
مئة دولار غيّرت تاريخ الأدب
في عام 1969، وفي ملحق للبريد بوسط مدينة لوس أنجلوس، تلقى موظف نوبة ليلية يُدعى «تشارلز بوكوفسكي» رسالة. كانت تحمل توقيع «جون مارتن»، مالك دار نشر صغيرة حديثة التأسيس تُدعى «بلاك سبارو بريس» (Black Sparrow Press). حملت الرسالة عرضًا يمنحه مائة دولار شهريًا مدى الحياة مقابل أن يترك وظيفته البائسة ويتفرغ لكتابة الروايات.

كان بوكوفسكي آنذاك في التاسعة والأربعين من عمره؛ قضى منها أحد عشر عامًا بين جدران ذلك المبنى، قابعًا أمام الصناديق البريدية، يفرز الرسائل لثماني ساعات متواصلة على وقع صراخ المشرفين وحثهم له على الإسراع، أمضى ثلاث سنوات يجوب أحياء لوس أنجلوس سيرًا على الأقدام لتوزيع البريد. أما قبل ذلك، فقد أمضى عقدين من الزمن يتنقل بين وظائف هامشية متفرقة: عامل مستودع، غاسل صحون، مشغّل مصعد، مساعد في الصليب الأحمر، عامل «باليومية» في المسالخ، عامل في محطات الوقود، وعامل في مصانع البسكويت. كان يُطرد من بعضها، ويغادر البعض الآخر بمحض إرادته.
حاول أن يسلك طريق الكتابة في عشرينيات عمره، فنشر قصتين في أربعينيات القرن الماضي، لكن الرفض كان حليف كل ما قدمه بعد ذلك. فاستسلم للأمر الواقع، وأمضى عشر سنوات غارقًا في شرب الكحول، دون أن يخط سطرًا واحدًا.
في عام 1955، نُقل إلى جناح الرعاية المجانية في مستشفى المقاطعة إثر إصابته بقرحة نازفة، حيث كان على شفا الموت. وهناك أخبروه أن عودته لاحتساء الكحول تعني الموت المحتم. خرج من المستشفى، واشترى آلة كاتبة، وعاد للشرب من جديد! لكنه هذه المرة، كان يكتب كلما عاد من وظائفه الشاقة والمهينة.

على مدار خمسة عشر عامًا، عاش في نُزُلٍ متهالكة في شرق هوليوود، ونشر قصائد في مجلات مغمورة لا يقرؤها أحد، وكتب عمودًا صحفيًا بعنوان: «يوميات عجوز قذر» في إحدى الصحف المستقلة. لقد كان رجلًا في الأربعينيات من العمر مدمنًا على الكحول، يحمل على وجهه ندوبًا لأسوأ حالة حب شباب رآها أطباؤه، وفي روحه ندوبًا من أبٍ كان يضربه بحزام جلدي كل يوم في طفولته، وفي ماضيه زواج فاشل يثقل كاهله.
قَبِلَ بوكوفسكي عرض «مارتن»، وترك وظيفته في البريد. وبعد ثلاثة أسابيع فقط، كان قد انتهى من كتابة رواية «مكتب البريد» (Post Office). كان حينها في الخمسين من عمره، وكانت تلك روايته الأولى.
تلا ذلك روايات أخرى سردت حكايته، مثل: «عامل باليومية» (Factotum)، و«نساء» (Women)، و«ساندويتش لحم الخنزير» (Ham on Rye). كلها كُتبت بعد أن تجاوز عتبة الخمسين، وكلها استلهمت حبرها من ذات المادة الخام: تلك الحياة التي عاشها، قبل أن يدفع له أحدهم المال ليرويها.



