العدد الحاليالعدد رقم 48ثقافات

دراسة مصطلحية خاصة بمصطلحي: الساكريدوس (Sacerdos) والأوتو دا في (Auto-da-fé)، في كتاب تاريخ محاكم التفتيش لآرثر أرنولد

تُعد الترجمة الدينية من أقدم فروع الترجمة وأكثرها ارتباطًا بالتحولات الحضارية والفكرية التي عرفتها الإنسانية، إذ ارتبطت منذ بداياتها بنقل النصوص المقدسة والكتابات اللاهوتية والقانونية بين اللغات المختلفة، وقد شهدت الحضارة المسيحية منذ القرون الأولى للميلاد نشاطًا كبيرًا في ترجمة النصوص الدينية من اليونانية إلى اللاتينية، ثم إلى مختلف اللغات الأوروبية، مع الحرص على المحافظة على الدقة العقدية والاصطلاحية، لأن كثيرًا من الألفاظ لم تكن مجرد مفردات لغوية، بل كانت تحمل مضامين لاهوتية وتشريعية تحدد طبيعة المؤسسة الكنسية ووظائفها، ومع اعتماد اللاتينية لغةً رسميةً للكنيسة الغربية خلال العصور الوسطى، أصبحت الوثائق البابوية، وقرارات المجامع الكنسية، والقوانين المنظمة للحياة الدينية، تُصاغُ بهذه اللغة، مما أدى إلى نشوء منظومة اصطلاحية دقيقة، تميزت بخصوصية مفاهيمها وارتباطها بالسياق التاريخي والمؤسساتي للكنيسة، وعندما انتقلت هذه النصوص إلى العربية في العصر الحديث، وجد المترجم نفسه أمام تحدٍ حقيقي، يتمثّلُ في كيفية نقل تلك المصطلحات دون الإخلال بوظيفتها، وهو ما جعل التعريب أحد الحلول التي يلجأ إليها المترجمون عندما يتعذر إيجاد مقابل عربي يؤدي جميع الدلالات التي يحملها المصطلح الأصلي.

إن علم المصطلحات ينطلق من مبدأ أساسي مفاده أن المصطلح ليس مجرد كلمة معجمية، وإنما هو وحدة معرفية تحيل إلى مفهوم مُحدّد داخل حقل معرفي متخصص، فهو دالٌ على مدلول، وقد أكد خبراء المصطلح أن المصطلح ينبغي أن يُفهم في ضوء المفهوم الذي يمثله داخل النسق العلمي أو التقني الذي ينتمي إليه، لا في ضوء معناه اللغوي المجرد. من هذا الباب حاولتُ في ترجمتي لمصطلح الساكريدوس والأوتو دا في، في كتابي تاريخ محاكم التفتيش أن أحافظ على المصطلحين وغيرهما بصيغة معربة، وهذا إدراكا لخصوصية المصطلح.

يُعدُّ مصطلح (Sacerdos) من أبرز المصطلحات الكنسية اللاتينية التي تثير إشكالًا في الترجمة العربية، لأن مدلوله يتجاوز المعنى الذي توحي به كلمة كاهن في الاستعمال العربي، ويرجع أصل الكلمة إلى اللاتينية، وهي مشتقة من (sacer) بمعنى مقدس، و(dare) بمعنى يقدم أو يؤدي، فأصبحت تدل على الشخص الذي يؤدي الطقوس والشعائر المقدسة. غير أن هذا المعنى تطوَّر مع تطوُّر التنظيم الكنسي، فأصبح المصطلح يدلُّ على صاحب السلطة الكهنوتية التي تخوله ممارسة الأسرار الدينية، سواء كان أسقُفًا أو قِسًّا، وهذا تبعًا للسياق القانوني الذي يرد فيه، ولذلك فإن مصطلح (Sacerdos) لم يكن دائمًا مرادفًا لمصطلح (Presbyter) الذي يشير غالبًا إلى القس أو الكاهن الذي يملك درجة محددة داخل التنظيم الكنسي، بل كان يدلُّ على الصفة الكهنوتية نفسها باعتبارها وضعًا قانونيًا وروحيًا.

إن هذا المعنى يتضح من خلال الفقرة التي يوردها المؤلف عند حديثه عن الراهب غوتشالك، حيث جاء فيها: (تمّ تخفيض مرتبة غوتشالك في الساكريدوس)، فالعبارة لا تعني عزله من منصب إداري أو وظيفة كنسية مؤقتة، وإنما تشير إلى إجراء قانوني يتمثل في تجريده من درجته الكهنوتية بعد إدانته بالهرطقة في مجْمع كيري سور أواز سنة 849م، ويؤكد النص هذا الفهم عندما يذكر أن القرار صدر استنادًا إلى قوانين القديس بندكت وإلى مقررات مجْمع آجدي، وهو ما يدلُّ على أن العقوبة كانت ذات طبيعة كنسية قبل أن تكون مدنية، إذ كان القانون الكنسي يقضي بإسقاط الرتبة الكهنوتية عن رجل الدين المدان بالهرطقة، ثم تنفيذ العقوبات الأخرى كالسجن أو الجلد أو غيرهما.

من أجل تعريب مصطلح (Sacerdos) قمتُ بالتعريف بالمصطلح من خلال تهميش في الكتاب انطلاقًا من أحد الشروح الكنسية، مُبينًا أنه يدل على الكرامة الكهنوتية التي تُخوّلُ صاحبها إقامة الشعائر الدينية، وترؤُس الصلوات، وتقديم القرابين، وهذا عدم الاكتفاء بالنقل اللفظي للمصطلح، وإنما سعى إلى تعريف القارئ بالمفهوم قبل إدماج المصطلح في المتن، وقد جاء التهميش كالآتي: (الساكريدوس باللاتينية: Sacredoce، «الساكريدوس أو الكهنوت هي كرامة تُعْطَي لمن يحوزها السلطة على ممارسة حفلات الديانة وترأس صلوات الشعب، أن يقدم القرابين والتضحية بالقرابين، الكهنة الأوائل هم المضحون الأوائل» من كتاب الشرح الأدبي والأخلاقي لرسال الرسول بولس والإنجيل للأحد والحفلات الرئيسية في السنة، الصفحة 525، تأليف أومبرواز غيلواز، مطبعة لومان فلوريو باريس سنة 1845م).

من الناحية المصطلحية فإن ترجمة (Sacerdos) إلى الكاهن لا تنقل إلا جزءً من المعنى، لأنها تحصر المفهوم في شخص يمارس وظيفة دينية، بينما المقصود في النص هو الرتبة الكهنوتية بوصفها مركزًا قانونيًا داخل المؤسسة الكنسية، ولهذا فضّلتُ الإبقاء على المصطلح بصيغته المعربة الساكريدوس، وهذا الاختيار نابعٌ من الوعي بأهمية المحافظة على المفهوم الأصلي.

يبرُزُ الإشكال المصطلحي نفسه في ترجمة مصطلح (Auto-da-fé) الذي عربتُهُ إلى الأوتو دا في، وهو من أكثر المصطلحات ارتباطًا بتاريخ محاكم التفتيش في إسبانيا والبرتغال، ويرجع أصل الكلمة إلى اللغة البرتغالية (Auto da Fé)، التي تعني في معناها اللغوي عمل الإيمان أو فعل الإيمان، وهي عبارة ذات أصل لاتيني كانت تستعمل في البداية للدلالة على إعلان الإيمان أو الإقرار بالعقيدة. غير أن التطوُّر التاريخي للمؤسسة الكنسية، لا سيما منذ القرن الثالث عشر، منح المصطلح دلالة اصطلاحية جديدة، فأصبح يشير إلى الاحتفال الرسمي الذي تُعلن فيه محاكم التفتيش الأحكام الصادرة ضد المتهمين بالهرطقة، بحضور ممثلي السلطة الدينية والمدنية وجمهور الناس، قبل تنفيذ العقوبات المقرّرة بحقهم.

لقد اعتمدتُ المنهج نفسه في تعريب مصطلح (Auto-da-fé)، إذ أرفقتُ المصطلح قبل استعماله بهامش يشرح أصله البرتغالي والإسباني، ويبين أن مدلوله التاريخي لا يقتصر على معناه اللغوي عمل الإيمان، بل يشير إلى المراسم الرسمية التي كانت تُعلن خلالها أحكام محاكم التفتيش بحق المتهمين بالهرطقة. من أجل الدلالة على أن التعريب كان مصحوبًا بتوثيق يهدف إلى المحافظة على الدقة المفهومية للمصطلح، وقد جاء التهميش كالآتي: (أوتو دا في بالإسبانية: auto-da-fé، بالبرتغالية: auto-de-fé، وتعني رسوم الإيمان وهو تكفير عن الخطيئة لمن تمت إدانته بالهرطقة أو الردّة عن المسيحية خلال فترة محاكم التفتيش بالأندلس، وكان في كثير من الأحيان يتم تنفيذ حكم الإعدام حرقا بالنار، «على سبيل المثال إن فكرة أوتو دا في لا تُقَدَّم لنا إلا بالفكرة التي لم تكن لنا الفرصة في مشاهدتها ولم تكن إلا كمشهد مرعب يمكن لمصلحة الدين أن تجعله ضروري، لكن يجب أن يُعَدَمَ كل الذين كانوا شهود.» من كتاب مقتطف من سجلات العلاقات الأصلية الذي نشر بمدريد سنة 1680م في وصف أوتو دا في، الصفحة 5، مطبعة باريس سنة 1814م).

لقد ورد هذا المصطلح في النص في أكثر من موضع، إذ يقول الأستاذ آرثر أرنولد: (أقيمت ضد الزنادقة عدة أوتو دا في)، ثم يضيف: (لقد كانت محاكم التفتيش تعمل تحت تحفيز الأوتو دا في بصفة دورية)، وهنا يكشف السياق أن المقصود ليس جلسة محاكمة عادية، ولا تنفيذ العقوبة في حدّ ذاتها، وإنما المراسم العلنية التي كانت تمثل المرحلة الأخيرة من إجراءات محاكم التفتيش، حيث تُتلى الأحكام أمام العامة، ويُجبَرُ المتهمون على إعلان التوبة أو الاعتراف، ثم يُسلَّمُون إلى السلطة لتنفيذ الأحكام، ومنها السجن أو المصادرة أو الحرق، ولذلك فإن ترجمة المصطلح إلى احتفال ديني أو جلسة حكم أو محاكمة لا تنقل إلا جزءً من مفهومه، لأن هذه المقابلات العربية لا تستوعب أبعاده الدينية والقضائية والاحتفالية في آن واحد.

من هذا المنطلق اخترتُ تعريب المصطلح إلى الأوتو دا في، لكي أصل للانسجام في منهج الترجمة المتخصصة، لأنه يحافظ على هوية المصطلح التاريخية ويمنع اختزاله في معنى جزئي.

إن المقارنة بين مصطلحي (Sacerdos) و(Auto-da-fé) تكشف الاستراتيجية التي انتهجتُها، الموحدة في التعامل مع المصطلحات الكنسية والتاريخية، قوامها المحافظة على المصطلح الأصلي عن طريق التعريب، وهذ كلما تعذر إيجاد مقابل عربي يفي بجميع أبعاده الدلالية. ففي الحالة الأولى حاولتُ المحافظة على مصطلح يدلُّ على رتبة كنسية ذات مدلول قانوني داخل المؤسسة الدينية، وفي الحالة الثانية حافظتُ على مصطلح يدلُّ على ممارسة قضائية ارتبطت بتاريخ محاكم التفتيش، انطلاقًا من الوعي بأن المصطلح التاريخي ليس مجرد وحدة لغوية، وإنما هو حامل لذاكرة ثقافية، وأن ترجمته تقتضي نقل هذه الذاكرة بقدر ما تقتضي نقل المعنى اللغوي.

الخاتمة

إن علم المصطلح يؤكد أن العلاقة بين المصطلح والمفهوم علاقة عضوية، لذلك فإن نجاح الترجمة المتخصصة لا يقاس بمدى مطابقة الألفاظ، وإنما بقدرتها على المحافظة على البنية المفاهيمية للنص الأصلي. فالمترجم لا ينقل كلمات معزولة، بل ينقل شبكة من المفاهيم المرتبطة بنظام ديني وقانوني وثقافي معين. ومن هنا تظهر أهمية الإحاطة بالخلفية التاريخية للمصطلحات الكنسية عند ترجمة كتاب تاريخ محاكم التفتيش، لأن تجاهل هذه الخلفية قد يؤدي إلى استعمال مقابلات عربية تبدو صحيحة من الناحية اللغوية، لكنها تفتقر إلى الدقة الاصطلاحية.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى