العدد الحاليالعدد رقم 47ثقافات

العلاقة الغامضة بين القراءة والكتابة

لقد كانت القراءة دائمًا موضوعًا للغموض الأخلاقي، حيث تعايش الاعتراف بفائدة معرفة القراءة والكتابة مع المخاوف بشأن تأثيرها على القراء. على مر القرون، تبلور التناقُض تجاه محو الأمية في انشغال دائم بما يشار إليه اليوم باسم «تأثير وسائل الإعلام». ولهذا السبب فإن العديد من التحفظات التي أثارها أفلاطون لا تزال تجد تعبيرًا عنها في عصر الإنترنت والاتصالات الرقمية. إن إضفاء المثالية على حب القراءة يسير بالتوازي مع القلق العميق بشأن تأثيره على النظام الأخلاقي.

عندما حصل على جائزة هاينريش بول من مدينة كولونيا عام 1985، قرر المؤلف الألماني هانز ماغنوس إنتسنسبرغر أن يُخصِّص خطاب قبوله للإشادة بفضائل الأُمِّية!

من الواضح أنه لم يكن مرتاحًا للروح التعليمية في عصره، فقد لفت الانتباه إلى ما اعتبره خسارة ثقافية تُصاحب صعود معرفة القراءة والكتابة، قائلًا: «إنني أحسد الأُمِّي على ذاكرته، وقدرته على التركيز، وعلى مكره، وقدرته على الاختراع، وعلى ذكائه الفطري. على المثابرة، وأذنه الحساسة». أكَّد إنتسنسبرغر أنه لم يكن منغمسًا في تخيُّلات الحنين إلى الماضي حول «الوحشية النبيلة» في العصور البائدة: «أنا لا أتحدث عن أشباح رومانسية، ولكن عن الأشخاص الذين التقيت بهم». في مديحه للأمية، لفت إنتسنسبرغر الانتباه إلى «مساهمتها» في تكوين الثقافة الإنسانية، والتي كان يُقصد بها اختراع، ونشر الأساطير، وخرافات الأطفال، وأغانيهم. «بدون التقليد الشفهي، لن يكون هناك شعر؛ بدون أميين، لا كتب».

بدافع من حساسية الشعبوية الثقافية الحديثة المتأخرة، أثار تناقض إنتسنسبرغر حيال معرفة القراءة والكتابة مُشكلة مع استخدامه كوسيلة للسيطرة الاجتماعية. وفي كتاباته ومن وجهة نظر نخبوية مختلفة واعية بذاتها، حذَّر الفيلسوف الليبرالي الأسباني خوسيه أورتيجا إي جاسيت من أننا «بعد أن تبلَّدنا باعتياد القراءة التي أصبحت الآن تقريبًا طبيعة ثانية بالنسبة لنا، فإننا نتمتع بالمزايا الواضحة للكلمة المكتوبة – المطبوعة، في الواقع – وقد فقدنا الوعي بالنفايات والمخاطر التي تجلبها». كان الخطر الرئيسي الذي كان يُقلق أورتيجا إي جاسيت هو التهديد الذي يُشكِّله النص المكتوب على «العالم الشفهي» وعلى «العجائب الأكثر إنسانية على الإطلاق، وهي الحوار والبلاغة – السحر الحقيقي الوحيد».

مثل إنتسنسبرغر، كان أورتيجا إي جاسيت مؤلفًا رائعًا للنصوص المكتوبة. إن اختياره للتعبير عن تفضيله لسحر الحوار الشفهي من خلال شكل مقال مكتوب يدل على أن احتفاله بـ «الأعجوبة الإنسانية» للعالم الشفهي تعايش مع الاعتراف بأن الكتابة كانت أكثر من مجرد ضرورة عملية. وفي النهاية كان مستعدًا لقبول مسألة أن فقدان سحر الحوار كان ثمنًا يستحق دفعه مُقابل المكاسب التي تحقَّقت من خلال تكنولوجيا النص المكتوب، فكتب ما يلي: «إن انعدام الشخصية النسبي وتجريد الكلمة المكتوبة من إنسانيتها، على مستوى العالم. في نفس الوقت الذي يجعل الخطاب الشفهي يشبه الشبح، كل ذلك يضفي على الإنسانية مسافة وإخفاء للهوية، و«غياب الموضوعية»، التي لا غنى عنها لنقل النظريات، على سبيل المثال».

إن اللغة التي تم من خلالها التعبير عن هذا القبول على مضض للكتاب تعكس إحساسًا طويل الأمد بالغُربة عما يختبره البعض باعتباره العالم البارد والمُحبط للنصوص المكتوبة المنتجة ميكانيكيًا. وتستمر هذه الحساسية في التأثير على المداولات المتعلقة بوسائل الإعلام في عصر التكنولوجيا الرقمية.

غالبًا ما تشير الحُجج التي تربط التأثير الضار بالقراءة والكتابة إلى أن هذه طرق غير طبيعية أو غير إنسانية لتوصيل المعرفة واستيعابها، مما يجرد فعل المعنى والشعور. نشأت مثل هذه المخاوف مع اكتشاف تقنيات القراءة والكتابة: فما إن ظهرت القراءة كممارسة إنسانية جديدة حتى بدأ النقاد بالتحذير من عواقبها المحفوفة بالمخاطر.

على الرغم من أن الحضارة الغربية مرتبطة بتقاليد الكتب العظيمة، إلا أن بيان الشك المتماسك حول الكتابة والقراءة حدث في وقت أبكر بكثير من التأملات الإيجابية من قبل أعظم المدافعين عنها. لقد كان أفلاطون، الذي وصفه أورتيجا إي جاسيت بأنه «أول مؤلف للكتب»، هو الذي طرح أول حجة متماسكة ومفصلة ضد النص المكتوب. بعض أعظم شخصيات الأدب العالمي – ميغيل دي سرفانتس، وصامويل جونسون، وصامويل تايلور كوليردج، وأنتوني ترولوب، وجورج إليوت، وإديث وارتون، وويلكي كولينز، وتوماس هاردي، وجين أوستن، وفيرجينيا وولف وغيرهم الكثير – فكروا وكتبوا عن أخطار القراءة.

إن مفارقة تحذير الكُتَّاب من الكتابة تُعبِّر عن التناقض بين القصد والنتيجة. مهما كان هدف الكُتّاب المعلن أو طموحهم، لا يمكن التنبؤ بتأثير تواصلهم. بالنسبة لأفلاطون، كان أحد التناقضات المهمة بين الثقافة اليونانية الشفهية والمكتوبة هو حجم المخاطر المرتبطة بها. لقد اعتبر فقدان السيطرة على اتجاه النص المكتوب وتأثيره بمثابة تهديد لاستقرار مجتمعه.

تأثير وسائل الإعلام

كان التواصل العام من خلال النبوءات والأساطير والقصائد والقصص – الشفهية والمكتوبة – مصدرًا للقلق منذ أشرق فجر تاريخ البشرية. تُمثِّل تحذيرات أفلاطون بشأن تأثيرات الشعر والكتابة ردًا على الشكوك الثقافية التي أثيرت في دول المدن اليونانية، بيد أن صداها يتردد مع الخيال الحديث وتؤثر على ردود الفعل المعاصرة لأنواع مختلفة من وسائل الإعلام.

تعتمد ماريان وولف، عالمة الأعصاب الإدراكية الأمريكية، في كثير من الأحيان على سقراط لتعزيز حجتها حول التأثير المُنهِك للإنترنت على ما يُسمَّى «الدماغ القارئ». وهي مقتنعة بأن تحذيرات سقراط بشأن المخاطر التي يُشكِّلها النص المكتوب ذات صلة بشكل خاص بالتفكير في الانتقال من وسائل الإعلام المطبوعة والرقمية وتأثيرها على الأطفال، موضحة أن: منظور «سقراط» بشأن السعي وراء المعلومات في ثقافتنا يطاردنا. «في كل يوم وأنا أشاهد ولداي وهما يستخدمان الإنترنت لإنهاء واجبهما المنزلي، ثم يخبرانني أنهما «يعرفان كل شيء عنه».

تقول وولف إنها نتيجة لهذه التجربة، شعرت بـ «قرابة مزعجة مع معارك سقراط العقيمة منذ زمن طويل»: «لا أستطيع منع نفسي من التفكير في أننا فقدنا قدرًا كبيرًا من السيطرة كما كان يخشاه سقراط قبل 2500 عام حول ماذا وكيف ولماذا يتسطّح مدى عمق التعلم للجيل القادم». إن اهتمامات وولف في القرن الحادي والعشرين تُركِّز على مخاوف البالغين بشأن وضع الأطفال: «لقد جئت لأرى مخاوف سقراط بشأن الانتقال من الثقافة الشفهية إلى ثقافة القراءة والكتابة والمخاطر التي يفرضها ذلك، وخاصة بالنسبة للشباب، تعكس مخاوفي الخاصة بشأن انغماس أطفالنا في عالم رقمي».

كان أفلاطون متخوفًا للغاية من التأثير المُحتمل للنصوص المكتوبة على الأطفال الذين يقرؤونها. ولكن سيكون من الغريب أن نعزو إلى أفلاطون انشغال الآباء الآن بتعليم أبنائهم بالطريقة ذاتها. على عكس الوالد الحديث الطموح، لم يكن اهتمام أفلاطون الرئيسي هو تنمية الطفل ومصلحته، بل الحفاظ على النظام الاجتماعي في جمهوريته. وكما أشار في القوانين، «في مدينة جيدة حقًا، لن ينتمي الابن إلى أبيه على الإطلاق، بل إلى المدينة فقط».

بصفته شخصًا مُلتزمًا بالتدقيق الفائق ومُراقبة التنشئة الاجتماعية للأطفال الصغار في مدينته المثالية، لم يكن أفلاطون منشغلًا فقط بما يقرأه الشباب، ولكن أيضًا بما يسمعونه. في «الجمهورية» أكّد أنه نظرًا لأن «الشباب والنشء» كانوا «لينين طائعين» فيمكن تضليلهم بسهولة بالقصص، من ثم دعا إلى الإشراف على رواة القصص، ساعيًا إلى إقناع الممرضات والأمهات بإخبار أطفالهن «حواديت وقصص» مختارة، لأنها ستشكل أرواح الأطفال بمضمون الحكايات أكثر بكثير مما تُشكِّل أجسادهم من خلال التعامل معها. وحذَّر أفلاطون من أنه في دولته «المدينة الفاضلة» يجب «التخلص من العديد من القصص التي يروونها الآن». استندت دعوته إلى فرض الرقابة على القصص والقصائد إلى الاقتناع بأن «الشباب لا يستطيعون التمييز بين ما هو رمزي وما هو ليس كذلك، والآراء التي يستوعبونها في هذا العمر يصعب محوها وقابلة لأن تصبح غير قابلة للتغيير».

لم يكن أفلاطون قلقًا بشأن آثار التواصل المكتوب فحسب، بل كان أيضًا قلقًا بشأن الحكايات والقصائد المنقولة شفهيًا. حتى شعر هوميروس وهسيود الرائع لم يفلت من نظرة أفلاطون الرقابية. اعترضت الجمهورية على هؤلاء الشعراء لأنهم أعطوا «صورة سيئة عن ماهية الآلهة والأبطال». انتقد أفلاطون هسيود لأنه أظهر الآلهة وهي تتقاتل فيما بينها، ولروايته كيف عاقب ابن كرونوس والده بسبب تجاوزه، وهو ما اعتقد أفلاطون أنه يمكن أن يحرض الشباب على تحدي السلطة الأبوية. اعتقد أفلاطون أن مثل هذه القصص، حتى لو كانت حقيقية، يجب «تمريرها في صمت، وعدم إخبارها للشباب السُذَج الحمقى. كما اعترض على وصف هوميروس لأهوال الحياة في عالم الجحيم السفلي لأنه كان يخشى أن تتسبب مثل هذه المقاطع في خوف المحاربين من الموت في المعركة. تساءل أفلاطون: هل يمكن لشخص أن لا يخاف من الموت، ويفضله على الهزيمة في المعركة أو العبودية، إذا كان يؤمن بالهاوية المليئة بالرعب؟

لم يكن أفلاطون مهتمًا بمحتوى قصائد هوميروس فحسب، بل كان أيضًا مُهتمًا بقدرة الشعر على التأثير على الخيال البشري بطريقة قوَّضت قوة مدينته. ومن هذا المنظور، كلما كانت القصيدة أكثر دقة وقوة، كلما زاد التهديد الذي تُشكِّله. لم يكن انتقاده لهوميروس من باب أن قصائده تفتقر إلى الإبداع الفني، بل على العكس من ذلك، كان يعترف أن تلك القصائد تمتلك ميزة فنية كبيرة. وأشار إلى أن الأمر لا يعني أنها ليست شعرية ولا ترضي غالبية المستمعين، ولكن كلما كانت أكثر شعرية، كلما قل سماعها من قبل الأطفال، أو الرجال الذين من المفترض أن يكونوا أحرار ويخافون العبودية أكثر من الموت.

اعتبر أفلاطون الشعر مدمرًا لأنه يمتلك القدرة على أسر خيال الناس والتأثير على أرواحهم. ومن خلال تركيزه على الحالات العاطفية، صرف الشعر الناس عن العقل والعادة. وكما يشير المؤرخ الثقافي باري إيف، فإن جوهر قضية أفلاطون ضد لاأخلاقية الفن هو أن الانغماس المتعاطف من خلال الفن في العواطف، والذي نخجل من الاعتراف به في الحياة الواقعية، له تأثير سلبي على الشخصية من خلال تقويض مقاومة الفن للشدائد والإغراءات.

كانت تحذيرات أفلاطون بشأن أخطار الشعر ترتكز على الاقتناع بأن معظم الناس يفتقرون إلى الموارد الأخلاقية والفكرية اللازمة لتجنب تأثيره المربك. وأكد أن الشعر «من المرجح أن يشوه فكر أي شخص يسمعه، ما لم يكن لديه معرفة بما هو عليه حقًا، كترياق لمواجهته». وبما أن عددًا صغيرًا فقط من المواطنين المتعلمين من المحتمل أن يمتلكوا ترياق كهذا ضد آثار الشعر الضارة، اعتقد أفلاطون أنه من الأفضل طرد جميع الشعراء الاحتفاليين باستثناء الشعراء القوميين المعتمدين رسميًا من دولة المدينة. وهكذا تم استخدام استعارة المرض السام في مرحلة مبكرة جدًا لتسليط الضوء على أخطار التواصل عن طريق الشعر والإبداع الكتابي.

قدَّم تمثيل أفلاطون للشعر باعتباره تأثيرًا هدامًا على المعايير التقليدية نموذجًا ستعتمد عليه الانتقادات اللاحقة للفن والإعلام. أصبحت أخطار وسائل الإعلام المستهلكة بالكامل موضوعًا متكررًا، وحتى الثقافات والمجتمعات التي أشادت بفوائدها الإيجابية كانت قلقة بشأن مخاطرها المحتملة. يظهر الاهتمام بقوة الشعر أن الثقافة الشفهية استبقت ظهور ما يوصف اليوم بـ «التأثير الإعلامي»؛ أي النتيجة غير المؤكدة، السلبية وربما المُربكة للصور والأفكار والاقتراحات التي يتم توصيلها من خلال فن وتقنيات الاتصال.

إن «التأثير» الأكثر أهمية بالنسبة للمهتمين بهذا التهديد هو الطريقة التي تؤثِّر بها وسائل الإعلام على نظرة الناس للأمور وعلى قيمهم الأخلاقية وسلوكهم الاجتماعي. كان الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا على حق في استنتاجه أن «مسألة الكتابة بالنسبة لسقراط يجب أن تُناقش كمسألة أخلاقية»، مضيفًا أن «الأخلاق هي التي على المحك حقًا، سواء من حيث التعارض بين الجيد والرديء، أو الخير والشر، وبمعنى آخر قياسها حيال الأخلاق والآداب العامة والأعراف الاجتماعية». وبما أن الأخلاق متنازع عليها إلى الأبد، فقد كانت القراءة دائمًا نشاطًا خاضعًا لمواقف اجتماعية متناقضة.

غموض مسألة القراءة والكتابة

مهما كانت مخاوف أفلاطون بشأن ما سمعه الناس، فقد تضاءلت إلى حد كبير مقارنة بقلقه بشأن ما قرأوه. لماذا؟ لأن معرفة القراءة والكتابة تخترق الفكر البشري وتُشكِّله. فهي تحوِّل عقلية الناس، وتُغيِّر طريقة تفكيرهم، ويمكنها، في ظروف معينة، تشكيل هويتهم. لم يشعر أفلاطون أن القراءة والكتابة لهما تأثير قوي على الناس فحسب، بل أن هذه الأنشطة تُغيِّر طبيعتهم أيضًا.

من الصعب التأكُّد من مدى إيمان أفلاطون القوي بالتفوق المعرفي للحوار على الكتابة. لقد أصرَّ على أنه من الصعب الكتابة عن القضايا الفلسفية العميقة، لأن مثل هذه المعرفة لا يمكن «صياغتها بالكلمات مثل العلوم الأخرى». ومع ذلك، على الرغم من التعبير عن هذه المخاوف، لم يكن لدى أفلاطون أي مانع من الكتابة على نطاق واسع حول بعض الأسئلة الفلسفية الأكثر جوهرية وصعوبة التي تواجه المجتمع اليوناني. «من المفارقة»، كما يلاحظ المنظر الإعلامي والتر أونج، «أن أفلاطون لم يتمكَّن من صياغة تفضيله للشفهية على الكتابة، بشكل واضح وفعَّال فقط لأنه يستطيع الكتابة». إن نظام أفلاطون الفلسفي، وفكره التحليلي، «لم يكن ممكنًا إلا بسبب التأثيرات التي بدأت الكتابة تُحدثها على العمليات العقلية».

بوسعنا القول إن المساعدة التي ساهمت بها الكتابة في القدرة على التصوُّر والتحليل هي التي ساعدت أفلاطون في نقده للكتابة. في الواقع، «كانت نظرية المعرفة عند أفلاطون بأكملها، عن غير قصد، رفضًا مبرمجًا لعالم الحياة القديم الشفهي، المُتحرك، الدافئ، والتفاعلي شخصيًا للثقافة الشفوية»، والذي تم «تمثيله بشكل أفضل من قبل الشعراء، الذين لم يسمح لهم أفلاطون بتواجدهم في جمهوريته»، كما كتب أونج.

أولئك الذين يقدمون أفلاطون كمدافع لا لبس فيه عن الشفهية يعانون من نقص الحساسية للظروف التاريخية في عصره. في اليونان الكلاسيكية، كانت الكتابة موجودة على هامش المجتمع، وعلى الرغم من أنها أصبحت مؤثرة بشكل متزايد، إلا أن المفاهيم المستقطبة اللاحقة للثقافات الشفهية مقابل الثقافات المكتوبة لم تتبلور بعد. وقد ظهر هذا على مدى قرون من التطور، ولم يكتسب شكلًا متماسكًا إلا في أوائل العصر الحديث.

من المُحتمل أن يكون أفلاطون قد حدس أن القوى التي تُطلقها آلية الكتابة من المُرجح أن تتفوق على تلك التي يتمتع بها التواصل الشفهي، كما أنها أصعب بكثير في احتوائها وحاولة السيطرة عليها. ولهذا السبب جعل سقراط يدين صراحة ألية أو تكنولوجيا الكتابة حسب ما نعرفها الآن. ومع ذلك، فإن الطريقة نفسها التي تم بها توصيل هذه الإدانة – من خلال نص مكتوب – تشير إلى أنه حتى مؤلفها لا يُمكنه رفض محو الأمية برمته. إن استخدام سقراط لكلمة فارماكون – «المخدرات» – كاستعارة للكتابة، يعكس الوضع الغامض لمحو الأمية. مثل جميع الأدوية، يمكن للكتابة أن تكون سامة ولكنها يمكن أن تقدم أيضًا علاجًا. جادل دريدا بأن أفلاطون كان مقتنعًا بأنه «لا يوجد شيء اسمه علاج غير ضار»، وبالتالي «لا يمكن للفارماكون أن يكون مفيدًا أبدًا».

ومن خلال استخدام استعارة الدواء/المُخدّر، وضع أفلاطون الأساس لربط القراءة والكتابة بخصائص مصطنعة أو غير طبيعية. وكان المعنى الضمني الذي تم نقله من خلال ربط الكتابة بالاصطناعية هو التأكيد على سماتها غير الطبيعية والملفقة والمفتعلة وحتى المزيفة. ساعدت هذه الإدانة الجسدية والأخلاقية للكتابة في تسليط الضوء على فضائل التواصل الشفهي، وتحديدًا صفاته الطبيعية والإنسانية. ومع ذلك، فإن صناعتها ذاتها ساعدت في منح الكتابة وعيًا وإحساسًا بالهدف مما ساعد على تطوير الأفكار وصقلها باستمرار. ومن خلال تأثيره على القراء، فإن الفعل غير الطبيعي المتمثل في تطوير الأفكار المجردة لم يُغيِّر طريقة تفكير الناس فحسب، بل أدَّى أيضًا إلى تحويل الطبيعة البشرية.

حذَّر الكاتب المسرحي اليوناني القديم ميناندر (342-291 قبل الميلاد) من أن أولئك الذين يُعلِّمون النساء كيفية القراءة والكتابة، فيصفهم بأنهم «يُطعمون ثعبانًا حقيرًا المزيد من السم». لكن التحذيرات بشأن مخاطر القراءة في اليونان القديمة كانت موجودة جنبًا إلى جنب مع التقدير الإيجابي. اعتبر بعض الفلاسفة والسياسيين النص المكتوب وسيلة من شأنها حماية الناس من التفسير التعسفي للعادات والقوانين الشفهية. يعتقد أرسطو أن «كتابة القوانين» تُشجِّع على ممارسة «العدالة والإنصاف» وكانت «أساسًا أساسيًا للديمقراطية»، ولهذا السبب انتقد قادة أسبرطة الكتابة لأنهم حددوا القضايا من خلال أحكامهم الخاصة، وليس عن طريق كتابة القانون. وقد عبَّر عن مشاعر مماثلة المفكر السفسطائي جورجياس، الذي أكد أن «القوانين المكتوبة هي حراس العدل».

على الرغم من أنه كان يُعتقد على نطاق واسع في أثينا في أواخر القرن الرابع والخامس أن القانون المكتوب كان جزءًا لا يتجزأ من سلوك الحياة الديمقراطية، إلا أن الحوار والتواصل الشفهي استمر في التمتع بمكانة ثقافية عظيمة. وفقًا لدراسة العلاقة بين الكلمة المنطوقة والمكتوبة في الفترة الكلاسيكية، اعتبرت القوانين المكتوبة أدنى مرتبة من «القوانين غير المكتوبة»، ليس فقط من قبل أنتيجون سوفوكليس وثوسيديديس في خطبة جنازة بريكليس ولكن من قبل الرجال العاديين. ومن المحتمل أن أرسطو نفسه اعتبر «الكلمة المكتوبة» أقل شأنا من «الكلمة المنطوقة».

وجدت العلاقة الغامضة بين الكلمة المكتوبة والمنطوقة تعبيرًا ملفتًا للنظر في نص كتبه السفسطائي ألسيداماس من إليا من القرن الرابع قبل الميلاد. كان الغرض من هذا البيان هو مهاجمة الخطباء السوفسطائيين المتنافسين الذين اعتمدوا على التحدث من الخطب المكتوبة. كتب ألسيداماس أنه يمكن «مهاجمة» الكتابة بسهولة وليس لها أي ميزة خاصة «لأنه يمكن ممارستها بسهولة ويُسر من قبل أي شخص ذي قدرة عادية». وإلى هذه الممارسة «العادية» للغاية، قام بوضع الإنجازات غير العادية لهؤلاء الأفراد الفريدين الذين يُمكنهم التَحدُّث بشكل ارتجالي.

الأمر المثير للاهتمام في نص ألسيداماس المتفاخر هو أنه حاول تقديم وصف للأهمية الثقافية التفاضلية التي يعلقها المجتمع اليوناني على الكتابة والتحدث. تقدم إدانته للخطاب المكتوب عن غير قصد بيانًا متماسكًا حول الموقف المتناقض الذي تتبناه الثقافة الكلاسيكية تجاه معرفة القراءة والكتابة. لم يرفض ألسيداماس الكتابة تمامًا، لكنه كان يعتقد أنها «يجب أن تمارس كمسعى إضافي». من وجهة نظره، كان للكتابة استخداماتها وكانت مناسبة لأولئك «الذين يعانون من نقص شديد في البلاغة والفلسفة»، والذين «يمكن أن يُطلق عليهم شعراء وليس سفسطائيين».

عكست حساسية المحافظة الثقافية التي عبَّر عنها ألسيداماس بعض مشاعر أفلاطون. ومع ذلك، كان ألسيداماس أكثر وضوحًا في الاعتراف بأن الكتابة كانت مقبولة باعتبارها «مسعى إضافي» ليس إلا. كما أن الافتقار إلى المكانة الثقافية الممنوحة للكتابة والقراءة في هذا الوقت كان له أيضًا أساس في التطور المحدود لهذه التكنولوجيا الجديدة. أدَّى النقص في مواد الكتابة، مثل جلود الحيوانات وورق البردي، إلى الحد من نطاق صياغة الأفكار من خلال النصوص المكتوبة، وبالتالي كانت القراءة مُقيَّدة باستمرار بهذا الواقع المادي. تميل البيانات المكتوبة للفلاسفة إلى نقلها على أنها «تصريحات موجزة عن عقيدة الفلاسفة». من المُرجح أن مثل هذه الملخصات قد تم «نشرها كدليل لنظام الفيلسوف» و«لاستخدامها كملحق للتعليم الشفهي». في مثل هذه الظروف، بما أن «قراءة الأثيني المُتعلِّم كانت محصورة في الحدود التي نظنها ضيقة»، فمن المُرجَّح أن يكون تقدير تقنية الكتابة عمليًا وليس جماليًا.

جادل دريدا بأن «خطبة أفلاطون اللاذعة ضد الكتابة» كانت موجَّهة «قبل كل شيء ضد السفسطائيين». لكن ما كان يخشاه أفلاطون، حتى ولو بشكل غير مباشر، هو خطر النشر غير المنضبط للنص المكتوب. يمتزج رد الفعل المحافظ ضد الكتابة بسهولة مع الدافع السياسي لتقييد تأثير الديمقراطية. ولكن على الرغم من الدور المركزي الذي لعبه الخطباء في الحياة العامة في أثينا، فقد اكتسب تأثير معرفة القراءة والكتابة مكانته بشكل مُطرد. «عصر أرسطو هو عصر القراء والمكتبات»، يختتم دريدا دراسته حول هذا الموضوع، مع ملاحظة أنه مع أرسطو، «انتقل العالم اليوناني من التعليم الشفهي إلى عادة القراءة».

على الرغم من النقص النسبي في التحقُّق الثقافي من صحة الكتابة، إلا أن الفعالية والاستخدام العملي لهذه التكنولوجيا ضمنت توسُّع تأثيرها بشكل مطرد. وفقًا للمصادر التاريخية قبل عام 600 قبل الميلاد، كان عدد قليل جدًا من اليونانيين يستطيعون القراءة، ولكن منذ هذه النقطة فصاعدًا أصبحت معرفة القراءة والكتابة أكثر شيوعًا حيث اكتسبت الكتابة وظيفة عامة أكبر. في زمن أفلاطون (حوالي 427 – 347 قبل الميلاد) «تقدَّمت اللغة اليونانية إلى النقطة التي يمكن فيها للمرء أن يبدأ في معالجة المفاهيم المجردة بشكل مناسب لأول مرة»، ومن المحتمل أن تكون الكتابة قد ساعدت هذه العملية – عملية التوضيح اللغوي والمفاهيمي.

في أثينا، حدث الانتقال من التقليد الشفهي إلى التقليد المكتوب بين القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد. على الرغم من أن اليونان ظلَّت مجتمعًا شفهيًا وليس مجتمعًا مُتعلِّمًا، إلا أن هناك أدلة على أن الكتابة لم تعد مقتصرة على إنتاج النصوص العامة، مثل الوثائق القانونية؛ وكانت القراءة الخاصة للنصوص (لفائف البردي) شائعة نسبيًا بين النُخب. لقد جسَّد أرسطو القارئ الشرس الذي استخدم مكتبته الخاصة لمتابعة أبحاثه وتحقيقاته الفلسفية. وقد عززت الكتابة والقراءة مناخًا ازدهر فيه الفكر النقدي والتشكيك، مما أدى إلى ثورة فكرية حقيقية. لقد عبّر الكاتب المسرحي اليوناني ميناندر عن القوة الثقافية للقراءة عندما قال: «أولئك الذين يستطيعون القراءة يرون مرتين أيضًا».

