
كيف تحدت شارلوت برونتي أحزانها لتصنع تاريخ الأدب؟
وصلت الرسالة في عام 1837، مختومة بختم أعلى سلطة أدبية في إنجلترا. كانت «شارلوت برونتي» آنذاك في العشرين من عمرها، تشتعل طموحًا، وقد تجرأت على إرسال قصائدها إلى «روبرت ساوذي»، شاعر البلاط الملكي نفسه. جاء رده قاطعًا كالمبضع؛ إذ أوضح لها ببرود أن الأدب «لا يمكن أبدًا أن يكون مهنة في حياة المرأة»، ونصحها بالتركيز على واجباتها المنزلية والتخلي عن تلك الأحلام غير اللائقة.
طوت شارلوت الرسالة بعناية، واحتفظت بها.. ثم استمرت في الكتابة.
لقد نجت شارلوت بالفعل من أهوال تفوق ما واجهه من هم ضعف عمرها. ففي الثامنة، شهدت وفاة شقيقتيها بمرض السل الذي فتك بهما في مدرسة داخلية وحشية، حيث كان الأطفال يتجمدون في مهاجع بلا تدفئة، وينتشر المرض كالنار في الهشيم داخل الفصول. كانت تلك المدرسة تُدعى «كوان بريدج»، وهي المكان الذي ستخلد شارلوت قسوته لاحقًا في روايتها «جين آير» بدقة متناهية دفعت مدير المدرسة للتهديد بمقاضاتها.
كانت طفولتها عبارة عن مروج «يوركشاير» القاحلة ورياحها التي لا تهدأ، في بيت ريفي حجري كان فيه الكتاب هو الترف الوحيد، والخيال هو المهرب الأوحد. ابتكرت هي وإخوتها عوالم خيالية كاملة، وانغمسوا في الكتابة بهوس، مشيدين ممالك على الورق لأن الواقع لم يقدم لهم شيئًا يُذكر. شجعهم والدهم، وهو رجل دين يملك من الفكر أكثر مما يملك من المال، على قراءة كل شيء والتشكيك في كل شيء؛ كانت تلك منحة راديكالية في عصر لم يكن ينتظر من الفتيات سوى التحضير للزواج.
لكن كل المسارات التقليدية خذلتها؛ فالتعليم كان يسحق روحها، والعمل كـ «مربية» كان يعني تحمل أصحاب عمل يرمي أطفالهم. حتى خطتها لافتتاح مدرسة مع شقيقتها «إيميلي» انهارت. لم تكن الكتابة خيارًا، بل كانت ما تبقى لها حين أثبت كل شيء آخر استحالته.
في عام 1847، نشرت «جين آير» تحت اسم مستعار هو «كورير بيل». أحدث الكتاب دويًّا هائلًا؛ فقد قدم بطلة فقيرة، بسيطة الملامح، وشغوفة، رفضت أن تُعرّف قيمتها من خلال مكانتها الاجتماعية. وجد المجتمع الفيكتوري الرواية فاضحة لكنها كانت فاتنة لا تُقاوم؛ وصفها البعض بالانحلال الأخلاقي، ومع ذلك بيعت منها آلاف النسخ.
ثم جاء عام 1848 ليمزق كيانها؛ توفي شقيقها «برانول» في سبتمبر بعد أن دمره الإدمان، ولحقت به «إيميلي» بعد ثلاثة أشهر، حيث اختطفها السل وهي في الثلاثين. ثم توفيت «آن» في مايو التالي عن عمر 29 عامًا. ثلاثة أشقاء رحلوا في ثمانية أشهر، في البيت ذاته، بينما بقيت شارلوت تتساءل في ذهول: لماذا نجوت أنا؟
واصلت الكتابة رغم مرارة الفقد. تزوجت بهدوء في عام 1854، مفضلةً المودة على الشغف، ومعترفةً بأنها تكنّ لزوجها التقدير لا الحب. حملت، لكن صحتها الهشة انهارت تمامًا، لتوافيها المنية في مارس 1855، قبل أسابيع من عيد ميلادها التاسع والثلاثين، ورحل جنينها معها.
أربع روايات، آلاف الرسائل، ونوع جديد تمامًا من الأدب حيث لم تكن الحياة الداخلية للمرأة مجرد زينة، بل كانت هي حجر الأساس للبناء الروائي كله. لم يتوقف طبع «جين آير» يومًا، والفتاة التي نصحها شاعر البلاط بوضع قلمها، تفوقت على كل من شكك فيها بقرنين من الزمان. لقد استمرت في الكتابة فحسب.. وكان ذلك كافيًا.
كتبت شارلوت «جين آير» بقلم رصاص وهي ترعى والدها بعد جراحة «المياه البيضاء» في نزل بمدينة مانشستر عام 1846. كانت تعمل بخط صغير ومضغوط، فصلًا بعد فصل، لتخلق واحدة من أكثر بطلات الأدب خلودًا وهي جالسة في غرفة مستأجرة بعيدة عن الديار. ومن رحم تلك الأسابيع من الحبس والعزلة، ولدت الجملة الافتتاحية الشهيرة للرواية: «لم يكن هناك أي احتمال للقيام بنزهة مشيًا في ذلك اليوم».
نشرت الأخوات برونتي كتابهن الأول – وهو ديوان شعري- تحت أسماء غامضة لا تحدد الجنس (كورير، إليس، وآكتون بيل). لم يبع الكتاب سوى نسختين فقط، وبدلًا من الاستسلام، بدأت الأخوات الثلاث فورًا في كتابة الروايات. وفي غضون عامين، كنّ قد أنجزن «جين آير»، «مرتفعات وذرينغ»، و«آغنيس غراي»؛ ثلاثة من أكثر الكتب تأثيرًا في تاريخ الأدب الإنجليزي.
ومن المثير للاهتمام أن طول شارلوت لم يتجاوز 145 سم، وكانت تعاني من ضعف شديد في البصر. تصفها التقارير المعاصرة بأنها كانت خجولة وغير ملفتة للنظر، وهو ما يجعل ابتكارها لشخصية جين آير «الفقيرة، المغمورة، والبسيطة» أكثر تأثيرًا وعمقًا. لقد كتبت شارلوت عما كانت تعيشه بصدق، فتردد صدى كلماتها عبر القرون.



