العدد الحاليالعدد رقم 47مراجعات

أسياد الصحراء: صراع بريطانيا مع أمريكا للهيمنة على الشرق الأوسط

الكتاب: أسياد الصحراء: صراع بريطانيا مع أمريكا للهيمنة على الشرق الأوسط»

المؤلف: جيمس بار

الناشر: سايمون وشوستر المحدودة

تاريخ النشر: 1 يوليو 2019

اللغة: الإنجليزية

عدد الصفحات: 240 صفحة

يأتي كتاب «أسياد الصحراء: صراع بريطانيا مع أمريكا للهيمنة على الشرق الأوسط» للمؤرخ البريطاني جيمس بار بوصفه عملًا تاريخيًا نقديًا يعيد مساءلة إحدى أكثر المسلّمات رسوخًا في سرديات العلاقات الدولية المعاصرة، وهي مسلّمة الانتقال السلس والمنطقي للنفوذ في الشرق الأوسط من الإمبراطورية البريطانية إلى الولايات المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية. ينطلق بار من فرضية مخالفة لهذا التصور التبسيطي، مفادها أن هذا الانتقال لم يكن نتيجة حتمية تاريخية أو تسليمًا طوعيًا من قوة آيلة إلى الأفول لقوة صاعدة، بل كان ثمرة صراع طويل، معقّد، ومتعدد المستويات، اتخذ أشكالًا سياسية واقتصادية واستخباراتية، ودار في معظمه خلف واجهة التحالف الغربي المعلن.

يُعيد الكتاب تموضع الشرق الأوسط داخل التاريخ العالمي لا بوصفه هامشًا أو ساحة فرعية، بل باعتباره مركزًا لإعادة تشكيل النظام الدولي في النصف الثاني من القرن العشرين. فالمنطقة، في تحليل بار، لم تكن مجرد فضاء جغرافي غني بالموارد، وإنما عقدة استراتيجية التقت عندها مصالح الإمبراطوريات القديمة والقوى الصاعدة، وتكثّفت فيها تناقضات الحداثة الإمبريالية في صورتها المتأخرة. ومن هذا المنظور، يغدو الصراع البريطاني–الأمريكي على الشرق الأوسط تعبيرًا عن تحوّل أعمق في بنية القوة العالمية، وعن إعادة توزيع للنفوذ لا تقل حدّة في آثارها عن الصراعات الاستعمارية الكلاسيكية.

يشكّل النفط العمود الفقري للتحليل في هذا العمل، ليس بوصفه مادة خام أو سلعة استراتيجية فحسب، بل باعتباره عنصرًا ثقافيًا وسياسيًا أعاد تعريف معنى السيادة والاستقلال في دول المنطقة. يبيّن بار كيف أدركت بريطانيا، منذ وقت مبكر، أن السيطرة على منابع النفط تعني السيطرة على مستقبل القوة الصناعية والعسكرية، وكيف حاولت، رغم إنهاكها الاقتصادي بعد الحرب، الحفاظ على امتيازاتها النفطية عبر شبكات معقّدة من الشركات، والاتفاقيات، والتدخلات غير المباشرة. في المقابل، تظهر الولايات المتحدة في الكتاب قوةً صاعدة لا تكتفي بدخول السوق النفطية، بل تسعى إلى إعادة هندسة المجال السياسي نفسه بما يخدم مصالحها طويلة الأمد، مستخدمة أدوات اقتصادية ودبلوماسية تفوق في فعاليتها القوة العسكرية المباشرة.

ويكتسب التحليل بعدًا نقديًا أعمق حين يربط المؤلف بين صعود الشركات النفطية الكبرى وتحوّلها إلى فاعلين سياسيين غير رسميين، يتجاوز نفوذهم أحيانًا نفوذ الحكومات الوطنية. هنا، يقدّم الكتاب قراءة ضمنية لنشوء ما يمكن تسميته «الإمبراطورية الاقتصادية»، حيث تتداخل مصالح الدولة مع رأس المال، وتُختزل الجغرافيا السياسية في معادلات الربح والخسارة. ومن هذا المنظور، لا يعود الصراع بين بريطانيا وأمريكا مجرد تنافس بين دولتين، بل يصبح صراعًا بين نموذجين للهيمنة: نموذج إمبراطوري كلاسيكي يعتمد على الإدارة المباشرة، ونموذج أمريكي حديث يعتمد على النفوذ الاقتصادي والتحالفات المرنة.

تتجلى أهمية الكتاب في معالجته التفصيلية لحالات بعينها، تكشف عن الطبيعة المركّبة لهذا الصراع. ففي السعودية، يوضح بار كيف فقدت بريطانيا نفوذها التقليدي لصالح الولايات المتحدة، لا بسبب ضعف الحضور البريطاني فحسب، بل نتيجة قدرة واشنطن على تقديم نفسها شريكًا استراتيجيًا أقل كلفة سياسيًا وأكثر فاعلية اقتصاديًا. وهنا، لا يقدّم الكتاب سردًا دبلوماسيًا باردًا، بل يلمّح إلى تحوّل ثقافي في مفهوم الحماية والتحالف، حيث انتقلت المنطقة من منطق الرعاية الإمبراطورية إلى منطق الشراكة المشروطة.

أما في إيران، فيبلغ التحليل ذروته مع تناول أزمة تأميم النفط والانقلاب على حكومة محمد مصدّق عام 1953. لا يقدّم بار هذه الحادثة بوصفها تعاونًا استخباراتيًا ناجحًا بين لندن وواشنطن فحسب، بل يكشف عن التوتر العميق الذي سبقها، وعن شعور بريطاني متنامٍ بفقدان السيطرة، انتهى إلى الارتهان للدعم الأمريكي. ومن خلال هذه الحالة، يبيّن الكتاب كيف تحوّل التحالف الظرفي إلى لحظة تفوق أمريكي حاسمة، دشّنت مرحلة جديدة من الهيمنة في المنطقة، كان لها أثر بالغ في تشكيل الوعي السياسي الإيراني، وفي ترسيخ الشك العميق تجاه الغرب عمومًا.

في جنوب الجزيرة العربية، ولا سيما في اليمن وعُمان، يكشف بار عن وجه أقل تداولًا من تاريخ المنطقة، يتمثل في ما يمكن وصفه بحروب الظل. هنا، تظهر بريطانيا قوةً تحاول إطالة عمر نفوذها عبر تدخلات غير مباشرة، ودعم حركات محلية، وإدارة صراعات منخفضة الحدة، في محاولة يائسة للحفاظ على مواقع استراتيجية باتت تتآكل أمام المدّ الأمريكي والسياق الدولي الجديد. وتكتسب هذه الفصول أهمية خاصة للقارئ العربي، إذ تسلّط الضوء على تاريخ غالبًا ما جرى تهميشه أو تبسيطه في السرديات الرسمية.

من الناحية المنهجية، يعتمد بار على قاعدة أرشيفية واسعة تشمل وثائق رُفعت عنها السرية، ومراسلات دبلوماسية، وتقارير استخباراتية، ومذكرات شخصيات سياسية وعسكرية. ويُحسب له قدرته على توظيف هذه المادة الغنية في بناء سرد متماسك لا يغرق في التفاصيل التقنية، ولا يفقد في الوقت نفسه صرامته التحليلية. كما يميّز الكتاب الجمع بين التاريخ السياسي والتاريخ الاقتصادي، في مقاربة تتيح فهمًا أعمق لبنية الهيمنة بدل الاكتفاء بوصف مظاهرها.

غير أن القيمة التحليلية للكتاب لا تمنع من تسجيل ملاحظات نقدية ذات طابع معرفي وثقافي. فالسرد، رغم طابعه النقدي، يظل أسيرًا إلى حدّ بعيد للمنظور الغربي، حيث تُعرض المجتمعات المحلية العربية بوصفها مساحات للتنافس بين القوى الكبرى، أكثر منها فاعلين تاريخيين يمتلكون مبادراتهم وخياراتهم. كما يطغى التركيز على النخب السياسية والاستخباراتية على حساب التحولات الاجتماعية والثقافية التي رافقت تلك المرحلة، وهي تحولات لا تقل أهمية في فهم تشكّل الدولة الحديثة في المنطقة.

ومع ذلك، فإن هذه الحدود لا تقلّل من أهمية الكتاب، بل تفتح المجال أمام قراءته قراءة تكاملية، تُستكمل بأعمال تنطلق من الداخل العربي ذاته. بل يمكن القول إن أحد مكاسب «أسياد الصحراء» يتمثل في قدرته على تحفيز هذا النوع من القراءة النقدية، ودفع الباحث العربي إلى إعادة التفكير في تاريخ المنطقة خارج ثنائية الضحية والمؤامرة، ضمن إطار أوسع لتحليل بنى القوة العالمية.

في المحصلة، يمثّل كتاب «أسياد الصحراء» إضافة معرفية مهمّة إلى حقل دراسات الشرق الأوسط والعلاقات الدولية، ليس فقط لما يقدّمه من معلومات موثّقة، بل لما يطرحه من أسئلة ضمنية حول طبيعة الهيمنة، وحدود الاستقلال، ودور الموارد الطبيعية في تشكيل المصائر السياسية.

من القصص التي يرويها الكتاب كيف التقى الجاسوس روزفلت وضابط وكالة الاستخبارات الأمريكية الآخر مايلز كوبلاند بعبد الناصر في بيته من أجل تخفيف حدة التوتر مع إسرائيل، وبينما هما في طور الحديث مع مضيفهما، جاء خبر زيارة السفير البريطاني في القاهرة للزعيم، وهنا اضطر الرجلان للصعود إلى الطابق العلوي، ومازح كوبلاند شريكه روزفلت بالقول: «سيكون من الممتع أن نرى ردة فعل السفير البريطاني ونحن نقاطع جمال عبد الناصر لنقول له إن المرطبات في الأعلى قد نفدت».

ومن بين ما يذكره بار في كتابه، أن اللمسات الأخيرة للانقلاب الأمريكي البريطاني على رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق وضعت في فندق سان جورج على الساحل الغربي للعاصمة اللبنانية بيروت، كذلك هوية من شاركوا في الانقلاب، وكيف جرى التدبير له وما سبقه من مفاوضات حول الاتفاقية الإيرانية البريطانية حول حصص النفط، وقول أحد رؤساء شركة النفط الإيرانية البريطانية لدى سؤاله عما يمكن التنازل عنه للإيرانيين: «إذا ما أعطيتم الإيرانيين شبرًا فهم سيأخذون ميلاً».

الكتاب يكشف أن الصحراء، التي طالما صُوّرت فضاءً فارغًا أو هامشيًا، كانت ولا تزال مركزًا لصراعات كبرى، وأن «أسيادها» يتغيرون بتغير موازين القوة، فيما تبقى آثار تلك الصراعات محفورة في تاريخ المنطقة وواقعها الراهن.

ويوفّق جيمس بار في تقديم عمل تاريخي نقدي يكشف كيف أُعيد تشكيل المنطقة عبر صراع القوى الكبرى، وكيف تَشكّل النظام الإقليمي الحالي على أنقاض إمبراطورية بريطانية وبصعود نفوذ أمريكي ما تزال آثاره ماثلة حتى اليوم.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

المحرر الثقافي

مجلة فكر الثقافية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى