العدد الحاليالعدد رقم 47ثقافات

الهرمنيوطيقا وجدل العلاقة بين المؤلف والنص

تجد للنص المكتوب فهومًا مختلفة؛ إما أنه يؤخذ على عوائنه وظاهره، أو يؤول ليستقيم المعنى ويحقق الإدراك، وحينها يمكن لمعنى النص الذي يقصده المؤلف أن يتجاوز عمق النص، ويغيب معناه حالة التسطيح، فيفقد النص غائيته، وينقلب إلى غير مآله. أي إن النص بين يدي القارئ؛ إما أن يقرؤ في حدود ظاهره ولا يحمّل أكثر مما يحتمل، أو أن يؤول عن ظاهره، وهو ما يعرف بالهرمينوطيقا، وهنا يمكن وقوع الانحراف عن المعنى المقصود من قبل كاتبه، فيقع التوهم في إسناد النص لغير مقصده. إن تأويل النص غير المستوعب أو النص الخارج عن الفهم والإدراك إلى نص مدرك ومستقيم المعنى؛ هنا فقط يمكن اعتماد التأويل، وليس القصد منه التأويل لروح النص لغير وجهته، فهذا هو التأويل المصلحي، فيتم العبث بالنص وتحريفه عن حقيقة أصله، فيتحول النص إلى نص مجهول البيان، منحرف الكيان، وفن فهم النص يحتاج إلى مجموعة من القواعد يجب توظيفها ومنها؛ أن يقرأ النص بأدوات عصر صاحبه وإدراك بيانه وأدواته لغته، لأن تأويل النص في حقيقته يبقى في حدود الفهم الشخصي، ولا يمكن اعتباره حكرًا لحقيقته.

الهرمينوطيقا المفهوم والجذر التاريخي

تتضمن كلمة hermeneutique بالإغريقية hermeneutike في اشتقاقها اللغوي tekne’ التي تحيل إلى الفن بمعنى الاستعمال التقني لآليات ووسائل لغوية ومنطقية وتصويرية ورمزية واستعارية، وبما أن الفن كآلية لا ينفك عن الغائية teleology فإن الهدف الذي لأجله تجند هذه الوسائل والتقنيات هو الكشف عن حقيقة شيء ما. وتنطبق جملة هذه الوسائل على النصوص، والتأويل عبارة عن فن كما يذهب شلایر ماخر؛ بمعنى الاشتغال على النصوص. والهرمنيوطيقا هي نظرية في التأويل؛ بمعنى تأويل فلسفي وفكر فينومينولوجي حول نشاط علمي يتخذ طابع التفسير، والتأويل هو إيضاح مقاطع غامضة وغير مستوعبة من النصوص، لأن المعنى الواضح لا يحتاج إلى تفسير أو تأويل، والهرمنيوطيقا محاولة لتفسير النص أو كما قال جادامير Gadamer حل إشكالية الفهم بحصر المعنى ومحاولة الإحاطة به بواسطة تقنية ما، فمبادئ الهرمينوطيقا توضح الطرق إلى نظرية عامة في الفهم، أو هي تفسير النصوص، وهكذا تعني علم أو «فن التأويل». إن كلمة هيرمينوطيقا Hermeneutics هي التعبير الإنجليزي للكلمة اليونانية الكلاسيكية Hermeneus، وتعني المفسر أو الشارح1.

وللهرمنيوطيقا جذر تاريخي يطول شرحه، ويصعب تحديد أصوله الأولى في الثقافة الغربية، أو في ارتحاله إلى الثقافة العربية، بفعل النقل والترجمة. ونختصره في الدلالة الجديدة للمصطلح، التي تحمل في طياتها المنهج اللغوي، أو علم الإدراك اللغوي، وهو المجال الذي تُصنف فيه الهرمنيوطيقا ضمن الدراسات الأدبية، وقد تطوّر هذا المصطلح ضمن هذه الدائرة تبعًا لتطور علم اللغة الحديث، ويبدو أن الهرمنيوطيقا إلى هذا المستوى من الدلالة، لا تؤسس لأي معنى فلسفي، إلا إذا اتسع المصطلح إلى دلالة جديدة تدخله في دائرة البحث الفلسفي، وهذا ما بدأت بوادره مع شلاير ماخر (1728-1834)، الذي جعل الفهم في مركز الممارسة الهرمنيوطيقية، عندما عرفها بـ«فن امتلاك كل الشروط الضرورية للفهم»2، وبذلك يرجع إليه الفضل في تأسيس الهرمنيوطيقا الحديثة، بعد أن جعلها ذات دلالة منهجية تؤسس لنظرية الفهم الصحيح، ليس للنص الديني فحسب؛ وإنما النص في كل أبعاده الاجتماعية، والسياسية والقانونية والتاريخية، والفلسفية والأدبية3.

أفضت نشأة الهرمنيوطيقا، في مجال النص الديني، إلى إحياء دراسة النصوص الكلاسيكية اليونانية والرومانية في عصر النهضة، فنشأت مناهج فيلولوجية نقدية من أجل الكشف عن مدى أصالة النص. أما فلاسفة التنوير فقد حصروها في مجال المنطق. فقد انشغل كرستيان فولف Christian Wolff، أعظم فلاسفة التنوير، في كتابه (المنطق) بقضايا هرمنيوطيقية في كثير من الفصول. فثمة فصل عن قراءة الكتب التاريخية، وآخر عن تأويل الكتاب المقدس، وجميعها تدور على أحكام نقدية لمعرفة مقصد المؤلف، ومدى توفيقه في التعبير عن مقصده. ولهذا فإن معنى النص لا قيمة له عند المؤلف، وإنما القيمة في سلامة العبارات، التي توصل إلى المعنى. فإذا كان النص غامضًا، فمعنى ذلك فشل المؤلف في الاستخدام الصحيح للغة، وفي تأسيس البناء الملائم للحجة. وكل هذه أمور نسبية تعبر عن وجهات نظر ليس إلا. ومن هنا فإن الهرمنيوطيقا تدخل في علاقة عضوية مع نفى الدوجماطيقية de-dogmatization الأمر الذي يمتنع توهم احتكار الحقيقة المطلقة4.

صحيح أن الهرمنيوطيقا تؤمن بالنص المنفتح على معطيات غير منتهية، ولكنها في الوقت نفسه لا تبحث عن حقيقة ما يحتفظ به النص، فهي لا تعترف بالبطون والحقائق التي يشتمل عليها النص سلفًا، وذلك لكونها لا ترى سوى نص لغوي قابل للبناء والتشكيل من جديد؛ بحسب التباين الثقافي والأفق المعرفي، كأن الأمر أشبه باستعمال النص حسب أهداف المؤول وتوجهاته. أو على أقل تقدير أن الفكر المسبق لدى المؤول يبحث عن وجوده في النص، وهو الأمر الذي قد يؤسس لمعان ودلالات ذات ترتيب عرضي وليس طولي، بمعنى أن المعاني المتعدّدة للنّص تتراتب في شكل طولي بحيث تكون فكرة أعمق من فكرة أخرى، أو تمثل الأصل والأخرى الفرع وهكذا، وهو ترتيب يرفض التعارض والاختلاف، وهو بخلاف الهرمنيوطيقا، التي لا ترى أن هناك فهمًا معياريًا يمكن التحاكم إليه، أو ليس هناك شرعية القراءة دون قراءة أخرى، وبخاصة الاتجاهات التفكيكية التي تمنح المؤول الحرية الكاملة في تأويل النص5.

والأكثر من ذلك أنها ترى كل تأويل ليس إلا انعكاسًا لأهداف المؤول ومقاصده وتوجهاته الخاصة، ومن ثم فإن كل التأويلات الممارسة على النص هي تأويلات سيئة، وكل قراءة هي قراءة سيئة أو خاطئة، أو ستكون كلها جيدة ومناسبة على حد سواء، أي إنه لن يكون بوسعنا أن نفضل أيًا منها على الأخرى. وما دام الأمر كذلك، فلا يوجد في الأصل أي تأويل للنصوص، بل يوجد استعمالات فقط، إننا نستعمل النصوص حسب مقاصدنا وغاياتنا المعلنة أو الخفية6.

فهل فهم النص رهين الحالة التاريخية والتغیّر المستمر؟ أو هل هناك شرط للتعرف على الوعي التاريخي للمؤلف وظروفه ومقتضيات عصرہ؛ أم إن المحور في فهم النص هو المفسّر وما يؤثر فيه من خلفیات وقبليات معرفية؟ ومن أهم المفاصل الأساسية المثيرة للجدل هي النسبية المعرفية، التي تؤكد عليها الهرمنيوطيقا ضمن القراءة المفتوحة والمتجدّدة للنص، بحيث يحق لکل واحد حينها الفهم، من غير أن يكون لأحد حق احتكار الحقيقة، فليس هناك حدٌّ‏ نهائي أو حقيقة مطلقة يجب الوقوف عندها7.

والتأويل أو الهرمينوطيقا بوصفه إعادة بناء واكتشاف للأشياء، يعبر عن أفول عهد المشاريع، وبداية عهد المراجعة والتقويض والتفاعل والاندماج والحوار8، فلا غرابة إذًا أن نعد التأويل من خلال هذه الرؤية هو أصل المناهج كلها، فلا يقتصر مجاله على النصوص أو الفن فحسب، بل تكون العلوم الإنسانية والثقافة والوجود هي منتهى ما يصبو إليه9.

واعتقد الفيلسوف الفرنسي بول ريكور (1913-2005) بانفتاح النص على الدوام، وبإمكانية استعادته لذاته بشكل متجدّد مقابل التأويلات النهائية والفعلية التي تمنحه معنى ما، واعتقد كذلك بإمكانية وجود تأويل موضوعي لا يتدخل فيه المؤول، ولا يفرض فيه رؤيته على النص، ومنها كانت نظريته تغفل كلية علاقة المفسر بالنص، والواقع أن مشروع ريكور الهرمينوطيقي كان يهدف إلى إقامة علم لتفسير النصوص يعتمد على منهج موضوعي صلب يتجاوز عدم الموضوعية التي أكدها غادامر، أي إنه كان نوعًا من العودة إلى البحث في المنهج والشروط، التي تمنح التأويل مشروعيته ومصداقيته علميته وموضوعيته. وقد وجد ريكور في علم الدلالة وعلم اللسانيات وفِقْه اللغة والتحليل اللغوي عمومًا، والسيميولوجيا والتحليل البنيوي ككل – شريطة ألا يبقى حبيس انغلاق النص، أي رهينة البحث عن البنيات الداخلية المجردة دون تجاوزها إلى المعنى الكامن وراءها – الوسائل العلمية المثلى لتفسير النصوص وتأويلها، بكيفية مستقلة عن ذاتية المؤول وعن قصدية المؤلف في الوقت نفسه10.

وقد جعل «الانفتاح» المفرط، الذي أصبحت تعرفه الأعمال الأدبية الحديثة والمعاصرة، هذه الأعمال تمنح إمكانات تأويلية هائلة بلغ اختلافها درجة التناقض والتعارض فيما بينها، بل ودرجة الإقصاء والإلغاء المتبادل، وهو الأمر الذي جعل الجدل المعاصر جدلًا بشأن التأويل، ويتركز حول المعايير والمقاييس الموضوعية التي تمكننا من التمييز بين التأويلات المناسبة «للنص، والتأويلات السيئة» و«غير المناسبة»، أو تلك التي تظهر أنها مجرد استعمال «خاص للنص حسب أهداف المؤول المعلنة أو غير المعلنة»11.

وتوفر الشروط اللازمة لفهم النص وحدها هي القادرة والمساعدة على الحفاظ على كينونة النص، والتأويل غير المبطن، الذي يتجاوز الخداع المتعمد قصد الفهم؛ وحده الذي يحقق فهمًا حقيقيًا وموضوعيًا لطبيعة النص.

 

الهوامش:

1 – حساين دواجي غالي: الهرمينوطيقا: الدلالة، الجذر لتاريخي وتطور المفهوم، مجلة أبعاد، عدد 2 – 31 ديسمبر 2020)، ص 42.

2 – شرفي عبدالکریم: من فلسفات التأويل إلى نظريات القراءة، (بيروت: الدار العربية للعلوم، ط 1، منشورات الاختلاف في الجزائر، 2007)، ص 24.

3 – معتصم السيد أحمد: الهرمنيوطيقا في الواقع الاسلامي بين حقائق النص ونسبية المعرفة، (بيروت: دار الهدى، 2009)، ص 26.

4 – مراد وهبة: الأصولية والعلمانية في الشرق الأوسط المعاصر، مجلة المنار، عدد 49، ص 63.

ابن رشد، إشراف: عاطف العراقي، (القاهرة: مطابع الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، 1993)، ص 36

5 – أحمد: الهرمنيوطيقا، ص 94.

6 – عبدالکریم: من فلسفات التأويل، ص‏ 56-57؛ أحمد: الهرمنيوطيقا، ص 94.

7 – أحمد: الهرمنيوطيقا، ص 10.

8 – عبد الغاني بارة: الهرمينوطيقا والفلسفة، نجو مشروع عقل تأويلي، (بيروت: الدار العربية، ناشرون، 2008)، 12.

9 – غالي: الهرمينوطيقا، ص 40.

10 – عبدالکریم: من فلسفات التأويل، ص 55.

11 – عبدالکریم: من فلسفات التأويل، ص 55.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

د. محمد صابة

الجزائر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى