العدد الحاليالأدب والنقدالعدد رقم 47

التلفاز والأب الثاني: عزلة الصورة وتشكّل وعي الجيل الجديد

منذ أن دخل التلفاز البيوت العربية منتصف القرن العشرين، تبدّل المشهد الثقافي والاجتماعي جذريًا. لم يعد التلفاز وسيلة لنقل الخبر أو الترفيه فحسب، بل أصبح عنصرًا مكوِّنًا للوعي الجمعي، وأداةً لإعادة تشكيل العلاقات داخل الأسرة والمجتمع.

وقد تنبّه الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل في مطلع التسعينيات إلى هذه التحوّلات حين كتب: «إن وسائل الإعلام الحديثة – وأولها التلفزيون – فكّت تماسك المجتمعات وأرخت روابطها المشتركة… كل فرد يجلس أمامه وحيدًا ومستغرقًا بالكامل فيه، هو وحده أمام عالم الصور».

بهذا التصوير البليغ، وضع هيكل يده على جوهر الأزمة: الإنسان الحديث لم يعد يعيش في المجتمع، بل في الصورة عنه.

التلفاز كتربية غير مباشرة

أما المفكر السوري الراحل طيب تيزيني فقد ذهب في مقابلة أجراها كاتب هذه السطور معه قبل وفاته بسنوات أبعد من ذلك حين رأى أن التلفاز يؤدي وظيفة «التربية غير المباشرة»، وهي – بحسبه – أخطر من التربية النظامية لأنها تتم من حيث لا يشعر المتلقي. فالمشاهد يُعاد تشكيل وعيه عبر محتوى يمرّ أمام عينيه في صمت، دون مقاومة أو نقد.

هذه الفكرة تتقاطع مع ما طرحه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو (Pierre Bourdieu) في كتابه «حول التلفزيون» (Sur la télévision, 1996)، إذ يرى أن التلفاز لا ينقل الواقع، بل يصنعه عبر ما يختار أن يعرضه ويخفيه، مما يؤدي إلى إنتاج «رؤية مهيمنة للعالم» تتحكم بها مؤسسات الإعلام الكبرى.

عزلة الشاشة واغتراب الصورة

ما وصفه هيكل بعزلة الفرد أمام الشاشة يتلاقى مع مفهوم «مجتمع الفرجة» عند الفيلسوف الفرنسي غي ديبور (Guy Debord)، الذي يرى أن الإنسان في عصر الصورة لم يعد يشارك في الواقع، بل يستهلك صورًا عنه.

وفي هذا السياق، يغدو التلفاز – بل والمنصات الحديثة من بعده – وسيلة لإنتاج الاغتراب الجديد؛ حيث يعيش الفرد انفصالًا بين ذاته الحقيقية وصورته كما تقدمها الشاشة، تمامًا كما وصفها جان بودريار (Jean Baudrillard) في نظريته عن «المحاكاة» (Simulacra and Simulation)، حين قال إن الصورة لم تعد تمثّل الواقع، بل تحلّ محله.

من الأب الحقيقي إلى الأب الرمزي

وصف علماء الاجتماع التلفاز بأنه «الأب الثاني» للأسرة العربية، وهو وصف يحمل دلالات عميقة. فالأب التقليدي كان يوجّه ويربي وفق قيم الأسرة والمجتمع، أما التلفاز فيمارس الدور ذاته لكن وفق قيم السوق والصورة والإغراء البصري.

من هنا تأتي خطورته كما أشار طيب تيزيني: فهو يُربّي من حيث لا ندري، ويعيد إنتاج الفرد بطريقة غير واعية، وفق ما تبثه القنوات من أنماط استهلاكية وسلوكية.

الجيل الجديد: بين التلقي والنقد

إن الجيل الجديد الذي نشأ في حضن الشاشة يعيش اليوم ما يمكن تسميته بـ«التربية البصرية الدائمة»، إذ يتلقى آلاف الصور يوميًا دون أن يمتلك أدوات نقدها أو تحليلها.

ولذلك يرى علماء الإعلام المعاصرون أن الوعي الإعلامي (Media Literacy) صار جزءًا لا غنى عنه من التربية الحديثة، حتى يتمكن الناشئة من فهم ما يشاهدونه، وتفكيك الرسائل الكامنة وراء الصورة.

نحو وعي بصري عربي

ليست المشكلة في التلفاز ذاته، بل في غياب الوعي النقدي تجاهه. فكما يمكن للتلفاز أن يكرّس السطحية والاغتراب، يمكن أيضًا أن يكون أداة للنهضة والتنوير إذا استُثمر في إنتاج معرفة وصورة عربية واعية بذاتها.

إن بناء تربية بصرية نقدية بات ضرورة تربوية وثقافية، تُمكِّن الجيل الجديد من التفاعل مع الصورة لا بوصفها مرآةً للواقع، بل بوصفها خطابًا يحتاج إلى قراءة وفهم.

فالمستقبل لن يكون لمن يمتلك الشاشة، بل لمن يمتلك القدرة على قراءة ما خلفها.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

خالد عواد الأحمد

كاتب وصحفي سوري مقيم في الأردن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى