العدد الحاليالعدد رقم 47ثقافات

نحو أركيولوجيا أدبية (من روح العصر إلى الحدائق الخلفية)

يربط الأدب وشائج عميقة مع مختلف مجالات الحياة؛ كيف لا وهو عصَب ما يسمى بالعلوم الإنسانية. لهذا نجده حاضرًا ومتوغلًا – بل متغلغلًا – في روحنا، ومُسائلًا قضايا المعيش اليومي، ومُناقشا مستجدات جُمَاع التطورات البشرية. لذلك فلا غرو إن وجدنا علائق من قبيل الأدب الرقمي، وأدب الجريمة الإلكترونية، والأدب البوليسي، وأدب الخيال العلمي، والأدب الرومانسي، والأدب الواقعي…

وإن كان ما أسلفنا مما يدخل في باب المقبول، فإن الأدب قد يرتبط أحيانًا بعلائق قد تبدو غريبة؛ فقد يتصل بفصل الشتاء – على سبيل التمثيل – بوصفه عاملًا من أهم العوامل التي كانت منذ قرون خلت تدفع إلى ممارسة فعلي القراءة والكتابة بإطلاق، وإلى الحديث عما يرتبط بفصل الشتاء من قرٍّ وبرد ومطر… بشكل خاص. كما قد يربط علاقة بمشاعر إنسانية قد تكون متطرفة؛ كالرعب والغضب والحزن… باعتبارها مكونات أساسية من مكونات التركيبة الشعورية للإنسان، والتي تحضر وتغيب – دون أن تختفي – تبعا لسياقات وظروف معينة.

ولا يخلو أدب من علاقة بالحرب.. ويا لها من علاقة! لقد نجح الأدب – بشعره ونثره – في إعادة تشكيل صورة الحرب كما حصلت على الأرض؛ سواء تحدثنا عن الحروب الفعلية (بقديمها، وما فيها من سيوف ورماح…، وحديثها، وما فيها من مدافع وصواريخ…)، أو الحروب الافتراضية (الإلكترونية وما يشاكلها)، وقدَّم للمتلقي لمحة صادقة عن إحساس المشارك في هذه الحروب والمكلوم بسبب ويلاتها؛ فكانت بالتالي من أفظع التجارب الإنسانية وأكثرها قساوة.

ولا ريب أن الأدب قادر على وصف مختلف ما يعتمل داخل حياة الإنسان، وتحليله وتأويله… بل استشرافه، ووضع المتلقي وجها لوجه أمام واقعه، وأمام أكثر مخاوفه قتامة حتى يتيح له مواجهة ذاته أولًا قبل مواجهة العالم، وحتى يثري تجربته؛ أليست الرواية كوْنًا مُشْرَعًا يتيح للقارئ التِّجْوال والارتحال بين الأمكنة والأزمنة لتعلُّم ما لم يكن من الممكن أن يتعلمه أو يعرفه أو حتى أن يراه في حياته الفانية القصيرة؟

الأدب، إذن، حياة يجب أن نعيشها بكل جوارحنا إن أردنا أن نكون بالفعل في مستوى تطلعاتنا، على الأقل، قبل تطلعات الغير. فهو قادر بقوة على التعبير عن كل الهموم الحياتية، والمشاعر الإنسانية، وعن مختلف السياقات المجتمعية؛ واقعية كانت أو خيالية. وهذا إنما يشي بطاقة كبيرة هي من صميم طبيعة الإبداع، وقدرة هائلة تتيح للمبدعين – كلٌّ في جنس تخصصه – أن يعبروا بكل أريحية، وبمختلف الوسائل التعبيرية – بسيطة كانت أو مركبة – عن الحياة بكل تمظهراتها.

لقد نجح الأدب في تصوير الحروب بمآسيها، وأبدع في الغوص في أعماق النفس الإنسانية على تعقيدها؛ فمثَّلها في مختلف حالاتها؛ في صفوها وفي كدرها، في فرحها وفي تعاستها، في سعادتها وفي شقائها، في طمأنينتها وفي خوفها (بل وهلعها أيضًا)… نجح في تقديمها في أبسط حالاتها، وأيضا في أكثر تمظهراتها تعقيدًا.

ومن ثمة يكون الأدب وسيلة هامة من الوسائل التي تقدم لمحات صادقة عن الحياة الإنسانية؛ بحيث قد تعتبر في فترات زمنية لاحقة على لحظة الإبداع بمثابة وثائق تاريخية تحكي عن واقع مضى، وتخبر عن أُناس عاشوا وبصموا فترات زمانية معينة، وتركوا آثارًا في أمكنة بعينها. ألم تكن الإلياذة مفتاح المؤرخين للتعرف على بعضٍ من تاريخ الإغريق والطَّرْواديِّين؟ ألا تقدم الجريمة والعقاب بيانًا في تعقد النفس البشرية واستعصائها على الفهم والتقعيد النظري؟ ألم تكن روايات «نجيب محفوظ» شهادة رجل (سنصفه بـ«المبدع العضوي») على مصر القرن العشرين، وخاصة على من يقطنون قاعَها (الحارات الشعبية أقصد)؟ ألا يعتبر الخبز الحافي شهادة صادمة على بؤس فئة اجتماعية قاست – ولا تزال – المر في حياة لا ترحم؟ ألم وألم…

الأدب، إذن، إدراك متبصِّر للواقع لا مندوحة من الانكباب عليه، إنتاجًا واستهلاكًا، ما دمنا على قيد الحياة.

II

لا يختلف اثنان – إذن – في أننا نعيش عصر الرواية بامتياز؛ بل يمكننا أن نقول بمصطلحاتنا العربية الأصيلة إن الرواية هي ديوان العرب؛ بل وديوان الغرب أيضًا.

توصف الرواية بأنها عالَم في كتاب، تتيح لقارئها – وللمستمتع بها – أن يعيش حيوات لا تُعَد، وأن يَخْبِر تجارب لا تُحصى في سياق عوالم سردية تنقل المتلقي إلى آفاق رحبة؛ سواء أكانت واقعية أم خيالية.

وبالنظر إلى ارتباط الرواية بالحياة، فإنها تستجيب أيضًا لمنطق تطورها؛ حيث عرفت، ولاتزال، تجديدات على مستوى مواضيعها، وإبداعات على صعيد تقنياتها بما يجعل صنعة الحكي في صيرورة مستمرة.

فأما على المستوى الموضوعاتي فقد اهتم الروائيون بالتعبير عن عوالمهم الداخلية، وعن مسارات حيواتهم الواقعية؛ ولكن أيضا عما يخامرهم من أفكار وتصورات خيالية أو خيالية علمية. وقد كان لها التوجه الأخير حضور كبير، خصوصًا في الربع الأخير من القرن العشرين والربع الأول من القرن الحادي والعشرين، من خلال تركيز مبدعيه على ربطه بنظرة للمستقبل من خلال استقراء للواقع السياسي المعيش. لذلك ازدهر نوعان أساسيان منه: أدب المدينة الفاضلة/ اليوتوبيا، وأدب المدينة الفاسدة/ الديستوبيا؛ مع غلبة لهذا النوع الأخير على الأول بالنظر إلى تأزم الوضعية السياسية العالمية. وهذا ما لمسناه – على سبيل التمثيل – مع روايات 1984، وعالم شجاع، وفهرنهايت 451، ونحن وغيرها كثير.

وأما على المستوى التقني، فقد عرفت الرواية ثورة غير مسبوقة؛ حيث انتقلنا من السرد الخطي إلى أنواع جديدة من السرود التي تبتعد في الغالب عن التسلسل الزمني المعتاد، وطورنا من طبيعة الشخصيات لتشمل البطولةُ كذلك العجزةَ، والضِّعاف، والمرضى… وستنعدم الفروق التي كانت واضحة بين الأزمنة والأمكنة، وستمتزج الشخصيات الحكائية بالقراء الفعليين، بل وجدنا روايات أُسِّست لها متاحف تتضمن مقتنيات تشير إلى تلك التي وردت فيها، على غرار ما قام به الروائي التركي «أورهان باموق».

لقد حلت روح العصر، بالمعنى الهيجلي، في الأدب الروائي، ومن المؤكد أن الرواية ستظل منفتحة على جميع الاحتمالات، وقابلة لكل أنواع التجديد ولجميع رياح التغيير؛ لذلك فلا يمكن بأي حال من الأحوال التكهن بما ستعرفه من تحولات مستقبلية، أو التنبؤ بمصير ريادتها للأجناس الأدبية. ولكن في جميع الأحوال، تبقى الرواية مبهرة من حيث قدرتها على الكشف عن مختلف التلوينات النفسية للكائن البشري؛ ألم يكن «دوستويفسكي» راهب النفس البشرية؟ ألم يكن «جوته» ملما بدواخل المحبين وعلاقاتهم الاجتماعية ولواعج نفسياتهم؟ كما تبقى الرواية رائدة في التعبير عن واقع الحال، بما تتيحه شاسعة مساحة التعبير فيها من إمكانات للغوص في قضايا المعيش اليومي، على غرار ما قام به «إميل زولا»، و«أونوري دو بلزاك»، و«عبد الكريم غلاب»، و«محمد برادة»…

ورغم كل ما قيل عن أهمية الرواية بوصفها مرآة للواقع، وتعبيرا عن سيكولوجية الفرد، فإنه من اللازب أن نؤكد نجاعة دورها في مناقشة قضايا تمتاح من مستقبل الجنس البشري، بغية التحذير مما قد تؤول إليه الأوضاع، وبغرض استباق الأحداث. ولا شك أن الخيال العلمي وسيلة من الأهمية بمكان – رغم ضعف اهتمام العرب به إنتاجًا واستهلاكًا – للتخطيط للقادم، وللتنبؤ بما يمكن أن تعانيه البشرية في الغد، والانخراط الفعلي في صناعة المستقبل.

وعلى العموم، تبقى الرواية – بإطلاق وبغض النظر عن أنواعها – واحدة من أهم وسائل التعبير في عصرنا الحالي، ولاسيما أنها تخاطب شريحة واسعة من القراء – تفوق قراء الشِّعر – وتتيح إمكانية لتحويلها إلى منتجات سمعية بصرية (أفلام) تضمن مخاطبة جمهور أكبر في عصر يؤمن بحيوية الصورة وأسبقيتها.

III

لكن، ومن ناحية أخرى، لا ينبغي أن ننسى أنَّ لكلٍّ حديقته الخلفية وأسراره المخصوصة التي يحيطها بسياج من الصمت ويحصنها من المتلصصين. وإذا تعلق الأمر بالمشاهير – ولاسيما المبدعين منهم – فإن المسألة تتخذ أبعادًا أخرى؛ ذلك أنه في حال الكشف عن هذه الخبايا، أو عن بعضها، فإنها ستحمل في طياتها، لا شك في الأمر، كثيرًا من التفاصيل والمفاجآت التي لن تنير فقط معالم في حياة صاحبها، بل إنها ستشكل مفاتيح حقيقية للدخول إلى كونه الأدبي وعالمه الإبداعي. فلئن كان المبدع يعبِّر عن حياته النفسية وعن واقعه المعيش، أو حتى عن قضايا خيالية تجد بالضرورة جذورا لها في الواقع، فإنه يترك بين ثنايا جمله، وفي تضاعيف نصوصه، ووراء سياج سيرة حياته إشارات وإلماعات تكشف الكثير والكثير مما لم يفصح عنه. فمثلما كانت المكتبة بوصفها المكان الأثير لـ«ميشيل دو مونتينْيْ» وسره الصميم، فكذلك كان هوس «فرديناند دي سوسير» بالجناسات التصحيفية سرًا أخفاه عن الكل وانخرط في ممارسته بعيدا عن أبحاثه اللسانية العلنية، إلى درجة أننا نتساءل حاليًا هل كانت مجمل أعماله اللسانية الرائدة نابعة من رغبته في تقعيد الدراسات اللغوية وبنائها على أسس متينة، أو أن السبب الحقيقي يعود إلى فزعه وهلعه عندما لم يتمكن من حصر كل الجناسات التصحيفية الموجودة في نص بعينه؟ فرضية رهيبة، ستجعل علمًا بأكمله قد أُسس استجابة لهوس مجنون بقضية إنما تمتاح من آليات القول الشعري ولا ارتباط لها بالهمّ الأكاديمي الصرف.

ومثلما تخفي حياة المبدعين أكثر مما تبدي، فكذلك العلاقات فيما بينهم. فلا يمكن لدارس لأدب روسيا في القرن التاسع عشر، على سبيل التمثيل، أن يمر دون الانعطاف نحو «فيودور دوستويفسكي» و«ليو تولستوي»، اللذين لم يتح لهما البتة أن يلتقيا مباشرة رغم أنهما عاصرا بعضهما البعض، بل اكتفيا بالإشادة المتبادلة بإنتاجات كل واحد منهما. بيد أن البحث في خبايا حياتهما سيكشف وجها آخر لهذه العلاقة التي كان فيها كل واحد منهما يعيب على الآخر أمورا عدة دون أن يصرح بها علنا. كذلك كان حال «ألبير كامو» و«جون بول سارتر» – الصديقان العدوَّان – و«فرانز كافكا» و«ماكس برود» اللذين تراوحت العلاقة بينهما بين الوفاء وخيانة العهد وغيرهم كثير.

ولا تكمن لعبة الوجه والظهر هذه في حياة المبدعين ولا في العلاقات بينهم فقط، وإنما تنسحب كذلك على دواعي تأليف مؤلفاتهم أيضا. فهذا «غزافيي دو ميستر» مثلًا يؤلف عمله المعروف رحلة حول غرفتي في قالب رحلي كوميدي ساخر، إلا أنه كان يخفي كآبته وملله وسخطه بسبب ما ألمَّ به في حياته.

من جانب آخر، ألا يعتبر الأدب في فترات الطغيان السياسي نوعا من التّقيّة التي تتيح للكاتب التعبير عما يريده بطريق التلميح والتضمين؟ ألم يكن «يوري تينيانوف» يرغب – من خلال رائعته موت الوزير المختار – في فضح روسيا الستالينية، لكن حصار حرية التعبير والتشديد عليها جعله ينتقد حقبة سابقة عبر خلقه لتوازيات عدة بين الحقبة القيصرية في روسيا، والواقع الشيوعي المرير في مستهل القرن العشرين، مع تركه بين تضاعيف نصه لإشارات تتيح إمكان عقد مقارنات مع زمنه، وكأنها صُىوًى يقتفي القارئ العليم أثرها؟

وبهذا، يتضح أن الإخفاء والإضمار والتعتيم والتورية هي السمات الغالبة على حياة المبدعين، وعلى العلاقات بينهم، وكذا على دوافع كتابة أعمالهم؛ وهو ما يستدعي التنقيب والحفر في حياة الأدباء، وفي العلاقات التي ربطت فيما بينهم، في أفق إغناء تصوراتنا حولهم، وتشكيل رؤية جديدة تتيح فهما أوفى للظاهرة الأدبية ولسياقاتها التاريخية والاجتماعية والسيكولوجية، قد تكون منطلقًا لإعادة قراءة شاملة ومتجددة لأشخاص ولنتاجات كنا نظن أنها معروفة بالنسبة إلينا؛ بيد أنها ليست كذلك مادامت في حاجة إلى عمل شبيه بما يقوم به عالم الآثار.

*****

وبذلك، وتأسيسًا على ما سبق، نكون بصدد التأسيس لما يمكن أن نصطلح عليه «أركيولوجيا أدبية» تختطّ لنفسها – مؤقتًا – مسارات ثلاثة: أركيولوجيا النفس الإبداعية، وأركيولوجيا العلاقات الاجتماعية، وأركيولوجيا النص الإبداعي.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

نبيل موميد

أستاذ مُبَرَّز في اللغة العربية، مركز أقسام تحضير شهادة التقني العالي، أكادير، المملكة المغربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى