ضوء ما يقوم به من وظائف، وعلى الرغم من العوار التفسيري لهذه المُقاربة (بحسب ما وُجِّه لها من انتقادات)، إلا أنَّ الدلالة الواضحة لهذا الاختبار هي إمكانية التشكيك في قُدرة العقل البشري على تمييز سلوكه من سلوك الآلة المُصطنع، وهو ما أثبتتهُ دراسةٌ نُشِرَتْ حديثًا قام بها الباحثان في علم الإدراك بجامعة سان دييغو: كاميرون جونز وبنيامين بيرجن (Cameron R. Jones & Benjamin K. Bergen, 2025)، تبيَّنَ أنَّ نسبة 73% مِن الأشخاص الذين قاموا باختبار تورينج مع النموذج اللغوي GPT-4.5 من الذكاء الاصطناعي أشاروا إليه على أنَّه «الشخص» الحقيقي، ونفس النتيجة مع النموذج اللغوي LLaMa-3.1 مع انخفاض النسبة إلى 56% من الأشخاص.

وترتَّب على ذلك التطابق السلوكي (غير القابل للتمييز) تطويرًا لتطبيقات (مثل Character.AI وReplika) خاصة بالتفاعل العاطفي مع البشر بواسطة هذه النماذج اللغوية؛ وتُسمَّى هذه الفئة من الأنظمة بـ«الذكاء الاصطناعي الرفيق» AI-Companion تمييزًا لها عن أنظمة «الذكاء الاصطناعي المُساعِد» AI-Assistant، وبين 2022 ومنتصف 2025 فقط ارتفعت نِسبة هذه التطبيقات إلى 700% وفقًا لمواقع التكنولوجيا الإخباريَّة (Perez, 2025). تُصَمَّم هذه الأنظمة في الأساس لمُحاكاة التواصل اللغوي العاطفي لدى البشر وتقديم أكبر قدر من الدعم المعنوي للمُسْتَخدِم، والتعاطف، والمشورة، وتجنُّب إصدار الأحكام، والتملُّق بصفة مُستمرة، مِمَّا يؤول إلى ظهور ما يُمكن أن نُسمِّيه (جريًا على اصطلاح بودريار) بـ«العلاقات-الفائقة» Hyber-relationships؛ وهي ضربٌ من التعلُّق العاطفي (الذي قد يدخل في الإطار الرومانسي أحيانًا 6(Salas, 2025))  يُمكن أنْ ينشأ لدى المُستَخْدِم مع النموذج الآلي نتيجةً لإشباع الحاجات النفسيَّة عبر هذا النوع من التواصل.

وعلى الرغم من أنَّه يُفترض بالتواصل أنْ يكون علاقةً تبادليَّة بين طَرَفَيْن تتوسَّط بينهما الرسالة، إلا أنَّه يتحوَّل في هذه الحالة إلى عِلاقة ذات طرَف واحد مع رسالة تحرَّرتْ من راسِلها لتُصبح تلقائيَّة الإرسال. وهو ما يُثير شكوكًا عميقة حول قيمة التعبير اللفظي عن المشاعر في العلاقات الحقيقيَّة، إذ لم تَعُد الكلماتُ انعكاسًا لمشاعرٍ صادِقة تجيش في دخيلة المرء، طالَما أنَّ الآلة قادرة على إنتاج الكلمات نفسها بالتأثير نَفْسه، لقد تحرَّرتْ الدوال من مدلولها القَصْدي لدى المُتكلِّم.

وتُشير الجمعية الأمريكية (APA) لعلم النَّفْس إلى عِدَّة مخاطِر مُحتملة لهذه العلاقات الزائفة، نذكُر من بينها: زيادة الشعور بالوحدة من جرَّاء فُقدان التواصل الإنساني الأصيل، وتغيُّر رؤيتنا لقيمة العلاقات الحقيقيَّة في الحياة الواقعية. (Andoh, 2026)

يبدو أنَّ سيناريو فيلم Her (2013) قد تحَقَّق.

ب- من الوَصف إلى الوقائع-الفائقة، أو الـ «Prompt» الخلَّاق:

ثمَّة وظائف مُتعدِّدة للغة: الوصف، الاستدلال، والأمر والنهي والاستجداء، والتعبير عمَّا يجيش في خاطر المرء من مشاعر، والصلاة. غير أنَّ «الوصف» بالأخصّ يحتلُّ مكانةً بارِزة نظرًا لأهميته المعرفيَّة، إذ تُستخدم الكلمات فيه للإشارة إلى الوقائع. غير أنَّ وظيفة الوصف في الوقت الحالي لم تعُد تقتصر على هذه المهمة الإشاريَّة، إنما اتَّسَعتْ لتعمل على «خَلْق الوقائع» أيضًا، عبر أنظمة الذكاء الاصطناعي.

كل ما عليك فِعله هو الذهاب إلى موقع أو تطبيق ChatGPT وتزويد النموذج بوصف (Prompt) دقيق ومُفصَّل قدر الإمكان للواقعة التي تُريد رؤيتها، سواء في صورة أو مقطع فيديو، ثم تنتظر دقائق حالما ينتهي النموذج من إعداد طلَبَك، وإذا بك بعد ذلك تنظر إلى صورة أو مشهد في غاية الواقعيَّة، ولكن بلا أصل!

حتى الآن، ليس لدينا ما يكفي من الدراسات الإحصائية الرصينة فيما يتعلَّق بقُدرة النَّاس على تمييز المُحتوى «الأصلي» من المُصطنع AI-Generated، غير أنَّ بعضًا من الدراسات والتقارير الحالية يُشير إلى الصعوبة الفعلية التي يواجهها الناس في تمييز هذا النوع من المُحتوى. ويُشير البحث إلى عواقبٍ وخيمة لذلك، تُظهر دراساتٌ لمؤسسة رويترز وجامعة ميتشجان أنَّ التعرُّض للمعلومات المُضلِّلة «فائقة-الواقعية» hyberrealistic يُمكنه أنْ يُضعِف الثقة في التمييز بين الواقعي والخيالي، ويُنمِّي النزوع إلى الكَلبيَّة  7Cynicism وما يصفه بعض الباحثين بـ«إنهاك الحقيقة» Truth fatigue، ويُشير البحث أيضًا إلى أنَّ الشكوكيَّة المتزايدة تجاه الميديا والمؤسسات تتسبَّب تدريجيًّا في تجاهُل الأخبار وعدم الانخراط في الشأن الاجتماعي (Shin, 2026).

وقد ترتَّب على تفشِّي هذا النوع من المُحتوى المُضلِّل «فائق-الواقعيَّة»، وما لحقه من نزوع إلى الشكوكيَّة، أنْ اضطرَّ العديد من المُستخدِمين إلى اللجوء لهذه الأنظمة نَفْسها (الذكاء الاصطناعي) لتُساعدهم في الكشف عن المُحتوى الحقيقي من المُصطنع، اعتقادًا منهم بأنَّه: بما أنَّ هذا المُحتوى من صُنع الذكاء الاصطناعي فلابدَّ من أنَّ بوسعه تمييزَ ما صَنَع! غير أنَّ ما زاد الأمر سوءًا هو فشل هذه الأنظمة نَفْسها في كثير من الأحيان في التعرُّف على المُحتوى الأصلي من المُصطنع عبرها، وهو ما سبَّبَ صدمةً للخبراء أنفسهم!8

ج- من الكتابة الأكاديمية إلى التلفيق، أو أزمة البحث العلمي:

لم يكتفي الذكاء الاصطناعي بالعبث بمجال العاطفة والحواس فحسب، وإنما امتدَّ تأثيره أيضًا إلى المعارِف النظرية، والأنشطة الأكاديمية مثل كتابة البحث العلمي والترجمة العلمية أو الأدبيَّة، وهي أنشطة كانت فيما سبق تُميِّز بين باحث أو مُترجم ماهِر، وآخر هاوٍ؛ وأمَّا الآن فليس على مَنْ أراد أنْ يُسمَّى باحثًا أو مُترجمًا إلا الذهاب إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي المُساعِد AI-Assistant مثل GPT-4.5 أو Gemini، وتزويد النموذج بموضوع للبحث ومَنهجيَّته وأقسامه وأهدافه، أو بنَصّ للترجمة، مع التأكيد في الأمر على الدقة والاحترافيَّة، ثم الانتظار لبضع ثوانٍ فقط، وإذا بالبحث جاهز، وإذا بالترجمة مُعَدَّة للنشر؛ الأمر الذي يضرب بأخلاقيات البحث العلمي عرضَ الحائط ويبخَس بنشاط الكتابة الأكاديمية والترجمة قيمَتَهُما الحقيقيَّة. وصحيح أنْ النتيجة قد تكون غير مُرضيَة في بعض الأحيان، إلا أنَّه لا يكون على المُسْتَخدِم حينئذٍ سِوى القيام ببعض التعديلات البسيطة (أو إن شئتَ قُل إضفاء اللمسات النهائيَّة) على ما هو مُعَدٌّ مُسبقًا دون جُهْد يُذكَر.

يقول الدكتور صلاح عثمان في ذلك:

«ما الذي فقدته الرسائل الجامعية حقًا حين دخلت الآلة إلى مَيدان الكتابة؟ لقد تلقَّتْ رسائل الماجستير والدكتوراه ضربة في صميم وظيفتها الشكليَّة، تلك الوظيفة التي ظلَّت، زمنًا طويلًا، تُخلَط بالمعنى وتُحسَب عليه؛ فتلخيص الأدبياتْ، الذي كان يُقدَّم بوصفه جُهدًا بحثيًّا، بات اليوم إجراءً آليًّا يُنجز في لحظاتٍ وبسعةٍ لا يُضاهيها العقل الفردي. وإعادة عرض النظريات، التي كانت تُعَدُّ دليل إتقانٍ، صارت مُهمة تتولاها الآلة بلا تعب ولا ملل ولا ادّعاء فهم. أما الصياغة الأكاديمية المُحكَمة، فقد فقدت هالتها تمامًا، إذ لم تَعُد مهارة نادرة، بل نمطًا يُمكن توليده بدقَّة مُتناهية. وحتى الترجمة، التي طالما عددناها فعلًا علميًا قائمًا بذاته، لم تَعُد، حين تُفهَم بوصفها نقلًا لغويًا صِرفًا، مجالًا للتفوُّق البشري؛ فالآلة أسرع وأدق وأوسع! بهذا المعنى الصريح، يُصبح من الضروري الاعتراف بأنَّ كل رسالة أو بحث أو ترجمة تقوم، في جوهرها، على الجمع والترتيب والشرح، وإعادة الصياغة، قد فقدت مُبررها المعرفي». (عثمان، 2025)

اكتشف المُحرِّرون والمُراجعون في بعض الدوريات العلمية المُحَكَّمة بعضًا من «شبه الأبحاث» هذه بسبب أخطاء في النَسْخ غفلَ أصحابها عن مُلاحظتها، فقد تكررت عبارة «Regenerate response» عِدَّة مرَّات في بعض الأبحاث المُرسَلة إلى هذه الدوريات، وهي عبارة مألوفة في واجهة ChatGPT السابقة، مِمَّا أدَّى إلى انكشاف الأمر بسهولة، وأما الطامة الكُبرى فتمثَّلت في قائمة «المراجع المُلفَّقة» التي يجعُّ بها هذا النوع من «شِبه الأبحاث» من جرَّاء ظاهرة «الهَلْوَسة»9، فقد اكتشفَ المُحرِّرون لهذه البحوث وجود عددٍ كبيرٍ من الاستشهادات المُفبركة مَرجعيًّا تمامًا. في 18 إبريل 2024 تمَّ سَحب أحد المقالاث من مجلَّة PLoS One بعد نَشره بـ45 يَوْم، وجاء تقرير المُحرِّرين مُعَلِّلًا، مع الاعتذار، باكتشاف 18 مَرجعًا لا وجود لها من أصل 76 مَرجعًا اِستُشْهِدَ بها في ذلك المقال10. وفي 1 أكتوبر 2025 تمَّ سَحب مقال مجلَّة Elsevier بعد اكتشاف 38 مرجعًا لا وجود لها في الأدبيات العلمية، وعندما تمَّ سؤال المؤلِّفين، جاء ردَّهم مُشيرًا إلى «خطأ تِقَني غير مقصود أثناء عملية تنظيم المراجع، أدَّى إلى بعض التوثيقات الخاطئة أو الغير سليمة» وبأنَّهم قاموا بالتعديل على جميع المراجع المتبقية لضمان دِقَّة كل مرجع وقابلية تتبُّعه وسلامة تنسيقه. في النُّسخة المُعدَّلة من مخطوطة البحث، قام المؤلفون باستبدال الـ38 مرجعًا بـ13 آخرين. ومع ذلك، كشفَ التحرّي العلمي عن مَرجِعَيْن، ضمن الـ13 الجُدد، لا وجود لهم أيضًا! مِمَّا أفْقَدَ المُحرِّرين الثقة في نزاهة المقال بالكامل11.

(3) منطق الواقع-الفائق ومُعضلته الفلسفيَّة:

يقوم الواقع-الفائق في جوهره على فكرة بسيطة وخطيرة للغاية: إذا لم تتمكَّنْ من اكتشاف زَيْفه، فهو الحقيقي! وتجد هذه الفِكرة دعمًا واعِدًا لها فيما يُعرَف بمبدأ لايبنتز Leibniz: «تطابق اللا-مُتمايزات». وهي الأطروحة القائلة بأنَّه: لا يمكن أن يكون هناك اختلافًا عدديًا من دون اختلاف غير-عددي. أو بعبارة أُخرى: لابدَّ من أنْ يكون الاختلاف بين أي شيئين اختلافًا لا-عدديًّا. فإذا كان هناك شيئين مُتماثلين على نحو تام في جميع الخصائص، فلا يُمكنْ تمييزهما عدديًّا في هذه الحالة، إنما هما شيء واحد؛ لابدَّ أنْ يكون لأحدهما خاصية واحدة على الأقل لا يحوزها الآخر حتى نقول بأنَّهما شيئين اثنين12.

ثمَّة نقاشات فلسفيَّة واسعة حول هذا المبدأ وحول مدى بداهته، غير أنَّ ما يُهمنا في هذا السياق هو الدور الذي يلعبه المبدأ في المُعضلة الفلسفيَّة التي يطرحها الذكاء الاصطناعي حاليًا بوصفه مضخَّةً للواقع الفائق. غنيٌّ عن القَوْل أنَّ العلاقة بين «الحقيقي» و«الزائف» هي اختلاف الخصائص على نحو صريح؛ ليس ثمَّة تطابق بين النبات الحقيقي ونبات الزينة المُصطنع لأنَّ هذا الأول، على سبيل المثال، يمتلك خاصية القيام بالبناء الضوئي، والتي يفتقدها الأخير. ولكن ليست كل الاختلافات بهذه السطحية، كما أنَّ المعيار لتحديد التطابق والاختلافات يُقاس، أساسًا، بالقُدرة الإدراكية للعقل البشري؛ وفي حالة الواقع-الفائق، لا يستطيع العقل البشري، كما رأينا، إدراك أيِّ اختلاف في الخصائص بين الأصلي والمُصطنع، ومن ثمَّ فلا مُسَوِّغ للاعتقاد بثُنائيَّة الحقيقي والزائف في هذه الحالة.. فكلاهما متطابقان طالما لم نتمكَّن من إدراك الاختلاف بينهما!

 

 

الهوامش:

1 – أدَّى دَوره النجم الأمريكي البارِع جيم كاري Jim Carrey.

2 – لاختيار الاسم Truman دلالة واضحة تظهر داخل الفيلم، فالاسم يتألَّف من الكلمتين True وMan، أي الإنسان الحقيقي. وفي الفيلم لا شيء حقيقي فعلًا سِوى Truman نفسه.

3 – أدَّى دَوره المُمثل وصانع الأفلام الشهير إدوارد هاريس Ed Harris.

4 – انظر: نيتشه «أفول الأصنام»، ترجمة: حسَّان بورقية ومحمد الناجي (أفريقيا الشرق)، ط1، ص: 33-34.

5 – تُعَدُّ «حُجَّة الغُرفة الصينية» للفيلسوف الراحل جون سيرل John R. Searl واحدة من أقوى وأشهر هذه الانتقادات.

6 – يُشير المصدر إلى دراسة أُجرِيَتْ حديثًا، وُجِدَ فيها أنَّ نسبة 28.16% من المُستخدمين لأنظمة الذكاء الاصطناعي تربطهم علاقة رومانسيَّة مع تلك النماذج.

7 – نزوع شكوكي نحو الأشخاص ينبني على الاعتقاد بأنَّ النَّاس كائنات أنانيَّة ولا تُحرّكهم إلا المصلحة الذاتية.

8 –  AI’s blind spot: Tools fail to detect their own fakes (2025, November 21) retrieved 15 March 2026 from https://techxplore.com/news/2025-11-ai-tools-fakes.html

9 – هَلْوَسَة الذكاء الاصطناعي AI Hallucination هي ظاهرة شائعة في النماذج اللغوية الكبرى LLMs، وهي اختلاق النموذج لمعلومات أو مراجع أو استشهادات زائفة لا وجود لها.

10 – Glynn A. Guarding against artificial intelligence – hallucinated citations: The case for full-text reference deposit. Eur Sci Ed. 2025;51:e153973. https://doi.org/10.3897/ese.2025.e153973

11 – See: RETRACTED: Does green innovation mitigate CO2 emission, transport emission and carbon intensity in Asian developing economies? – ScienceDirect

See: Rodriguez-Pereyra, Gonzalo, “The Identity of Indiscernibles”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Summer 2025 Edition), Edward N. Zalta & Uri Nodelman (eds.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/sum2025/entries/identity-indiscernible/>.

– Andoh, E. (2026, January 1). AI chatbots and digital companions are reshaping emotional connection. Retrieved from www.apa.com: https://www.apa.org/monitor/2026/01-02/trends-digital-ai-relationships-emotional-connection

– Ara Eugenio in Manila with Purple Romero in Hong Kong and Anuj Chopra in Washington. (n.d.).

Baudrillard, J. (1994). Simulacra and Simulation. USA: The University of Michigan Press.

– Cameron R. Jones & Benjamin K. Bergen. (2025, 3 31). Large Language Models Pass the Turing Test. arXiv.

– Macgregor, J. (2002, February 29). Mapping the Culture of Control: Seeing through The Truman Show. Television & New Media, 3, 35. Retrieved from https://doi.org/10.1177/152747640200300103

– Newell, C. H. (2021, March 3). David Cronenberg and Jean Baudrillard: the Simulacrum of eXistenZ (1999). Retrieved from Vinyl Writers: https://vinylwriters.com/david-cronenberg-and-jean-baudrillard-the-simulacrum-of-existenz-1999/

– Perez, S. (2025, 8 12). AI companion apps on track to pull in $120M in 2025. Retrieved from Techcrunch.com: https://techcrunch.com/2025/08/12/ai-companion-apps-on-track-to-pull-in-120m-in-2025/

– Salas, M. (2025, September 22). Artificial Romance: A Study of AI and Human Relationships. Retrieved from Vantage Point: https://vantagepointdallascounseling.com/couples-counseling/artificial-romance-a-study-of-ai-and-human-relationships/

– Shin, J. (2026, February 23). AI in the Age of Fake (Imagined) Content. Retrieved from Stimson: https://www.stimson.org/2026/ai-in-the-age-of-fake-imagined-content/

– Turing, A. M. (1950). Computing Machinery And Intelligence. Mind, 433- 460.

– بدر الدين مصطفى. (2018). دروب ما بعد الحداثة. مؤسسة هنداوي.

– جان بودريار. (1995). من «الصور الزائفة وصور الزيف». تأليف بيتر بروكر، و د. جابر عصفور (المحرر)، الحداثة وما بعد الحداثة (د. عبد الوهاب علوب، المترجمون، صفحة 386). الإمارات: منشورات المجمع الثقافي.

– د. صلاح عثمان. (27 December, 2025). ما بعد النص: الذكاء الاصطناعي وأزمة البحث العلمي! تم الاسترداد من:

Philoalex.com: https://www.philoalex.com/2025/12/artificial-intelligence-and-the-crisis-of-scientific-research.html

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى