
أدب السّيرة بين السّرد الفنّيّ وقوّة الإلهام
يقول «أنيس منصور» في مقدّمة كتابه (حول العالم في 200 يوم): «لقد كان العالَم كتابًا كبيرًا عريضًا طويلًا غنيًّا بألفاظه ومعانيه… وكنتُ أقرأ بعقلي وقلبي وأقلب الصّفحات بيدي ورجلي…» ليكمل توثيق مشاهداته وتسجيل لحظاتٍ عايشها وعايشته في رحلاته حول العالم.
فهل كتبَ «أنيس منصور» عَبْرَ سرده الذّاتيّ عن الحياة، أم كانت الحياة الكتاب الكبير الّذي قرأ كلماته حرفًا حرفًا، وأبحر في أعماق عباراته فاتّخذها عِبرةً ودرسًا؟
والأديب حين يسطّر حياته أو جزءًا من هذه الحياة يبني صورة تجاربه لِبنةً لِبنةً، ويدعونا لزيارة صرحه المتقن، فتقع أعيننا على ما يُدْهِشُ، وتلتقط آذاننا ما يَسْحَرُ، وكذا كلّ حواسنا، وبذلك يذخر سرده الذّاتيّ بالكثير من الكنوز المرصودة، الّتي تنتظر منّا أنّ نفكّ شفرة رصدها للتّنعّم بجمالها والاستمتاع بقيمتها.
فما الكنز المرصود في أدب السّيرة؟
وما دورنا عندما نجوب بعقلنا وحواسنا الظّاهرة والباطنة، في خضمّ كتابٍ عنوانه: حياة؟
أدب السّيرة فنٌّ من الفنون الأدبيّة يقوم فيه الكاتب بسرد تفاصيل حياته الشّحصيّة، وذلك في السّيرة الذَاتيّة، أو تفاصيل حياة أحد المُبَرّزين، وذلك في السّيرة الغيريّة، ويدمج هذه التّجارب بتحليلٍ اجتماعيّ، وثقافيّ، ونقديّ لمجتمعه. وهو بذلك يعرض قضايا اجتماعيّةً، فكريّةً وسياسيّةً عايشها، من خلال الإفصاح عن التّحدّيات الفرديّة الّتي واجهها. وكلّ ذلك بأسلوبٍ أدبيّ جميلٍ يجمع بين السّرد الفنّي المشوّق والقيمة الّتي تُتَوّجُ كلّ موقفٍ وتُعلي من شأن كلّ حكايةٍ.
و«في السّيرة تمتزج الحكاية الشّخصيّة بالخطاب العلميّ أو الأخلاقيّ، وتتحوّل الفرديّة إلى وسيلةٍ للعِبرة والاعتبار»(1). وهنا يكمن دور القارئ بمهارةٍ، فهو يخوض غمار حكايةٍ يدفعه الشّوق والفضول لاكتشاف المزيد من الأحداث، والتّعرّف إلى المزيد من ملامح الشّخصيّة من خلال المواقف المختلفة، وتوقفه الفطنة للإصغاء إلى صوت الحكمة ما بين السّطور، فيتّخذ من حياة صاحب السّيرة نوافذ تفتح له آفاقًا في الفكر، والعلم، والتّربية، والاجتماع.
وما السّيرة إلّا إعادة صياغةٍ للحياة بأسلوبٍ فنّيّ يُظْهِرُ خصائص العصر وثقافة الكاتب. ونحن بقراءتنا الواعية لهذا الأدب نصقل ذائقتنا الفنّيّة ونستلهم قيمًا إنسانيّةً، حيث نكون أمام بناءٍ متكاملٍ من الحبك الفنّيّ والتّصوير الدّقيق للذَات ولما يحيط بها من خلال وصفٍ تحليليّ يتخطّى الملامح الظّاهرة ليلامس الأعماق السّحيقة والمقدّسة، فتتعرّى الذّات الكاتبة أمام نفسها، ونتماهى معها في انتصارها وانكسارها، في خوفها ورجائها، في أوجها وحضيضها، كأنّ هذه الذّات الفرديّة باتت صورةً لكلّ ذاتٍ، فتجاربها مع الحرّيّة هي تجاربنا، واختباراتها في الحبّ هي اختباراتنا، ونضالها من أجل إحقاق الحقّ هو نضالنا، وسعيها الحثيث نحو النّجاح هو سعينا، فيتحوّل بسحر ساحرٍ ما هو فرديّ خاصّ إلى ما هو جَماعيّ عامّ.
وهكذا يبدو أدب السّيرة أصدق مُختَبَرٍ إنسانيّ يدعونا لولوجه واكتشاف ذواتنا قبل أيّ ذاتٍ. وهو، فضلًا عن ذلك، مسرحٌ لتاريخٍ ذاخرٍ بالحضارة الإنسانيّة، حيث نستشفّ ثقافة العصر، ونلمح التيّارات الفكريّة والأدبيّة السّائدة. «فالكتابة الذّاتيّة جسرٌ يربط بين ثلاثة حقولٍ: علم النّفس الّذي يدرس الذّاكرة والهويّة، والتّاريخ الّذي يوثّق الأحداث والشّهادات، والأدب الّذي يُحوّل كلّ ذلك إلى بنيةٍ فنّيّةٍ تمتلك جماليّاتها الخاصّة».(2)
إنّ قراءةً ماهرةً في أدب السّيرة تجعلنا نسافر عبر الزّمن، نعبر حدود التّاريخ كما الجغرافيا، ومن خلال الكلمات نحيا العديد من الخبرات والحيوات.
الهوامش:
(1) أدب السّيرة في التّراث العربيّ. علاء علي عابد. أوراق ثقافيّة مجلّة الآداب والعلوم الإنسانيّة
(2) السّرد الذّاتيّ في الأدب: من البوح الشّخصيّ إلى التّشكيل الفنّيّ. أ منيب محمّد مراد. فنّ باحثو اللّغة العربيّة.



