
الإنسان والمكان في رواية «لوحة تحت الرماد»
رواية (لوحة تحت الرماد) هي أول رواية لمؤلِّفها المهندس باسل خليل، جاءت في 208 صفحات من القطع الوسط، وقد صدرت عن دار منهل القراء في حلب عام 2025، والرواية ذات طابع مأسوي، تصور طغيانَ الإنسان واستبدادَه وجشعَه ونشرَه الفساد في الأرض حين يمتلك المال والسلطة، ولا سيما في مجتمع تشتعل فيه نار الحرب وتعمّ فيه الفوضى، وهو ما يؤدّي إلى دمار شامل يودي بمعظم أفراد الرواية، ويحطم مستقبلهم وآمالهم، نتيجة طمع بعضهم، وبُعْدِهم عن القيم والأخلاق، ويتجلى هذا واضحًا من خلال مواقفهم من المكان، وفعلهم فيه، وعلاقتهم معه.
*
وعلاقة الإنسان بالمكان علاقة صعبة، ومعقّدة، وكثيرًا ما يبدو في الظاهر المكان هو الفاعل في الإنسان، والمؤثر فيه، والمحرّك لأفعاله، ولكن بعد قليل من التأمل يتبيَّن، ولا سيما في الرواية، أن الإنسان في الحقيقة هو الفاعل دائمًا، أيًّا كان ذلك المكان، والعُمدة في ذلك هي موقف الإنسان من المكان، ورؤيته له، وطبيعة فَهْمِه للحياة، ودورِه فيها، فالإنسان هو الذي يحول المكان من محيط جغرافي، إلى فضاء يعج بالحياة أو يصخب بالعنف، يُمكنه أن يزرع المكان نفسه وردًا، ويمكن أن يزرعه شوكًا، فالمكان عنصر محايد، وهو قابل لكل أشكال الفعل، وفعل الإنسان في المكان هو الذي يحوّل المكان إلى فضاء للخير أو للشر.
وفي رواية (لوحة تحت الرماد) تبدو في الظاهر بعض الشخصيات خاضعة لتأثير المكان، ولكن سرعان ما يتبيَّن بعد قليل من
التدقيق أن الشخصيات هي الفاعلة، انطلاقًا من فهمها للحياة، وموقفها من المكان، وأبرز مثال على ذلك مواقف «نبيل»، المناقضة لمواقف زوجته «نوال»، ومنذ البدء يظهر موقفه من المؤسسة التي يعمل فيها، فهو مهندس في شركة الإنشاء والتعمير، ومسؤول عن التوقيع على المشاريع المنجزة وفق شروط محددة، وهو لا يوقع إلا بعد استيفاء الشروط، ولكن مديره المباشر يرسل إليه مَنْ يوجهه للتوقيع مقابل رشوة، ويرفض، ويَتِمُّ نَقْلُه مِن موقعه بصفته مهندسًا إلى المحفوظات، ليكون عمله في المستودع، تحت إمرة زميل له أقل منه مرتبة، وهكذا يستند «نبيل» في موقفه من مكان عمله إلى قِيَمه، ويرفض الرشوة، ويقبل العمل في مكان عمل آخر أدنى قيمة ومنزلة، ليظلَّ وفيًّا لقِيَمِه ومبادئه وأخلاقه، وعلى هذا الموقف تتأسّس كل المواقف في الرواية، ولذلك يمكن القول منذ البدء إن منطلق الرواية منطلق أخلاقي، قوامه الحق والعدل والخير.
و«نبيل» يقيم مع أسرته في شقة بحيِّ الأشرفية في حلب، والشقة مِلْكٌ له، ولكن تتساقط القذائف على الحيِّ حوله، ثم تسقط قذيفة على شقته، ويُدَمَّر جزءٌ منها، فيقرّر الانتقال إلى شقة مستأجَرة في حي محطة بغداد، وهو أكثر أمانًا، نسبيًّا، وهذا الانتقال من مكان إلى مكان هو موقف أخلاقي، الغاية منه النجاة بروحه وبأرواح زوجته «نوال» وابنه الصغير «إسماعيل» وابنته طالبة كلية الحقوق «سمر»، وليس هربًا، وهو موقفٌ حُرٌّ، اتّخذه «نبيل» بكامل إرادته، وقد يقال إن سقوط القذائف اضطرَّه إلى النزوح، ولكن هذا التفسير ظاهري، وفي الحقيقة لم يُجْبِرْه عليه أحد، فقد ظلَّ أكثر سكان حي الأشرفية في الحيِ نفسه، ولم ينزحوا، ولم يُجبرهم أحد على النزوح، سواء في الواقع الفني في الرواية، أو في الواقع الحقيقي.
وفي الشقة المفروشة المستأجَرة التي انتقل إليها «نبيل» مع أسرته في حي محطة بغداد يعثر على صندوق خلف لوحة معلقة على أحد الجدران، وفي الصندوق ليرات ذهبية، وكان «أبو مروان» صاحب الشقة قد تُوُفِّيَ قبل أن يُخْبِرَ ابنه بقصة الصندوق، وأجَّر الابنُ الشقة بما فيها مِن أثاث مِن غير أن يعرف شيئًا عن اللوحة، ولا عن الصندوق، وينام «نبيل» ليلته وقد اتَّخذ قرارًا بإبلاغ «مروان» عن الصندوق والليرات الذهبية، وهو قرار إيجابي، يستند فيه إلى قِيمه وأخلاقه، وكان الفاعل، على مستوى القرار على الأقل، ولم يكن المنفعل، أي لم يتمكن المكان، وهو الصندوق والذهب، من إغرائه بتملك الليرات الذهبية وبيعها.
*
وهنا يبرز دور زوجته «نوال»، فقد سبقته في الصباح إلى الصندوق، وحملت الليرات الذهبية، وباعت قسمًا منها وأسرعت إلى شراء أثاثَ غرفتين فاخرتين، إحداهما للنوم، والأخرى للجلوس، من أفخم محلات بيع الأثاث في حي الجميلية بحلب، وأسرعت إلى نقلهما إلى الشقة قبل أن ينصرف زوجها من عمله.
إن إغواء الليرات الذهبية يعني في الظاهر تأثير المكان في الإنسان، وهو تأثير صحيح، ولكن الفعل الذي قامت به المرأة هو دليل على أنها هي الفاعل، ويؤكد ذلك ما تبعه من سلسلة أفعال: وهي شراؤها أثاث غرفتين، والإسراع بحملهما إلى الشقة.
ويُذْهَلُ الزوج أمام ما حصل، ويُصاب على الفور بشلل نصفي، ويُحْمَل ليُمَدَّد على السرير الجديد في غرفة النوم الجديدة الفاخرة، ولكنه سرعان ما يرفض، ويتخذ قرارًا آخر، وهو الانتقال إلى غرفة ابنته «سمر»، لينام فوق الأرض على فراش من اسفنج، مُؤْثِرًا غرفة الابنة واهتمامَها به، على غرفة الزوجة ورعايتِها له، وهو قرار يستند فيه إلى قِيَمِه ومبادئه وأخلاقه.
*
وتنطلق «نوال» في مواقفها الفاعلة في المكان، والمؤثِّرة فيه، بما تملك من قوة المال، ودوافع الأهواء ونوازع الرغبات، لا بما تملك من أسس القيم والمبادئ، إذ تُعجب بالبائع في محل «النعيم» لبيع المفروشات، حيث اشترت أثاث الغرفتين، واسمه «ماهر»، وهو رجل في الأربعين، لا يخلو من وسامة وجاذبية، وتظنُّه صاحب المحل، ولم يكن في الحقيقة إلا أجيرًا، فتعرض عليه أن يفتتح محلًّا جديدًا، وسرعان ما تزوّده بالمال، وتكون شريكة له في افتتاح محل لبيع المفروشات في حي الجابرية.
ومن أشكال فعلها في المكان وتأثيرها فيه جرأتُها على استقبال «ماهر» في مقرِّ عملها في المصرف، أمام زميلاتها، والاستعداد للقائه بكامل زينتها وتشوُّفها إلى لقائه، وبكل ما في نفسها من أشواق ولواعج، لإبرام صفقة افتتاح محل في الجابرية.
ثم يمتد تأثيرها في المكان، ويزداد، بل يطغى إذ تعرض على صاحب المولِّدة للكهرباء القريبة من الشقة في حي محطة بغداد شراءَ مولدة ثانية بمالِها، وتشترط عليه ألّا يُخْبِر أحدًا، وهي بذلك تستعين بالمال للفعل في المكان والتصرف وفق أهوائها ورغباتها، ولكن سرعان ما تنزل قذيفة، وتصاب المولدة بأضرار كبيرة، وتضطر إلى بيعها بخسارة، ولا تريد أن يعرف بذلك أحد.
وكان «ماهر» قد أعانها على نقل أثاث الغرفتين من محله إلى الشقة في حي محطة بغداد بالتعاون مع المُقَدَّم «أحمد أبو يزن» رئيس الحاجز الأمني في تلك المنطقة، و«ماهر» من أعوانه، بحكم المصلحة المتبادلة بينهما، فسمح لها المقدم بمرور أثاث الغرفتين، إذ كانت الأوامر حينئذ تقتضي أخذ موافقة المحافظ على نقل أي أثاث، حتى لوكان قديمًا، وينشأ بين «نوال» وبين المقدم تعارفٌ وشيء من مودة سطحية، وهي تعتزّ بذلك، وتراه مزيدًا من امتلاك القوة والقدرة على الفعل، وهذا من غير شك بإرادتها، وهو نوع من الفاعلية أيضًا، والتأثير في المكان.
وتتردَّد «نوال» على محل المفروشات في حي الجابرية، وتتفقَّد الوضع العام للمحل بوجود «ماهر»، ولا يَخْفى إعجابُها به، كما لا يخفى رغبته في النيل منها، وفي بعض الزيارات يحضر المقدّم «أحمد أبو يزن»، بدعوة مُسَبَّقَةٍ مِن «ماهر»، وفي نيته أن يقدم له «نوال»، ثم تكتشف أنه لم يكن مالكًا للمحل في الجميلية، وإنما كان أجيرًا، وتمضي إليه لتوبخه وتوجِّه إليه الكلمات القاسية، خلاف ما كانت تشعر به نحوه من إعجاب، ويقرِّر الانتقام منها، فيُخبر «ماهر» المقدّم أن «نوال» معجبة به، وأنه سيهيئ له جو الخلو بها في المحل، ويدعوه إلى زيارته، ويجتمع الثلاثة في محل بيع المفروشات في حي الجابرية، وسرعان ما يغادر «ماهر» المحل، ليترك «نوال» والمقدم وحيدين، وما يلبث المقدم أن يدنو من «نوال»، ويهمّ بعناقها وتقبيلها، ولكنها تأبى، وتتمنَّع، ويزداد اندفاع المقدَّم، لكنها تزداد حدة في مواجهته، فيخرج غاضبًا وهو يهدِّدها ويُوعِدُها بالانتقام.
وواضِحٌ فِعْلُ «ماهر» في المحل، وتأثيره فيه، فالمحل لبيع المفروشات، ولكنّه يحوّله إلى فضاء لابتزاز «نوال» وخداعها، ثم يحوِّله إلى فضاء يجمعها فيه مع المقدّم، لتقع بين براثن شهوته، والمقدم يفعل في المكان ويؤثر فيه، ويحوِّله إلى فضاء يريد أن ينال فيه المرأة، وكلٌّ من الرجلين يؤُّثِّران في المكان ويشوّهانه بدوافع من نزواتهما، حتى إن الناس يتجمَّعون أم المحل ويشهدون ما جرى، ويتحوّل المحل أمامَهم من حال إلى حال.
وقد مارست «نوال» في محل المفروشات تأثيرها، حيث دافعت عن شرفها، وتمسَّكَتْ بالقيم والأخلاق، ولم تخضع لنزوات المقدَّم وأهوائه، على الرغم من قسوته ووحشيته، وبذلك تنطلق نوال هذه المرة من القيم والأخلاق.
وتأبى «نوال» إلا أن يكون لها فعلُها وتأثيرها في المكان، وتأبى التسليم لشريكها «ماهر»، وهي التي دفعت له ثمن المفروشات، وتمضي إليه في المحل، لتلومه على توريطها في لقاء مع المقدم، ولتطالبه بثمن ما باع، وهو لم يبع شيئًا، وتكشف عن زيفه وخداعه، بإرادة فردية، وهنا يتحول المكان إلى فضاء لأخذ الحق، وتأكيد الشرف، ويواجهها «ماهر» بصلافة وحدّة وشراسة، تصل إلى حدِّ العنف، إذ يرفسها بقدمه، ويرميها أرضًا، فتستلُّ سكينًا، وتهجم عليه، ويمسك بيدها، وبعد صراع يغرس السكين في خاصرتها، ويتركها تنزف، ويهرب، وهكذا يتحول المكان بإرادة من «نوال» ومن «ماهر» إلى فضاء للصراع الجسدي المباشر، وتصبح «نوال» ضحية، ويصبح «ماهر» مجرمًا هاربًا.
لا شك في أن الانفعال هو الذي قاد كلًّا من «نوال» و«ماهر» إلى هذه الأفعال، ولكن لا يمكن القول إن المكان هو الذي أثّر في «ماهر» وفي «نوال»، فلا ضيقُ المكان دفعهما إلى الصراع، ولا رحابتُه، فهما اللذان أثَّرا في المكان، وحوَّلاه من مكان محايد، بل من مكان للبيع والشراء، إلى فضاء للصراع والجريمة، ولا يمكن إيقاع اللوم ولا العقاب على المكان، ولا تبرير الأفعال بالانفعالات.
وكان بإمكان «نوال» أن ترفع شكوى ضد ماهر، على الأقل، من أجل المحل، وبينها وبينه عقد موقَّع ومثبَّت عند المحامي، وكان بإمكانها رفع دعوى على الضابط نفسه، ولديها شهود من أهل الحي، ومن هنا تبدو المسؤولية واقعة عليها هي، فهي المسؤولة عن أفعالها، ولا يمكن إيقاع المسؤولية على المكان.
*
وعلى الطرف الآخر من حي الجابرية وحي محطة بغداد، ثمة مكانٌ آخر، هو مقصف الجامعة، وهو مكان لاستراحة الطلاب بين المحاضرات، وفيه تلتقي «سمر» زميلها «فادي»، ويحولان المكان إلى فضاء يتبادلان فيه العواطف والمشاعر، وهو يَعِدُها بالزواج، وهنا تظهر قدرة كل منهما على الفعل في المكان، بإرادة حرَّة، وتحويلِه إلى فضاء للحب، ولكن قد يتحول المقصف نفسه أحيانًا إلى فضاء للعتاب والغيرة، والملل والفتور، أو للألم والحزن، إذ يتخرج «فادي» ويقرِّر الالتحاق بالخدمة الإلزامية في الجيش، وهكذا يستند كلٌّ مِن «فادي» و«سمر» إلى قيمة الحب، وهي قيمة عليا، عمادها بناء الحياة، لأنها تبني الإنسان، وتعيد خلقه، وتجمعه مع الآخر، لخلْقِ حياة جديدة، بخلاف قُوى القتال والصراع والحرب والدمار.
*
إن المقدم «أحمد أبو يزن» مكلف برئاسة حاجز في حي محطة بغداد، مِثْلُه مِثْلُ حواجز كثيرة نُصِبَتْ في أحياء المدينة، الكبيرة والصغيرة، بدعوى التصدي للمعارضة وحماية المواطن، وإذا بهذه الحواجز تتحول، في الواقع التاريخي في سورية، وفي الواقع الفني في الرواية، إلى مواقع لسلب المواطنين أموالهم، بطرق وأشكال مختلفة، واعتقالهم، بسبب ومن غير سبب، وترويعهم وتخويفهم، وتتحول الحواجز إلى فخاخ لاصطياد النساء، وهتك الأعراض، باسم النظام، وهذا ما يفعله الضابط المقدم «أحمد أبو يزن» في المكان، ويحوّله إلى فضاء للنهب والقتل والاصطياد، وهو في الأصل مكان اصطنع بدعوى محاربة الإرهاب وحماية المواطن والدفاع عن الوطن، وكذلك يريد الضابط نفسه تحويل محل بيع المفروشات إلى فضاء يحقق فيه نزواته وينال من المرأة، وحين يعجز، يحول المكان إلى فضاء للإهانة والتهديد والوعيد.
*
وتجد «نوال» نفسها في مشفى الرازي، بعد أن طعنها «ماهر» بالسكين في خاصرتها، وإلى جوارها ابنتها، فتعترف لها بكل شيء، ويحاول أحد عناصر المقدم «أحمد» اقتحام غرفة المشفى للانتقام من «نوال»، وتحويل المشفى إلى فضاء للجريمة، ولكن الممرضة تمنعه من الدخول إلى غرفة العناية المشددة، وبعد بضعة أيام، تخرج «نوال» من مشفى الرازي، وهي تتوكأ على ابنتها، وتهمُّ بالدخول إلى سيارة أجرة، والقذائف تتساقط من حولها، وإذا بسيارة عسكرية تصدم سيارة الأجرة عن قَصْد، قبل أن تدخل فيها «نوال»، فتسقط على الأرض، ويرتطم رأسها بحافة الرصيف، وتصاب بكسور بالغة، وتُعاد فورًا إلى مشفى الرازي، وهي في حالة غيبوبة، وتهرب السيارة العسكرية، ومن نافذتها يمد رجلان رأسيهما يضحكان شامتين، وهما من غير شك من رجال المقدّم، وهكذا يتحول المكان قرب الرازي، من مكان للإسعاف، إلى فضاء للقتل والانتقام، والفاعل في المكان قوة عسكرية، مهمتها الحفاظ على أرض الوطن، ليكون وطنًا يحمي الجميع، ولكن القوة العسكرية تحوِّل الوطن كله إلى فضاء للقتل.
*
وهنا لا بد من ربط الأجزاء بالكل، لا بد من رؤية العلاقات بين العناصر والمكوِّنات، لا بد من نظرة كلية شاملة، لمعرفة الفاعل الأكبر في المكان، وهو الوطن، وقد تحول من وطن يعيش فيه المواطن بأمان، إلى فضاء للحرب، المدينة تقسم إلى قسمين، شرقي وغربي، شرقي للمعارضة، وللتدمير والتهجير، وغربي خاضع للنظام، وإن كان سكانه ناقمين على النظام، ولكن ليس بوسعهم فعل شيء، ويظهر مكان آخر في المدينة، في الواقع الفني في الرواية، وفي الواقع الحقيقي والتاريخي في حلب، هو جسر صغير، فوق نهر صغير، ويتحول الجسر مِن مَعْبَرٍ للحياة، إلى فضاء للموت، يطلّ عليه القناصون، يقنصون العابرين، الذين يبحثون عن الحياة، وإذا بالجسر يتحول إلى فضاء للقنص والموت، موت مواطنين أبرياء، وقد تحوّلت المدينة إلى أحياء مقطعة، أو أشلاء تمزّقها الحواجز فوق الأرض، وتدمّرها الطائرات بالحاويات والقذائف من السماء، وهكذا يتحول الوطن المكان إلى فضاء لقتل المدنيين وقهرهم وسلبهم الحياة.
*
في هذا الفضاء، الذي صنعه النظام بين عام 2011 وعام 2024، يتحرك أبطال الرواية، بعضهم ينسى القيم والأخلاق والمبادئ، ويندفع وراء الأهواء والنزوات والمكاسب، تدفعهم قوة المال، أو قوة التسلط، أو قوة العلاقات الشخصية مع الأشرار، أو قوة الغرائز، فيحولون المكان إلى فضاءات للعراك والصراع والانتقام والقتل.
ولكن في هذا الفضاء أيضًا أفرادٌ يتمسكون بالقيم والأخلاق والمبادئ، فالأب والزوج «نبيل» يرفض الرشوة، ويرفض النوم في سرير تم شراؤه بمال مسروق، ويرفض العيش مع زوجة شريرة، على الرغم من حاجته إليها، ونصفه الأيسر مشلول، ويأوي إلى ابنته، يلجأ إليها، ليجد عندها السكينة والأمان، ويقرر أن يعيد المال إلى صاحبه الذي يستحقه.
هذا الرجل المطعون في جسده، وفي بيته، وفي شرفه، وفي حياته، يتحامل على نفسه، وينهض، ويسرع إلى مشفى الرازي، عندما يعلم من ابنته أن زوجته في مشفى الرازي في حالة غيبوبة، بعد أن ضربتها عن عمد سيارة وسقطت، وارتطم رأسها بحافة الرصيف، ويدخل إلى المشفى، لتجد فيه ابنته السند القوي، والجدار المتين الذي تستند إليه، لا لأنه الأب فحسب، بل لأنه المتمسّك بالقيم والمبادئ والأخلاق، وهو يسألها إن كانت زوجته قد وافقت قبل إصابتها على إعادة ما تبقى من مال إلى صاحبه، وهو يخبرها أنه قرر العودة إلى داره في الأشرفية، فقد مرّت سنة، وانتهى عَقْد الإيجار.
وهكذا ينهض «نبيل» قُبَيل نهاية الرواية، ويُشفَى تقريبًا من الشلل النصفي، وتسقط «نوال» على الرصيف، ويحطم رأسها، الذي طالما دفعها إلى اختراق الأماكن والفعل فيها فِعْلَ الأشرار، ينهض الزوج الأب، وتسقط الزوجة الأم، لا لأن هذه امرأة، ولا لأن ذاك رجل، ولكن لأن أحدهما قرّر فعل الخير في المكان، وكان موقفه من المكان موقف خير وشرف، ولأن الآخر كان موقفه من المكان موقفَ شر، يستند فيه إلى جشع وخيانة للمبادئ.
ولا شك، سيظهر مَنْ يبحث عن مبررات نفسية وعاطفية وانفعالية لأفعال الإنسان في المكان، ولكنها مبررات واهنة، قد تخفِّف من العقوبة قانونيًّا، ولكنها لا تلغيها، وقد تخفِّف من العقوبة طبيعيًّا، ولكنها أيضًا لا تلغيها، فلا بد من جزاء وفق العمل، إن «نوال» التي تحبُّ نَوَالَ كلِّ شيء، ويقودها عقلها إلى الحَوْزِ والأخذ والفعل تسقط على حافة الرصيف، ويتحطم رأسها الذي فكَّر، وإن كان سقوطها بفعل فاعل، فهو جزاء، هذه هي قوانين الحياة، ولا نجد تفسيرًا آخر، مع التحرُّز، وهو جزاء فِعْلٍ قامت به «نوال»، وليس عقابًا لشخص «نوال» لأنها امرأة، ولو كان الفاعل رجلًا، لتلقّى الجزاء نفسه.
ولن نكرر القول في شفاء الرجل، ونهوضه، وتحديه الشلل، فهو المتمسك بالقيم، ويستند إليها، كاستناده إلى العصا التي يتوكأ عليها، ولا ضير، وهو حقيقة نبيل، كاسمه، وهذا النهوض هو نهوض مَنْ يستحق النهوض، لا لأنه رجل، بل لأنه يستحق النهوض والشفاء، لأنه قرَّر أن يعيد المال إلى صاحبه، ولو فعلت امرأةٌ مثلما فعل، لنهضت مثله، والأمر لا يتعلق برجل أو امرأة، إنما يتعلق بموقف، ومبدأ وفعل وإرادة.
*
وفي قصة للكاتب «نجيب محفوظ» يلقى رجلٌ الجزاء نفسه، وعنوان القصة «يوم حافل»، في مجموعة عنوانها: (بيت سيِّئ السمعة)، وفي القصة يخرج موظف كبير من بيته، تاركًا زوجته مع ابنه المصاب بالحُمَّى، وإذ تطلب منه زوجته مساعدة أرملة موظف كان عنده في المديرية، يرفض، ويمضي في سيارته الحكومية، وهو يستطلع صفحة الموتى في جريدة الصباح، آملًا أن يقرأ اسم خصم له مرشح للانتخابات، ثم يطلب من سائقه أن يسرع به إلى صديق صحفي، ليسلّمه وثائق يطلب منه نشرها في جريدته، لتفضح خصمًا آخر مرشَّحًا مثله للانتخابات، ثم يلتقي في المقهى محاميًا يعرض عليه الصلح مع قريب له، فيأبى، وفي العمل يستفزّ أحد زملائه، يريد إثارته، وهو يعرف أنه مصاب بتصلب الشرايين، متمنيًا أن يصاب بجلطة، وبعد الانصراف من العمل يتصل بعشيقته، ويطلب منها أن تستعد للقائه في شقة خصَّصها لها، ويدخل محلًّا ليشتري لها شبشبًا، وهو ما نسميه شحاطة، بدلًا من أن يشتري لها الزهور، وهي زوجة صديق له في النادي، ويركن سيارته، ويمضي على الرصيف مستعجلًا، ويرى ولدًا صغيرًا، يبول بين السيارات على قارعة الطريق، فيلتفت إليه، ويشتمه، ولكن تَزِلُّ قدمُه، ويسقط على الطريق، فوق البول، ويصطدم رأسه بحافة الرصيف، فإذا هو جثة هامدة.
ولا نزعم أن الرواية متأثرة بقصة نجيب محفوظ، ولكن نزعم أن هذه النهاية هي جزاء طبيعي لمن يستعمل عقله لإلحاق الأذى بالآخرين، كي يحظى وحده بكل شيء، فلا بد من أن يتحطم رأسه ذات يوم، جزاءً وفاقًا.
*
وفي الحقيقة يظل الإنسان مسؤولًا عن فعله، أيًّا كانت الظروف أو الأسباب أو الدوافع، فهو مسؤول عن فعله حتى في المعركة، فهو يملك السبب والدافع والإرادة، وهو مسؤول حتى عن هذه الدوافع والأسباب، ولا تسوِّغ الظروفُ الفعل، وهي تُتَّخَذ لتخفيف الحكم، ولكنها لا تسقط عن الفعل صفته، ذَنْبًا أو جريمة، ولا تُسْقِطُ عن الفاعل صفته، مذنبًا أو مجرمًا، وما يشاع في بعض الجرائم من أن الفاعل مجنون أو معتوه أو في حالة سكر، لا يُلغي الفعل، ولا يسقط عنه صفة جريمة، ولا يعفي الفاعل من العقاب، ولو في الحد الأدنى، وإن هي إلا أسباب واهية، ويظل الإنسان في الحالات كلِّها مسؤولًا عن أفعاله كلِّها، أيًّا كانتْ هذه الأفعال.
وتبدو اللوحة في الظاهر سبب المشكلة في الرواية، وقد جاء ذِكْرُها في العنوان: (لوحة تحت الرماد)، وكانت اللوحة حقيقة مثل جمر تحت الرماد، سرعان ما اشتعل واتَّقد، لمجرد تحريك الرماد، وأصبح نارًا أحرقت الجميع، بل دمَّرَتْهم، وكان العنوان مناسبًا للرواية كلَّ المناسبة، وهو عنوان واضح ودالٌّ، ودلالته بيّنة، ولا يخلو من إيحاءات، ولكن لا يمكن أن تكون المشكلة كلها في اللوحة، بل كانت المشكلة في الإنسان، وما اللوحة إلا مفتاح، بل كانت المشكلة في المدينة التي دمّرها الإنسان، بل النظام الذي تمثَّل في فرد.
*
وتنتهي الرواية بمقتل الحب، ففي مشفى الرازي، و«سمر» بجوار أبيها، تنتظر رأي الطبيب في الصورة الشعاعية لرأس أمها، وأمها ما تزال في غيبوبة، يرن هاتف «سمر»، والرنين هو رنين حبيبها «فادي»، فتفرح، لعله يأتي ليكون إلى جانبها، «ولكنها لم تسمع سوى صوتٍ رجوليٍّ خَشِنٍ، وهو يزِفُّ لها نبأً، سيفجعها طول العمر، تهوي بعد سماعه مغشية على الأرض، بلا حَرَاك»”، بهذه الكلمات تنتهي الرواية، لتدل على مقتل «فادي».
هذه هي حقيقة الحب الذي تحطم في قلوب كثير من الصبايا، فإما أن يلتحق الشباب بالخدمة في الجيش، فيقتلوا أو يبقوا تسع سنوات، حتى يُسَرّحُوا، وإما أن يهاجروا، وثمة آخرون كثيرون في السجون والمعتقلات، وتظل الصبايا ينتظرن الذي يأتي ولا يأتي.
*
وهكذا تتبدَّى علاقة الإنسان بالمكان، فالمكان محايد، ولا مسؤولية للمكان عن فعل الإنسان، فالإنسان هو الذي يحوّل الغرفة والشارع والمدينة والوطن إلى جحيم، أو يحول الوطن كلّه إلى جنة فيها الحب والخير والصدق والحق والعدل والجمال، ليس فيها أي شيء مما يدمر الإنسان، بل فيها كل ما يبني الإنسان.
وليس المرجع في ذلك إلى العقل وحده، فقد يقود التفكير إلى ابتكار أساليب للقتل والتدمير، مثلما قد يقود إلى طرق للبناء والتعمير، ولذلك كان لا بدَّ مِن وَضْعِ الضوابط والتشريعات والقوانين، ويبدو أنها وحدها غير كافية، ولذلك كان لا بدَّ أيضًا من الاحتكام إلى المبادئ والأخلاق والقيم، ومرجعها إلى الإيمان بالله، واتقاء غضبه، وابتغاء مرضاته، واجتناب ما نهى عنه، والأخذ بما أمر به، ولذلك كرَّر المولى عز وجل خمس مرات في محكم التنزيل خطاب البشر بقوله: (ولا تَعْثَوْا في الْأَرْضِ مُفْسِدِين)، وفي هذا ما يؤكد حياد الأرض، ومسؤولية الإنسان، ولكن على ما يبدو ستظل مسؤولية الإنسان مترجِّحة بين إعمار وإفساد، وسيظل الصراع قائمًا، ولن تكون الغلبة المطلقة لأحد الجانبين، وسيظل الأدباء يكتبون.
*
لقد كانت الرواية واقعية، وقد عبَّرت عن بعض الجوانب مما عانى الشعب في سورية في تلك المرحلة، وقد عانى الشعب ما هو أكثر وأقوى وأبشع، وما يميز واقعية الرواية أنها لم تكن مباشرة، ولا تقريرية، ولا تسجيلية، ولم تقع في المبالغة ولا التهويل، بل كانت مخلصة للفن، ووفيَّةً للواقع، وكانت مشوقة وغنية بالبعد الإنساني.
وحين يذكر المرء أن الرواية هي العمل الأول لمؤلفها المهندس باسل خليل، يمكنه القول عندئذ إن الرواية ناجحة بأدق المعايير الفنية، فضلًا عن كونها مشوقة وممتعة.



