
حين تصير المعرفة جرحًا.. نزهة في مذكرات عبد أمريكي
ليست المعرفة دائمًا نعمة هادئة؛ أحيانًا تجني على صاحبها وتكون جرحًا مفتوحًا، يكشف ولا يداوي. في مذكرات عبد أمريكي يكتب فريدريك دوجلاس: «التعليم يفسد أفضل زنجي في العالم … لأنه يجعله غير صالح لأن يكون عبدًا»، ويعترف في موضع آخر بأن القراءة «فتحت عينيه على بؤسه دون أن تمنحه طريق الخلاص» بل زادت من معاناته.
من هنا تبدأ هذه النزهة المليئة بالأشواك وبعض الزهور؛ لا في تاريخ العبودية، بل في الألم الذي تسببت به هذه المعرفة الذي كان يعتقد أنها تقوده للحرية.
مذكرات عبد أمريكي ليست سيرة فردٍ خرج من الرق، بل شهادة عقلٍ اكتشف أن العبودية لا تبدأ بالسوط، بل بطمس الوعي.
الألم الحسي يبرأ؛ لكن الألم الحقيقي هو ألم الوعي، كتبها فريدريك دوجلاس في أربعينيات القرن التاسع عشر، فكانت اعترافًا قاسيًا بأن أول ما يُسلب من العبد ليس حريته الجسدية، بل حقه في السؤال: من أنا؟ ومتى وُلدت؟ ولم يعلم أنها أسئلة محرمة على السود!!
جهل الميلاد عند دوجلاس لم يكن تفصيلًا عابرًا، أعمار السود ليست موثقة بتاريخ، بل بحدث يناسب فئة دون أخرى؛ لأن هذا الطمس يناسبهم.
في هذه المذكرات تتكشف وحشية العبودية لا في الجلد وحده، بل في تفكيك الروابط الأولى: طفل يُفصل عن أمه ليُقتل الحنان في الاثنين معًا، وأبٌ أبيض يملك ابنه الأسود، فتتضاعف القسوة حين تختلط السلطة بالدم. هنا لا يُجلد الجسد فقط، بل تُجلد الفطرة.
ويخطئ من يظن أن غناء العبيد (الطرب) دليل رضا؛ فدوجلاس يقلب المعنى رأسًا على عقب: الغناء عندهم صدى الألم، وبكاءٌ مقنّع، يخففون به وطأة القهر. وهو ما يلتقي، على نحوٍ عجيب، مع ما تنبه له طه حسين حين رأى أن الصوت الحزين قد يُفهم خطًا بوصفه مرحًا، بينما هو في حقيقته ترجمان اللوعة واليأس.
تكشف المذكرات كذلك مفارقة الصمت؛ كيف يُجبر العبد على مدح سيده، لا حبًا فيه، بل اتقاءً للعقاب. فالصدق هنا جريمة، والقول البسيط قد يؤدي إلى البيع، أي إلى موتٍ اجتماعي لا رجعة منه. ومن شدة القهر، يتعصب العبيد لأسيادهم، ويتقاتلون دفاعًا عن «فضل» من يسحقهم، حتى يصير الانتماء إلى القيد عزاءً أخيرًا. هنا حالة غريبة كيف يعود العبد إلى جلاّده!.
لكن اللحظة المفصلية في هذه السيرة هي القراءة. التعليم، الذي حذّر منه السادة بوصفه خطرًا، كان هو الخطر الحقيقي على العبودية. القراءة لم تمنح دوجلاس سكينة، بل منحته وعيًا مؤلمًا: وكأنه يقول لنفسه (ليتني لم اقرأ أو أتعلم أو أفك الحرف)؛ لأنها كشفت له المستنقع دون أن تعطيه سلّم الخروج. ومع ذلك، كانت الشرارة التي لا تنطفئ. فمن كلمة قاسية قالها سيده، وُلد القرار: أن المعرفة هي طريق الحرية، ولو أحرقت صاحبها من الداخل.
وحين انكسرت روحه تحت القهر، أعادته المقاومة إلى نفسه. الدفاع عن الكرامة، ولو مرة، أعاد إليه معنى الرجولة، وأيقظ فكرة الحرية من رمادها. ومن هنا لم يعد التعليم خلاصًا فرديًا، بل فعلًا جماعيًا؛ مدرسة سرية للعبيد، تُدرَّس فيها الحروف كما تُدرَّس الكرامة، ويُتداول فيها الأمل همسًا.
مذكرات دوجلاس تقول في جوهرها: إن العبد القانع هو العبد الذي لا يفكر، وإن تحسين شروط العبودية لا يصنع رضا، بل
يضاعف الشوق إلى الحرية. وهي تذكير قاسٍ بأن أكثر القيود إحكامًا هي تلك التي تُلبس باسم الدين، أو تُزيَّن باسم النظام، أو تُحمى بالخوف.
إنها سيرة إنسان تعلّم أن الطريق إلى الحرية يبدأ من حرف، وأن أخطر ما في القراءة أنها لا تتركك عبدًا، حتى لو بقيت في الأغلال.
ليست العبودية، في جوهرها، قيدًا من حديد، بل نظامًا متقنًا لإدارة الجهل. فالسوط لا يعمل وحده، وإنما يحتاج إلى عقلٍ فارغ من العلم والسؤال، نحتاج لعقل مطيع متبع، ونفسٍ اعتادت الصمت وحولته العذابات إلى صبر وحكمة، ولهذا خاف السادة من القراءة؛ لأنها الشرارة التي تذكي العقول وتكسر القيود، وتتفكك حلقات سلسة العبودية.
القراءة عند دوجلاس عذابًا بقدر ما كانت خلاصًا؛ إذ كشفت له البؤس دون أن تعطيه مفاتيح النجاة فورًا. لكن هذا العذاب هو الثمن للحرية والانطلاق.
الحرية، بهذا المعنى، ليست حدثًا خارجيًا، بل تحوّلًا داخليًا يسبق كل هروب كفى خنوعًا وصمتًا وحكمة تضع القيود على أفواهنا.
وتبقى الطامة الكبرى أن الظالم يشعر بالخطر أكثر من المظلوم؛ فالسيد الذي قال إن التعليم يفسد العبد، لم يكن مخطئًا، بل كان صادقًا على غير قصد. نعم، التعليم يفسد العبودية، لأنه يعلّم الإنسان أن يرى نفسه إنسانًا، وهذه هي الجريمة التي لا يغفرها أي نظام قائم على القهر.
هكذا تخرج مذكرات دوجلاس من كونها سردًا تاريخيًا، لتصبح درسًا فلسفيًا دائمًا: أن أخطر التصورات تلك التي تبدأ في العقل وتتبلور فيه، طريق الحرية ليس كسر السلاسل والقيود، بل كسر التصورات التي تجعل السلاسل مقبولة. الوعي والعلم سبك لك مفاتيح الحرية.



