
مفردات صرفية جديدة في اللغة العربية المعاصرة
كان العرب يتكلمون بطباعهم السليمة بلغاتهم ولهجاتهم، كل يتكلم بلغته، ووفق سجيته ولسانه الذي أخذه من بيئته، فهو ينطق وفق ما سمع وحفظ، فلا يلحن في الكلام، ولا يخطئ في الصيغ والأوزان، ولما سُمع اللحن في قراءة القرآن الكريم، فكٌر أولوا الألباب والأمر في وضع قواعد تصونه من الزيغ الذي بدأ يلحق به، وهذا بهدف المحافظة على اللسان العربي، من خلال وضع قوانين تضبطه.
وتكاد الروايات تتٌفق على أنٌ أبا الأسود الدؤلي هو الٌذي وضع النحو العربي(1)؛ وهذا ما تجمع عليه أغلب المصادر القديمة، وزاد فيه علماء العربية الذين أسسوا العربية وفتحوا أبوابها ونهجوا سبيلها ووضعوا قياسها.
وقد توجه مسعى التفكير النحوي إلى تأصيل الأنماط اللغوية التي تخدم القرآن الكريم، وقد رأى اللغويون أن هذه الأنماط يمكن أن تمثلها لغة القرآن الكريم ابتداءً من العصر الجاهلي حتى منتصف القرن الثاني الهجري ، ثم أخذت تخالط العربية تدريجيًا بعض مظاهر العجمة، وبخاصة بعد أن أُخرج العرب من عزلتهم نسبيًا، واحتكوا بشعوب أخرى من غير العرب فتأثروا بلغات تلك الشعوب، والهدف التأصيلي على هذا كان يرمي إلى توصيف الظاهرة اللغوية، والوقوف على حقيقتها بتسجيل قواعدها، حتى تكون مرجعًا يُرجع إليه في معرفة النحو الذي تُنطق عليه هذه اللغة فيما سمي بعصر الاحتجاج اللغوي.
ويرى الدكتور صبحي الصالح أن منهج اللغة عند العرب بدأ استقرائيًا وصفيًا؛ إذ نشأوا في فجر الإسلام يجمعون اللغة ورواياتها، ويمحصون نصوصها كل التمحيص، ويخضعونها لطرائق الاستقراء ويخرجوا منها بما يسمونه سنن العرب في كلامها(2).
وعندما انتهت عصور الاحتجاج والاستشهاد وجد اللغويون أنفسهم في موقف يوجب عليهم أن يدوروا حول ما وضعه السلف من قواعد؛ فجعلوا دراساتهم ومصنفاتهم عنها، فظهر ما يُعرف بالشروحات مثل شرح الكافية، وشرح المفصل، وشرح ابن عقيل، وشروحات الشواهد النحوية مثل خزانة الأدب، وغيرها، ولم يكن ثمة مكان للاستقراء لأن عصور الاحتجاج قد انتهت، وقد أشبع العلماء الأوائل الشواهد اللغوية شرحًا وتفصيلًا واستنباطًا للقواعد، وأصبحت القواعد سيدة النصوص، ووجد العلماء أنفسهم أمام تجربة جديدة وهي أن يتكلموا في النحو دون الاعتماد على روايات جديدة، وأدى هذا إلى زيادة القيود التي اعتمدها علماء اللغة في الاحتجاج والتقعيد، وكل ما يقال في الشواهد النحوية يندرج على الشواهد الصرفية، فقد أقر علماء الصرف الأوزان الصرفية للأسماء والأفعال، وأرسوا أسس الاشتقاق ووضعوا شروطه، وفق ما سمعوا من عصور الاحتجاج، وقياسًا عليه.
واللغة كما يراها الدكتور صبحي الصالح هي «ظاهرة إنسانية اجتماعية كالعادات والتقاليد والأزياء ومرافق العيش، بل هي بين الظواهر الاجتماعية كلها دليل نشاطها ووعاء تجاربها، وبها تُستقصى الملامح المميزة لكل مجتمع»(3)، وتعريفه هذا للغة يتضمن صفة النمو والتطور الذي يطرأ على الظواهر الاجتماعية تبعًا لتطور المجتمعات، والانفتاح على المجتمعات الأخرى فيما يُعرف بالتأثر والتأثير، فمن غير المعقول أن ينمو المجتمع بكل ظواهره، بينما تظل لغته جامدة في قوالب قديمة، ويرى الدكتور تمام حسان أن العرف هو الذي يحدد مقاييس اللغة، ويأتي ذلك بالاستماع والممارسة لمستويات اللغة الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية، وهو ما يتعارف عليه أبناء الجماعة اللغوية الواحدة، ويعدونه مقياسًا كلاميًا(4).
وقد أشار ابن جني إلى ضرورة توسع اللغة ونموها وفق ما تقتضيه الحاجة، ولكنه وضع قيدًا لعملية التوسع وهو القياس على كلام العرب، فقد أفرد بابًا في كتابه الخصائص(5) بعنوان «باب ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب» ويقول السيوطي في مصادر الثلاثي إنها لا تُدرك إلا بالسماع(6)، ولعل هذا يشير إلى ضرورة التقيد بالقوانين الصرفية لكل من يريد أن يجدد في صيغ اللغة وأوزانها.
إن معرفة خصائص اللغة وقوانينها وسنن تطورها، يمكننا من إصلاحها ومراقبة تطورها، وكذلك السير به في اتجاه صحيح يناسب خصائصها الأصلية. كما ويدلنا على أصول الألفاظ، وهو الطريق إلى حسن فهم اللغة والتفقه فيها، ومعرفة الأصيل من الدخيل. ويكشف الصلة بين المعاني المتباعدة لألفاظ من مادة واحدة، ويكشف عن عادات وأحوال ماضية. وبهذا يكون الاشتقاق والتوليد هو الجسر الموصل بين اللغة والحياة الفكرية والاجتماعية.
ويهدف هذا البحث إلى دراسة مفردات صرفية جديدة في اللغة المعاصرة، والاشتقاق من أسماء الأعيان، وتوليد ألفاظ صرفية جديدة مما دعت إليها الحاجة. وشمل ذلك المصادر المشتقة من أسما الأعيان نحو هيكلة، وخصخصة، وأسرلة، وعوربة، وبلطجة كهربة، والمصادر على وزن «فعلنة» نحو عصرنة، وقطرنة، مصرنة، وأردنة، وزعرنة، والمصادر الصناعية نحو، احتفالية، محدودية، مصـداقيـة، دافعية، إشكاليـة، والمصادر المعربة نحو أدلجة، وفسبكة، ودمقرطة.
وستتبع الباحثة المنهج التحليلي في الدراسة، ويشمل ذلك دراسة الأوزان التي استحدثت، والدلالات المرتبطة بها، وأنماط استعمالها، والمعاني المعجمية لها، وتقصي هذه الأوزان في المعاجم العربية.
أولًا: المصدر الصناعي
مصدر قياسي، يطلق على كل لفظ جامد أو مشتق، اسم أو غير اسم، زِيد في آخره حرفان هما: ياء مشددة بعدها تاء تأنيث مربوطة، ليصير بعد هذه الزيادة اسمًا دالًا على معنىً مجرد لم يكن يدل عليه قبل الزيادة. فهو يدل على صفة في اللفظ الذي صُنع منه، أو على ما فيه من خصائص. واستعملت العرب المصدر الصناعي بقلة وأخذته من أسماء المعاني والأعيان كالجاهليّة، والإنسانيّة والفروسيّة والألوهيّة. وقد أورد ابن منظور لفظة الجاهلية بمعنى: زمن الفترة قبل الإسلام(7)، وأورد الجوهري لفظة الفروسية في معجمه بمعنى: مصدر من قولك الرجل فارس على الخيل(8)، وكذلك لفظة الرجولية فقد جاء في الصحاح: والراجِلُ والأَرْجَلُ؛ يقال رَجُلٌ بيّن الرُجْلةِ والرجولَةِ والرُجولِيَّة(9)، أما في لفظة الحرية فقد جاء في لسان العرب: وقال ابن الأَعرابي: حَرَّ يَحَرُّ حَرارًا إِذا عَتَقَ، وحَرَّ يَحَرُّ حُرِّيَّةً من حُرِّيَّة الأَصل، و قال ابن سيده: أُراه إِنما يعني الحَرَّ لا الحُرِّيَّة(10)، وأورد ابن منظور لفظة العروبية في مادة عرب فقال: «وعربي: بين العروبة والعروبية، وهما من المصادر التي لا أفعال لها(11)، ويقال: فلان عَبْدٌ بَيِّن العُبُودَة والعُبودِيَّة والعَبْدِيَّةِ؛ وأَصل العُبودِيَّة الخُضوع والتذلُّل(12). كما وردت لفظة شيخوخية(13). هذا ما تيسر لي جمعه من المصدر الصناعي في معجمي لسان العرب والصحاح، وهو قليل إذا ما قيس بالاستخدامات المعاصرة له. فقد كثر استعماله في اللغة المعاصرة لكثرة الحاجة إليه، فنسمعهم يقولون: مصداقية، ومرجعية، وإشكالية، واستقلالية، وتعددية، ومحدودية، ومحسوبية، وشفافية، وقومية، وروحانية، وتقدمية، ورجعية، وحساسية وغيرها الكثير، ولكن متى يجوز أن يصاغ المصدر الصناعي؟ فلا معنى لإلحاق الياء والتاء بالمصدر إذا كان المقصود معنى المصدر، أو الاسم، وحَسْب. فإن اتخاذ العدلية بمعنى العدل، والخيرية بمعنى الخير، غير سائغ، واللغة تأباه، والعرب لم تَجْرِ به وإنما قالت: فَعَلَ ذلك على جهة العدل، وعلى جهة الخير… ولم تقل: على العدلية، ولا على الخيرية… لذلك كان الأصل في إلحاق الياء والتاء بالمصدر أو اسم المعنى عامةً، أن تزيد في معناه شيئًا، أو تبتغي خصوصية في دلالته؛ فـَلفظة الإنتاج مثلًا مصدر. فإذا قلت الإنتاجية، فلا بد أنك أردت به شيئًا آخر لا يمكن التعبير عنه بمجرد لفظ الإنتاج. والإنتاجية في الاقتصاد: العائد من سلعة أو خدمة في مدةٍ مّا، مقدّرًا بوحدات عينية أو نقدية، منسوبًا إلى نفقة إنتاجه.
ولفظة التقدم مصدر معناه معروف. أما التقدمية فتعني المذهب السياسي والاقتصادي الذي يدافع عنه أنصار التطور والتقدم.
ثانيًا: المصادر على وزن فعلنة
فعلنة: هي صيغة صرفية مَرِنَة في توليد مفردات عربية معاصرة وهي تطرد كثيرًا في الجذوع اللغوية من أسماء الأعيان أو الذوات: رَوْحنة من الرُّوح، وعَقْلَنَة من العَقْل وعصرنة من العصر، وقطرنة من القطر من الأردن وشرعنة من الشرع، وكذا، وإن بنسبة أقل، من أصول لغوية مصدرية، أو وصفية شَهْمَنة من الشَّهَامة، وحَرْمَنَة من الحرام، وزَعْرَنة من الأَزْعر، وكذلك يشار إلى أن هذا الوزن قد نما في الاستعمال العربي المعاصر على الهيئات التي يسمح بها نظام الاشتقاق الصرفي القياسي، مُولِّدًا صيغًا فعلية، وأسماء فاعلين ومفعولين وغير ذلك.
وتتجه الدلالة اللغوية في هذه المصادر إلى اتجاهين:
الأول: في السياقات الاجتماعية التي يعمد المستعمل اللغوي عند إرادة الإفصاح عن معنى لم يكن سَجِيَّة أو طبعًا في صاحبه ثم تحول إليه، ولابسه، واتصف به، فصار أَمارة عَلَيْه، وصفة شبه ثابتة في سلوكه نحو زعرنة، وشهمنة، وحرمنة.
الثاني: في السياقات السياسية والاقتصادية والفكرية عند إرادة معنى الجعل نحو عصرنة، وقطرنة، ومصرنة، وعقلنة، وشرعنة، ويعد هذا الوزن «فعلنة» مستحدث في أوزان المصادر فلا وجود لوزن فعلنة في الكتب التراثية التي درست أبنية المصادر، ولعل أقرب وزن إليه هو وزن «فعللة» ولا أثر لوجود النون الزائدة فيه إلا في بعض الإشارات.
وقد أوردت الكتب التراثية بعضًا من الصفات تزاد فيها النون كما في «رعشن» و«خلبن» و«ضيفن» . ويرى ابن عصفور أن النون قد تكون أصلية في ضيفن فتكون على وزن فيعل ويرجح هذا الرأي ودليله أن فيعل أكثر من فعلن في اللغة(14)، وأورد ابن السراج هذا الوزن في حديثه عن زيادة النون في الصفات يقول: «لحاقُها رابعةً: فَعْلَنٌ: صفةٌ: رَعْشَنٌ مِنَ الرَّعْشَةِ. فِعَلْنَةٌ: عِرَضْنَةٌ: مشيةٌ وَبِلَغْنٌ اسمٌ والصفةُ رجلٌ خِلَفْنَةٌ فِعْلِنٌ»(15).
وفي هذا إشارة إلى زيادة النون في بعض الصفات، ولكن هذا قليل كما يُفهم من كلام ابن عصفور، وابن السراج.
ويرى الدكتور صبحي الصالح أن فعلل للدلالة على ما تعددت فيه الوحدات في الوصف، مثل زبدد أي كثر زبده، أما وزن فعلن فيرى أن دلالته على نفوذ الوصف إلى غاية الباطن نحو نفسن للرجل المختص بالأعمال النفسية(16).
وإذا كانت النون تزاد في الأسماء والصفات كما في خلبن ورعشن وضيفن وأقر بذلك علماء اللغة والصرف، فقد زيدت هذه النون في الأفعال والمصادر، بإجماع المستعملين للغة فالمنهج الجذري، الذي عليه تكوين المفردات العربية، يُبيح صياغة مواد لغوية جديدة، لم تُرصد سماعًا من قبل، واستثمارًا للطاقة التوليدية الكامنة في كل جذر لغوي على حَدّه، وحسب الاحتياج إليه. وصحيح أنه في هذه المفردات تَقْبَعُ مشكلة الاعتراف بها، ولكن ذاك اختصاص علماء اللغة، لا اللغة نفسها، فاللغة شيء وعلم اللغة شيء آخر، والمتحصل أنه توجد مفردات جديدة، وعدم الاعتراف بها لا يعني نفيا لوجودها ونعود بذلك إلى القاعدة اللغوية التي وضعها ابن جني «ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب»(17).
وقد وردت في القرآن الكريم لفظة رهبانية في قوله تعالى: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) (الحديد: 27) وجاء في لسان العرب: رهب أي خاف، وترهب غيره إذا توعده، والرهبة الخوف والفزع، والراهب المتعبد في الصومعة ومصدره الرهبة والرهابة وقد تكون رثهبان للواحد والجمع، فمن جعله واحدًا كان على وزن فُعلان، ووجه الكلام أن يكون جمعًا في النون والرهبنة فعلنة منه أو فعللة على تقدير أصلية النون وزيادتها وقال ابن الأثير في رهبنة النصارى وأصلها من الخوف والرهبة(18) فابن منظور يرجح أن تكون النون زائدة وأورد ابن الأثير وزن فعلنة .
ثالثًا المصادر من اسم الذات على وزن فعللة
يشيع في اللغة المعاصرة استعمال المصادر من أسماء الذوات نحو هيكلـة من هيكل، وقولبـة من قالب وأسرلة من إسرائيل، وأردنة من الأردن، وسعودة من السعودية، وجدولة من جدول، مأسسة من مؤسسة، وغيرها.
واشتقاق العرب من الجوهر (أسماء الذات) قليل جدًا، والأكثر من المصدر، ويرى الدكتور صبحي الصالح أن الخلاف على أصل الاشتقاق ينبغي أن يكون بين المصادر التي هي أسماء معان وبين الجواهر التي هي أسماء جواهر (ذوات) ورغم ضآلة ما حفل النحاة بالجواهر في هذا الباب، وعلى ضآلة ما وفروا من شواهد لا نجد هذه الجواهر إلا أصولًا للاشتقاق، معروفة وموضوعة قبل أن توضع أسماء المعاني، فمن المنطق أن التأبل بمعنى اتخاذ الإبل وضع بعد معرفة الإبل، والتبحر وضعت بعد معرفة البحر واستحجر من الحجر، وهكذا(19).
لذلك كانت أسماء الأعيان هي أصل الاشتقاق دون المصادر، لأن هذه الأفعال لا تتقيد بموازين دقيقة، ولا تُقاس أقيسة سليمة مطردة(20)، ومن أمثلة الاشتقاق من أسماء الأعيان (الذوات أو الجواهر) أنِف من الأنْف، التتبني من الابن، والأبوة من الأب، والمباعلة من البعل وأهْضَب من الهضاب، وشرّق من الشرق، وأمصر إذا دخل مصر وهكذا.
إذن لا مانع من الاشتقاق من الاسم العربي (العين) وبالتالي يجوز الاشتقاق من الاسم الأعجمي كما سيرد في القسم التالي من هذا البحث، ولكن ضمن إطار الأوزان المعروفة في العربية ووفق ما يتعارف عليه أبناء الجماعة اللغوية الواحدة، فالمستعمل اللغوي هو الذي يفرض أنظمته على اللغة إذ تؤخذ اللغة بالسماع والتواضع والإجماع.
رابعًا: ألفاظ مشتقة من الأسماء الأعجمية على وزن فعللة
يشيع في اللغة المعاصرة استعمال ألفاظ ومفردات مشتقة من الأسماء الأعجمية على وزن فعللة، فنسمعهم يقولون: دمقرطة من الديموقراطية، وأدلجة من الأيدولوجية، وأسرلة من إسرائيل، وأمركة من أمريكا، وفسبكة من (الفيس بوك)، وتلفنة من التلفون، وتلفزة من التلفزيون. ويرتبط هذا الاشتقاق بما قيل في القضية السابقة وهو الاشتقاق من أسماء الجواهر، مع فارق أن هذه الجواهر أعجمية، وقد شاع استعمالها في اللغة المعاصرة من باب التوسع، ونمو اللغة العربية، ونذكر في هذا الموضع بما قاله ابن جني إن ما قيس على كلام العرب فهو عربي يقول: ألا ترى أنك لم تسمع أنت ولا غيرك اسم كل فاعل ولا مفعول، وإنما سمعت البعض فقست على غيره، فإذا ما سمعت «قام زيدٌ» أجزت «ظَرُف بشرٌ» واللغة سماع وقياس، وحكى لنا أبو على عن ابن الأعرابي أظنه قال: يقال درهمت الخبازي: أي صارت كالدراهم فاشتق من الدرهم، وهو اسم أعجمي(21)، وهذه المصادر جاءت على وزن عربي أصيل لمصدر الفعل الرباعي نحو دحرج دحرجة، وسربل سربلة، وقد نمت هذه الصيغة وتطورت إلى اشتقاق اسم فاعل واسم مفعول وصُبغت بالصبغة العربية فأصبحت منها، فنسمعهم يقولون: مؤدلج، ومؤَدلج، ومفبرِك ومفبرَك.
الخاتمة
اللغة العربية لغة حية مرنة مطواع تلبي أدق مطالب الحياة الحضارية، ولا تنفك لغتنا العربية قادرة على مطاوعة الأوزان والصيغ الحية، في جميع مجالات الحياة، ولكن لا بد أن تكون هذه الأوزان والصيغ تنسجم وتتلاءم مع الأوزان العربية الأصيلة، ولا بد لمستعمليها من ضبطها وتطويعها لأسس الاشتقاق الصحيح، والتعريب، وهنا ياتي دور مجامع اللغة العربية، والقائمين على حفظ اللغة العربية من علماء ودارسين وباحثين، لوضع الأسس والقواعد التي تضبط توسع اللغة ونموها وتطورها، بما يتلاءم وروح اللغة، وقياسها، وبما يضمن استمرار تميزها وخصوصيتها، ويحافظ على أصالتها وهويتها، حتى تظل هذه اللغة قائمة على خدمة العرب والعروبة، والإسلام والمسلمين، في كل مكان وزمان.
الهوامش:
1 – انظر طنطاوي، أحمد – نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة – ط2 – 1995 – دار المعارف القاهرة. 27.
2 – الصالح، صبحي – دراسات في فقه اللغة – 1960 – دار العلم للملايين – بيروت 26.
3 – المرجع السابق 32.
4 – انظر حسان، تمام – اللغة بين المعيارية والوصفية – ط 4 – 2001 – عالم الكتب القاهرة 44.
5 – انظر ابن جني، أبو الفتح عثمان – الخصائص – تحقيق: أحمد علي النجار – 1952 – المكتبة العلمية – القاهرة 1: 345.
6 – انظر السيوطي، أبو الفضل جلال الدين عبد الرحمن بن الكمال – همع الهوامع في جمع الجوامع – تحقيق: أحمد شمس الدين – 1998 – دار الكتب العلمية – بيروت 3: 282.
7 – انظر ابن منظور، محمد بن مكرم – لسان العرب – 1990 – دار صادر – بيروت: مادة جهل.
8 – انظر الجوهري، إسماعيل بن حماد – الصحاح، تاج اللغة وصحاح العربية – تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار – ط4 – 1990 – دار العلم للملايين – بيروت: مادة فرس.
9 – انظر المصدر السابق: مادة رجل.
10 – انظر لسان العرب: مادة حرر.
11 – انظر المصدر السابق: مادة عرب.
12 – انظر المصدر السابق: مادة عبد.
13 – انظر المصدر السابق: مادة شيخ.
14 – انظر ابن عصفور، أبو الحسن علي بن مؤمن – الممتع الكبير في التصريف – تحقيق: فخر الدين قباوة – 1996 – مكتبة لبنان – بيروت 179- 180.
15 – ابن السراج،: أبي بكر محمد بن سهل بن السراج – الأصول في النحو – تحقيق: عبد الحسين الفتلي – 1988 – مؤسسة الرسالة – بيروت 3: 206.
16 – انظر دراسات في فقه اللغة 341.
17 – انظر الخصائص 1: 357.
18 – انظر لسان العرب: مادة رهب.
19 – انظر دراسات في فقه اللغة 182.
20 – انظر المرجع السابق 182.
21 – الخصائص 1: 357، 358.



