العدد الحاليالعدد رقم 47وجوه

الروائي الأسباني خوان خوسيه مياس ولعبة التخييل

مقدمة                 

منذ الميجيليان: ميجيل دي ثيرفانتيس (1547-1616)، وميجيل دي أونامونو (1864-1936) والرواية الأسبانية تسير في دروب ومنعطفات شكلت تاريخها السردي الطويل، ووضعته في مقدمة المسيرة الإبداعية المؤثرة في تاريخ السرد العالمي المعاصر. ثيرفانتيس برائعته «دون كيشوت دي لا مانتشا» التي كان صداها السردي والإنساني قد عم المشهد الروائي في العالم بأسره، وأونامونو برؤيته الفلسفية المتمردة التي جابه بها المشهد الروائي والفكري في أسبانيا وأوروبا كلها، وقد لعب هذان الكاتبان دورًا فعالًا تجاه الأدب الإسباني في مراحل تطوره، وكان تأثيرهما على مسيرة الرواية الأسبانية في كل مراحلها المتعاقبة كبيرًا.

كانت رواية دون كيشوت التي كتبها ميغيل دي سرفانتس سافيدرا ونشرت في جزأين في عامي 1605 و1615 على التوالي. من أهم الأعمال الروائية في الأدب الإسباني والعالمي، وقد تُرجمت إلى العديد من اللغات، وهي تحكي قصة نبيلاً من نبلاء عصره يدعى ألقونسو كيشانو، أصيب بالجنون بعد قراءة الكثير من كتب الفروسية. ومن ثم يقرر أن يتبنى اسم Don Quixote، ويخرج مع مرافقه المخلص سانشو بانزا بحثًا عن المغامرات ومحاربة الأشرار وحماية الضعفاء. وفي الطريق يدفعه هذا الوهم وخياله الخاص إلى اتخاذ قرارات سخيفة وخطيرة، مثل مهاجمة طواحين الهواء معتقدًا أنها عمالقة، أو إطلاق سراح السجناء الذين ينالون العقاب على أيدي أعدائهم. إلا أن مرافقه ورفيق مغامراته سانشو بانزا كان على عكس سيده، فهو رجل عملي، ومعقول، وكثيرًا ما كان يشعر بالقلق على سلامة سيده دون كيشوت. كما تتميز شخصيته بسمات الكوميديا الساخرة التي تضفي جرعة من الفكاهة على الأحداث. كما كان ميجيل دي أونامونو فيلسوف الرواية الأسبانية امتدادًا لعالم ثيرفانتيس من نواح عدة، وهو التمرد والقلق على النواحي الإنسانية التي لا تتمشى مع المنطق والعدالة والحرية، وتعتبر رواياته «الخالة تولا»، «الضباب»، «هابيل سانتشس»، نموذجًا حيًّا لتجسيد تكريس الحياة من أجل الأخرين، والتضحية في سبيلهم، عن قناعة تامة. وكان إعجاب أونامونو برائعة ثيرفانتيس «دون كيشوت» كبيرًا حتى أنه كتب رواية عن حياة دون كيخوتة صدرت في مئوية ثيرفانتيس الثالثة عام 1905 جسد فيها أونامونو رؤيته الفلسفية تجاه هذه الرواية الرائدة الخالدة، باعتبارها قناعًا، ونصًّا موازيًا لنصوصه الذاتية، كما كان يرمي إلى تفسير مغامرات النبيل الخرافي وتابعه، والتعليق عليها ليجد فيها مفاتيح سرية لقراءة وتفسير تاريخ أسبانيا وشخصيتها في ذلك الوقت، وأنه قصد ذلك لإنقاذ النفوس الأسبانية المهزومة، والباحثة عن التعقل في فلسفة عدم الموت، وخلق الحقيقة والإيمان بها وكان ذلك هو هاجس أونامونو في مسعاه من أجل إنقاذ دون كيخوته وفكره من الغموض القائم عليه. ويندرج كتاب (حياة دون كيخوته وسانتشو) لأونامونو في إطار السيل الجارف من النصوص النقدية التي حاولت تفسير شخصية الدون كيخوته وتابعه سانتشو بانزا بطلي الرواية برؤية جديدة غير مسبوقة حيث شهدت الـ 400 سنة الأخيرة التي تلت صدور الرواية العديد من الدراسات والمقالات والأطروحات التي سعت لتقويم هذا العمل الأدبي العظيم. من هنا تسعى هذه الإطلالة حول الرائدين الخالدين في الأدب الإسباني إلى طرح ما مرت به الرواية في أسبانيا حتى وصلت إلى الجيل الحالي من كتابها ونخص بالذكر في هذا الطرح الروائي التاريخي الدور الكبير الذي لعبه أحد روائي الحداثة في الأدب الإسباني الحديث وهو الكاتب الإسباني المعاصر «خوان خوسيه مياس» أحد روائي جيل الحداثة في مسيرة الروائية الأسبانية المعاصرة.

الرواية الأسبانية بعد الحرب الأهلية

قبل قيام الحرب الأهلية في عام 1936 بين الجمهوريين ومتمردي الجبهة القومية بزعامة فرانكو كانت أسبانيا تمر بواحدة من أزهى عصورها الأدبية والفنية والتي بدأت على يد كتّاب «جيل 1898» والذي بلغ ذروة ازدهاره مع «جيل 1927»، ومع اندلاع الحرب الأهلية وما تبعه من اغتيال لبعض الرموز الأدبية أمثال «لوركا» وغيره من الكتّاب والشعراء، تدخل أسبانيا مرحلة جديدة من العزلة الثقافية والجمود الأدبي والبعد عن العالم الخارجي، كما ألقت الحرب العالمية الثانية بظلالها على الحياة الأدبية والفكرية في أوروبا متضمنة في ذلك الحياة الأدبية في أسبانيا. وفي أعقاب هذه الفترة والتي انتهت فيها الحرب عام 1939 مثلت رواية ما بعد الحرب التي كانت لها بعض مؤثرات الرواية الوجودية، وهو المذهب الفلسفي الذي تفشى عقب هذه الفترة، ثم ما لبثت الرواية في أسبانيا أن دخلت مراحل التطور من خلال جيل الخمسينيات أو جيل منتصف القرن، ومن أشهر كتّاب الرواية لمرحلة ما بعد الحرب الأهلية في أسبانيا هم: فرانسيسكو أيالا، كاميليو خوسيه ثيلا الحائز على نوبل 1989، أغناسيو أغوستى، غونتالو تورينتى باييستير، كارمن لافوريت، ميجيل ديلبيس، أيلينا كيروجا، أليخاندرو نونيث ألونسو، ريكاردو فرنانديز دي لا رجيرا، خوسيه لويس كاستيلو، بوشى أنخيل، ماريا دي ليرا، توماس سلفادور، إنريكي أتكوخا، أنا ماريا ماتوته، رافائيل سانشيز فيرلوسيو، ماريو لاكروث، خيسوس فرنانديز سانتوس، خوان غويتيسولو، إغناسيو ألديكوا. وقد مثلت رواية ما بعد الحرب تطورًا ملموسًا قسمه النقاد إلى مراحله الأولى عبر الوجودية في عقد الأربعينيات، والاجتماعية في عقد الخمسينيات، والتجديد الواعي للسرد في الرواية التجريبية في عقد الستينيات، وقدم عدد من طليعة الكتّاب في أسبانيا إزاء المذهب التجريبي في تجاربه المعقدة، وفي واقعيته الجديدة، قدم كتّابًا أمثال خوسيه ماريا ميرينو، وإدواردو ميندوثا، ولويس ماتي ديبيث، وخوسيه ماريا غيلينثو، وألبارو بومبو، ولويس لانديرو، وأنطونيو مونيوث مولينا، وخوان خوسيه مياس وغيرهم من كتّاب هذا الجيل روايات تخييليه تعتمد التجريب وتحليل الواقع والبحث عن معاني وتأويلات جديدة تبرز الوجه الحداثي الجديد لمنجز الفن الروائي في هذه المرحلة. وقد أعاد روائيو هذا التيار استخدام الموارد الجديدة لتنقية وتقنية هذا الجنس الأدبي من خلال إعادة صياغة الواقع في تيار تجريبي لعب فيه المتخيل والخيال دورًا مهمًا في بلورة واقع الكتابة الروائية خاصة بعد رحيل فرانكو في سبعينيات القرن الماضي.

خوان خوسيه مياس

من أهم كتّاب هذه المرحلة كان الروائي خوان خوسيه مياس الذي يعد أحد أشهر الأصوات السردية في اللغة الأسبانية، ومن أبرز الكتّاب الذين أعادوا المجد للخيال الرمزي المحايث للواقع في المشهد الروائي الإسباني المعاصر، إذ خلق بعوالمه السردية الأصيلة قدرات فنية لتناول هذا الواقع بنسق وأسلوب تجريبي وتخييلي غير واقعي، هادما بذلك الجدار الوهمي بين الواقع والخيال في عوالم روائية أصبحت علامة مؤثرة في السرد الأسباني الحديث، ومتوغلًا بقوة داخل الذات الإنسانية لأكثر أعماق درجاتها، وصنع من هذا النماذج أنماطًا فنية من السرد الروائي القابل للتأويل في كل أشكاله ومناحيه. وهو يستعين في أعماله السردية بسخرية لاذعة وأسلوب شيق للغاية، وتكاد تكون سردياته جميعها في مجال الرواية والقصة تحمل مفاجآتها غير المتوقعة من حيث التقنية والموضوع والدلالة الذي يحمله نصّه الروائي. هو صحافي متمرس في هذا المجال، وروائي له باع متميز في المشهد السردي الإسباني والعالمي، وقد استثمر خوان مياس من المجال الصحافي في الكثير من أعماله الروائية حتى قيل عنه إنه حين يذهب في مهمة صحفية سرعان ما يعود منها برواية سردية جديدة.

ولد «خوان خوسيه مياس» في مدينة بلينيثا في الحادي والثلاثين من يناير عام 1946 عاش في مدينة مدريد، درس الفلسفة والآداب في جامعة كوم بلوتس، وهو أحد كتّاب ما يسمى أحداث مايو 68 التي اجتراها جيل 68 الشهير، وهو الجيل الإبداعي الموازى للجيل الذي نشأ في باريس خلال تلك الفترة وعرف بربيع باريس الثوري. من أعمال خوسيه مياس القصصية مجموعات «ربيع الحداد» 1989، «إنها تتخيل» 1994، «مقالات أقصوصية» 2001، «حكايات زناة حائرين» 2003، «الأشياء تنادينا» 2009. كما يمثل منجزه الروائي حالة خاصة من حالات السرد الروائي الإسباني الذي بدت موضوعاته عقب انتهاء الحرب الأهلية في أسبانيا وكأنها كتبت للتعبير عن هذه المرحلة، لتعويض ما فاتها من تراجع وذبول، ويضم منجزه عددًا من النصوص راعى فيها مياس جوانب التخييل السردي القائم على متعة السرد ولامعقوليته وتناقضاته في الأحداث منها: «العقل هو الظلال» الفائزة بجائزة سيسامو عام 1975، و«رؤية الغريق» 1977، و«الحديقة الخالية» 1981، و«الورقة المبللة» 1983، و«الحرف الميت» 1983، و«فوضى الاسم» 1986، و«هكذا كانت الوحدة» الفائزة بجائزة نادال 1990، «العودة للبيت» 1990، «أحمق، ميت، ابن حرام وغير مرئي» 1995، «الترتيب الالفبائي» 1998، «لا تنظر تحت السرير» 1999، «امرأتان في براغ» جائزة الربيع 2002، «لاورا وخوليو» 2006، «العالم» جائزة بلانيتا والجائزة الوطنية في الرواية 2007، «ما أعرفه عن القرين» 2010، «المرأة المهووسة» 2014. وقد ترجمت أعماله لأكثر من عشرين لغة. وقد فاز مياس بالعديد من الجوائز منها جائزة «بلانيتا»، وجائزة «النقد»، وجائزة «سيسامو»، وجائزة «رومولوس جارليدو»، وأطلق عليه النقاد الأسبان (كافكا الأسباني) لقدرته الفذة على تغيير مسار السرد من طيات الواقع إلى أروقة التخييل وعبثية الغرائبية، وتتسم أعماله بأنها تمتح من غرائبية الحياة الإنسانية مستخدما التخييل والتجريب في صيغه المتعددة، وقد ترجم معظم أعمال خوان مياس بجدارة وامتياز الكاتب الروائي أحمد عبداللطيف وآخرين ونجحوا في تعريف القارئ العربي بإبداع هذا الكاتب المنطلق بجسارة وامتياز في مسار الخيال والحقيقة.

استثمر خوان مياس طبيعة الخيال في كل أعماله الروائية من خلال هذه المادة السحرية التخييلية الحاضرة من أشد مناطق الواقعية واقعية، وعلى الرغم من التعريفات المختلفة والمتنوعة التي أطلقت عليه وعلى منجزه فهو يمتح هذه المادة من أهم الرؤى التي يتجاوز بها الفرد العوالم المألوفة إلى عوالم أخرى، حيث يعتبر الخيال الوجه الآخر من الواقع بعد أن يضع فيه المفكر والكاتب ملامح جديدة تحوله من الواقع إلى مادة فكرية جديدة يطبعها الخيال بطابع اللانهائية. ففي كتاب «قوى التخييل» للكاتب الفرنسي «فانسون جوف» الذي يدور حول موضوع «دراسة الأدب» والنظرات الدائرة حول هذه الدراسات، حيث يعتبر الحدث التخييلي بمثابة معطى أنثروبولوجي لا يمكن الإحاطة به إلا باستخدام مجموعة العلوم الإنسانية، حيث تقوم الحاجة إلى التخييل في هذا التنظير على أسباب نفسية وثقافية واجتماعية. ومن ثم فإن للأخيلة تأثيرها الكبير والعميق في عرض الأحداث لما لها من خصوبة ذهنية تفوق في بعض الأحيان معايير المنطق، كما أنها تشتغل أحيانًا أخرى تحت تأثير الحدس أكثر من اشتغالها تحت نسق مألوفية هذا المنطق. وقد تكون روايات خوسيه مياس في مراحل تحريرها قد أخذت من هذا المنحى الكثير من قدراتها الفنية والتعبيرية في نصوصها الروائية، وهو الذي عاش قرابة ثلاثين عامًا تحت نظام فرانكو الفاشي ونشر روايته الأولى في السنوات الأخيرة من حكمه، وفتح طرق جديدة بأسلوبه الفني الجديد لمعرفة العالم والإنسان التائه في خضم معارك وأحداث الحياة التي مرّ بها العالم، وقد كان في أسلوبه وكتاباته شيء قادم من عوالم أسبانية تراثية ربما من كنه ثيرفانتيس أو فلسفة اونامونو، أو من أسلوب الحياة التي عاشها في هذا العالم التائه طوال سنين غاربة.(1)

العالم السردي عند خوسيه مياس

تنطلق الرواية عند خوان خوسيه مياس من الحدث التراجيدي المشبّع بالتخييل والتجريب في أحداث رواياته، وكأن الحياة الحاضرة في معظم نسيج سرده تكون في حالة وجود إنساني شامل إلى أن تحدث المأساة لتحركها كيفما تشاء، والأبطال يجسدون عادة مواقف الإنسان الحديث الذي يعاني الوحدة، بقدر ما يعاني من غربته الذاتية في ذلك العالم، وعادة ما يتساءل مياس عن الحلم هل هو الواقع أم الخيال؟، هل هو الإنسان الحاضر وهو ينظر ويتأمل مئات الأشياء التي تشكل حياته اليومية، ومما يجده مألوفًا فيها يختار منه ما يعتبره واقعًا غير مألوف يحتاج الكتابة والتفسير، خاصة ما هو حاضر من تداخل الخير والشر معًا في إطار واحد، حيث هو مغرم كثيرًا بمواقف المتناقضات التي تتواجد أمامه سواء في صميم حياته أو في رؤاه وأفكاره التعبيرية. ففي رواية «الجزء الخلفي» بترجمة أحمد عبداللطيف، يروى مياس قصة العالم عندما يراه مختلفًا وغير متوازن أمامه، يرى الناس من الخلف، من ظهورهم، والبنايات من الجهة الخلفية لها، والشوارع والطرق المهجورة من أجزائها المتدنية، كانت هذه الخواطر والرؤى تمثل نوعًا خاصًا من الفانتازيا التخييلية النابعة من الواقع الذي يساعده على تفسير الأمور والأحوال القائمة أمامه والحادثة من خلفه، وكان مياس في جميع الأحوال مغرم بمحاولة التعرف عليها من زوايا عدة مستخدمًا في ذلك أسلوب البساطة في تركيب مشاهدها، وهو بذلك يؤسس لفلسفة خاصة به، نابعة من تخييل الواقع الإنساني بحسب رؤيته الذاتية، حيث يلعب الخيال في منجزه دورًا جوهريًا ليحيل أحداث الواقع إلى مواقف غير مألوفة لكنها تعبر عن ذات الواقع، وهي كما عبر عنها «شوبنهاور» بالظاهرة المرتبطة بالعبقرية، فيعرفها قائلًا: «إنها أداة تساعد الإنسان على التحرر من مبدأ الفردية والزمان والمكان والأحداث، فهو يتداخل مع الأشياء المتخيلة بمعرفة خاصة تفرضها الرؤية الذاتية لدى الفرد وتحيله إلى أفكار جديدة بحسب الموقف والحدس والإنسان نفسه، فهو لديه قدرة خلاقة لتحويل التجربة إلى أخرى ذهنية، وليس من الضروري المباشرة لتقييم نتاج أي كاتب تقييمًا وقتيًا أن نلم بالمضون الذي يتناوله فكره، لأن ذلك يتطلب اطلاعًا كاملًا على كل أعماله، إما يكفي أساسًا أن نتبين كيف يفكر وهذه الكيف التي تعنى المزاج الجوهري لمستوى ذهنه والأسلوب الذي يعمل عليه، فأسلوب الكاتب يكشف عن الطبيعة الشكلية لكل أفكاره، لأن الطبيعة الشكلية تكون بمثابة الخامة التي تصاغ منها كل محتويات ذهنه. وقد سئل أحد المفكرين مرة عن طول المسافة التي يتعين على المسافر أن يقطعها ليصل إلى مكان ما، فكان جوابه المقتضب الذي بدا في ظاهره سخفًا، «أمِش!»(2)، كما يرى باشلار أن الخيال عملية استحضار واعية لصور ذهنية متعلقة بالموقف وما استكن في العقل من خبرة إدراكية قد يستحيل وجودها، وهو ما يعنى خصوبة الخيال، وهو ارتأه مياس ومجايليه من كتّاب الرواية في منجزهم الذي حقق تنويعات جديدة من حداثة السرد في الرواية الأسبانية والأوروبية بصفة عامة، كما تعتبر بعض التيمات النفسية المرضية مثل الوحدة والعزلة والخوف والغربة تيمات متواجدة بكثرة في إبداعه الروائي مستخدمًا في ذلك الشخصية المهمشة التي تسكنها مخاوف واضطرابات وتواجد في مواقف شديدة التعقيد، لذلك تتوق الشخصية إلى واقع التحرر واللجوء إلى محاولة الخروج من واقعها المرضي، لذلك فهي في حالة من حالات الهذيان المستمر. وكانت الواقعية السحرية قد تواجدت بدوائرها المعلنة، وتبلورت خطوطها التجريبية في أعمال معظم الكتاب خاصة كتاب مرحلة ما بعد الحرب وعلى رأسهم خوان مياس: «وهى أسلوب سردي مفكك وخيالي يخلخل ما قد يبدو ظاهريًا أنه نص واقعى، ويحلل ما فيه بأسلوب خيالي يلعب فيه المتخيل السردي دورًا خاصًا نحو إنجاز واقع آخر مغاير من صنع تداعى الخواطر، وما يبدو فيه من وقائع تحمل أمورًا خاصة بعيدة تمامًا عما يحدث على مستوى الواقع، واستثمار ما يبدو فيه من سحر خاص يظهر في إنجاز مواقف تدعو إلى الدهشة في عدم مألوفيتها، وعلى الرغم من أن الواقعية السحرية تبدو في بعض الأحيان من نتاج الواقع إلا أنها تأخذ منحى آخر في التعبير باستخدام سحر الخيال، وتجسيد الواقع ذاته في كثير من سعى الكاتب في البحث عن الأصول المفقودة أو المسكوت عنها لاستكمال ما وراء الواقع من أمور وأحداث». (وربما تكون الواقعية السحرية في هذا المنحى هي سريالية في الشكل وواقعية في المضمون المراد التعبير عنه، ومن أهم من استخدم هذا المنحى: أليخو كاربنتيير، ميجيل أنخل أستورياس، خورخي لويس بورخيس، خوليو كورتاثار، خوان رولفو، جابرييل جارثيا ماركيز. وقد استخدم بورخيس كثيرًا من العناصر الخيالية السحرية الموجودة في «ألف ليلة وليلة» فقد كان يقول إن الواقعية السحرية موجودة عندكم منذ الزمن القديم. وفي رواية مياس «لاورا وخوليو» بترجمة أحمد عبداللطيف، يقدم مياس صورة للتناقض الإنساني الحاصل بين البشر، في معنى الخيانة والسقوط الحاصل أمام التسامح والنموذج الإنساني الاستثنائي بين الناس من خلال شخصية «خوليو» الذي يعمل مهندسًا للديكور وهو البطل الذي كان على علاقة جيدة مع جيرانه حين يكتشف بعض المفاجآت الصادمة التي كان أكثرها قسوة اكتشافه أن جاره «مانويل» الذي أصيب في حادث سير وهو ابن أحد السفراء والذي كان يعتبره مقربًا إليه، وكأنه أحد أفراد أسرته على علاقة مع زوجته، وأن الجنين الذي تحمله ليس من صلبه، وقد كشف هذا الحادث العلاقة الغريبة التي كانت قائمة ومدبرة بإحكام من الزوجة والعشيق، باتخاذه الشقة المجاورة له سكنًا والتي دبرتها وخططت لها الزوجة التي تعرفت عليه في محل عملها كمدلكة في إحدى المراكز الصحية بالعاصمة مدريد، والغريب أن خوليو في مسار حياته الخاوية تقريبًا يقبل بالأمر الواقع ويستمر في تقبل هذا الوضع حتى أنه في نهاية الرواية يقوم بتغيير ملابس ابنة زوجته من مانويل الذي انتهوا من دفنه منذ أيام بعد رحيله. وتتطابق نتائج الأحداث مع أحداث أخرى لامرأة عجوز تختبر محصلة متجر تتعامل معها حين تتفق معها على الاستحواذ على ممتلكات المرأة، سكنها، ونقودها، على أن تخبر جيرانها بوفاتها حتى يتم دفنها قبل أن تتحلل جثتها، ثم جحود المحصلة واستيلاؤها على المنزل ومحتوياته وعدم تنفيذها ما وعدت به المرأة التي مثلت أنها ماتت حين دخلت الفتاة الشقة لترى ما سوف تفعله الفتاة، وهكذا تساوت الأحداث بين غرائبية معاملة خوليو لزوجته الخائنة، والمرأة العجوز والمحصلة التي خانت الأمانة. كذلك يبدو العالم العبثي والغرائبي في تساؤلاته المتتابعة في رواية «أحمق وميت وابن حرام وغير مرئي» بترجمة أحمد عبداللطيف: ففي يوم إقالة «خسيوس» من منصبه في الشركة الحكومية التي كان يعمل بها، حيث يقرر إعادة تشكيل حياته من جديد، متكئًا في ذلك على أشياء حاضرة في مخيلته الذاتية، فهو يتخيل إعادة صورة الحياة التي كان يتمناها بدلًا من الحياة التي شعر أنها كانت مزيفة وغير متوائمة مع ما كانت عليه ذاته، وأن شخصيته فيها كانت شخصية غير سوية تعاني من أبسط الأشياء. يبدأ «خسيوس» في البحث عن الحقيقة في دروب الحياة الجديدة، ويقرر تغيير شخصيته من خلال شارب مستعار يتم به تحويل شكله في مسار الانتقال إلى المعادلة الحقيقية الجديدة داخله. وأثناء هذا التحول تتداخل عناصر الحياة في مشاهدها العبثية مع منظور سريالي غير مألوف، وغير واقعي تتشكل فيه لوحات منظورة بألوان جديدة تشع داخله في نسق وتلاحم جديد مع الذات. إنها لوحة التحول الذي طرأ عليه، فهي تحمل الكثير من الدلالات القابلة للتأويل، والملحة في مثل هذه الظروف، تأويلات معقدة أحيانًا تثير الكثير من الشك والدهشة في هذه الشوارع المظلمة المثيرة للجدل داخل الذات.

إنها الحياة المثيرة للشكوك في لقاءاتها وعلاماتها الغريبة. حيث تفرز العديد من المتناقضات من خلال الحب والعزلة، والحياة والموت، والغربة والالتحام مع الذات. إن نص «أحمق وميت وابن حرام وغير مرئي» هو نص يفهم من عنوانه أنه نص يتعامل مع النفس في قراءة شديدة العمق، وهو نقد اجتماعي لإنسان اليوم، عبر لغة حادة النصل في تقديمها، وعالم سردي متفرد في بنيته الفنية والموضوعية يجمع بين طياته الكثير من شتات الأفكار ويجسد في نهاية المطاف لرؤية حداثية في التعبير والتنظير والكتابة عبر التخييل والمتخيل وعبثية الرؤية الواقعية. ربما كانت مؤثرات فلسفة ميجيل دي اونامونو على هذه الرواية قويًا من ناحية التحليل والأحداث. وحول رواية «العالم» وهو النص الذي يقف أمام تخوم «السيرة الروائية» في صورتها المتأرجحة بين السيرة والرواية: حتى أن مياس يتساءل في نهايتها: هل كان هذا الصبي الذي لم يغادره قط الشعور بالبرد ووطأة الفقر أن يصير هو نفسه الكاتب الكبير «خوان خوسيه مياس».. إن البطل المراهق يفيق على عالم رحب عندما يهاجر من مدينته الأم «بالنيثيا» في السادسة من عمره إلى مدريد التي يراها باردة، ويظل يطارد رؤية ومشاعر الصبي أثناء اكتشافه للشارع الذي مر به في طفولته والذي حاول أن يهرب منه دومًا، وعندما يتحقق حلمه بالهروب يجد الشارع نفسه في كل محطات حياته وكل العواصم التي جابهها وكأن هذا الشارع هو ذاته «العالم»(3).

وفي رواية «من الظل» بترجمة أحمد عبداللطيف يبرز الخيال في منحنى هذا الظل، ويعيد الكاتب القيمة إلى الخيال المنطلق من أرض الواقع، وتظهر الحقيقة واضحة جلية من خلال ظلام خزانة الملابس التي دخلها البطل بصدفة غريبة ليتعرف من ثقب فيها على العالم الخارجي عبر مراقبة واقع له سمات الغرابة عن طريق النظر والسماع، في تجربة صوفية ذاتية وحياتية مثيرة، تطرح ما بين العالم الداخلي والاستبطان النفسي، حيث الحوار المتخيل بين المذيع التليفزيوني وبين الواقع نفسه وهنا يطرح البطل أسئلته الوجودية حول الاختباء ومظاهر الحقيقة المختبئة وراءها، من هذا المكان الضيق تظهر الحقيقة في مفهوم الحياة عبر تكنيك سردي يبرز ما وراء الواقع من إحداثيات ازدواجية في الشكل والمضمون، حيث تدور أحداث الرواية التي لفتت انتباه النقاد بشدة، واعتبروها أهم روايات مياس، حيث تناول فيها مياس الحقيقة والخيال معًا من خلال النظرة الهادمة للجدار الوهمي المتوغل في الذات الإنسانية بكل غرابتها القابعة في غرفة النوم والتلصص الحاصل فيها. كما تعتمد رواية «قصتي الحقيقية» بترجمة أحمد عبداللطيف على فكرة القراءة والكتابة من ناحية والبعد النفسي الحاصل معها والقابل للتغيير وذلك من خلال رؤية اجتماعية يتفاعل معها الابن الذي يدمن والده القراءة  بينما العلاقة بينهما تظهر من خلال طقوس الأب الحاضرة أثناء القراءة حين يتوقف الطفل الصغير عن ممارسة هوايته الطبيعية في اللعب والصراخ لأن والده يقرأ، وهو يعرف تمامًا أن طقس القراءة يشبه طقس الصلاة، الاثنان لهما قدسية في المعنى والحضور عند الأب، ورغم صعوبة الأمر بالنسبة للابن إلا إنه اعتبر والده رجلًا غير عادي لدرجة توقه أن يكون هو صاحب الكتاب الذي يتوحد معه الأب طوال وقت القراءة، ومن خلال اللقطات المثيرة في سرد الحكاية، يتداخل الخيال مع فكر الطفل الذي يتسبب في حادثة سير نتيجة إلقاء كرة زجاجية من جسر المدينة راح ضحيتها أب وأم وخلفا وراءهما طفلة صغيرة مشوهة، يشعر الطفل بعقدة الذنب التي تتسبب في تغيير حياته كلها، ويعمل مياس على هذا الانهيار الذي وقع فيه الطفل، حين يتعرف على الطفلة المشوهة نتيجة الحادث، وتقرب الألفة بينهما في إطار طبيعي، ويتحول التشويه لديها إلى نوع من الجمال في نظره، وتبدأ الحالة الشعورية والعاطفية تحول القبح إلى جمال، حتى يلتقيا في موقف حميمي تراه الأم فتخبر الفتاة بما حدث من ابنها التي تفاجأها بأنها تعرف كل شيء، وبدت مظاهر الحياة في نظرها عرضة للتغير كلما كان الحياة تحتاج إلى ذلك تبعًا للتغيرات النفسية والفسيولوجية التي تنتاب الإنسان عبر مظاهر العشرة والحياة. وفي رواية «هكذا كانت الوحدة» بترجمة ناريمان الشاملي وهي الرواية الفائزة بجائزة «نادال» الأسبانية عام 1990، وتدور أحداثها في مدينة «مدريد»، وتبدأ في استهلالها الأولى بالموت لأن الموت كمبتدأ أولى في دلالاته السردية هو الملمح الأبرز لظاهرة الوجودية الميتافيزيقية الحاضرة في أحداث الرواية، فهو المصير المحتوم لكل شيء في هذا الوجود، والنهاية الحتمية لكل من في العالم، ومن ثم فإن رد الفعل الطبيعي له هو اللامبالاة لتكراره على المستوى الخاص والعام وهو ما قامت به الابنة كطقس عادي في مخيلتها الذاتية، كانت ايلينا، وهي امرأة أربعينية منعزلة وعلاقتها مع من حولها من جيرانها وأفراد أسرتها أمها وأخوتها وأبنتها محدودة إلى حد كبير، حتى يصلها خبر وفاة أمها، تتصرف بطريقة روتينية وكأن الأمر عادي، ورغم أن الحدث كان في البداية فهي لم تتأثر به كثيرًا، ولكن هذا الخبر لاحقًا سيكون بداية تغيير كبير في حياتها، ويجعلها تأخذ قرارًا مصيريًا تبدأ به الحياة بأسلوب وطريقة متغيرة تمامًا، تتحدث ايلينا عن حياتها ودواخل نفسها والصراعات التي كانت تدور دائمًا في تفكيرها وممارساتها، وربما كان الأكثر غرابة في هذا الطقس الذاتي العائلي أنها كلفت محقق لمراقبة تصرفات زوجها «إنريكي» الذي يعمل مديرًا في شركة استشارات، ويكتب لها تقرير عنه، ثم أمرت المكلف بمراقبة زوجها أن يراقبها هي الأخرى لترى ماذا سيكتب عنها هي الأخرى، لترى كيف يرى الإنسان نفسه وحياته وما تمر به من أحوال وممارسات: «إن تناسى فكرة الموت أو طردها من الأذهان أمر لا بد منه، ولكن كل ما حولنا يحدثنا عن الموت، الحياة تحدثنا عن الموت بمسيرتها الطاحنة، بل إن الموت نفسه يحدثنا كثيرًا عن ذاته»(4). لذا أوعزت «إنريكي» للمكلف بمراقبة زوجها أن يراقبها هي الأخرى من منطلق البحث عن هذا الموجود وغير الموجود في هذا الوجود. وفي رواية «المرأة المهووسة» ترجمة أحمد عبداللطيف يتلاشى الجدار الفاصل بين الواقع والخيال، والممكن والمستحيل، ويتوالى تعارض الثنائيات التي بقدر ما تتشابه في نفس الوقت تتناقض، كأن هذا التقارب في صورته الكبرى يؤدي للتقارب والتشابه والتلامس على كل المستويات. الملفت هنا هو التفكير في الكتابة، والسعي لتفكيك الأسلوب في اللغة، لمحاولة فهمها واستدراك ما ترمي إليه أحداثها الخيالية التي تبدو فيه المتناقضات تفرز أن لكل شخصية أسرارها الخفية، فهذه اميريتا العجوز المريضة التي تحتفظ بحادثة قتل سابقة، كـسر لا تبوح به لأحد، كما تحتفظ في نفس الوقت بالمسدس الذي تمت به الحادثة، وسيرافين العجوز يخفي مشاعره، وخوليا الشابة تختبئ وراء سرها في حيطة وحذر، وكأن النص يخفي لكاتبه أشياء لا يريد استرجاعها وسردها، فهو مشغول بالموت كتيمة حقيقية لا مفر منها بقدر انشغاله بالكتابة عنها وتقييم ما يريد التعبير عنه، فالمرأة المجنونة ربما هي الكاتب نفسه بسنواته التي تجاوزت السبعين بصورتها المهزوزة المشوشة، فالغربة في تفسير أحوال النص عند الكاتب هي التي تزيده غرابة، وكيف يمكن أن تكون الرواية رواية إن لم تكن غريبة؟ هكذا كان ردّ الكاتب في حوار صحفي حين قيل له «إنها رواية غريبة جدًا»، وهي كما قال عنها إدوارد سعيد هي تقع في هذا العالم ربما لذلك يجب أن تكون غريبة. كما تدور أحداث رواية «مجرد دخان» حينما كان «كارلوس» ابن الثامنة عشر يتلقى هدية غريبة.. وهو خبر وفاة والده، الذي لم يعرفه، وتركه في حياة مجهولة وفي منزل بكل ما يحتويه، وبنظرة فاحصة لـكارلوس عن بقايا هذه الحياة الجديدة التي وجد نفسه فجأة محشور فيها، وجد مخطوطة تحكي قصة الحب السري، عن فتاة وفراشة، عن الصداقة والموت.. ويتساءل كارلوس هل هذا هو اعتراف حقيقي أم محض خيال؟ ويدرك كارلوس وهو على وشك بدء دراسته في إدارة الأعمال أن والده كان قارئًا نهمًا للغاية، حين يكتشف كتابًا بجوار سرير والده، وهو عبارة عن قصص في الأدب الألماني للأخوة جريم، ويعيش كارلوس مرحلة تخيليية مع هذه القصص المشوقة، ومع حياة والده المتخيلة الذي يتعلم منه كيفية السفر عبر تلك الحدود غير المرئية التي تفصل الواقع عن الخيال والعقل عن الجنون. من هنا في هذا النص الخادع يعيد خوسيه مياس تجسيد إلى بعض الموضوعات الأكثر تخييلًا وتمثيلًا مثل الهوية والكشف في أحلك فترات الاستراحة في الواقع اليومي، حيث تختبئ ظاهرة الأبوة وتتواجد بدلًا منها ملامح من الخيال والقوة التحيلية في مجال الأدب.

كان خوان خوسيه مياس من جيل الروائيين الذين نهضوا بحداثة الرواية في أسبانيا كما ذكرنا، وعلى الرغم من معايشته لظروف معيشية لها قسوتها، عاين فيها ظروف الفقر، وتداعيات الحرب الأهلية بأسبانيا إبان الحرب العالمية الثانية، وعايش أحوالها، وشكلت هذه المرحلة العديد من الرؤى في فكره،  لذا فقد كان اهتمامه بالرواية وعبثيتها في ظلال هذا العصر المليء بالحروب والصدامات عمل جعله يتخذ من الخيال والتخييل عالمًا يدلف منه إلى حداثة الفن الروائي الذي كان مغرمًا به، وقد جعله هذا الاهتمام أن يعود إلى البدايات الأولى لكلاسيكيات الرواية الأسبانية عند كل من ثيرفانتيس وأونامونو باعتبارهما هما الرواد الأول الذين عاصروا الخيال في بدء ظهوره في الفن الروائي، وتتبع ميجيل دي ثيربانتيس في استخدام التخييل في دون كيشوت كنقطة انطلاق في مسيرات العديد من النصوص الروائية، ويعد ذلك أحدث بناء في تقنيات التنبؤ، حيث أستلزم الأمر خلق تجربة قراءة روائية غامرة، ويعتبر نصّ دون كيشوت في هذا العرض هو أنسب النصوص الروائية لتوضيح السمة العامة للنصوص الروائية لأنها في الأساس، رواية تمخضت عن طرق وعواقب متنوعة، مع مستويات من السخرية والفكاهة عند الاستقراء المنطقي وإعادة التفكير في السيناريوهات الواقعية حولها. إن التقنيات الخاصة برؤية الارتباط بالمتخيل قد لعبت دورًا في تتبع البطل عبر العالم الذي يتواجد فيه، ويمكننا النظر إلى هذه السمة من منظور كيخوت نفسه الذي يتخذ قرارات لها عواقب طوال العمل، ولا يقتصر عالمه على التسلسل الزمني الخطي التقليدي، بل يمنح المتلقي بدلًا من ذلك مساحة لتخيل العوالم الاجتماعية البديلة مع الاحتفاظ بمجموعة من وجهات النظر في الاعتبار. من هنا يعمل دون كيشوت على مستويات عدة، كسرد ميتافيزيقي لتسليط الضوء على كل التحديات والفرص المترتبة على القيام بعمل يؤدي إلى تحديد نوعية المتخيل المراد استخدامها للوصول إلى عقل المتلقي وصولًا مناسبًا. من هنا نجد أن الكاتب الذي عاش ما يقرب من ثلاثين عامًا تحت ظل نظام فرانكو ونشر روايته الأولى خلال السنوات الأخيرة من هذا الحكم، وأدرك أن فنّ الرواية في رحابته وتشكله الفني يستطيع أن يقول الكثير والكثير في حق هذا الحكم الديكتاتوري الفاشي، وأن يلخص في لقطات كثيرة لأحداثه المليئة بالموت والفزع والفساد، كما أدرك أيضًا أن ما وقع فيه ما قبله من الكتّاب، فاختار بحدسه وعقله طريقًا آخر يتسم بالفردية، ويتعارض فيها مع الرأي العام والحس الجمعي، فقد كان يدرك أن الوصول إلى الأفكار والمعاني الكبرى يكون عبر الأحداث اليومية المألوفة والعادية في الحياة. من هنا وضع مياس لنفسه بداية الطريق الذي جعله يعيد للرواية الأسبانية اعتبارها بعد أن تخلت عنها أهم مزاياها في ظل ديكتاتورية الحكم السابق.

 

الإحالات:

-1 خوان مياس روائي يهرب من فخاخ الواقع، مقال منشور، 15 أكتوبر 2021 موقع الانترنت.

https://www.alkhaleej.ae/

2  -فن الأدب.. مختارات من شوبنهاور، عدها بيلى سوندرز، ت شفيق مقار، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2012 ص 68.

– 3 الغلاف الأخير لرواية «العالم»، خوان خوسيه مياس، جائزة البلانيتا عام 2007.

4  -هل يملك الإنسان أن ينسى الموت، مشكلة الحياة، د. زكريا إبراهيم، دار مصر للطباعة، الفجالة/القاهرة، د. ت ص204.

(تم الاستفادة من الأغلفة الأخيرة لروايات خوان خوسيه مياس المترجمة في هذا العرض)

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

شوقي بدر يوسف

ناقد من الأسكندرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى