
الوعي العربي.. من بناء الحضارة إلى إعادة إنتاج الأزمات
«التاريخ لا يعاقب الأمم لأنها أخطأت، فكل الحضارات أخطأت، ولا لأنهـا تعثرت، فكل الأمم تعرف لحظات الضعف، لكنه لا يرحم أمة اعتادت أخطاءها حتى كفت عن رؤيتها، وتصالحت مع تراجعها حتى ظنته قدرًا. فمنذ تلك اللحظة، لا يعود الوعي أداة لاكتشاف الحقيقة، بل يتحول إلى سلطة خفية تعيد إنتاج الواقع نفسه، مهما تبدلت الوجوه، وتغيرت الشعارات، وتعاقبت الأجيال» (الكاتب).
ليست الأزمات التي يعيشها العالم العربي جديدة، كما أنها ليست عصية على الفهم. فالسياسة المضطربة، والاقتصاد الهش، والتعليم المتراجع، والانقسامات الاجتماعية، ليست سوى مظاهر لواقع أعمق وأكثر تعقيدًا. والخطأ الذي وقعنا فيه طويلًا هو أننا تعاملنا مع هذه المظاهر وكأنها أصل الأزمة، بينما اكتفينا بإهمال البنية الفكرية التي أعادت إنتاجها جيلًا بعد جيل.
فالواقع لا ينشأ من فراغ، ولا تتشكل المجتمعات صدفة، بل تبدأ كل التحولات من الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه، ويفهم بها العالم، ويتخذ على أساسها قراراته. وحين يختل هذا الوعي، يصبح قادرًا على تحويل الخطأ إلى عادة، والعجز إلى أمر مألوف، والتراجع إلى جزء من الحياة اليومية. عندها لا يعود المجتمع يعيش أزمة عابرة، بل يدخل في دورة مغلقة يعيد فيها إنتاج أزماته بنفسه، حتى تبدو وكأنها قدر لا يمكن تغييره.
وربما لهذا السبب انشغلنا لعقود طويلة بمناقشة نتائج الأزمة أكثر من أسبابها. تحدثنا كثيرًا عن الاستبداد، والفقر، والفساد، والتبعية، وضعف التعليم، لكننا نادرًا ما توقفنا أمام السؤال الذي يسبقها جميعًا كيف تشكل وعي يقبل بكل ذلك، ويتكيف معه، بل ويدافع عنه أحيانًا؟ وكيف أصبح الإنسان، من حيث لا يشعر، جزءًا من الآلية التي تعيد إنتاج الواقع الذي يشكو منه؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي أمة ليس أن تواجه تحديات سياسية أو اقتصادية وثقافية، فهذه مرت بها معظم الحضارات عبر التاريخ، وإنما أن تفقد قدرتها على مراجعة ذاتها. فالأمم التي تتقدم ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي تمتلك شجاعة الاعتراف بها، ثم تحولها إلى نقطة انطلاق نحو واقع أفضل. أما حين يتحول تبرير الأخطاء إلى ثقافة، والدفاع عن الواقع إلى بديل عن تغييره، فإن الأزمة تنتقل من المؤسسات إلى العقول، ومن الأحداث إلى طريقة التفكير نفسها.
بذلك، فإن هذا المقال لا يحاول إضافة قائمة جديدة إلى قوائم الإخفاق العربي، ولا يسعى إلى توزيع المسؤوليات بين السياسة والاقتصاد والثقافة، لأن هذه جميعها نتائج لمسار أعمق. إنه محاولة لقراءة البنية التي تنتج هذه النتائج، والبحث في الكيفية التي أصبح بها الوعي شريكًا في صناعة الأزمة، لا لأنها تفتقر إلى الإمكانات، بل لأنها فقدت، في كثير من الأحيان، القدرة على مساءلة الأفكار التي تصنع واقعها قبل أن تصنع مواقفها.
إذا كان الوعي هو العدسة التي يرى الإنسان من خلالها العالم، فإن أي خلل يصيب هذه العدسة لا يشوه رؤيته فحسب، بل يشوه قراراته، وعلاقاته، وطريقة تعامله مع المستقبل. ولهذا لا تنشأ الأزمات الكبرى عندما تضعف الموارد أو تتراجع المؤسسات، بل عندما يصبح الخلل الفكري جزءًا من الحياة اليومية، ويغدو التعامل معه أمرًا اعتياديًا لا يثير القلق ولا يدفع إلى المراجعة.
وهذا ما يفسر مفارقة يصعب تجاهلها، فالعالم العربي لا يفتقر إلى الثروات، ولا إلى الطاقات البشرية، ولا إلى الموقع الجغرافي الذي جعل منه عبر التاريخ نقطة التقاء للحضارات. ومع ذلك، فإن حضوره في إنتاج المعرفة، والبحث العلمي، والابتكار، وصناعة التكنولوجيا، لا يزال محدودًا إذا ما قورن بحجم إمكاناته. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس لماذا تقدم الآخرون؟ بل لماذا عجزنا عن تحويل ما نملكه إلى قوة حضارية حقيقية؟
في واقع الأمر، لا يكمن الجواب في عامل واحد، لأن المجتمعات لا تتشكل بعامل واحد. فالتاريخ، والسياسة، والاقتصاد، والتعليم، والثقافة، جميعها أسهمت في رسم هذا الواقع، لكنها لم تكن تعمل بمعزل عن بعضها، بل كانت تغذي بعضها بعضًا. فالسياسة التي تضيق بالنقد تنتج تعليمًا يخشى السؤال، والتعليم الذي يخشى السؤال يخرج عقلًا يفضل التلقين على التفكير، والعقل الذي لا يتدرب على التفكير يصبح أكثر استعدادًا لقبول أي واقع مهما كان مختلًا. وهكذا تدور الحلقة باستمرار، حتى يصبح من الصعب التمييز بين السبب والنتيجة، لأن كلًا منهما يعيد إنتاج الآخر.
ولذلك لم يعد من الدقة اختزال الأزمة في نظام سياسي، أو في أزمة اقتصادية، أو في ضعف مؤسسة تعليمية. فهذه جميعها تعبيرات مختلفة عن خلل أعمق، يتمثل في تراجع قيمة العقل بوصفه المرجعية الأولى في فهم الواقع واتخاذ القرار. فحين يتراجع العقل، تتقدم الانفعالات، وتعلو الشعارات على الحقائق، ويصبح الانتماء بديلًا عن البرهان، ويقاس صدق الفكرة بمن يرددها، لا بما تقدمه من تفسير أو حل.
ومن هنا بدأت تتشكل واحدة من أكثر الظواهر خطورة في حياتنا الثقافية، وهي الاعتياد على تفسير الواقع بدلًا من تغييره. لقد تحول كثير من الخطاب العام إلى عملية دائمة لتبرير ما يحدث، أو البحث عن المسؤول عنه، بينما تراجع السؤال الأكثر أهمية ما الذي ينبغي أن يتغير في طريقة تفكيرنا حتى لا يتكرر هذا الواقع مرة أخرى؟
إن الأمم التي استطاعت تغيير مسارها لم تبدأ بإعادة رسم خرائطها السياسية، بل بدأت بإعادة النظر في الأفكار التي كانت تحكم علاقتها بالعلم، والعمل والإنسان والزمن. أدركت أن النهضة ليست قرارًا يصدر، ولا مشروعًا اقتصاديًا منفردًا، بل ثقافة جديدة تعيد تعريف معنى المسؤولية، وتمنح المعرفة مكانتها الطبيعية، وتجعل النقد وسيلة للتصحيح لا سببًا للعداء.
أما في أجزاء واسعة من واقعنا، فقد بقي النقد محاطًا بالريبة، وكأن الاعتراف بالخلل ينتقص من قيمة المجتمع، مع أن المجتمعات الواثقة بنفسها هي الأكثر استعدادًا لمراجعة أخطائها. فالإنسان لا يضعف عندما يكتشف خطأه، بل يضعف عندما يصر على الدفاع عنه رغم وضوح نتائجه. والأمم ليست استثناء من هذه القاعدة.
ولعل هذا ما جعلنا ننشغل، في كثير من الأحيان، بصورة أنفسنا أكثر من انشغالنا بحقيقتنا. نتحدث كثيرًا عن تاريخنا، لكننا نتردد في السؤال عما أضفناه إليه. نفتخر بإرث حضاري عظيم، وهذا حق مشروع، غير أن التاريخ لا يمنح الأمم مكانتها الحالية، بل يمنحها مسؤولية المحافظة على تلك المكانة. فالحضارة ليست رصيدًا يستهلك، وإنما مشروع يتجدد باستمرار، وكل جيل مطالب بأن يضيف إليه، لا أن يكتفي بالعيش في ظله.
ومن أخطر ما أصاب وعينا أننا خلطنا بين احترام الماضي والإقامة فيه. فالماضي يمثل خبرة إنسانية ثمينة، لكنه لا يقدم إجابات جاهزة عن أسئلة الحاضر. وعندما يتحول إلى ملاذ نهرب إليه كلما عجزنا عن مواجهة واقعنا، فإنه يفقد وظيفته الحضارية، ويصبح عبئًا على المستقبل بدلًا من أن يكون جسرًا إليه.
ولا يعني ذلك الدعوة إلى القطيعة مع التاريخ، بل على العكس، فالمجتمعات التي تتقدم هي الأكثر قدرة على الاستفادة من تراثها، لأنها تتعامل معه بوصفه تجربة قابلة للفهم والنقد والإضافة، لا بوصفه نموذجًا مكتملًا لا يجوز الاقتراب منه. فالتقدير الحقيقي للماضي لا يكون بتكراره، وإنما ببناء حاضر يليق به.
وحين تغيب هذه الرؤية، يبدأ المجتمع في البحث عن تعويضات رمزية تخفف شعوره بالعجز. فيبالغ في تمجيد ذاته، ويكثر من الحديث عن استثنائيته، ويستحضر أمجادًا بعيدة كلما ازداد واقعه تعثرًا. وهنا تتحول اللغة إلى وسيلة لتعويض ما لم يتحقق بالفعل، بينما تبقى الفجوة بين الخطاب والواقع تتسع بصمت.
ولا تكمن المشكلة في الاعتزاز بالهوية، فكل أمة تحتاج إلى هوية تحفظ تماسكها، وإنما في تحويل الهوية إلى بديل عن الإنجاز. فالهوية تمنح الإنسان شعورًا بالانتماء، لكنها لا تعفيه من مسؤولية العمل والإبداع والمنافسة. أما حين تصبح بديلًا عن هذه القيم، فإنها تتحول من مصدر قوة إلى وسيلة لتبرير الجمود.
غير أن الأزمة لم تتوقف عند حدود العلاقة بالماضي، بل امتدت إلى طريقة فهمنا للحاضر نفسه. فقد أصبحنا ننظر إلى كثير من الظواهر بوصفها قدرًا لا يمكن تغييره، مع أنها في حقيقتها نتائج لخيارات بشرية وسياسات وثقافات يمكن مراجعتها وإعادة بنائها. وحين يعتاد المجتمع تفسير الواقع بوصفه مصيرًا محتومًا، فإنه يفقد تدريجيًا رغبته في تغييره، ويستبدل الفعل بالتكيف، والمبادرة بالانتظار.
ومن هنا بدأت تتراجع قيمة السؤال في حياتنا العامة. لم يعد السؤال وسيلة للبحث عن الحقيقة، بل أصبح في كثير من الأحيان مصدرًا للريبة، وكأن التفكير النقدي يهدد الاستقرار، أو أن مراجعة الأفكار تعني التخلي عن الثوابت. ومع مرور الوقت، أنتجت هذه الثقافة إنسانًا يتردد في مساءلة ما اعتاد عليه، ويميل إلى تكرار الأجوبة الجاهزة لأنها أقل كلفة من خوض مغامرة التفكير.
ولم يكن التعليم بعيدًا عن هذه الدائرة. فبدلًا من أن يكون فضاء لتكوين العقل، تحول في كثير من الحالات إلى وسيلة لتكديس المعلومات. أصبح النجاح يقاس بما يحفظه الطالب، لا بما يستطيع تحليله، وأصبح الامتحان غاية بحد ذاته، لا وسيلة لاكتشاف القدرة على الفهم والإبداع. وعندما ينشأ جيل كامل على البحث عن الإجابة النموذجية، فمن الطبيعي أن يواجه صعوبة في التعامل مع الأسئلة التي لا تملك إجابة واحدة.
ثم يأتي الإعلام، ومعه الفضاء الرقمي (مواقع التواصل الاجتماعي)، ليعمق هذا الخلل. فالتدفق الهائل للمعلومات خلق وهمًا بالمعرفة، بينما المعرفة الحقيقية تحتاج إلى وقت للتأمل، وإلى قدرة على الربط بين الوقائع، وإلى استعداد دائم لمراجعة القناعات. واليوم أصبح الإنسان يطالع مئات الأخبار والآراء في يوم واحد، لكنه نادرًا ما يمنح نفسه الوقت الكافي لفهمها. كثرة المعلومات لم تنتج بالضرورة وعيًا أعمق، بل أنتجت في أحيان كثيرة انتباهًا مشتتًا، سريع الانفعال، قليل الصبر على التحليل.
وهنا تكمن مفارقة العصر، فالوصول إلى المعرفة أصبح أسهل من أي وقت مضى، لكن الوصول إلى الفهم أصبح أكثر صعوبة. فالمشكلة لم تعد نقصًا في المعلومات، بل في القدرة على تمييز المهم من الهامشي، والحقيقة من الضجيج، والمعرفة من الرأي. ومع هذا التشويش المستمر، تراجعت القراءة العميقة، وحلت محلها ثقافة العناوين المختصرة، والآراء السريعة، والمواقف الجاهزة.
ولا يمكن لنا فصل ذلك عن التحولات الاقتصادية التي جعلت مجتمعاتنا، في معظمها، تميل إلى الاستهلاك أكثر من الإنتاج. فنحن نستخدم أحدث التقنيات، لكننا لا نشارك إلا بقدر محدود في تطويرها. نستورد الأجهزة، والبرامج، والأدوية، والآلات، ثم نكتفي بدور المستخدم. ولسنا أقل قدرة على التعلم أو الابتكار، لكننا لم نبني البيئة الحاضنة التي تجعل إنتاج المعرفة أولوية وطنية، لا نشاطًا هامشيًا تمارسه نخبة محدودة.
والفرق بين المجتمع المنتج والمجتمع المستهلك لا يظهر في مستوى الرفاهية وحده، بل في طريقة التفكير. فالمجتمع المنتج يسأل دائمًا ماذا يمكن أن نضيف؟ أما المجتمع المستهلك فينشغل غالبًا بالسؤال ماذا يمكن أن نقتني؟ وبين السؤالين تتحدد المكانة الحضارية للأمم. فالحضارة لا تقاس بعدد ما نستخدمه من منتجات حديثة، بل بمقدار ما نشارك في ابتكارها وتطويرها.
ولهذا لا تكفي الثروات الطبيعية لصناعة نهضة، كما لا يكفي الموقع الجغرافي، ولا حجم السكان. فكم من دول تفتقر إلى الموارد، لكنها استطاعت أن تجعل من العقل المورد الأهم، وأن تبني اقتصادها على المعرفة، ومؤسساتها على الكفاءة، ومستقبلها على البحث العلمي (دول جنوب شرق آسيا). وفي المقابل، بقيت مجتمعات تمتلك إمكانات هائلة عاجزة عن تحويلها إلى قوة منتجة، لأن المشكلة لم تكن في الإمكانات نفسها، بل في الطريقة التي أديرت بها.
ولعل أكثر ما يثير القلق أن هذا الواقع بدأ يبدو طبيعيًا في نظر كثيرين. فالتبعية لم تعد تنظر إليها باعتبارها مرحلة مؤقتة ينبغي تجاوزها، بل تحولت، في بعض الأحيان، إلى نمط حياة. والاكتفاء باستهلاك ما ينتجه الآخرون لم يعد يثير الأسئلة التي كان ينبغي أن يثيرها. ومع مرور الزمن، يصبح الاعتياد أخطر من الأزمة نفسها، لأن الإنسان يتوقف عن الشعور بالحاجة إلى التغيير عندما يعتاد الخلل.
إن المجتمعات لا تتراجع لأنها تخسر معركة واحدة، وإنما لأنها تفقد تدريجيًا قدرتها على التعلم من أخطائها. وكلما تأخر النقد، ازدادت كلفة التصحيح، وكلما تأجلت مراجعة الأفكار، أصبحت أكثر رسوخًا، حتى وإن أثبت الواقع فشلها مرارًا.
إن هذا التشابك يجعل الفصل بين أزمات التعليم والإعلام والاقتصاد أمرًا مضللًا، فهي لا تنشأ مستقلة عن بعضها، بل تتفاعل داخل منظومة واحدة، بحيث يغذي كل خلل فيها الخلل في المجالات الأخرى. فالسياسة لا تصنع الثقافة وحدها، كما أن الثقافة لا تعيش بعيدًا عن الاقتصاد، والاقتصاد لا ينمو في بيئة تعادي المعرفة، والمعرفة لا تزدهر في مجتمع يفقد ثقته بالعقل. ولهذا فإن أي خلل يصيب أحد هذه المكونات سرعان ما يمتد إلى بقية المكونات، حتى يصبح المجتمع بأكمله أسير دائرة مغلقة يعيد فيها إنتاج أزماته بصورة مستمرة.
وليس المقصود من ذلك تحميل السياسة وحدها مسؤولية هذا الواقع، كما أنه ليس من الإنصاف إعفاء المجتمع من مسؤوليته. فالسلطة، مهما كانت طبيعتها، تستطيع أن تؤثر في المجتمع، لكنها لا تستطيع أن تستمر في التأثير ما لم تجد بيئة تتقبل كثيرًا من أنماط التفكير التي تنتجها. كما أن المجتمع لا يستطيع أن يغير واقعه إذا بقي ينتظر دائمًا من الآخرين أن يقوموا بهذه المهمة نيابة عنه. ولهذا تبدو العلاقة بين السلطة والمجتمع علاقة تبادل أكثر منها علاقة طرف فاعل وآخر سلبي، كل منهما يؤثر في الآخر، ويعيد إنتاجه بصورة أو بأخرى.
وهنا تظهر إحدى أكثر المفارقات إيلامًا في واقعنا العربي. فنحن نطالب بإصلاح الدولة، لكننا كثيرًا ما نغفل إصلاح الثقافة التي ستدير هذه الدولة. نطالب بمؤسسات أكثر كفاءة، لكننا لا نتساءل بالقدر نفسه عن الإنسان الذي سيدخل هذه المؤسسات، وعن منظومة القيم التي ستحكم سلوكه داخلها. فالمؤسسات لا تعمل بمعزل عن البشر، والقوانين لا تغير الواقع إذا بقيت العقليات التي تطبقها أسيرة الأساليب القديمة في التفكير والإدارة.
ولهذا كثيرًا ما يبدأ الفساد قبل أن يصل إلى المؤسسة، ويبدأ الاستبداد قبل أن يصل إلى السلطة، ويبدأ التعصب قبل أن يتحول إلى خطاب عام. إنها جميعًا أنماط في التفكير تتشكل داخل الأسرة، والمدرسة، والجامعة، وبيئة العمل، ثم تنتقل إلى مؤسسات الدولة عندما ينتقل إليها الأفراد. ومن هنا فإن بناء مجتمع مختلف لا يبدأ من تغيير الوجوه، بل من تغيير الثقافة التي تعيد إنتاج السلوك نفسه مهما تبدلت الأسماء.
إن أخطر ما يواجه أي مجتمع ليس وجود الخطأ، فالخطأ جزء من التجربة الإنسانية، وإنما اعتياد الخطأ حتى يصبح مألوفًا. فحين يعتاد الإنسان الفوضى، يتوقف عن البحث عن النظام. وحين يعتاد الفساد، يصبح الحديث عن النزاهة مثاليًا. وحين يعتاد تراجع التعليم، ينخفض سقف توقعاته من المدرسة والجامعة. ومع مرور الوقت لا يعود الواقع يقاس بما ينبغي أن يكون، بل بما اعتاد الناس عليه، فتتقلص الطموحات تدريجيًا، ويصبح البقاء على الحال القائم إنجازًا بحد ذاته.
ومن هنا أيضًا يمكن فهم سبب تعثر كثير من مشاريع الإصلاح في العالم العربي. فالإصلاح غالبًا ما انشغل بتغيير القوانين والبنى والإجراءات، وهي خطوات مهمة بلا شك، لكنه لم يمنح القدر نفسه من الاهتمام لبناء الإنسان القادر على حماية هذه الإصلاحات واستمرارها. ولهذا كانت بعض الإنجازات تتراجع سريعًا، لأن البيئة الفكرية والثقافية التي يفترض أن تحافظ عليها لم تكن قد تغيرت بالعمق الكافي.
إن النهضة ليست مشروعًا هندسيًا يمكن تصميمه على الورق، ولا قرارًا سياسيًا يمكن إعلانه في خطاب رسمي، بل هي عملية اجتماعية طويلة تبدأ عندما تتغير نظرة الإنسان إلى نفسه، وإلى قيمة العمل، وإلى معنى المعرفة، وإلى مسؤوليته تجاه المجتمع. وعندما يصبح الإتقان قيمة، والنقد فضيلة، والاختلاف فرصة للتعلم لا سببًا للعداء، يبدأ المجتمع بالتحرك في اتجاه مختلف، حتى لو كانت خطواته الأولى بطيئة.
ولا يمكن الحديث عن مستقبل مختلف ما لم نراجع علاقتنا بالعلم. فالعلم ليس مجموعة معلومات نحفظها، ولا شهادات نعلقها على الجدران، بل طريقة في التفكير تقوم على السؤال، والاختبار، والاعتراف بالخطأ، والاستعداد الدائم لتعديل النتائج إذا ظهرت أدلة جديدة. وحين تغيب هذه الثقافة، يصبح من السهل أن تنتشر الآراء أكثر من الحقائق، وأن يعلو صوت الخطابة على صوت البرهان، وأن تتحول القناعة الشخصية إلى بديل عن المعرفة.
ولهذا فإن معركة الأمة الحقيقية ليست معركة موارد أو حدود أو أسواق فحسب، بل هي معركة على طبيعة الوعي الذي سيدير كل ذلك. فالثروة قد تهدر إذا افتقدت الإدارة الرشيدة، والمؤسسات قد تتعطل إذا غابت الكفاءة، والقوانين قد تفقد قيمتها إذا لم تجد ثقافة تحترمها. أما العقل القادر على التعلم والمراجعة والإبداع، فإنه يظل قادرًا على إعادة البناء حتى بعد أقسى الأزمات.
وربما لهذا السبب لا يكون السؤال الأهم لماذا تأخرنا؟ فالإجابة عن هذا السؤال، مهما بلغت دقتها، لن تغير شيئًا إذا بقيت حبيسة الكتب والخطابات. السؤال الذي يستحق أن يشغلنا هو كيف نتوقف عن إعادة إنتاج الأسباب نفسها التي قادت إلى هذا التأخر؟ فالأمم لا تتقدم لأنها تمتلك تاريخًا عظيمًا، ولا لأنها ترفع شعارات كبيرة، بل لأنها تمتلك الشجاعة الكافية لمراجعة أفكارها، والتخلي عما أثبت الواقع عجزه، والبحث المستمر عن طرق أفضل لفهم الإنسان وبناء المجتمع.
إن التاريخ لا يمنح الشعوب مكانتها مرة واحدة وإلى الأبد، بل يختبرها في كل جيل. وكل جيل يسأل السؤال نفسه بصيغة مختلفة ماذا أضفت إلى مسيرة الإنسانية؟ وليس ماذا ورثت من الماضي؟ فالوراثة لا تحتاج إلى جهد، أما الإضافة فهي التي تمنح الأمم حقها في البقاء داخل حركة التاريخ.
ولهذا، فإن القضية ليست أن العالم سبقنا، فالتاريخ لم يكن يومًا سباقًا ينتهي بفائز واحد، بل إن القضية الحقيقية هي أن نتوقف عن الاكتفاء بدور المتلقي، وأن نستعيد الإيمان بأن الحضارة لا تستهلك فقط، بل تصنع أيضًا. وعندما يصبح إنتاج المعرفة، واحترام العقل، وإتقان العمل، جزءًا من الثقافة اليومية، ستبدأ رحلة التغيير الحقيقية. أما إذا بقيت هذه القيم مجرد شعارات تردد في المناسبات، فسنبقى ندور في الحلقة نفسها، مهما تبدلت الظروف، وتغيرت الوجوه، وتعاقبت الأجيال.
ولعل أقسى ما يمكن أن يكتبه التاريخ عن أمة ليس أنها مرت بأزمات، فالأزمات رافقت جميع الحضارات، بل أنها امتلكت من الإمكانات ما يكفي للنهوض، ثم عجزت عن تحويلها إلى مشروع حضاري لأنها لم تراجع الطريقة التي كانت تنظر بها إلى نفسها وإلى العالم. فالأمم لا تغيب عن التاريخ يوم تخسر معركة، وإنما يوم تتوقف عن إنتاج الأفكار التي تجعل حضورها ضرورة في مسيرة الحضارة الإنسانية.