كان قبول الكتابة والقراءة مبنيًا على البراغماتية. قدمت الكتابة والقراءة وسيلة اتصال قوية وساعدت في التحقق من صحة المعرفة؛ لقد استطاعت تسهيل الحياة العامة وعون المؤسسات الإدارية والبيروقراطية على إدارة شؤونهم. كان النص المكتوب في علاقة مضطربة وغير مؤكَّدة مع الكلمة الشفهية: كان يتمتع بسلطة كبيرة، لكن اليوم الذي سيصبح فيه حب القراءة شائعًا كان لا يزال بعيدًا. وربما كان الإسكندر الأكبر شخصية استثنائية في هذا الصدد. وعندما توفي في بابل عام 323 قبل الميلاد، قيل إنه كان يمسك بلفائف إلياذة هوميروس. بحلول هذا الوقت، كان يُنظر إلى القراءة والسعي وراء المعرفة على أنهما نشاطان مترابطان بشكل وثيق.

الشك الدائم حيال معرفة القراءة والكتابة

للوهلة الأولى، يبدو من الغريب أن نقد أفلاطون للكتابة والشك الأوسع الذي وجَّهته الثقافة اليونانية الكلاسيكية تجاه هذه الوسيلة لا يزال محط اهتمام حتى يومنا هذا. لقد ألمح كل من المُعارضين والمدافعين عن الإنترنت إلى النقد السقراطي لتكنولوجيا الكتابة وإلى الصفات الطبيعية الفريدة لعالم الشفهية. في الواقع يبدو أحيانًا كما لو كان الأمر، بغض النظر عن كوننا من العالم القديم أو العصور الوسطى، وكأن الثقافة الشفهية تثير الخيال الأدبي المنهك.

أدّى بيان كلوتراين Cluetrain الذي نشره المتحمسون لروح الأعمال التجارية عبر الإنترنت في عام 2000، إلى إلقاء عالم شركات الإنترنت في دور المُساهم الخيري لإعادة اكتشاف الصوت البشري الأصيل. سعى دليل الأعمال المؤثر هذا إلى إضفاء الطابع الإنساني على المعاملات غير الشخصية في السوق من خلال تشبيهها بالتفاعلات الحوارية للبازار اليوناني القديم. وبالتالي فإن نقطة البيع للإنترنت هي أنها تعمل مثل أغورا عالية التقنية:

ماذا لو لم يكن عامل الجذب الحقيقي للإنترنت هو الأجراس والصفارات المتطورة، أو واجهته الجذابة، أو أي من التقنيات المُتقدِّمة التي تكمُن وراء خراطيمه وكابلاته وأنابيبه وأسلاكه؟ ماذا لو كان الانجذاب، بدلًا من ذلك، بمثابة ارتداد رجعي إلى افتتان الإنسان في عصور ما قبل التاريخ برواية الحكايات؟

يجيب البيان على أسئلته من خلال مناشدة الشعور بالاغتراب والقطيعة الناجم عن وسائل الإعلام الإذاعية المُتجانسة، و«الثقافة الجماهيرية» المُعقَّمة، والإخفاء القسري للتنظيم البيروقراطي.

إن احتفال البيان بما يصوره على أنه الصفات الرجعية للثقافة الشفهية يتم تقديمه كتعبير عن السعي الخالد لإعادة اكتشاف «الصوت البشري». فهو يعلن أن «الويب يحرر ببساطة رغبة إنسانية رجعية، والشوق للتواصل من خلال الحديث»، ويضيف «هذا هو الثابت الوحيد طوال تطورنا من الكهوف إلى الأكواخ الطينية إلى الأسواق المفتوحة». إن تصوير الإنترنت على أنه «مساحة يمكن فيها إعادة اكتشاف الصوت البشري بسرعة» يفترض مسبقًا أن تطور تقنيات الوسائط المختلفة التي سبقتها قد خدم في قمع التطلع الأساسي إلى الشفهية.

يتوجّه بيان Cluetrain مباشرة إلى نقد أفلاطون للكتابة. لكنه يُقدِّم إرث اليونانيين باعتباره مُقدِّمة ثقافية لاحتفالهم واحتفائهم بالإنترنت. أعلن دوك سيرلز، أحد مؤلفي البيان، بكلام منمق دون تحفظ أن «الديمقراطية والرياضيات والسياسة كلها ميمات فيروسية ولدت في أغورا، السوق اليونانية»، وأنه «في حين أن الإمبراطوريات والحضارات نشأت وسقطت المحادثات الحوارية فالحرائق التي أشعلها فيثاغورس وسقراط وأرسطو استمرت في الانتشار».

في حين يشيد بيان Cluetrain بالإنترنت لقدرته على تسهيل المشاركة النشطة من خلال المُحادثة، ينتقد آخرون التكنولوجيا الرقمية لجعل الاتصال مصطنعًا وسلبيًا. لاحظ والتر أونج، الذي انجذب إلى «العقلية النضالية» للثقافات الشفهية، أن الحجج التي استخدمها سقراط وأفلاطون ضد الكتابة تنطبق بنفس القوة على الإنترنت. كتب أونج أن سقراط «يُعارض الكتابة بأن الكلمة المكتوبة لا تستطيع الدفاع عن نفسها كما تفعل الكلمة المنطوقة الطبيعية»؛ لأنه على عكس الكتابة، فإن «الكلام الحقيقي والفكر الحقيقي يوجد دائمًا بشكل أساسي في سياق الأخذ والعطاء بين الأشخاص الحقيقيين». ومن ثم يخلص أونج إلى أن «الكتابة هي أمر سلبي، غير مألوف، في عالم غير واقعي وغير طبيعي» – و«وكذلك بالنسبة لأجهزة الحاسوب».

لقد استمر نقد أفلاطون للكتابة، وتنصيبه للحوار باعتباره الطريق المستقيم إلى الوضوح والحقيقة، في صدى لدى أولئك الذين يشعرون بعدم الارتياح بشأن طريقة عمل وسائل الإعلام الجديدة وعواقبها. كانت الجاذبية الدائمة لتأملات أفلاطون حول العلاقة بين الكتابة والتحدُّث هي إدانتها للخاصية غير الطبيعية أو الميكانيكية أو الاصطناعية لتكنولوجيا الاتصالات. مرارًا وتكرارًا، رفعت حساسية خيبة الأمل تجاه البعد غير الطبيعي والميكانيكي للتجربة الإنسانية رأسها فيما يتعلق بالكتابة والقراءة. في الواقع، يمكن القول إن رد الفعل على اختراع الكتابة هو الذي أدَّى إلى ظهور الحساسية الكلاسيكية المناهضة للتكنولوجيا والرومانسية، وإن كان ذلك في شكل جنيني مُبتسر.

إن الاقتناع بأن القراءة تُشكِّل خطرًا على رفاهية الإنسان لا يزال يحتفظ بدرجة من التأثير على مجال التعليم. في القرنين التاسع عشر والعشرين، كانت النصوص المُخصَّصة لتعليم الأطفال كيفية القراءة تُذَكِّر مُستهلكيها في كثير من الأحيان بأن القراءة إنجاز غير طبيعي. وفي مطلع القرن العشرين، تبنَّى جرانفيل ستانلي هول، المُعلِّم الرائد وأول رئيس لجمعية علم النفس الأمريكية، هذا النهج في كتابه المؤثر كيف تُعلِّم القراءة: وماذا نقرأ في المدرسة. «منذ العصور القديمة وحتى الوقت الحاضر، أعلن العديد من الرجال المفكرين أن الكتابة ليست أقل شأنًا من الكلام فحسب، بل هي شكل زائف من المعرفة»، كما صرِّح هول. بعد تلخيص بعض التحفُّظات التقليدية التي تم التعبير عنها حول الكتابة، وأثار هول انتقاداته الخاصة لحُب الكتب: «إن القراءة، أثناء عملها في تحرير الناس من بيئتهم الجسدية والعقلية، غالبًا ما تُضعف الكبرياء المحلية والاهتمام الداخلي، وتخلق نفورًا مما هو أقرب، وبالتالي، ما يجب أن يكون أولى من الناحية التربوية». وحذَّر هول من أن تعليم فن القراءة غير الطبيعي قد يكون نعمة ونقمة في آن، وخلُص إلى أنه «أخيرًا، نجد أحيانًا عادة القراءة الشغوفة لدى الأطفال والتي لا تتعارض مع النمو الجسدي فحسب، بل تُدمِّر الاستقلال العقلي والأخلاقي، وقد تكون ضارة. وهذا ما يُسمَّى بالمرض».

بعد عقد من نشر هول، دعا إدموند بيرك هيوي، وهو شخصية مركزية أخرى في علم أصول التدريس في أوائل القرن العشرين، إلى اتباع نهج يُركِّز على الطفل والذي أدى إلى تأجيل تدريس القراءة إلى وقت مُتأخِّر نسبيًا على أساس أن الأطفال بحاجة إلى الحماية من آثارها غير الطبيعية والضارة. مرددًا صدى أفلاطون، جادل هيوي ضد «التبجيل المبكر للكتب»، والذي يعتقد أنه يؤدي إلى إهمال تفكير الفرد وإلى «ضمور الأصالة الساذجة للأطفال»، الذين يصبحون «عبيدًا لما هو مكتوب».

سألت إحدى المؤلفات في صحيفة نيويورك تايمز، «كم عدد الأطفال الذين أصبحوا أشبه بكابوس سقراط؟»، قبل أن تخبر قراءها في القرن الحادي والعشرين أننا «نعلم» أنه لم يولد أي إنسان ليقرأ. على الرغم من أن اهتمامنا بالكتب، كان يتعلق بمخاطر قراءة الأطفال للنصوص عبر الإنترنت، إلا أن الإشارة إلى سقراط أشارت إلى أنه حتى في عصر المعرفة الجماعية بالقراءة والكتابة، لا يزال البعض يعتبر القراءة شكلًا من أشكال النشاط البشري الذي ليس طبيعيًا تمامًا.

إن تصوير الكتابة على أنها مُصطنعة يفترض أن شيئًا حقيقيًا، أو أصيلًا أو طبيعيًا أو بشريًا سوف يتضرَّر أو يُفقد من خلال استخدامه. وفي حالة أفلاطون، اتهمت الكتابة بسبب تأثيرها الضار على عمل الدماغ، وتحديدًا على الذاكرة. يتم التعبير عن هذا الشعور بالخسارة الثقافية في أكثر أشكاله دراماتيكية في إضفاء الطابع الرومانسي على الأمية والاستنكار من معرفة القراءة والكتابة.

من الناحية التاريخية، ارتبط الحنين إلى فقدان الفضائل الشفهية أو التقليدية بالخيال المحافظ المناهض للحداثة. كان ستانلي هول حادًا في تأكيده على هذا الشعور، مشيرًا إلى أنه لا يستطيع «رفض كل أنواع الإعجاب بالرجال الذين عاشوا قبل جوتنبرج» أو بأولئك من «فرسان العصور الوسطى الشجعان الذين احتقروا خدعة الكاتب الصغير في الكتابة». كان تعاطفه مع رجل العمل وليس مع أولئك الذين ينغمسون في نشاط القراءة «الخائن وغير الرجولي». لذلك في كيفية تدريس القراءة خلُص إلى ما يلي:

وهكذا توصلت تدريجيًا إلى رأي مفاده أن العديد من شبابنا سوف يتطورون إلى صحة أفضل، وفضيلة أقوى، وربما مواطنة أفضل، وثقافة أكثر تربوية وصلابة بكل الطرق، لو لم يتم تعليمهم القراءة مطلقًا، ولكن بعض الأشياء المفيدة كالحرف اليدوية، وعادة استخدام كافة أساليب التعليم الشفهي في متناول اليد بدلًا من ذلك.

عبَّر احتفال هول غير المباشر بمحو الأمية عن مزاج المحافظين المناهضين للحداثة المحبطين في مطلع القرن العشرين. وبحلول ستينيات القرن العشرين، لم تعد هذه المشاعر مقتصرة على التقليديين من الطراز القديم.

عززت خيبة الأمل من أعمال الحداثة مناخ النسبية الثقافية حيث كان الرفض الرومانسي الراديكالي للحياة الحديثة يتزامن في كثير من الأحيان مع إظهار تقديس الثقافة الشفهية. ويتجلى الشعور بالحنين تجاه المجتمعات التي لم تشوه حياتها بعد بسبب محو الأمية في أعمال أحد أكثر المنظرين الاجتماعيين شهرة في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، وهو عالم الأنثروبولوجيا الاجتماعية الفرنسي كلود ليفي شتراوس.

في دراسته Tristes Tropiques، يعرض شتراوس فقدان البراءة كنتيجة جزئية لاكتساب الكتابة. وقد أدرك هذا المنظور الرومانسي المزايا العملية للقراءة والكتابة، لكنه قال إن هذه الفوائد تأتي بتكلفة باهظة على إنسانيتنا. واعتبر أن التحول من الثقافة الشفهية إلى النص المكتوب، خاصة في أشكاله المطبوعة، يوازيه فقدان القدرة على التعبير العاطفي عن الذات.

وقد تم شرح هذا الرأي ببلاغة من قبل أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في دراسات الاتصال الحديثة، وهو الفيلسوف مارشال ماكلوهان الذي تنقل كتاباته إحساسًا قويًا بخيبة الأمل تجاه الثقافة المطبوعة ومحو الأمية، والتي يبدو أنه يعتبرها محبطة وفردية وتنفيرًا شديدًا. لقد جعل ماكلوهان الشخص الشفهي مثاليًا واعتبر أولئك الذين تم دمجهم اجتماعيًا في ثقافة القراءة والكتابة بمثابة نُسخ أدنى. كان يعتقد أن العالم الحديث المتعلم المدفوع بالتكنولوجيا خلق أشخاصًا يفتقرون إلى العمق العاطفي لأسلافهم الشفهيين.

اعتمد ماكلوهان النموذج الكلاسيكي للتناقض الحديث البدائي لتفسير المراحل المختلفة للتطور التاريخي. ومع ذلك، فقد برّر كلامه تفضيله للعالم العاطفي بنسخته البدائية. قام ماكلوهان بتحديث وتطوير ادعاء سقراط بأن تكنولوجيا الكتابة تفتقر إلى عمق وثراء الحوار، وبالتالي فإنها ستُضعف روح أولئك الذين مارسوها. وفي حين أدرك ماكلوهان أن هذه التكنولوجيا تمتلك مزايا مهمة ضمنت لها التفوق، فقد أعرب عن قلقه من أن تكنولوجيا الكلمة المطبوعة تفرض نظامًا من الروتين على النفس البشرية:

إن الحضارة مبنية على معرفة القراءة والكتابة لأن معرفة القراءة والكتابة هي مُعالجة موحَّدة للثقافة من خلال الحس البصري الممتد في المكان والزمان بواسطة الأبجدية. في الثقافات القبلية، يتم ترتيب التجربة من خلال حس الحياة السمعي السائد الذي يكبت القيم البصرية. إن الحاسة السمعية، على عكس العين الهادئة والمحايدة، هي حاسة جمالية مفرطة وحساسة وشاملة. تعمل الثقافات الشفهية وتتفاعل في نفس الوقت. تمنح الثقافة الصوتية الرجال وسائل لقمع مشاعرهم وعواطفهم عند المشاركة في العمل. إن التصرُّف دون رد فعل، ودون مشاركة، هو الميزة الخاصة للإنسان المتعلم الغربي.

إن اتهام ماكلوهان لمحو الأمية أكثر توسعية بكثير من الاعتراضات التي أثارها أفلاطون. لقد شكَّلت تعليقات أفلاطون على الكتابة ردًا على ممارسة أصبحت مؤثرة بشكل واضح، ولكنها لم تكتسب بعد حضورًا قويًا في المجتمع اليوناني. كان عالم ماكلوهان في القرن العشرين عالمًا كانت فيه معرفة القراءة والكتابة بمثابة سمة مميزة للحياة الثقافية، وتطرق بيانه إلى ما اعتبره تأثيرًا مدمرًا على البعد الأساسي للحالة الإنسانية.

حدَّد ماكلوهان صعود المطبعة خلال فترة عصر النهضة باعتبارها اللحظة التي بدأ فيها محو الأمية في فرض تكاليف بشرية كبيرة على حياة المجتمع. إنه رد فعل على التقييم الإيجابي الذي ربطه عصر التنوير لقوة النصوص المطبوعة؛ لقد اعتبر محو الأمية تهديدًا للمجتمعات التقليدية وطريقة الحياة العضوية المرتبطة بها. أحد الموضوعات الأساسية في كتابات ماكلوهان هو رثاء عصر ما قبل النهضة وعصر ما قبل الطباعة في العصور الوسطى: إن الثقافة القائمة على الكتاب المطبوع، والتي سادت منذ عصر النهضة حتى وقت قريب، قد أورثتنا – إلى جانب ثرواتها التي لا تقدر بثمن – خصال متعجرفة يجب أن نتركها جانبًا. يجب علينا أن نلقي نظرة جديدة على التقاليد، التي لا تعتبر بمثابة قبول خامل لمجموعة متحجرة من المواضيع والأعراف، ولكن كعادة عضوية لإعادة خلق ما تم تلقيه وما تم تسليمه.

لم تكن دعوته لإعادة تخصيص التقليد الشفهي موجَّهة فقط إلى “تكبُّر” ثقافة الطباعة، ولكن أيضًا إلى ما اعتبره عواقب روحية واجتماعية سلبية.

إن دعوة ماكلوهان إلى التوجُّه «الرجعي» نحو محو الأمية لقيت صدى مع الروح الرومانسية في الستينيات، ولا سيما مع الثقافة المضادة الناشئة. وقد لفت الكلاسيكي البريطاني إريك هافلوك الانتباه إلى هذا الانبهار الواسع النطاق بخيال ما قبل القراءة والكتابة. في مقالته «الاكتشاف الحديث للشفهية»، أشار هافلوك إلى أنه في عام 1963 تقريبًا «يبدو أن الوعي الحديث للشفهية قد انفجر» على الساحة. وخلص إلى أن رد الفعل هذا كان جزءًا لا يتجزأ من الرفض الأوسع للثقافة الاستهلاكية الضحلة.

إن التأثير الملحوظ لحجج ماكلوهان حول الحياة الفكرية الغربية في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين قد تعزَّز من خلال المزاج المتزايد من الشك تجاه مُثُل التنوير الخاصة بالتنمية والتقدم. ومع تحول الآمال المستثمرة في الحداثة إلى الشك والقطيعة، تغيرت المواقف تجاه عصر ما قبل التنوير. أصبحت المطالبات الإيجابية المُقدَّمة لصالح محو الأمية موضع تساؤل وأعيد اكتشاف الثقافة الشفهية كمصدر للصفات الإنسانية الثمينة. استنكر العديد من النقاد ربط معرفة القراءة والكتابة بالدلالات الإيجابية والأمية بالدلالات السلبية. لقد عبرت روح هذا العصر عن مزاج يدعو إلى التشكيك في التمييز طويل الأمد بين الأشخاص الذين اعتبروا متحضرين وأولئك الذين كانوا بدائيين. غالبًا ما تم رفض المثل الأعلى للتقدم الحضاري باعتباره مظهرًا غير مقبول للتفوق العنصري.

في هذه المرحلة، تم استنكار مجرد الاقتراح القائل بأن الثقافة المتعلمة متفوقة على الثقافة الأمية، باعتباره في أحسن الأحوال غير حساس وفي أسوأ الأحوال أحد أعراض النزعة العرقية. وكما لاحظ والتر أونج، أصبح مصطلح «الأمية» غير مقبول على نحو متزايد لأنه ينقل فكرة «النقص أو العيب»؛ تم استبدال هذه المصطلحات تدريجيًا بـ «فهم أكثر إيجابية لحالات الوعي السابقة»، وكان «المصطلح الأقل إزعاجًا والأكثر إيجابية لاستخدامه كبديل للأمية شفهيًا».

تجاوز مصطلح «شفهي» الدلالات السلبية للأمية وأدى إلى التشكيك في تمثيل معرفة القراءة والكتابة كتطوُّر تقدمي لا لبس فيه. في الأوساط الأكاديمية، قيل في كثير من الأحيان أن الأهمية التي أولتها الأجيال السابقة للأثر التحويلي لمحو الأمية كانت إيديولوجية وخاطئة. وقد تردد صدى الحكم القائل بأن «محو الأمية مبالغ فيه» على نطاق واسع في النظريات التحريفية المؤثرة في الربع الأخير من القرن العشرين.

احترام متعمد

ومع ذلك، على الرغم من المواقف المتشككة التي يتم التعبير عنها غالبًا حول قيمة معرفة القراءة والكتابة، تُؤخذ القراءة والكتابة على محمل الجد في العالم الحقيقي، وتظل ظاهرة كإنجازات تحظى بتقدير كبير. وحتى ماكلوهان أقر قائلًا: «من الواضح أن إنجازات العالم الغربي هي شهادة على القيم الهائلة لمحو الأمية. ومع ذلك، فإن اعترافه على مضض بـ «القيمة الهائلة لمحو الأمية» تم تأهيله على الفور بكلمة «لكن» كبيرة: «لكن الكثير من الناس يميلون أيضًا إلى الاعتراض على أننا اشترينا هيكلنا من التكنولوجيا والقيم المتخصصة بسعر باهظ للغاية».

إن تمثيل ماكلوهان لمحو الأمية كعامل للتجريد التكنولوجي من الإنسانية لم يحظ بتأييد الرأي الفكري والتعليمي السائد، ولكن كان له تأثير كبير على المناقشات الثقافية في المجتمعات الغربية في ذلك الوقت. توقعات متفائلة سابقة حول قدرة أفسحت المجال لمعرفة القراءة والكتابة، التي ساعدت في تحويل حياة الناس نحو الأفضل، الطريق لإدراك أن تأثير القراءة والكتابة بمفردهم على التغيير الاجتماعي كان محدودًا.

وتداخلت خيبة الأمل إزاء الوعد الحداثي بمحو الأمية مع خيبة الأمل إزاء مجتمع بدا مفتونًا بالتطور التكنولوجي إلى الحد الذي جعله يفقد روحه الإنسانية. وقد وفر الخوف من التكنولوجيا، إلى جانب التوق الرومانسي إلى الطبيعة، سياقًا ثقافيًا للتقليل من قيمة الكلمة المطبوعة. في معرض توضيحه للتعميمات الضحلة حول تأثيرات معرفة القراءة والكتابة في هذا الوقت، علَّق عالم الاجتماع كينيث ليفين قائلًا: لقد تم تصوير الطباعة على أنها قوة عازلة وفردية، مما يُضعف شبكات الأقارب والارتباطات الأساسية الأخرى ويحل جزئيًا محل الدعم الاجتماعي والنفسي للذات. مع وجود مصادر بعيدة لتحديد الهوية وإحساس مُعزَّز بالتصميم الشخصي.

شكَّلت ثورة الستينيات ضد محو الأمية رد فعل على سلطة النص المطبوع ومطالبته بمكانة عليا في التسلسل الهرمي للاتصالات. وكان للتنافس على السلطة الثقافية، والذي كان موضوعًا مستمرًا في القرن العشرين، آثارًا مباشرة على حالة معرفة القراءة والكتابة.

كان الحنين إلى التقاليد الشفهية غير المتعلمة، ولا يزال، أحد أعراض تراجع سلطة النص المكتوب. ومع ذلك، نادرًا ما يمكن تحويل الحنين إلى قوة ثقافية إيجابية. ومهما كانت التحفظات التي تبديها هذه المشاعر بشأن القراءة، فليس هناك رغبة حقيقية في استبدالها بالتواصل الشفهي. كما يلاحظ أونج: الشفهية ليست مثالية، ولم تكن كذلك قط. إن التعامل معها بشكل إيجابي لا يعني الدعوة إليها كحالة دائمة لأي ثقافة. إن معرفة القراءة والكتابة تفتح إمكانيات للكلمة وللوجود الإنساني لا يمكن تصورها دون الكتابة. تقدر الثقافات الشفهية اليوم تقاليدها الشفهية وتتألم من فقدان هذه التقاليد، لكنني لم أواجه أو أسمع قط عن ثقافة شفهية لا تريد تحقيق القراءة والكتابة في أسرع وقت ممكن.

لا يمكن تصور المجتمع الحديث دون القراءة والكتابة. ومع ذلك، على الرغم من أن هذه الإنجازات ألهمت البشرية لعدة قرون، إلا أنها تواجه باستمرار تحديات لسلطتها الثقافية.

خاتمة

إن المخاوف التي عبَّر عنها سقراط بشأن التحوُّل من الثقافة الشفهية إلى الثقافة المكتوبة يتم الإشارة إليها كثيرًا في المناقشات الحالية حول الثقافة المكتوبة وإزاحة المطبوع بالنص الرقمي. وصف أمبرتو إيكو رد فعل سقراط بأنه تعبير عن «الخوف الأبدي: الخوف من أن يؤدي إنجاز تكنولوجي جديد إلى إلغاء أو تدمير شيء نعتبره ثمينًا ومثمرًا، وهو شيء يمثل لنا قيمة في حد ذاته، وقيمة روحية عميقة».. ومع ذلك، فإن الميل إلى رسم أوجه تشابه بين المخاوف المعاصرة بشأن زوال ثقافة الطباعة وتحذيرات سقراط حول أخطار الكتابة يميل إلى تسطيح تفرد التجربة التاريخية.

إن تناقض المجتمع الحديث تجاه الإبداع التكنولوجي يعتمد على قرون من الخبرة وما يترتب على ذلك من عواقب مُربكة. لم تكن هناك تجربة كهذه يمكن لسقراط الاعتماد عليها، وعلى الرغم من خوفه من أن تؤدي الكتابة إلى إضعاف الذاكرة البشرية، إلا أنه كان مهتمًا أكثر بكثير بالعواقب المزعزعة للاستقرار التي تُخلفها الكتابة على الثقافة والمجتمع الأثيني. على مر القرون، خضعت المواقف تجاه القراءة لتعديلات كبيرة، وكما سنرى، مالت إلى عكس القضايا التي كانت محددة تاريخيًا لعصرهم.

إن تبلور نقد أفلاطون في رفض رومانسي مناهض للحداثة لمحو الأمية لم يكن نتيجة لعملية تطور ثابت. وبمجرد إدراك إمكانات محو الأمية، تم الترحيب بها من قبل العديد من المجتمعات في ظروف تاريخية مختلفة. منذ عصر النهضة فصاعدًا، اكتسبت معرفة القراءة والكتابة أهمية ثقافية كبيرة لدرجة أنه بحلول أوائل القرن التاسع عشر أصبح مصطلح «حب القراءة» مستخدمًا على نطاق واسع ويدل على إضفاء المثالية على معرفة القراءة والكتابة.

إن إضفاء المثالية على «حب القراءة»، الذي انطلق بالفعل في القرن الثامن عشر، قد تحول خلال العقود الخمسة الماضية أو نحو ذلك إلى قبول فعال للقراءة. ومع ذلك، فإن النص المكتوب يعني دائمًا أكثر من مجرد أحرف غير شخصية. كما أنها نقلت المشاعر والروح التي حفزت المؤلفين على التعبير عن أنفسهم في شكل كتابي. لقد سعى القراء دائمًا إلى إيجاد معنى من النصوص التي بين أيديهم. كان يُنظر إلى الهيروغليفية المصرية على أنها تمتلك قوى سحرية؛ وبعد قرون، أصبحت النصوص الدينية لليهود والمسيحيين والمسلمين تتمتع أيضًا بخصائص مقدسة. خلال القرون التي تلت ذلك، أصبحت عبارة «ما هو مكتوب» تأخذ أهمية ذات سلطة إلهية حقًا. في العصور اللاحقة، ارتبط الكتاب في كثير من الأحيان بالصفات العلاجية الغامضة والروحية والقوية لاحقًا.

إن تقديس النص منح القراءة حتمًا مجموعة متنوعة من الخصائص ذات القيمة الثقافية والأخلاقية. وحتى مع صعود محو الأمية على نطاق واسع، ظلت القراءة تعتبر واحدة من أهم الإنجازات الثقافية، ونادرًا ما كانت مجرد نشاط بدني. لقد كان ولا يزال يُنظر إليه على أنه وسيلة يمكنها تغيير المواقف، أو التأثير على العواطف، أو التنوير، أو التلقين، أو التخريب، أو الإغواء، أو الفساد. ولهذا السبب كانت القراءة في كثير من الأحيان عرضة لمشاعر الحب والكراهية المتناقضة.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

د. هاني حجاج

كاتب ومترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى