العدد الحاليالعدد رقم 47ترجمات

الحياة الفاشلة: عن رواية أندريه ديميترييف «رياح طروادة»

الحياة الفاشلة: عن رواية أندريه ديميترييف «رياح طروادة»1

بقلم: ماريا بوشويفا 2

ترجمها عن الروسية: أ. د. تحسين رزاق عزيز

يعرف القراء جيدًا المواضيع الأكثر انتشارًا في وسائل التواصل الاجتماعي: بعد القطط تأتي الأمور المتعلقة بالطهي (الطبخ)، ثم قصص السفر (التي غالبًا ما تُسمّى مدونات السفر)، ثم حكايات عن الحب، وأخيرًا، كتحلية، شيء شائق وممتع. هذا كله موجود بوفرة في رواية أندريه ديميترييف «رياح طروادة». أما التحلية فهي تأملات أحد الشخصيات، الشيّقة والمهمة لفكرة الرواية، حول كيف أنَّ «الرياح هي ما يتحكم بنا». لا أعتقد أن مُعَلّم النثر المعترَف به قرّر أن يلعب على وتر أذواق الجمهور. في مقابلة على موقع دار النشر «أي أس تي» أجاب ديميترييف على سؤال حول كيفية نشوء فكرة الرواية: «لا أتذكر الكيفية، لكنني أتذكر المكان. لقد بدأت الفكرة تتحرك داخلي أثناء رحلتي إلى تركيا – شخصياتي تجتاز نفس المسار الذي سلكتُه أنا. ثم اكتملت – في اليونان، في جزيرة كورفو». أي أنَّ الكاتب شخصيًا زار الأماكن التي وصفها؛ وإذا لم يجرب كل الأطباق، فلا شك أنه اطّلع على المطبخ التركي المتنوع. إنّ متعة السفر هي التي سببت على الأرجح هذا الفائض الجغرافي – الطهوي. مثل هذه الإسراف في الوصف سيعجب البعض، خاصة أولئك الذين تطابقَ طريقهم ذات مرة مع مسار الرواية، بينما سيثير لدى آخرين، بما فيهم النقاد، ملاحظات ناقدة. فمثلًا، قال أليكسي تاتارينوف بشيءٍ من الانزعاج: «التفاصيل مُسجلّة كما في قائمة طعام. المعالم السياحية، كما في دليل سياحي» (صحيفة «رودنايا كوبان»). كما وجّه تاتارينوف نقدًا لاذعًا لصورة البطل الرئيس، وهو ما يستحق التوقف عنده بتفصيل أكثر. ففي كتاب «الأنماط النفسية» لكارل يونغ، الذي أصبح مشهورًا جدًا في زماننا وإن لم يُقرأ دائمًا، وصفٌ لـ «المنبَسِط الحدسي»، للفرد الذي يستطيع بسهولة توقع الإمكانيات الكامنة لنشاط جديد، ويترك بنفس السهولة عملًا بدأه بنجاح ليتحول إلى غيره. كان تيخونين ينهي أمره على عجل، يجمع أمتعته وينتقل من مكانه، فقط لكي يبدأ، في مكان غير واضح، شيئًا غير مفهوم من البداية. لاحظ يونغ أنَّ المنبسطين الحدسيين يتّسمون بشعور دائم بالانتظار؛ يمكن أن نجدهم بين السياسيين ورجال الأعمال. تيخونين ينتمي بوضوح إلى هذا النمط من الشخصية، وهو يعمل بالتجارة. أما لغز جاذبيته، الذي يحاول فريق الرُواة، الذي جمعه الكاتب في «نحن» على غرار ييفغيني زامياتين، أن يحله، فيمكن تفسيره ببساطة: ما يمنح تيخونين هذه الجاذبية هو شرارة المغامرة في شخصيته – وهي إحدى محركات التجارة الناجحة. كما يجذب الآخرين بمزاجه المرح – «لقد كان سعيدًا بطبيعته»، مع شغف دائم بالحركة والتغيير: حياة تيخونين هي «مسار واحد متصل». الرُواة مقتنعون أنَّ تيخونين مندفع نحو حب شبابه الكبير والمشرق، وهذا الحب وحده هدف حياته. لكن بطلة قلبه، التي تحمل اسم ماريا، فضّلت على الشاب ذي الآفاق المشكوك فيها مُنَقّبَ آثار أمريكيًّا، وسافرت معه إلى الولايات المتحدة. ومع ذلك، لا يبدو قدرها مفروشًا بالورود: إنها سيرة ذاتية نموذجية لمهاجرة، عملت «في مأوى لمرضى لا أمل في شفائهم، مدة قصيرة، وفي دار للمسنين»، حيث «اشتغلت بصفة ممرضة مدة عامين وعدة أشهر، ثم ممرضة منزلية طوال خمس سنوات»، وأخيرًا وجدت نفسها متطوعة في ملجأ صغير للكلاب. مع ذلك، تقدم البطلة (أو الكاتب) دافعًا جميلًا: فهي لم تعمل من أجل المال أو للتكيف، بل «لتشغيل» التعاطف داخلها. على العموم، يوجد في الرواية تحيز نحو تمجيد وتجميل لما، ربما، لا يستحق ذلك (على سبيل المثال، هل يستحق أن نُضفي الطابع الرومانسي على نشاط تيخونين المشكوك فيه؟).

رياح طروادة

يَلتقي تيخونين وماريا بعد أربعين عامًا من الفراق. وبعد أن أمضت عدة أيام مع عشيقها الأشيب المائل للحُمرة، تتركه البطلة للمرة الثانية وتعود إلى الولايات المتحدة، إلى عائلتها. ربما، لم تكن تخطط لشيء طويل الأمد: فحياة ربة المنزل المملة كانت تحتاج إلى مغامرة صغيرة، قادرة على إضافة لمسة مشرقة إلى الحياة الروتينية ورفع مكانة الزوجة في عيني زوجها. مغامرة مماثلة قد حدثت في حياتها من قبل: عندما هربت إلى البزّاز. دفعت رتابة الحياة في المدينة الصغيرة البطلة أيضًا إلى هاوية الكحول: وقد هُزِم الإدمان، لكن الملل بقي. إنَّ اهتمام ماريا بإبداع زوجها، ذاك الرجل الذي يراه الناس حالمًا ساذجًا لظنِّه أنَّ طروادة في موضعٍ آخر، يكشفُ أنّ حبَّها موجّهٌ إليه هو، لا إلى تلك الصورة المتخيَّلة عن حبها الخالد لتِيخُونين. عبثًا ظن تيخونين أنه سيقضي سنوات عمره الهادئة في بيت يطل على البحر مع حلم شبابه الذي شاخ أربعين سنة، والذي صححه قليلًا جرّاح تجميل ماهر. إنّ الإنسان ذا الطابع المغامر غالبًا ما يكون نمطيًا، فقد يخفي تحت كومة من قمامة التجارة صورة فارس يحافظ على الإخلاص (ولو في مخيَّلَته فحَسْب) لسيدة جميلة. بالطبع، الأمريكية الروسية غير الشابة لا تشبه بأيّ حال السيدة الجميلة، لكن هذا ليس مهمًا جدًا. المهم هو مسار البطل. وهذا المسار إما أن يصبح قصة عودة، تُكمل دورة حياة تيخونين مع العودة السعيدة المتأخرة للمرأة التي أجبرته يومًا على أداء دور الخاسر، والتي انكشفت تحت وطأة اندفاعه العصبي المنتصر ظاهريًا في الحياة. أو، بدلًا من النفير، يجب أن يسير باستقامة إلى الفشل التام. أثناء قراءتي، خُيل إليّ أنّ في دفع البطل نحو النهاية المأساوية يبرز مخطط عقلاني: نهاية الرواية (انتحار تيخونين) لا تنبثق من حركة السرد نفسها، بل حوادث النص مُصَمَّمَة مسبَقًا لتتناسب معها. المقابلة التي قرأتُها لاحقًا على موقع «أي أس تي» أكدت حدسي. فقد أوضَح ديميترييف: «خاتمة الرواية هي الموقد الذي أرقص حوله».

وبعد أن يغلق القارئ الكتاب، يطرح على نفسه سؤالًا: هل يسمو اللحن الختامي بحياة تيخونين، بحياة المغامر الجذاب المضطربة إلى مستوى التراجيديا الإغريقية القديمة؟ هذا مُستَبعَد. فهزيمة تيخونين ليست مقررة بالقَدَر، ولا بكارثة اجتماعية، بل رسمها هو بيده مسبَقًا. فهو يقول لصديقه يو عن ذلك: «طبعًا، نحن في نهاية أيّ لعبة، يا عزيزي يو، سنكون خاسرين تمامًا». ما قاد تيخونين في الحياة هو هوس البحث، الذي للأسف لم يتحول بفضله من تاجر عادي إلى هاينريش شليمان، الذي عثر على طروادة. عنوان الرواية، في سياق الرحلة، يصبح استعارة. رياح طروادة – هي رياح التاريخ الجاذبة والخطيرة. في هذه الحالة – تاريخ شخصي. كان تيخونين يأمل أنّ «التنقيب» يمكن أن يعيد الشعور الحي المتبادل. لكن رياح طروادة – عبر العلاقة الإيروتيكية المتأخرة، والذكريات والدموع، والمطاعم والفنادق، وصمت الرجل عمّا مرّ به وحكايات المرأة المتعددة ونوبات بكائها – لم تقُده إلا إلى متحف، حيث ظهر أمام تيخونين «الماضي الميت» في «أغلفته الملموسة والمرئية».

الكاتب والناقد بافيل باسينسكي، الذي سَمّى أندريه ديميترييف مفضَّلَه الشخصي في القائمة القصيرة لجائزة «الكتاب الكبير لعام 2025»، استنتج أنّ الأبطال الرئيسين في الرواية «عاشوا حياتهم في حب مستحيل لبعضهم البعض، تقريبًا مثل روميو وجولييت، من دون أن يلتقيا ولو لمرة واحدة على مدى أربعين عامًا» (صحيفة «روسييسكايا غازيتا»). لكن الناقدة تاتيانا فيريتينوفا رأت الثنائي العاطفي بنحو مختلف: فقد تعاطَفَت مع البطلة ورأت أنَّ البطل ليس جذابًا جدًا (مجلة «دروجبا نارودوف»). بينما قيّم أليكسي تاتارينوف تيخونين بقسوة أكبر: «إنّ التناقض بين فقر الشخصية الرئيسة واحتفاء الراوي به أمرٌ غير لائق». لا أعتقد أنّ المؤلف استلهم من حوار دوستويفسكي المتعدد الأصوات عند تقديمه لـ«نحن» الرواة؛ بل إنّ هذه الآلية مُصممة على غرار دردشة عبر الإنترنيت، قادرة على خلق أبطال لمدة ساعة من العدم حرفيًا. ولا شك أنَّ الرواية توظف هذه الآلية بنجاح: صورة تيخونين، المنعكسة في عيون مختلفة، تصبح شبحًا، وانتحاره، برغم تأكيده، يُدرك كأسطورة. في الواقع، الرواة هم من يصنعون الأسطورة. إذا قرأنا «ريح طروادة» كرواية رومانسية، والتي، وفقًا لبافيل باسينسكي، «تجذبك بنبرتها العاطفية النقية وغيابها عن التظاهر الفني الزائف»، فإن معنى النص يتلخص في استحالة العودة: فالعودة إلى نفس الماء والهلاك هي إعادة ضبط للحياة بأكملها. لكن قد يتساءل المرء بعد قراءة الكتاب: هل كان هناك حبٌّ حقيقي؟ ألم يخلق تيخونين لنفسه وهمًا بالشعور الحقيقي، جامعًا الأجزاء الخيالية من «أناه» في شيءٍ كاملٍ وحقيقي؟

قال تولستوي ذات مرة إنّ الحبَّ دِينٌ. والقارئ حرّ في الإيمان أو عدم الإيمان بـ «الحب المستحيل» لدى أبطال الرواية، وبرياح جائزة «الكتاب الكبير» التي تُقلّب صفحات الرواية.

 

 

الهوامش:

1 – الجريدة الأدبية «ليتيراتورنايا غازيتا». 17. 09. 2025. العدد: 37 (7001) (17.09.2025).

2 – ماريا بوشويفا (كيتيفا): روائية وناقدة، ومؤلفة العديد من الكتب النثرية، منها روايات «حديقة الأب» و«الأسد يبتلع الشمس» و«المنجم» و«إسقاطات»، بالإضافة إلى العديد من المنشورات في المجلات العلمية والإلكترونية. بدأت مسيرتها المهنية الأولى طبيبة نفسية. (المترجم).

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

أ. د. تحسين رزاق عزيز

أستاذ في جامعة بغداد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى