
الصبي الإسبرطي وثعلبه: رحلة في القسوة والرحمة وأدب مـارينا تسـفيتايفا
إعداد وترجمة: مؤمل الحطاب
مقدمة
تستحضر هذه المقالة التقاء عالمين متباينين: عالم الصرامة والقسوة في إسبرطة القديمة، وعالم العاطفة والتأمل الشعري لدى مارينا تسفيتايفا. من خلال قصة الصبي الإسبرطي، نستكشف طبيعة التربية القاسية التي صقلت النفوس في ميادين الحرب، ومن خلال قصيدة تسفيتايفا «على سبيل السخرية والغيظ»، نغوص في أعماق المشاعر الإنسانية المكبوتة، حيث يلتقي العنف والرحمة، والانضباط والعاطفة. هذا التباين يفتح نافذة لفهم كيف تتصارع المشاعر الإنسانية في التاريخ والأدب، ويطرح تساؤلات حول طبيعة القوة، الرحمة، والحب والمشاعر.
قصة الصبي الإسبرطي
كان النظام في مدينة إسبرطة صارمًا، حيث يُنتزع الطفل من حضن أمه في السابعة من عمره، ويقضي عشر سنين في مدارس عسكرية قاسية، ثم يعيش بعدها حياةً منضبطة لا تعرف اللين. كانت تدريباته مليئة بالمنافسات والاختبارات الشاقة، وتُنزل به أقسى العقوبات عند أدنى خطأ. هكذا كانوا يعلّمون الرجال منذ الطفولة القسوة وغلظة القلب، لكي لا يرحموا أعداءهم في ميادين الحرب. ولذلك لم تُهزم إسبرطة في الحروب، وازدهرت دولتهم زمنًا طويلًا.
كان الصبية يُجلدون بالسياط بلا شفقة، وكان نظام تربيتهم يُسمّى «الأغوغي». غير أنّ لهذه القصة موضوعًا آخر… ومن جملة ما تعلّموه: الصيد. كانوا يُدرَّبون على القتل، فالقتل – في نظرهم – أمر مألوف لا غرابة فيه. وكان بينهم فتى لم يُذكر اسمه في كتابات بلوتارخ، وإنما رُويت قصته ليعرفها الناس.
وفي يوم من أيام الصيد، اهتدى الفتى الإسبرطي إلى جحر مهجور، فرأى بجانبه ثعلبة ميتة، وكان صغيرها حيًّا. وكان من الواجب عليه أن يقتله، لكنّ الجرو نظر إليه بعينين ملؤهما الرجاء والبراءة، فعجز قلب الفتى عن ذبح يتيم ضعيف.
أخذه معه، رغم أن ذلك كان ممنوعًا، إذ كانت الرحمة والعطف في المدرسة محرّمين تحريمًا صارمًا. حمل الجرو وخبّأه في طيّ ثوبه، وعاد من الصيد إلى مدرسته، فالتصق الجرو بصدره شاكرًا دافئًا.
ثم استُدعي الفتى إلى حديث طويل مع أحد الشيوخ، فثبت واقفًا ولم ينطق بشيء. ضاق الجرو بحبسه ساكنًا، فراح يضرب بأسنانه وأظفاره جسد الصبي، لكنّ الفتى شدّ على نفسه وقال في سره:
“لا بدّ من الصبر؛ فلا يُظهر الجندي ألمه، ولا يشي بسرّه.”
فتحمّل العذاب حتى راح الجرو يمزّق جسده، ازداد الألم حتى صار وحشًا في جوفه، وغاصت الأنياب في لحمه حتى مزّقت كبده، وسقط الصبي صريعًا، وعندها انكشف السرّ المدفون في صدره.
قصيدة مارينا تسفيتايفا: «على حساب السخرية والغيظ…»
على حساب السخرية والغيظ
سخرتُ من العقل السليم،
ومن الشمس الساطعة،
ومن الثلج الناصع البياض…
لكنّي أحببت:
ليل منتصفه عكر،
وألحان الناي المراوغ،
والأفكار العابثة بلا طائلٍ.
هذا القلب موطنه إسبرطة…
أتذكرُ الثعلب الصغير،
وقلب الفتى الإسبرطي؟
فإن إخفاء ثعلب تحت الثياب،
أسهل من إخفاء مشاعر
كالغيرة والحنان!
التحليل الأدبي للقصيدة

كانت مارينا تسفيتايفا تعترف غير مرة بأنها تنظر إلى الحياة بوصفها لعبةً مشوّقة، وترى العالم من حولها خشبةَ مسرح تتعاقب عليها الأدوار. ومن هذا التصوّر الفلسفي وُلدت مجموعة قصائدها الموسومة بـ «المهرّج»، وقد أهدتها إلى الملاك الحارس.
لم تكن علاقة الشاعرة بالدين يسيرة، إذ رأت فيه كثيرًا من الزيف والتناقض والتديّن المتكلّف، ولذلك شبّهت الملاك بالممثل الذي يحوّل الحياة الإنسانية إلى مسرحية هزلية، يرسم أقدار الناس بخطوط متعرّجة تجمع بين المأساة والسخرية في آنٍ واحد. ومع ذلك، كانت تسفيتايفا تدرك أن المشاعر تنتمي إلى العالم الروحي، وأن السيطرة عليها أمر عسير، فكأن قوة خفيّة تعبث بخيوط القلوب، فتولد فيها المحبة والكراهية، والألم والفرح، واليأس والرجاء.
دخلت قصيدة «على حساب السخرية والغيظ…» ضمن مجموعة «المهرّج»، وقد كُتبت في الأول من كانون الأول سنة 1918. في ذلك الزمن كانت تسفيتايفا تقيم في موسكو وتعاني فقرًا مدقعًا، واضطرت إلى بيع ما تبقى لديها من حُليّ قليلة لتشتري بثمنها طعامًا وحطبًا للتدفئة.
أما زوجها سيرغي إفرون، فكان قد غادر مع فلول الجيش القيصري إلى باريس، على أمل أن تستقر الأوضاع في روسيا قريبًا، غير أن الأسابيع والشهور مضت ولم يتبدّل شيء، بل بدا واضحًا أن السلطة السوفييتية تزداد رسوخًا، وأن روسيا القديمة تمضي إلى الزوال. ولم يكن من المعقول أن تأمل الأسرة في لمّ شملها في ظل تلك الظروف. والأسوأ من ذلك أن تسفيتايفا لم تكن واثقة من إخلاص زوجها ورضاه، فهي التي خانته قبل سنوات.
دفعت قسوة الحياة اليومية الشاعرة إلى التأمل في معنى الوجود وإعادة النظر في موقفها من الأسرة، لا سيما وأن بين يديها طفلة رضيعة، إيرينا، لم تكن بحاجة إلى حنان الأم فحسب، بل إلى سند الأب أيضًا. ولهذا تقول في قصيدتها إنها أحبت «نصف الليل العكر، والناي المراوغ، والأفكار العابثة»، أي إنها تعترف بأن روحها غدت ميّالة إلى الرقة والعاطفة، وأن هذا التحوّل كان يفزعها أكثر مما يفزعها الخراب والفوضى من حولها.
وقد وهبتها الطبيعة قلبًا أشبه بقلب الإسبرطي، قادرًا على مقاومة الشدائد والإغواء، لكنها تدرك أن الحب يجعلها عارية من السلاح. والأعجب أن موضوع حبها هو زوجها نفسه، الذي لم تتلقَّ منه خبرًا منذ زمن بعيد. تشعر في أعماقها أنه ما يزال حيًّا، لكنها لا تدري إن كان القدر سيجمعهما يومًا.
ولهذا تصرّح بأن في صدرها تسود بلا منازع «الغيرة والحنان»، وهما مشاعر يستحيل إخفاؤها، إذ يصعب سترهما كما يصعب إخفاء جرو الثعلب تحت الثياب.
الشاعرة مارينا إيفانوفنا تسفيتايفا (1892–1941) هي واحدة من أبرز شعراء روسيا في القرن العشرين، عُرفت بأسلوبها الشعري العاطفي والعميق والمليء بالرمزية والتأملات الوجودية. وُلدت في موسكو ونشأت في بيئة مثقفة، مما أثر على تكوينها الأدبي والفني. تميزت قصائدها بالجرأة في التعبير عن الحب والحنين واليأس، وعاشت حياة صاخبة مليئة بالتقلبات الشخصية والسياسية. توفيت في عام 1941 في ظروف مأساوية، تاركة إرثًا شعريًا خالدًا يعكس تجربة الإنسان في مواجهة الحب والموت والوحدة.
الهوامش:
إسبرطة: مدينة يونانية على ضفاف نهر يوروتاس في جنوب شرقي شبه جزيرة البيلوبونيز. كانت في العصور المظلمة مركز دولة قوية اشتهرت بحروبها وانتصاراتها.
الأغوغي (Agoge): أسلوب عنيف للتربية والتدريب يُطبق على جميع المواطنين الذكور في إسبرطة، ويشمل تعلم التسلل، وتنمية روح الولاء للجماعة الإسبرطية، والتدريب العسكري، والصيد، والرقص، والغناء، والإعداد البدني والاجتماعي.
بلوتارخ: مؤرخ وفيلسوف يوناني قديم، اشتهر بكتاب «السير المتوازية» و«الأخلاق»، وذكر فيه القصة كمثال على قسوة التربية الإسبرطية.
المصادر:
– https://stihi.ru/2021/07/30/1580?ysclid=mkso36cmzx580280779
– https://pishi-stihi.ru/na-smeh-i-na-zlo-cvetaeva.html



