العدد الحاليالعدد رقم 47كتب

اللحظة الأورويلية.. العلم في مواجهة الظلاميات الجديدة

الكتاب: «اللحظة الأورويلية.. العلم في مواجهة الظلاميات الجديدة»

المؤلف: تمارا بن آري، أوليفييه بيرنيه، إيمانويل بيريز تيسيران

الناشر: سوي

تاريخ النشر: 2026

اللغة: الفرنسية

عدد الصفحات: 240 صفحة

«كيف تحوّلت المعرفة، التي كانت تُعامل بوصفها مرجعًا مشتركًا إلى ساحة صراع سياسي وأيديولوجي؟»، يستحق هذا السؤال في وقتنا الحاضر أن تحاول الأوساط العلمية والثقافية الإجابة عنه. وهذا ما يذهب نحوه كتاب «اللحظة الأورويلية.. العلم في مواجهة الظلاميات الجديدة»، بعدما صارت العلوم موضع شك ونزاع! فمتى حدث ذلك وكيف؟

يوظّف الكتاب الذي قدّمه، فاليري ماسون-ديلموت، وشارك في تأليفه: تمارا بن آري، أوليفييه بيرنيه، إيمانويل بيريز تيسيران، مفاهيم مستقاة من رواية “1984” للروائي الإنجليزي جورج أورويل، وينسبون لها المفصل الذي يحاولون فهمه، فيتجاوزون طبيعتها كاستعارة أدبية، ويحولونها إلى أداة تحليل للواقع المعاصر، إذ لم تعد المشكلة في غياب الحقيقة، إنما في التشويش عليها، ويتجلى ذلك في توالد السرديات بشكل مجاني، واختلاق وقائع تتنافس في ما بينها على إثبات حدوثها، وتختفي قدرة اللغة على التحدي، وصولًا إلى واقع مزرٍ قوامه الجدل الذي لا ينتهي حول معارف مستقرة، وما كان يُحسم بالدليل يُعاد طرحه في ساحة الرأي.

الإضعاف التدريجي للعلم لم يحدث بين ليلة وضحاها، وأتى محصلة مسار طويل أُخضعت فيه المعرفة لآليات السوق، حيث صار البحث العلمي يرتبط بالممولين الذين يرفضون هدر المال على الأبحاث التي تحتاج جهدًا كبيرًا ووقتًا إلزاميًا، مشددين على الجدوى وسرعة الإنجاز. الأمر الذي غيّر موقع العلم، فلم يعد مستقلًا بعدما أمسى أكثر هشاشة، وصار عرضة للتشكيك والاستهانة.

بعد هذا دخل العلم طورًا أكثر حدة وصار يُنتقد من خارج قواعده، فلم يعد النقاش يدور حول صحة النتائج أو دقة المنهج، وإنما حول نيات العلماء أنفسهم بعد تحديد انتماءاتهم، وتدقيق مصالحهم. هكذا، جرى تحويل المعرفة إلى مسألة رأي، وفُتح الباب أمام مساواة غير متكافئة بين الخطاب العلمي والخطابات الأخرى.

ضمن هذا السياق، يركّز الكتاب على الآليات الأساسية المستخدمة في التجهيل، مثل التلاعب باللغة، حين تُستخدم الكلمات بمعانٍ فضفاضة أو معكوسة، لتفقد قدرتها على الوصف. وكذلك إعادة كتابة الماضي، ليس بهدف الفهم، بل لإنتاج سردية تخدم الحاضر. وأيضًا إنكار الوقائع بوصفها سلوكًا ينم عن الحرية، بحيث يصبح التشكيك في كل شيء دليلًا على الاستقلال، بينما هو في الواقع علامة اضطراب في تحري الوقائع العلمية.

تبدأ «اللحظة الأورويلية» من السعي إلى إنتاج واقع موازٍ للواقع الحقيقي والتعامل مع الحقيقة يتجاوز قمعها نحو استبدالها في هذه الحالة، فلا يعود النقاش ممكنًا، لأن الأطراف لا تقف على أرضية واحدة ومشتركة لجهة قواعد العلم، لتصبح المعرفة مجرّد خيار بين خيارات.

لا يتبنى الكتاب موقفًا تبسيطيًا يمجّد العلم أو يرفعه إلى مرتبة اليقين. على العكس، إنه يذكّر بأن قوته تكمن في طبيعته النقدية وقدرته على مراجعة نفسه، غير أن هذه السمة نفسها تُستغل أحيانًا ضده، حين يُقدَّم الشك المنهجي دليلًا على انعدام الثبات، أو ذريعة لرفض نتائجه. لذلك يرى المؤلفون أنه لا بد من تشخيص وتسمية ما يحدث في أي ظاهرة، وتفكيك آلياته، وكذلك إدراك كيف يجري التلاعب باللغة والتاريخ.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

المحرر الأدبي

مجلة فكر الثقافية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى