العدد الحاليالعدد رقم 48ترجمات

كافكا: تراجيديا اللامعقول

آرون شوسترالباريس ريفيو

ترجمة: د. مجدي عبد المجيد خاطر

لا يزال الكاتب التشيكي الأشهر «فرانز كافكا» يُثير من التساؤلات أكثر مما يُقدِّم من الإجابات. وفي النصّ التّالي يطرح الفيلسوف والكاتب آرون شوستر قراءة أخرى من زاوية التحليل النفسي الحديث لعالم رائد الكتابة الكابوسيّة والسوداويّة. صدر لشوستر كتابان: «مُشكلة اللذّة: دولوز والتحليل النفسي»، و«كيف تُحقق كأنّك كلب: علم كافكا الجديد». نُشر النصّ في الباريس ريفيو.

في واحدة من يومياته فبراير 1922، يكتب فرانز كافكا عن صفقة عقدها مع الجنون:

«ثمّة اختلال؛ قُصورٌ ما، يعتريني. وهذا الاختلال ساطعٌ وظاهرٌ لكن يستعصي على الوصف؛ فهو مُركّب مِن تهيُّب، وحذر ولغو وفتور. أُريد بهذا أن أُحدد حالة بعينها تضم لفيفًا من الاختلالات التي تؤلِّف فيما بينها من إحدى الزوايا، نقيصة واضحة المعالم بصورة لا لبس فيها (ولا صِلة لها بالرذائل الكُبرى مثل الكذب والغرور وغيرهما). وهذه النقيصة تحول بيني وبين الجنون؛ وبين التقدّم حركة إلى الأمام أيضًا. ولأنّها تحميني من أن أُصاب بالجنون فأنا أنمّيها؛ ولأنّي أخاف الجنون فأنا أُقدِّم أي سبقٍ قد أحرزه قُربانًا لها وسأضحي المغلوبُ قطعًا في تلك الصّفقة. قُضي الأمر».

يتبدّى بطل كافكا (بِما في ذلك «ضمير المُتكلّم» بيومياته ورسائله) خاسرًا مغلوبًا يعجز عن تحقيق «أي سبق»، ورجلًا أخرق يُربّي الخيبة سِرًا باعتبارها وسيلته للمثابرة والاستمرار. على الذّات أن تخسر وأن تتعطّل؛ فهكذا الاتّفاق مع الجنون. لكن في المُقابل، ألا يقتضي وجود كافكا ناجح ضِمنًا أن يكون مُتكيّفًا اجتماعيًّا وغير عُصابي وينعم بزيجة سعيدة؛ كافكا مجنون مُكره على سداد ثمن باهظ لقاء تمسّكه بتحقيق سبق خلال سعيه، ولقاء إصراره على كشف الحقيقة كاملة؟ في «تحقيقات كلب» يُحدّثنا الكلب الفيلسوف عن رغبته في التغذّي على نُخاع عظام الكلاب كافّة؛ نُخاع الحقيقة. على أنّه يتراجع بعدئذ ويعترف أنّ هذا النُّخاع «ليس طعامًا؛ بل على العكس، سُمّ زُعاف.» وعلى الشّاكلة نفسها، أليس من الجائز أن كافكا اقتات التعطّل والفشل لكي يتجنّب أن تُسممه الحقيقة التي كان ينشدها؟

ثمّة شيء مشوّش وجنوني في عالم كافكا. يصفُ «بول جودمان»؛ في أول دراسّة مطوّلة عن كافكا باللغة الإنجليزيّة (وهو كتاب عجيب لحدّ كبير، طواه النسيان غالبًا اليوم)، ذلك بكلمات بليغة قائلًا: «تخلّ عن حيطتك و«سينهار نظام العالم بأكمله وتتفرّق أجزاؤه»». والحقّ أنّ كافكا نفسه وصف اليقظة بأنّها «اللحظة الأخطر»؛ «إذْ تستطيع أن تُمضي بقيّة يومك هانئًا مرتاحًا إن استطعت الإفلات مِنها ولم تُغيّر مكانك.» وكأنّ البرزخ بين النوم واليقظة صحوًا مغبشًا؛ وضبابيّة أنطولوجيّة؛ ووعيدًا بشقّ فتق في نسيج الزمكان قد تُطل منه سائر صنوف الجان والشياطين كأنّهم وكلاء أتوا لاعتقالنا بسبب ارتكاب جريمة معلومة- أو مجهولة، أو كحشرة عملاقة تحل محلّ ذاتك البشريّة السابقة. تعني السّابقة Schizo في اللغة اليونانيّة انفصام أو انقسام؛ وزيادة على لحظة الاستيقاظ تزخر عوالم كافكا بكثير من أشكال الفتق الفصامي. نستهل قِصّة «امرأة صغيرة» بتفصيلة هذيانيّة: «لم أر من قبل قطّ كفًّا تباعدت أصابعها وتمايزت بهذا الوضوح والقوّة ككفّها، ولا تنعم على الرّغم من ذلك بأي خصوصيّة تشريحيّة، بل تظلُّ كفًّا عاديّة بكل معاني الكلمة». ذلك أنّ الأصابع دقيقة التوزيع والتباعد تومئُ إلى وجود اختلال بالغ الدِّقّة في نظام الأشياء؛ اختلال لا حيلة للراوي إلا أن يخوض غماره.

اتّفق أغلب النُّقّاد المُحيطين بالتحليل النفسي (ما لم يكونوا جميعًا) على أنّ كافكا هو الكاتب المُعبِّر عن انفصام الشخصيّة. «أوتو فينيشيل» واحد من أوائل أولئك النّقاد، وقد كتب في ورقة بحثيّة نُشرت في العام 1937 أنّه: «لا شكّ أنّنا في حالة كافكا أمام بورتريه شجي مُستمد مِن مصادر ذاتية لشخص مرّ بتجارب مرض انفصام الشخصيّة». على أن جودمان يمضي خطوة أبعد، ويُحاجج أنّ كافكا «يسألنا عمّا يعنيه امتلاك وعي إجمالًا…ويطرح علينا متاعب ومشكلات الذّهان لا العصاب». ويرى «لويس ساس» أنّ قِصّة كافكا القصيرة المُبكّرة «وصف صِراع»: «قد تكون الاستحضار الأوضح والأكثر حيويّة لتجربة الفصام بكل الآداب الغربيّة». أمّا «جيل دولوز» و«فيليكس غوتاري» فأسهبا في تطوير التأويل الفصامي الأشهر لكتابات كافكا؛ حيثُ شددا على الانمساخات المحمومة والتحول إلى حيوانات باعتبارها أشكالًا من «الهروب الفصامي».

لا ريب أنّ واحدة من الموتيفات أو الأجواء التي تتكرر في كتابات كافكا هي العبث اللامبالي أو الخبل المعهود اللذين يُضفيان على تلك الكتابات مزيدًا مِن خِفّة الظِّل المتحفّظة؛ عِندما تحوّل «جريجور سامسا» إلى حشرة عملاقة مثلًا من دون أن يُصدم أحد حقًّا؛ أو عندما يعود بلومفيلد إلى بيته ويجد كُرتين وثّابتين مسحورتين فلا يرى وجودهما مُستغربًا أو شاذًّا، بل مصدر إزعاج ليس إلا. قد تتراءى قِصّة «بلومفيلد؛ عازب مُسنّ» تمثيلًا لتشخيص مرض الفصام مع وجود كُرتي السليوليد وليدتي الهلوسة على ما يبدو، واللتان لا تكفّان عن الوثوب صعودًا ونزولًا بمثابرة وعزم يزيدان حنق وغيظ بلومفيلد. لكن مِن خِضم ذلك الهذيان تُطل مُعضلة عُصابيّة جوهريّة؛ فمن جِهة يتملّك الإحباط من العازب الوحيد العاجز عن تحقيق رغبته (وهي العثور على شريكة حياة)، ومِن جهة أخرى تتواثب أمام عينيه مُتعة غريبة من حيثُ لا يتوقّع (أي «الشريكتان» غير المرغوبتين اللتين تثبان من حوله). وهَهُنا تكمن مُفارقة العازب الوجوديّة؛ حيثُ لا مُبدد للوحدة أبدًا على الرّغم من وجود دخيل يقطع العُزلة دائمًا. الوحدة مرض عُضال ومع ذلك فهيهات أن يُترك المرء لحاله أبدًا. وعلى الشّاكلة نفسها يروي الكلب في قِصّة «تحقيقات كلب» كيف أطلق حفل موسيقي مهلوِّس زلّت به قدميه في شبابه رحلته الفلسفيّة، وعلى الرّغم من ذلك فليست شِدّة الأضواء ولا كثافة الحركات ولا حِدة الأصوات ولا مشاهد تفجير الواقع العنيفة (قوتها «الانتزاعيّة» Deterritorializing وفق تعبير دولوز وغوتاري) هي ما يستبدّ بالكلب، بل صمت الموسيقيين ورفضهم الإجابة على تساؤلاته. يقدحُ هذا الصمت زناد شيءٍ ما داخله، وينذر ما تبقّى من حياته لتكرار هذا المشهد الأول، وهكذا يغدو سعيه إلى الرُّشد عُصابًا فلسفيًّا انتظم حول طرح تساؤلات من دون تلقّي إجاباتها.

مثال آخر: ما أيسر النظر إلى الحيوان الحفّار في رواية «الجُحر» القصيرة؛ في ظِلّ خوفه الدائم من المفترسات وهوسه بالدفاع والتحصّن، باعتباره مذعورًا مُضطّربًا عقليًّا. على أنّ الشكوك تمزّقه بدلًا من أن يستبد به يقين الاضطهاد، ويعترف أنّه لا يعلم ما يعلمه العدو أو ما إذا كان يكيد له، بل إنّه يزعم إذْ توشك القِصّة على الانتهاء: «بلغت مرحلة لم أعد أرغب عندها في اليقين». ومثلما حاجج المُحلل النفسي «داريان ليدر» فإنّ اليقين هو الحدّ الفاصل بين العصاب والذّهان، وما تبرع «الجحر» في إظهاره هو المنطق العُصابي المشوّه الّذي يدفع العُصابيون للتشبّث بدفاعاتهم أكثر من تشبّثهم بالحياة التي يُفترض أنّهم يُدافعون عنها. والواقع أنّ أغلب ثيمات كافكا الدّائمة تُشير إلى العُصاب لا إلى انفصام الشخصيّة؛ كالعلاقة المُتناقضة مع السّلطة والرّغبة المُحبَطة دائمًا في المُباركة والمكانة الرسميتين؛ والتأخير والإرجاء والتسويف والمماطلة؛ والإفراط القهري في التفكير (يبرع كافكا في استعمال كلمة «لكن» لحدّ أنّ «هيرمان آيترسبورت» المُتخصص بالأدب الألماني وصفه بـ«رجل الاستدراكات» Aber Mann)؛ وإساءة الفهم والتباسات التأويل؛ وإحساس زائف بالذنب مجهول الأسباب؛ وتعقيدات الشكايا والتأفف الملتويّة؛ وقبل أي شيء- الفشل؛ الفشل في بلوغ الهدف أو الانتقال بكل بساطة من النقطة (أ) إلى النقطة (ب).

كان لصمويل بيكيت وجهة نظر مُشابهة فشدد في مُقابلة أجراها بالعام 1956 على وجود طمأنينة ما في كتابات كافكا؛ إذْ: «يتمتّع بطل كافكا باتّساق القصد. ضائع، لكن ليس هشًّا على المستوى الرّوحي، ولا ينهار». ويواصل بيكيت: «تُلاحظون قدر كلاسيكيّة البناء عند كافكا؛ حيثُ يمضي مثل مِحدلة بُخارية في سكينة وهدوء، تقريبًا. إذْ يتبدّى العمل مُهددًا طيلة الوقت في حين يكمن التوتّر في البناء. أمّا في كتاباتي فيتوارى التوتر خلف البناء؛ وليس في البناء نفسه.» ويُكرر بيكيت هذه المسألة في رسالة إلى النّاقدة [الأمريكيّة] «روبي كون» قال فيها: «إنّ ما أثار استغرابي في كافكا هو أنّ البناء لا تنال منه التجربة التي ينقلها». فعلى خلاف كتابات بيكيت التي تميل إلى التفكك والتحلل حيثُ يطوي اللغة النسيان، يقف الشكل/البناء ثابتًا راسخًا في كتابات كافكا على الرّغم مِما يحمله من «توتّر». وعلى الرّغم من أنّ القواسم المُشتركة التي تجمع بين كافكا وبيكيت في وقتنا الحالي ربّما تتجاوز الحدّ الّذي يرغب الأخير في الاعتراف به، إلا أنّ وجهة نظره لا تزال قائمة وهي أنّ كافكا لا يتورّط في التقاليع والتجارب الشكليّة نفسها التي ينشغل بها الكُتّاب الحداثيون الآخرون، ما يجعله شخصيّة فريدة بالحركة الأدبيّة الطليعيّة، تلتزم بالأشكال الكلاسيكيّة للخرافة والحكاية والملحمة والقِصّة الرمزيّة. ومع ذلك فليس الحال أنّ «البناء لا تنال منه التجربة»، بل يُحرِّف كافكا البِنى القديمة؛ فيشوهها من الدّاخل، ويملأها بالتعلثمات والثغرات وفترات الصّمت لكن من دون التخلّي عنها أو تشظيتها.

إنّ الطرائق التي يشوِّه بها كافكا الأشكال التقليديّة تبعًا لاختلالاته الشخصيّة هي ما يطرح بُعدًا عامًّا جديدًا للعصر الفرويدي؛ وأعني به البُعد العصابي. حيثُ ابتكر كافكا ميثولوجيا تخص القرن العشرين من خلال عَصْبنة الأساطير القديمة: تصوّري الخاص لبلاد الإغريق؛ وتصوّري الخاص للديانة اليهوديّة؛ بل حتّى تصوّري الخاص للحداثة الأدبيّة إذا ما وضعنا في اعتبارنا ارتدادات كافكا لدون كيخوته. أبرام الّذي يعجز عن تعرّف نفسه في نداء ربّه، أو المشغول حدًّا يحول بينه وبين إجابة النداء؛ والمسيح المُتلكئ الّذي يصل بعد فوات الأوان؛ والإسكندر الّذي ليس الأكبر جِدًّا العاجز عن عبور مضيق الدردنيل بسبب وزنه الزّائد (في حين يُحرز حصانه الحربي «بوسيفالوس» تقدّمًا أكبر؛ إذْ يجتهد في الدراسة ويُصبح مُحاميًّا في عصر لا مكان فيه لأمثال الإسكندر؛ حيثُ حجبت الإدارة المستترة نفوذ السيّد الفرد)؛ وجنيّات البحر اللائي لا يُغرّدن بل يُحملقن صامتات في أوديسيوس الّذي سدّ أذنيه؛ وبوسيدون الكوميدي الّذي أصبح حارسًا على البحار افترسته المتاعب والهموم بعد أن استبدل المُعاملات الورقيّة والأقلام برمحه ثلاثي الشُّعب وبالتنزّه فوق الأمواج. هكذا يبعث كافكا الحياة في الأساطير القديمة ويجعلها تُكلّمنا من جديد.

حالة [النّبي] موسى كاشفة بشكلٍ خاص؛ إذْ يُقارن كافكا في مقطع مِن يومياته بتاريخ 19 أكتوبر 1921، مصير نبي اليهود بخاتمة رواية «التربية العاطفيّة». فموسى عند كافكا يُشبه «فريدريك مورو» بطل فلوبير مفرط العصبيّة، مع عِشقه المُبتسر والمُنتقص الّذي يُدمِّره لمدام آرنو. ففي نهاية الرواية، وباللحظة نفسها التي يشعر فيها أنّ آرنو على وشك أن تُسلِّم نفسها له، وعلى الرّغم من «اشتهائه العنيف والمحموم لها»، يُعرض فريدريك ويلفّ سيجارة وقد صدّه عنها إحساس بالتقزز والغثيان (كأنّه سيُسافح إحدى قريباته)، وشعور عام بالتعب والإعياء. «وإلى ذلك، فما أبغض هذا!» هكذا يصوِّر كافكا موسى. لم يمنعه الله بل توقّف من تلقائه على مشارف كَنْعان، ولعلّه تمتّم هامسًا (شأن الأنبياء): «الأرض الموعودة، ما أبغضها!» أثمّة نظرية لاهوتيّة أصدق؟ إنّ كافكا يُعيد صبّ الأبطال الأسطوريين والشخصيات الدينيّة الرفيعة في قالب جديد باعتبارهم ذواتًا تُكابد انفصامًا عصبيًّا؛ إذْ ينفرون مما يرغبون فيه ويجدون ما يسر عيونهم في العراقيل أمام مسرّاتهم. والأدهى أنّهم شخصيات لا يُمكن تحديد مواقعها في سياق أعرافهم الاجتماعيّة والدينيّة؛ هائمة في أساطيرها. وهكذا يرسم كافكا من خلال مواصلة الكتابة مِن داخل البِنى التقليديّة والإطاحة بها في الوقت نفسه، ملامح علاقتنا المعطوبة بالعالم الحديث باعتباره مكانًا غير صالح للسكن بعد. ذلك أنّ الكفّ والتردد والفجوات التي يدسّها كافكا في الحكايات القديمة تعكس قلق ذات تنتمي لتاريخ وسياق مُعينين وتتبرأ مِنهما في الوقت نفسه؛ وتعجز عن إيجاد مكان لها حيثُ «تنتسب».

يكتب كافكا في يومياته قُبيل مُدوّنته عن الجنون: «التردد قبل الميلاد. لم أبلغ الدَّرك الأسفل بعد لو أنّ ثمّة تناسخ أرواح. حياتي محض تردد ما قبل الميلاد». وواحدة من أبرز معالجات كافكا الحداثيّة للميثولوجيا هي تناوله لعقيدة التناسخ القديمة؛ حيثُ تصف أسطورة «إر» [بن أرمينيوس البامفيلي] التي يختم بها أفلاطون جمهوريته، دورة التناسخ حيثُ تعود أرواح الموتى إلى العالم السُّفلي لكي تختار حيواتها التّالية، أمّا في رواية كافكا للأسطورة فإنّ الروح لا تختار حلولًا جديدة، بل تتردد قبل هذا الاختيار وتُقدِّم رِجلًا وتؤخِّر أخرى قبل الوجود. وهَهُنا برزخ مصيري آخر، على أنّه لا يفصل بين النوم واليقظة هذه المرّة، بل بين الوجود والعدم. أكون أو لا أكون؟ مهلًا، انتظر لحظة… ينصب التركيز عند أفلاطون على مضمون الاختيار (إمّا طاغية وإمّا ناسك؛ أسد أو بجعة)؛ في حين يتحوّل فعل الاختيار نفسه عند كافكا إلى فعل إشكالي؛ «مُحال». لا يتعلّق التناسخ من وجهة نظر المحدثين بمآلنا (هويتنا) بل بالكيفيّة أو الوسيلة التي ستقف حائلًا بيننا وبين هذا المآل (هويتنا النقيضة أو غيريتنا الذّاتية). وصف فرويد ذلك بـ«خيار العصاب». ومِن ثمّ يُمكن تعريف ذاتيتنا في ظِلّ روح كافكا الحائرة؛ وعلى نحو منهجي، بأنّها الطرائق العديدة للإخفاق في الخروج إلى الدنيا أو للتخبّط في اختيار الكينونة. تردد عُصابي يرتجف في مواجهة الاختيار؛ وإنكارٌ ضال يتفادى أو يتجنّب حتميّة القرار؛ ونُكران ذُهاني للذات يُفضِّل خيار العدم المُحال. رُبّما لا تكون فِكرة وجود عالم سُفلي صالحة بالنسبة لِنا، لكن التشبّث اللبيب بلزوم هذا العالم ليس الخيار الوحيد. بل على النقيض؛ إذْ هذا العالم مُتصدِّع من الدّاخل بحيث لم يعد يتماهى مع صورته، ولا يتضاعف ليُصبح دُنيا آخرة (جنّة أو نار). الوعي الفرويدي هو إعادة اختراع عالم أفلاطون السُّفلي.

يُفكِّر بلومفيلد في لحظة ما أن يُحطِّم الكرتين المسحورتين المُزعجتين ويحوّلهما إلى شظايا، ثمّ يتساءل هل ستواصل تلك الشظايا الوثوب، على أنّه يستبعد هذا الاحتمال بامتعاض مُرددًا: «حتّى الخارق المُستغرب له حدود». ربّما تتراءى هذه العبارة تعليقًا ما ورائيًّا تهكميًّا في قِصص كافكا لكن يظل أيضًا في الوقت ذاته مزحة عُصابيّة عن الجنون؛ خِفّة ظِلّ شخص عُصابي على شفير الإصابة بالذهان يتفادى السقوط عن بصيرة في هاويته. إذْ العالم لا يزال صامدًا؛ لا بسبب مركز قوي يُبقيه متماسكًا، بل- من سخرية القدر- بسبب وجود اختلال أو عِلّة تحول بينه وبين الانهيار.

هذا تصوّر إكلينيكي لعالم كافكا لا يُبرر فيها الهوية العصابيّة تمسّك أقوى بالواقع المُتّفق عليه اجتماعيًّا مُقارنة بالذهانيين، أو بتشريع رمزي راسخ وفق التفسير اللاكاني (نسبة إلى لاكان) الكلاسيكي، بل انطواءها بالأحرى على ميل ما إلى تعهّد الضّعف بالرعاية؛ أي القُدرة على تحويل النقصان إلى مِنحة والإخفاق إلى نجاح. وبالمُقابل، على انتزاع الخيبة من مخالب النّصر والعثور على ما يغيب في كل وفير وغزير؛ حيثُ تتمثّل الحيلة في الدوران بأقصى سرعة لتجنّب السقوط في الهاوية. سأستعين بصورة أخرى يتمكّن خلالها العُصابيون على نحو غامض من استحضار أرضيّة من الفراغ؛ مثل دَرَجٍ تُنشئه القدم نفسها التي تتسلّقه: «ما لم تكفّ عن الصعود، لا ينتهي الدَّرَج أبدًا. فأسفل قدميك اللتين ترتقيانه يربو الدّرَج ويرتفع.» هكذا يختم كافكا قِصّته «المحامون». قد يرى الفصاميون في هذه الحيلة «غِشًّا» حيثُ ينتظرون عبر تصوّرهم الأصفى لطبيعة الأشياء الزائلة وغير المُستقرّة أن يلمح المُتسلِّق الهاوية أسفل مِنه ويهوي إليها. إنّ صفقة الخسارة عند كافكا هي احتيال على الجنون. ذلك أنّ ثمّة ما يُحيّر- من منظور التشخيص الكلاسيكي- في عُصاب كافكا المُوشِك على الجنون؛ أو العُصاب الّذي يحمي نفسه من الانهيار عبر الفشل، والتفسير الفصامي لكافكا ليس في غير محلّه كُليًّا. إذْ الواقع مُتصدِّع؛ والحيوانات العجيبة والهجائن والكائنات غير البشريّة الخارقة للطبيعة تندفع إليه من خلال الثغرات والشقوق. ومع ذلك فما يُرشدنا إليه كافكا هو صيغة من الاتّساق النفسي الّذي يتألّف من ثغرات، والثبات الّذي ينطوي على تناقض ظاهري لنظام يعيش على طرائق تقويضه وعبرها. إنّ أبطال كافكا هم أساتذة تدمير ذواتهم، وهم لا يدّخرون في هذا جهدًا. على أنّ ذلك التدمير الذّاتي مُحطَّم هم الآخر- إذْ يُخفق في القضاء على نفسه- فلا يسعه سوى مواصلة «التسلّق». وتعيش شخصياته من خلال فشلها في ألا تعيش. (وهذا النفي المُعاند هو العامل الرئيس في كوميديا كافكا؛ أو ما قد نسميه «تراجيديا اللامعقول» عند كافكا). أحد دروس العُصاب الكافكاوي هو أنّ البشر هم مهندسو سجونهم؛ وهم مهندسون واسعو الحيلة لحدٍّ مُدهش. ومع ذلك فإنّ تلك البراعة نفسها التي نوقع من خلالها أنفسنا في الشرك هي ما يدل على وجود حريّة لم تروض أو تدجّن بعد. قد لا نُصادف مَخرجًا في عالم كافكا؛ منفذًا للهروب، لكن ما مِن إطباق نهائي أيضًا، بل مُثابرة مضنية لا تتوقّف للتغلّب على حلقتهما العجيبة.

كان «جاك لاكان» قد وصف هيجل يومًا بأنّه: «الهستيري الأسمى» فهل كافكا هو المُصاب الأسمى بوسواس الاضطراب القهري؟ لا أقصد تنميط الكاتب مرضيًّا أو اختزاله في هذه العِلّة أو تلك، بل إدراك لأي مدى يستطيع الأدب الارتقاء بالمرض النفسي إلى مستوى الإبداع الفنّي، وتحويله- بعبارة كلب كافكا- إلى حقل «بحث وتحقيق». كما لا أقصد إضفاء طابع رومانسي على المرض العقلي، بل اكتشاف دينامياته وتعقيداته، وإظهار أنّه يتجاوز الاعتلال الجسدي والاختلال الوظيفي، بل وسيلة للتعاطي مع مُعضلات إنسانيّة جوهريّة أيضًا، ولإنشاء طرائق مُختلفة أو أنماط متكافئة للوجود. لقد ارتقى كافكا بالمرض النفسي إلى مستوى الإبداع الأدبي. يكتب في يومياته: «ثمّة غاية، لكن مُحال. فما نسميه طريقًا ليس سوى تأتأة».

 

رابط المقال الأصلي:

Kafka’s Misdiagnosis by Aaron Schuster

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

د. مجدي عبد المجيد خاطر

كاتب ومُترجم- مصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى