العدد الحاليالعدد رقم 47ثقافات

المعرفة بين الشح المجهد والتدفق المنهك!!

في العصر الرقمي الذي نعيشه اليوم، لم تعد المعرفة موردًا نادرًا كما كانت في الماضي، بل أصبحت في حالة «تضخّم» غير مسبوق. ويُقصد بـتضخّم المعرفة ذلك النمو الهائل والمتسارع في إنتاج المعلومات وتداولها عبر الوسائط الرقمية، بحيث يجد الإنسان نفسه يوميًا أمام سيل لا ينتهي من البيانات والمقالات والفيديوهات والآراء. هذا التحول الجذري لم يغيّر فقط طريقة الوصول إلى المعرفة، بل أعاد تشكيل علاقتنا بها، وطبيعة استهلاكنا لها، ومعايير الحكم على جودتها.

تشير تقديرات حديثة إلى أن حجم البيانات الرقمية في العالم بلغ نحو 64 زيتابايت في عام 2020، ثم ارتفع إلى أكثر من 120 زيتابايت في 2023، ومن المتوقع أن يتجاوز 180 زيتابايت بحلول 2025. ولتوضيح الصورة أكثر، فإن أكثر من 90٪ من بيانات العالم الحالية تم إنتاجها خلال السنوات القليلة الماضية فقط. كما يتم يوميًا نشر ما يزيد عن 7 ملايين تدوينة، وإرسال مئات المليارات من الرسائل، ورفع أكثر من 500 ساعة من الفيديو على يوتيوب كل دقيقة. هذه الأرقام تعكس بوضوح تسارع التضخم المعرفي، وتحوله إلى ظاهرة بنيوية في العصر الحديث.

مؤشر تضخم البيانات خلال آخر خمس سنوات (تقريبي):

* 2020: 64 زيتابايت

* 2021: 79 زيتابايت

* 2022: 97 زيتابايت

* 2023: 120 زيتابايت

* 2024–2025 (تقديري): 150–180 زيتابايت

هذا النمو يعادل تقريبًا تضاعف حجم المعرفة الرقمية خلال خمس سنوات فقط، وهو معدل غير مسبوق في تاريخ البشرية.

إذا عدنا خمسين عامًا إلى الوراء، نجد أن العالم كان يعيش حالة من الشح المعرفي النسبي. كانت مصادر المعرفة محدودة ومتمركزة في الكتب المطبوعة، والمكتبات، والمؤسسات التعليمية، والصحف، والقنوات الإعلامية التقليدية. لم يكن الوصول إلى المعلومة أمرًا سهلًا أو سريعًا، بل يتطلب جهدًا ووقتًا، وقد يقتصر على فئة معينة من الناس. ومع ذلك، كانت هذه المحدودية تمنح المعرفة نوعًا من «الهيبة» والموثوقية، إذ تمر عبر عمليات تدقيق وتحكيم قبل نشرها.

عند المقارنة بين التضخم المعرفي والشح المعرفي، تتضح مفارقة مثيرة. ففي بيئة الشح، كانت جودة المعرفة أعلى نسبيًا، وكان القارئ أكثر تركيزًا وعمقًا في الفهم، نظرًا لقلة المشتتات. كما كانت عملية التعلم أبطأ لكنها أكثر رسوخًا. غير أن هذه البيئة كانت تعاني من بطء انتشار المعرفة، وصعوبة الوصول إليها، واحتمال احتكارها من قبل مؤسسات أو نخب معينة.

أما في عصر التضخم المعرفي، فقد تحققت ديمقراطية المعرفة بشكل غير مسبوق. اليوم، يستطيع أي شخص الوصول إلى آلاف الدورات التعليمية، والكتب الرقمية، والأبحاث العلمية، بضغطة زر. هذا الانفتاح أتاح فرصًا هائلة للتعلم الذاتي، وتطوير المهارات، والتواصل الثقافي. لكنه في المقابل أفرز تحديات معقدة، مثل تضليل المعلومات (المعلومات الزائفة)، وتشتت الانتباه، والإرهاق الذهني الناتج عن كثرة الخيارات.

تشير دراسات سلوكية إلى أن متوسط تركيز القارئ الرقمي انخفض إلى أقل من 8 ثوانٍ في بعض الحالات، مقارنة بمدد أطول بكثير في عصر القراءة التقليدية. كما يعاني كثير من المستخدمين مما يسمى «إجهاد المعلومات»، حيث يشعر الفرد بالعجز عن متابعة هذا الكم الهائل من المحتوى.

إذن، أيهما أفضل: الشح أم التضخم؟ الحقيقة أن كلا النموذجين يحمل مزايا وعيوبًا، ولا يمكن تفضيل أحدهما بشكل مطلق. الشح المعرفي يوفر بيئة أكثر استقرارًا وعمقًا، لكنه يقيّد الوصول والانتشار. أما التضخم المعرفي فيمنح حرية هائلة وتنوعًا غنيًا، لكنه يتطلب مهارات عالية في الفرز والاختيار.

بالنسبة للقارئ اليوم، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الحصول على المعرفة، بل في إدارتها بذكاء. ومن أهم الخيارات التي ينبغي تبنيها:

* الاعتماد على مصادر موثوقة ومعروفة

* تنويع مصادر المعرفة دون الإفراط في الاستهلاك

* تخصيص وقت للقراءة العميقة بعيدًا عن المشتتات

* تطوير مهارات التفكير النقدي والتحقق من المعلومات

* تقليل التعرض للمحتوى السريع وغير المفيد

كما يُنصح باتباع ما يمكن تسميته «الحمية المعرفية»، أي تقليل الاستهلاك العشوائي للمحتوى، والتركيز على ما يحقق قيمة حقيقية.

أما في بيئة الشح المعرفي (لو افترضنا وجودها اليوم)، فإن النصيحة الأساسية تتمثل في الاستثمار الكامل في كل مصدر متاح، والبحث الدؤوب عن المعرفة، وبناء علاقات مع الخبراء، وعدم الاكتفاء بما هو متوفر بسهولة.

في الختام، يمكن القول إننا نعيش في عصر لم تعد فيه المعرفة مشكلة من حيث الندرة، بل من حيث الوفرة. والتحدي الأكبر لم يعد في “ماذا نعرف”، بل في «كيف نختار ما نعرف». ومن ينجح في التعامل مع هذا التضخم بوعي وانتقائية، سيتمكن من تحويله من عبء ثقيل إلى فرصة حقيقية للنمو الفكري والتطور الشخصي.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

محمد بن عبدالله الفريح

كاتب ومؤلف عدة كتب- مدير النشر والترجمة في شركة العبيكان للنشر- الرياض

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى