العدد الحاليالعدد رقم 48ثقافات

التثبُّت والإسناد في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي

نحو نظرية فقهية في مسؤولية ناقل المعلومة دراسة تأصيلية مقارنة بالنظام السعودي

المقدمة

لا يُختلف اليوم في أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد غيَّر وجه الإنتاج المعرفي تغييرًا جذريًا؛ فهو يُعيد رسم حدود الكتابة العلمية والتأليف والتوثيق، ويُتيح للباحث طاقة إنتاجية لم يعهدها العقل البشري من قبل، بيد أن هذه الثورة المعرفية تحمل في طيّاتها تحديًا أعمق من مجرد الاستخدام الأمثل للأداة؛ إذ تطرح في وجه الباحث سؤالًا جوهريًا: ما الحد الفاصل بين الاستعانة المشروعة بهذه التقنية وبين الإخلال بالأمانة العلمية؟ وهل يكفي تحاشي الخطأ المعلوماتي لإبراء الذمة، أم أن ثمة التزامًا آخر منفصلًا عنه لا يُسقطه صحة المعلومة؟

ذلكم هو محل هذه الدراسة بالتحديد: التمييز العلمي الدقيق بين إشكاليتين مختلطتين في الأدبيات المعاصرة، وإن التقتا في الاسم – هما التثبُّت من صحة المعلومة المنقولة والإسناد إلى مصدرها – وبيان أن لكل منهما أصلًا فقهيًا مستقلًا وأثرًا قانونيًا مغايرًا لما للأخرى، وقد دعت إلى هذا التمييز ظاهرة باتت موثَّقة في الأوساط الأكاديمية والمهنية، وهي توظيف مخرجات النماذج الذكية في الأبحاث والتقارير والاستشارات دون إعمال آليات التحقق، فضلًا عن تقديم هذه المخرجات باعتبارها إنتاجًا فكريًا للناقل دون الإفصاح عن مصدرها.

ولا يكفي في معالجة هذه الإشكالية الاكتفاء بقواعد الأخلاق الأكاديمية وإجراءات النزاهة المؤسسية، بل تستوجب تأصيلًا فقهيًا يستند إلى نصوص الفقهاء الأوائل في أبواب الضمان والتسبب والغش والتدليس، ويُعمِل قواعد الاجتهاد في تنزيل هذه النصوص على واقعة مستجدة، وهو ما يُميِّز هذا البحث عمَّا كُتب في الموضوع من زاوية قانونية صرفة أو أخلاقية وصفية.

وقد جاء الأمر القرآني بأداء الأمانات أمرًا جامعًا يشمل أمانة القول كما يشمل أمانة الفعل والمال: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)[النساء: 58]

وأمانة النقل العلمي فرع من هذا الأصل؛ تستلزم في كل عصر مراجعة أدوات النقل المستحدثة واستئناف التأصيل بما يُلائم النازلة المستجدة.

وتسعى هذه الدراسة إلى الوفاء بهذه المهمة في عصر الذكاء الاصطناعي.

أولًا: إشكالية الدراسة وأهمية طرحها

منذ أن أصدرت محاكم أمريكية أحكامًا بإدانة محامين استشهدوا بسوابق قضائية اخترعها نموذج الذكاء الاصطناعي ولم توجد قط، باتت «الهلوسة الاصطناعية» (AI Hallucination) حقيقة ذات أثر قانوني موثَّق لا مجرد وصف تقني، وفي الأوساط الأكاديمية العربية، تتكشَّف الحالات تدريجيًا وإن تأخَّر توثيقها، والمشترك بين هذه الحالات كلها أن الإنسان هو الحلقة الفاصلة: فالنموذج لا يُكلَّف لأنه لا عقل له ولا إرادة، والمسؤولية تتحدد بحسب ما أُهمل أو انتُهك من أمانة النقل.

والإشكالية التي تكشف عنها هذه الدراسة ذات مستويين متداخلين: أولهما الخلط في الأدبيات المعاصرة بين التثبت والإسناد بوصفهما وجهين لمشكلة واحدة، وهو خلط يُفضي إلى معالجة ناقصة لكلتيهما، وثانيهما غياب إطار فقهي مُحدَّد يُميِّز بين بابَي الضمان والغش في هذا السياق، ويُعطي لكل مسألة حكمها المستقل مع ما يستتبعه من أثر نظامي في المنظومة السعودية.

ثانيًا: الدراسات السابقة وموضع هذا البحث منها

أسهمت الأدبيات الفقهية والقانونية المعاصرة في الموضوع من زوايا ثلاث، يحسن استعراضها لتحديد الإضافة العلمية لهذه الدراسة:

الزاوية الأولى: المسؤولية المدنية عن فعل الذكاء الاصطناعي بوجه عام، وقد تناول الدكتور خالد المالكي هذا الموضوع في بحث مستفيض نشرته مجلة البحوث الفقهية والقانونية بجامعة الأزهر (مجلد 47، 2024م) تناول فيه مسؤولية المُنتِج والمُشغِّل من منظور النظام السعودي.(1)

غير أن هذه الدراسة تنصرف إلى طرف آخر غير الذي تناوله المالكي: لا إلى مسؤولية من صنع النظام، بل إلى مسؤولية من استخدم مخرجاته ونقلها. وهو موضع مغاير يستدعي تأصيلًا مستقلًا.

الزاوية الثانية: النزاهة الأكاديمية وأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي، وفي هذا الاتجاه أصدر اتحاد الجامعات العربية ورقة سياسات بعنوان: «الذكاء الاصطناعي التوليدي وأخلاقيات البحث العلمي» (2023م)، ناقشت معايير التوثيق والإسناد إجرائيًا دون أن تعرض لتأصيل فقهي لأحكام الغش والتدليس، وفي السياق ذاته صدر كتاب الدكتور محمد الدريج «الذكاء الاصطناعي في التعليم: رؤية مستقبلية» (2023م) الذي تناول الأبعاد التربوية والأخلاقية دون استيعاب الأبعاد الفقهية والنظامية بتفصيل.

الزاوية الثالثة: نظريات الضمان والأمانة في الفقه الإسلامي، وقد قدَّم الدكتور وهبة الزحيلي في كتابه «نظرية الضمان في الفقه الإسلامي المقارن» (دار الفكر، 1998م) تأصيلًا جامعًا نافعًا لأبواب الضمان وأسبابه وشروطه في المذاهب الأربعة، وهو من المراجع المُعتمدة في هذا البحث، غير أنه أُلِّف قبل ظهور إشكالية الذكاء الاصطناعي ولا يُعالجها بطبيعة الحال.

وعليه فإن هذه الدراسة تشغل موضعًا متمايزًا: هي أول – في حدود الاطلاع – من يُقيم تمييزًا فقهيًا منهجيًا بين التثبت والإسناد في سياق الذكاء الاصطناعي، ويُنزِّل عليهما نصوص المذاهب الأربعة تنزيلًا مباشرًا محاكمًا للنوازل المستجدة.

ثالثًا: منهج البحث وخطته

يعتمد هذا البحث المنهج الاستقرائي التحليلي المقارن: من حيث استقراء النصوص الفقهية الأصيلة في أبواب الضمان والتسبب والتعدي والتفريط والغش والتدليس والأمانة، وتحليلها وبيان الخلاف الفقهي فيها، ثم تنزيلها على واقعة نقل المعلومة الاصطناعية، ومقارنة ما تُوصِل إليه بنظام المعاملات المدنية السعودي ونظام حماية الملكية الفكرية، وتسير الدراسة في أربعة محاور: الأول في حتمية الذكاء الاصطناعي وضرورة استيعابه؛ والثاني في التثبت وأحكامه الفقهية مع استعراض الخلاف في ضمان المتسبب؛ والثالث في الإسناد وما يُوجبه غيابه من مسؤولية؛ والرابع في معالجة المسألتين في المنظومة النظامية السعودية، تليها خاتمة بالنتائج والتوصيات.

المحور الأول: الذكاء الاصطناعي التوليدي في البحث العلمي – الفرصة والمسؤولية

أولاً: مشروعية توظيف الذكاء الاصطناعي في البحث والتأليف:

من الخطأ المنهجي الفادح معاملة الذكاء الاصطناعي التوليدي بوصفه خطرًا يجب تجنُّبه؛ فهو في حقيقته أداة معرفية تندرج في سياق تطور وسائل الإنتاج العلمي الذي عرفه التاريخ الإسلامي في مراحل متعاقبة: من النسخ اليدوي إلى الطباعة، ومن الطباعة إلى المكتبة الرقمية، ومن قواعد البيانات إلى النماذج الذكية.

وقد دأب الفقهاء على قبول الوسائل المستحدثة ما دامت تخدم المقاصد الشرعية دون إخلال بضوابطها، والذكاء الاصطناعي بما يُتيحه من مراجعة الأدبيات وتلخيص النصوص وتوليد الأفكار الأولية وتحسين الصياغة يقع تحت هذا الحكم مبدئيًا.

بل إن في الفقه الإسلامي ما يُعضِّد استحسان توظيفه: فقاعدة «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» تقتضي على المحقق والمجتهد استثمار كل وسيلة متاحة تُيسِّر الوصول إلى الحق والتحقق منه، وتُوسِّع دائرة ما يُستطاع مراجعته والإحاطة به، والباحث الذي يرفض الذكاء الاصطناعي رفضًا مطلقًا يُضيِّق على نفسه ما وسَّعه الله، كالفقيه الذي يأبى كتب الفهارس والمعاجم الفقهية ويصرُّ على التتبع اليدوي لكل مصدر.

ثانيًا: حدود المشروعية – أين تبدأ المسؤولية؟

غير أن الإباحة مشروطة بالضبط، والاستعانة بالأداة لا تُسقط التكليف عن المستعين، فالذكاء الاصطناعي التوليدي – بخلاف قواعد البيانات التقليدية – لا يسترجع نصوصًا مخزَّنة بمطابقة مضمونة، بل يُولِّد نصًا باحتمالية لغوية بالغة التطور، مما يجعله عُرضة لما تصفه الأدبيات التقنية بـ«الهلوسة الاصطناعية»: والتي هي تعتبر توليد معلومات تبدو موثوقة في صياغتها وهي لا أصل لها في الواقع.

وهذا الفارق التقني هو الذي يُؤسِّس للمسؤولية الفقهية والقانونية: فمن استخدم الذكاء الاصطناعي كوسيلة معاونة في التفكير والتنظيم – مع التثبت من مخرجاته – فقد أدَّى ما عليه، أما من أخذ مخرجاته مأخذ الحقيقة الثابتة دون تحقق، أو قدَّمها للآخرين باعتبارها من إنتاجه دون إفصاح، فقد أخلَّ بأمانة من الأمانات التي كلَّفه الله بها.

المحور الثاني: التثبُّت من المعلومة – التأصيل الفقهي وأحكام الضمان

أولاً: التثبت في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية

أمر الله سبحانه بالتبيُّن قبل التصرف على أثر خبر يُبنى عليه ما يضرُّ، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [الحجرات: 6]، قال الإمام القرطبي في تفسيره: «الآية دليل على وجوب التثبت في الأخبار لئلا يُقدِم المرء على ما يندم عليه، ولا سيما ما يترتب عليه حقٌّ لأحد أو ضررٌ به»(2).

ومن أقوى ما يُقرِّر مبدأ المسؤولية عن النقل بغير علم في باب الفتوى والتعليم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أُفْتِيَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ»(3) .

ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم أناط المسؤولية بالإفتاء بغير علم – لا بالكذب المتعمَّد – وهذا يُقرِّر أن التقصير في التثبت وحده كافٍ لترتيب المؤاخذة، قال ابن القيم رحمه الله في تفسير هذا الحديث: «فالمُفتي إذا أفتى بغير علم أو بغير تثبت كان متمكِّنًا من التوقف فأهمله، فكان تفريطه في التوقف موجِبًا لتحمُّله التبعة»(4).

ثانيًا: تكييف الناقل – المتسبِّب لا المباشِر

إذا نقل شخص معلومة مخترَعة من النموذج الذكي دون تثبت، فأضرَّ بمن اعتمد عليها، فليس هو المُحدِث للخطأ مباشرة – إذ الخطأ من مُخرِج النموذج – وإنما تسبَّب في إيصاله لمن أُضرَّ به، وهذا تكييف المتسبِّب لا المباشِر في اصطلاح الفقهاء، وللفارق بين البابين أهمية محورية في تحديد شروط الضمان.

والقاعدة الكلية الجامعة لهذا الباب مستقرة في كتب المذاهب الأربعة ومصاغة بصيغ متقاربة تؤول إلى معنى واحد: «المباشِرُ ضامِنٌ وإن لم يتعمَّد، والمتسبِّبُ لا يضمَنُ إلا بالتعمُّدِ أو التفريطِ»(5).

فضمان المتسبِّب إذن مشروط بأحد أمرين: التعمُّد، أو التفريط، ومحل الشاهد في موضوعنا هو التفريط – لا التعمُّد – لأن الغالب في ناقل مخرجات الذكاء الاصطناعي دون تثبت أنه لا يقصد الإضرار، بل يُقصِّر في بذل الجهد الواجب للتحقق، فالسؤال الدقيق هو: ما الذي يُعدُّ تفريطًا في هذا السياق؟

ثالثًا: الخلاف الفقهي في ضابط التفريط الموجِب للضمان

للفقهاء في ضابط التفريط الموجِب لضمان المتسبِّب ثلاثة مناهج مُتباينة، يحسن تحريرها لترجيح ما يصلح لإعماله في نازلتنا:

المنهج الأول: معيار التمكُّن من الحفظ والضبط: وهو ما ذهب إليه الحنابلة، قال ابن قدامة في المغني (في مسألة جنايات الدواب): «من كانت الدابة في يده وتحت تصرفه فقد تمكَّن من ضبطها، فإذا قصَّر في ذلك ضمن، لأنه يُضمَن بالتفريط في الحفظ لا بمجرد الملك»(6).

المنهج الثاني: معيار الفعل المُحدِث للسبب: وهو ما يُفيده كلام المالكية، قال مالك رحمه الله في المدوَّنة في مسألة جنايات الدواب: «ما جاء من قِبَل الدواب فهو هَدَر، إلا أن يذعرها رجل أو يفعل بها شيئًا، فيكون ذلك من فعله»(7).

المنهج الثالث: معيار جعل الآخر آلةً: وهو ما قرَّره الكاساني الحنفي في تأصيله لضمان الآلة في يد مستخدمها، إذ قال في بدائع الصنائع: «الدابة آلة له فصار كأنه أوصل الضرر بآلة من آلاته، وهذا يُوجب الضمان»(8).

وقد أجمل ابن القيم هذه المناهج في قاعدة جامعة توحِّد بين ضمان المتسبِّب وضمان المباشِر في أصله: «إتلافُ المُسبِّبِ كإتلافِ المُباشِرِ في أصلِ الضَّمانِ»(9).

رابعًا: الترجيح وتنزيله على نازلة الذكاء الاصطناعي

الراجح في نظر هذا البحث هو الجمع بين المنهجين الأول والثالث: فالتفريط الموجِب لضمان المتسبِّب في نقل مخرجات الذكاء الاصطناعي يتحقق باجتماع أمرين: أن يكون الناقل قد وظَّف النموذج توظيفًا يجعله آلةً في خدمة ما يُقدِّمه للآخرين (فهو «ناقل بالآلة» بتعبير الكاساني)، وأن يكون متمكِّنًا من التثبت من مخرجاتها فأهمله (بتعبير ابن قدامة)، ومتى اجتمع الأمران في سياق يُعتمد فيه على قوله – كالاستشارة والبحث والتقرير الرسمي – وترتَّب ضرر معتبر، ثبت الضمان.

أما من أشار صراحةً إلى أن المصدر نموذج ذكي محتمل الخطأ، فقد نقل تمكُّن التثبت إلى المتلقي وخرج من دائرة التفريط، بمعنى أنه أسقط الاعتماد المشروع الذي هو شرط الضمان.

المحور الثالث: الإسناد إلى المصدر – بُعد مستقل في الأمانة العلمية

أولاً: الإسناد في التراث الإسلامي – دين لا إجراء

قال الإمام ابن المبارك رحمه الله: «الإسناد من الدين، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء». وهذه العبارة – التي حفظها مسلم في مقدمة صحيحه – ليست مجرد وصف لمنهج المحدِّثين في التوثيق، بل هي تأصيل لمبدأ كلي: الإسناد الذي يربط القول بقائله هو الحارس الذي يمنع اختلاط الثابت بالمخترع(10).

وقد بسط الخطيب البغدادي في كتابه «الكفاية في علم الرواية» مسألة وجوب نسبة القول إلى قائله وتحريم إسقاط هذه النسبة، وعدَّ ذلك ضربًا من الكذب بطريق الإيهام وإن لم يُصرَّح فيه بكلمة كاذبة، قائلًا: «من نقل كلام غيره دون أن يُسنده إليه أوهم السامع أنه من إنتاجه، والإيهام الكاذب كالتصريح الكاذب في إيجاب المؤاخذة»(11).

ثانيًا: التكييف الفقهي لغياب الإسناد – باب الغش والتدليس

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغش نهيًا قاطعًا: (مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا)(12)

قال الإمام النووي في شرح هذا الحديث: «الغش أنواع: منه ما يكون بالتصريح في القول، ومنه ما يكون بالإيهام وإخفاء ما ينبغي إظهاره. وكلها محرَّمة»، ومن تقديم مخرج الذكاء الاصطناعي دون نسبته إلى مصدره على أنه من إنتاج الناقل صورة من الإيهام بإخفاء ما ينبغي إظهاره(13).

وقد تناول الإمام الشاطبي في الموافقات مسألة «الكذب بالأحوال» – وهو إيهام خلاف الواقع بطريق الفعل أو الحال لا التصريح – وقرَّر أنه في حكم الكذب الصريح من حيث موجَب المؤاخذة: «ما يُوهِم خلاف الحقيقة بطريق الفعل أو الإغفال فهو داخل في معنى الكذب المذموم، لأن المقصود من الكذب إيقاع المستمع في الجهل بالواقع، وهذا يحصل بالإيهام كما يحصل بالتصريح»(15).

ثالثًا: الفارق الجوهري بين إشكاليتَي التثبت والإسناد

يتجلى هنا الفارق الذي قامت عليه هذه الدراسة: فالتثبت يتعلق بصحة المعلومة – وغيابه يُوجِب الضمان في باب التسبب والتفريط متى ترتَّب ضرر، أما الإسناد فيتعلق بنسبة القول إلى مصدره – وغيابه يُوجِب المساءلة في باب الغش والتدليس، حتى لو كانت المعلومة صحيحة تمام الصحة.

وبين البابين فوارق نظامية وفقهية: ففي باب التثبت يُشترط وقوع الضرر لثبوت الضمان المدني، أما في باب الغش فإن المؤاخذة تثبت بمجرد الإيهام الكاذب وإن لم يتضرر المتلقي، لأن الإخلال بالأمانة العلمية في الإسناد جناية على المنظومة المعرفية ذاتها لا على طرف بعينه فحسب.

المحور الرابع: معالجة التثبت والإسناد في المنظومة النظامية السعودية

أولاً: إشكالية التثبت في نظام المعاملات المدنية

يوفر نظام المعاملات المدنية السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/191) وتاريخ 29/11/1444هـ الإطارَ العام للمسؤولية التقصيرية، إذ تنص المادة (120) على أن: «كل خطأ سبَّب ضررًا للغير يُلزِم من ارتكبه بالتعويض»(15).

وهذا النص يُوافق في جوهره معيار التفريط الفقهي الذي تقدَّم تقريره: فالخطأ التقصيري هو التقصير في بذل العناية الواجبة، وهو ما عبَّر عنه الفقهاء بإهمال التمكُّن من الاحتياط، ومتى أثبت المتضرر أن الناقل كان بإمكانه التثبت من المعلومة فلم يفعل، وترتَّب على ذلك ضرر معتبر، تحقَّقت عناصر المسؤولية التقصيرية: الخطأ (التقصير في التثبت)، والضرر، والعلاقة السببية.

ثانيًا: إشكالية الإسناد بين نظام حماية الملكية الفكرية والفراغ التنظيمي

أما إشكالية الإسناد فإن نظام حماية حقوق المؤلف الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/41) وتاريخ 2/7/1424هـ يُعالجها حين يتعلق الأمر بمصنَّف محمي، من خلال تجريم الاستخدام غير المأذون واشتراط النسب.(16)

غير أن حالة نقل مخرجات الذكاء الاصطناعي دون إسناد تقع – في الحالات التي لا يُدَّعى فيها انتحال مصنَّف بشري محمي بعينه – خارج نطاق هذا النظام، إذ لا مؤلِّف بشريًا يحمل حقًا قابلًا للمطالبة به، وهذا يكشف عن فراغ تنظيمي حقيقي: فالمنظومة النظامية السعودية تُعالج الإسناد من زاوية الحماية الفكرية لا من زاوية الأمانة العلمية ذاتها بوصفها التزامًا مستقلًا.

ومِن أبرز ما تُوصي به هذه الدراسة أن تُبادر هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية وهيئة الملكية الفكرية إلى سد هذا الفراغ بلائحة تنظيمية تُحدِّد متطلبات الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي والإسناد لمصدره، بما يُحوِّل الالتزام الأخلاقي إلى التزام نظامي قابل للتطبيق والتقاضي.

الخاتمة

أولاً: النتائج

  1. الذكاء الاصطناعي التوليدي أداة بحثية مشروعة الاستخدام، والأصل فيه الإباحة، والمسؤولية إنما تنشأ عن كيفية استخدامه لا عنه هو في ذاته.
  2. أمانة النقل العلمي تشتمل على بُعدين مستقلين في طبيعتهما وأثرهما: التثبت من صحة المعلومة، والإسناد إلى مصدرها، والخلط بينهما يُفضي إلى معالجة ناقصة لكلٍّ منهما.
  3. الإخلال بالتثبت يُوجِب الضمان في باب المتسبِّب بالتفريط – بشرط التمكُّن من الاحتياط وإهماله وترتُّب الضرر – وهو ما يُقابله في النظام السعودي الخطأ التقصيري بمفهوم المادة (120) من نظام المعاملات المدنية.
  4. الإخلال بالإسناد يُوجِب المساءلة في باب الغش والتدليس وخيانة الأمانة العلمية – حتى لو كانت المعلومة صحيحة – إذ إن الإيهام بالانتساب الكاذب جناية على المنظومة المعرفية بصرف النظر عن الضرر الفردي.
  5. يوجد فراغ تنظيمي في المنظومة السعودية في معالجة غياب الإسناد للمحتوى الاصطناعي حين لا يتعلق الأمر بمصنَّف بشري محمي، ويستوجب هذا الفراغ تدخلًا تنظيميًا صريحًا.

ثانيًا: التوصيات

  1. تُوصي الدراسة هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية وهيئة الملكية الفكرية بإصدار لائحة مشتركة تُحدِّد متطلبات الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي والإسناد لمصادره في السياقات الأكاديمية والمهنية.
  2. تُوصي مجالس الجامعات السعودية بتعديل لوائح الأمانة الأكاديمية لتشمل نصوصًا صريحة تُفرِّق بين مخالفة التثبت ومخالفة الإسناد، مع تحديد أثر مستقل لكل منهما.
  3. تُوصي بإدراج وحدة تدريسية متخصصة في مناهج البحث الجامعية تتناول فوائد الذكاء الاصطناعي وحدوده وضوابط الأمانة العلمية في استخدامه، مع ربطها بالتأصيل الفقهي.
  4. تُوصي بإجراء دراسات ميدانية تستقصي واقع الالتزام بالتثبت والإسناد في الأبحاث العلمية السعودية التي توظِّف الذكاء الاصطناعي، لتقديم صورة تطبيقية ترافق هذا التأصيل النظري.

 

 

الهوامش:

(1) خالد المالكي، «المسؤولية المدنية عن فعل الذكاء الاصطناعي في النظام السعودي: دراسة تحليلية تأصيلية»، مجلة البحوث الفقهية والقانونية، جامعة الأزهر، مج47، ع47 (2024م)، ص1765-1826، 2024.307623.1488. وقد ركَّز البحث على مسؤولية الشركات المطوِّرة ومشغِّلي الأنظمة، ولم يتناول بالتأصيل مسؤولية الإنسان الناقل لمخرجات هذه الأنظمة.

(2) القرطبي، محمد بن أحمد الأنصاري (ت671هـ)، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، (دار الكتب المصرية، القاهرة، ط2، 1384هـ)، 16/310-311.

(3) رواه أبو داود في سننه، كتاب الأقضية، باب التحريض على طلب العلم، رقم (3657)؛ وابن ماجه في سننه، المقدمة، رقم (53)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال المنذري: «إسناده جيد». وانظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود، للعظيم آبادي، 10/8.

(4) ابن القيم، محمد بن أبي بكر (ت751هـ)، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق: مشهور حسن آل سلمان، (دار ابن الجوزي للنشر)، 4/179-180. وهذه العبارة من أدق ما قيل في تأصيل المسؤولية عن النقل بغير تثبت ووجه اعتبارها تفريطًا موجِبًا لتحمُّل التبعة.

(5) انظر تقرير هذه القاعدة وتطبيقاتها في: الزحيلي، محمد مصطفى، القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة، (دار الفكر، دمشق، ط1، 1427هـ)، 2/605، متاح عبر المكتبة الشاملة:

 shamela.ws/book/21786/595

وقد خرَّج الزحيلي هذه الصياغة من نصوص المذاهب الأربعة مبيِّنًا أن معناها متفق عليه وإن تباينت الصياغات.

(6) ابن قدامة، موفق الدين عبدالله المقدسي (ت620هـ)، المغني، تحقيق: عبدالله التركي وعبدالفتاح الحلو، (دار عالم الكتب، الرياض، ط3، 1417هـ)، 12/543، المسألة رقم (1613)، عبر المكتبة الشاملة (معرّف 6910).

(7) مالك بن أنس (ت179هـ)، المدوّنة (رواية سحنون بن سعيد)، (دار الكتب العلمية، بيروت)، 3/497، عبر المكتبة الشاملة (معرّف 587). وهذا النص وإن كان في باب الدواب إلا أن علته – اشتراط الفعل المُحدِث للسبب – قابلة للإعمال في كل تسبُّب.

(8) الكاساني، علاء الدين أبو بكر بن مسعود (ت587هـ)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، (دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، 1406هـ)، 7/281-283، عبر المكتبة الشاملة (معرّف 8183). وفي هذا النص معنى عميق يُلائم إعماله في توصيف علاقة الإنسان بنماذج الذكاء الاصطناعي.

(9) ابن القيم، إعلام الموقعين، 3/267، عبر المكتبة الشاملة (معرّف 17798). وقيَّد ابن القيم هذه المساواة بما تقدَّم: أن ضمان المتسبِّب مشروط بالتعدي أو التفريط، والمساواة في «أصل الضمان» لا في كل تفاصيله وشروطه.

(10) أخرج مسلم هذا القول في مقدمة صحيحه عن ابن المبارك، انظر: مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم بشرح النووي، (دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط2، 1392هـ)، 1/87. وانظر توسعًا: الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية، تحقيق: أبو عبد الله السورقي وإبراهيم حمدي المدني، (المكتبة العلمية، المدينة المنورة)، ص2-

(11) الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي (ت463هـ)، الكفاية في علم الرواية، تحقيق: أبو عبد الله السورقي وإبراهيم حمدي المدني، (المكتبة العلمية، المدينة المنورة)، ص269-270.

(12) رواه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب قول النبي ﷺ «من غشنا فليس منا»، رقم (101)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(13) النووي، يحيى بن شرف (ت676هـ)، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، (دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط2، 1392هـ)، 2/109.

(14) الشاطبي، إبراهيم بن موسى اللخمي (ت790هـ)، الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق: أبو عبيدة مشهور آل سلمان، (دار ابن عفان للنشر والتوزيع)، 4/68-70.

(15) نظام المعاملات المدنية السعودي، الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/191) وتاريخ 29/11/1444هـ، المادة (120)، متاح عبر هيئة الخبراء بمجلس الوزراء: laws.boe.gov.sa. ويُلاحَظ أن هذا النص يُدوِّن المبدأ الفقهي الإسلامي في المسؤولية التقصيرية القائمة على الخطأ والضرر والعلاقة السببية، وهو ما يُسهِّل تطبيق الأحكام الفقهية المتقدمة مباشرةً في ظله.

(16) نظام حماية حقوق المؤلف، الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/41) وتاريخ 2/7/1424هـ، متاح عبر: laws.boe.gov.sa. وتجدر الإشارة إلى أن الهيئة السعودية للملكية الفكرية أصدرت تفسيرات لاحقة تتعلق بالمصنَّفات الرقمية، لكنها لم تتناول بعد وضع مخرجات الذكاء الاصطناعي تحديدًا.

قائمة المصادر والمراجع

أولًا: المصادر الشرعية الأصيلة:

1 – ابن القيم، محمد بن أبي بكر (ت751هـ)، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق: مشهور حسن آل سلمان، (دار ابن الجوزي للنشر).

2 – ابن قدامة، موفق الدين عبد الله المقدسي (ت620هـ)، المغني، تحقيق: عبدالله التركي وعبدالفتاح الحلو، (دار عالم الكتب، الرياض، ط3، 1417هـ).

3 – أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني (ت275هـ)، سنن أبي داود، (دار الكتاب العربي، بيروت).

4 – الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي (ت463هـ)، الكفاية في علم الرواية، تحقيق: أبو عبدالله السورقي وإبراهيم حمدي المدني، (المكتبة العلمية، المدينة المنورة).

5 – الزحيلي، محمد مصطفى، القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة، (دار الفكر، دمشق، ط1، 1427هـ).

الزحيلي، وهبة مصطفى، نظرية الضمان في الفقه الإسلامي المقارن، (دار الفكر، دمشق، 1998م).

6 – الشاطبي، إبراهيم بن موسى اللخمي (ت790هـ)، الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق: أبو عبيدة مشهور آل سلمان، (دار ابن عفان).

7 – القرطبي، محمد بن أحمد الأنصاري (ت671هـ)، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، (دار الكتب المصرية، القاهرة، ط2، 1384هـ).

8 – الكاساني، علاء الدين أبو بكر بن مسعود (ت587هـ)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، (دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، 1406هـ).

9 – مالك بن أنس (ت179هـ)، المدوّنة (رواية سحنون بن سعيد)، (دار الكتب العلمية، بيروت).

10- مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم بشرح النووي، (دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط2، 1392هـ).

11 – النووي، يحيى بن شرف (ت676هـ)، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، (دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط2، 1392هـ).

12 – ابن ماجه، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني (ت273هـ)، سنن ابن ماجه، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، (دار إحياء الكتب العربية).

ثانيًا: الأنظمة السعودية

1 – نظام المعاملات المدنية، الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/191) وتاريخ 29/11/1444هـ، هيئة الخبراء بمجلس الوزراء،

laws.boe.gov.sa

2 – نظام حماية حقوق المؤلف، الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/41) وتاريخ 2/7/1424هـ، laws.boe.gov.sa

3 – نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية، الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/17) وتاريخ 8/3/1428هـ.

ثالثًا: المراجع الحديثة والدراسات المحكَّمة

1 – الدريج، محمد، الذكاء الاصطناعي في التعليم: رؤية مستقبلية، (المركز الدولي للأبحاث والدراسات، 2023م).

2 – المالكي، خالد، «المسؤولية المدنية عن فعل الذكاء الاصطناعي في النظام السعودي»، مجلة البحوث الفقهية والقانونية، جامعة الأزهر، مج47، ع47 (2024م)، ص1765-1826.

3 – اتحاد الجامعات العربية، «الذكاء الاصطناعي التوليدي وأخلاقيات البحث العلمي»، ورقة سياسات، (2023م).

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

د. ياسر بن محمد زمل

باحثٌ في الفقه والنظام المقارن - السعودية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى