
البناء الأخلاقي للمكان في مسرحية فاوست لنعلبنديان
يقصد بالبناء الأخلاقي للمكان الوظيفة التي تؤديها تلك التقسيمات الهندسية لأماكن الأبرار والأشرار في العالم الآخر.. ويستخدم الكاتب الإيراني عباس نعلبنديان في عمله المسرحي «ماذا لو ظفر فاوست بقدر من الولاء» صورًا أخرى عن طبيعة تلك الأماكن بعيدة كل البعد عن المأثورات الدينية، وعن كل ما جاء به الفلاسفة وأهل التصوف أيضًا.
فخيال المبدع هنا لم يتوقف عند الموقع والوصف، بل تدخل في إعادة تخيل ووصف البناء الأخلاقي للمكان، مما جعل المكان مناسبًا للمعيار الأخلاقي للشخصيات القاطنة بداخله، وجاء هذا -رغم غرائبيته عن التراث الديني- موفقًا وضروريًا في بناء الشكل الدرامي للعمل ككل.
وكما سنعرض عند تحليل العمل أن المؤلف قد وضع تصوره المعماري لـ«الجنة» وفقًا للمعيار الأخلاقي لقاطنيها (فاوست وزوجه مارجريت – دون كيشوت – يهوذا – بيلاطس)، لنشاهد طرحًا جديدًا مغايرًا وتجريبيًا لفكرة الهويات الوطنية، كما أنه حدد مكان «النار» وفقًا لثقافته وموروثه.
فإذا كانت مكانة البشر في العالم الآخر تتوقف على درجة رفعتهم أو انخفاضهم، وعلى مدى سمو الفضائل التي يمثلونها، كما
أن مدى انحطاط الرذائل هو الذي يحدد في الجحيم الدرك الذي يحتله من يتصفون بها ومدى عمقه، فقد طبق المؤلف نفس المعيار الأخلاقي على المكان نفسه، كما دافع عن وجود بعض ضيوف جنة «فاوست» – ممن يمثلون الضعف الأخلاقي في حياتهم الدنيوية – مثل: يهوذا الإسخريوطي، الخائن الأعظم، وبيلاطس البنطي، الوالي الروماني الذي أصدر الحكم بصلب يسوع المسيح، ملك إيران (الشاه)، ورمز له بالأسد الإمبراطوري، رمزًا للطغيان والتبعية، ودون كيشوت، الفارس المزيف، الذي كان مدفوعًا بأوهام نبيلة، حتى شخصية البشرى المنتحر – الإنسان المعاصر – الذي رمز إليها بالحروف (ص.ص.م)، والأخير بطل العمل، الذي دخل الجنة مرتين: المرة الأولى عندما أقدم على قتل نفسه، والمرة الثانية جاء زائرًا لفاوست. أما عن سبب الزيارة، فشعور ص.ص.م بأنه سيئ الحظ، وكان يشعر كأن حرمان الدنيا من نصيبه. وربما دفعه ذلك لطلب المساعدة من فاوست، الذي بدوره يعاني من عقدة الاضطهاد ويدعي مظلومية قتل اليهود، ورغم أنه قد دخل الجنة! والذي يعزى دخوله إليها بمقولة: في السابق لم يكونوا قد اهتموا بالحسابات بعد، ولولا ذلك لما أُرسلنا إلى هنا!!
تُرى كيف يكون شكل الجنة الذي يضم تلك النماذج البشرية المثيرة للاهتمام؟ وما هي طبيعة الحياة فيها؟
المنظر:
الأرض تفترش سجادة من العشب، حولها أشجار قديمة ممتلئة بالأغصان وأوراق الصفصاف، وشجيرات الزهور الصغيرة والكبيرة في كل مكان، كما تختبئ بعض الأشجار والعشب والأزهار في الضباب، هناك عدة أنهار من اللبن. أمام المسرح، عند سفح شجرة صفصاف قوية – معلق عليها مذياع ترانزستور – توجد سجادة خضراء مفروشة، عليها كؤوس شراب كبيرة، وآنية فضية وأطباق مملوءة بالفواكه المختلفة، وبجانب الشجرة توجد وسائد كبيرة، من حين إلى آخر يمر أسد وظبي وحمار وحشي وزرافة وغزال؛ وحسناوات فاتنات يرتدين ملابس طويلة، وخلاخيل دقيقة وحليًا مصنوعة من أحجار نادرة؛ ورجال يرتدون أردية مرصعة بالأحجار المختلفة (ص 26).
وإذا كانت هذه الصورة المادية الأقرب لتراثنا الديني، إلا أننا نصدم عندما نجدها أشبه بفندق يشعر قاطنوه بالسأم والملل، به العديد من الغرف المرقمة، ويقدم فيها سجائر الهافان والجرائد، كما يقدم فيها اللبن والخمر لا الماء، ويوجد بها محتكرون للسلع، وصراعات أيضًا!
يصف فاوست جنته بالجنة الأبدية، ومع ذلك يشعر فيها بالسأم والملل:
فاوست: (موجهًا حديثه إلى زوجه) عزيزتي مارجريت. فلأكن صادقًا، لقد مللتُ هذه الجنة الأبدية. (صمت) قولي لي برأيك، ما الذي يتعين عليّ فعله؟
مارجريت:
(بضجر) أوه، عزيزي فاوست، لم يمض سوى يومين على آخر حدث كبير حصل في جنتنا، هل تشعر بالملل وتقول الأشياء نفسها طول الوقت؟ أنت تعلم جيدًا أنه ليس هناك خيار ويجب الصبر.
فاوست:
إلى متى؟ أنا غاضب جدًا هذه الأيام إلى درجة أنني قد أفقد السيطرة وأدمر هذه الحديقة بكاملها فجأة. (ص 27)
وإذا كان هذا حال فاوست في جنته، فماذا عن الآخرين:
نبدأ بالأسد الإمبراطوري، ويقصد به الملك والنظام الملكي، والذي يتعامل مع وجوده في الجنة كأنه نزيل فندق، فاوست: (لزوجه) في اليوم الذي يأتي فيه هذا الرجل إلى هنا، منذ اللحظة الأولى لوصوله، يبدأ في إصدار الأوامر مثل: يجب أن يكون رقم غرفتي 11 – لهذا الرقم في عهد الشاه كان يحمل صيغة دينية وتاريخية تعكس الصراع بين التوجه العلماني القومي للشاه والتوجه الديني الشعبي – يجب أن تشتمل على كل الأشياء التي تخصني، حتمًا لابد أن تكون علامة «دبليو-سي» مثبتة، يجب ألا يذكروا اسم هذا الرجل الطويل ذي الأنف الكبير الجاهل أمامي (يقصد الجنرال شارل ديجول)،….، يجب شراء سبع أو ثماني علب سيجار هافانا يوميًا، تقول المضيفة بكل بساطة إن هذا غير ممكن، وتأخذ بيده وتصحبه إلى علامة «ممنوع التدخين»، وفجأة يبدو عليه الغضب، ويتلون وجهه بالأحمر كأنه حبة فراولة، ويفتح إصبعين من يده اليمنى ويبدأ بالصياح والصراخ. لكنه عندما أدرك أخيرًا أن مثل هذا السلوك لا يُجدي نفعًا، قرر أن يُضرب عن الطعام. (ص 29-30)
الشخصية الثانية دون كيشوت، الغاضب، الشاعر دائمًا بالإهانة، المشهر سيفه بلا سبب حقيقي، حيث يطلب منازلة فاوست (ص 39: 47) لا لشيء سوى أن فاوست اشترى صحيفة كان يريد هو شراءها، لم يلاحظ وجوده!! نقرأ:
فاوست:
(مبتسمًا) لم ألمح سوى شبح واقف إلى جانبي ظننت أنه شجرة!
دون كيشوت:
(يتراجع خطوة وهو غاضب) وهذه أيضًا إهانة أخرى!
الشخصية الثالثة يهوذا الإسخريوطي، الذي ارتبط بلقبه كخائن للمسيح، وبميتته البشعة منتحرًا، في البداية تحدث عن الكتاب المقدس كواحد من الاثني عشر، ثم تحولت صورته لاحقًا إلى تجسيد الجشع والخيانة واليأس. إلا أن المؤلف يتبنى ما جاء في إنجيل يهوذا الغنوصي (حوالي 150 م) فيقدم تحولًا جذريًا، حيث يصور يهوذا على أنه بطل وأنه التلميذ الوحيد الذي فهم مهمة يسوع وتصرف بطاعة لمساعدته على الموت.
السيد ص.ص.م:
(إلى يهوذا) كم عدد التهم التي لديك؟
دون كيشوت:
هل تقصد قصة الصلب وهذا الكلام؟
مارجريت:
(إلى السيد ص.ص.م) هل ما زلت تعتبر هذه المسألة مخزية؟
السيد ص.ص.م:
وهل الأمر على غير ذلك، سيدتي العزيزة؟
مارجريت:
(ضاحكة) طبعًا سيدي العزيز، بالطبع.
يهوذا الإسخريوطي:
(ضاحكًا) أوه، لقد فهمت.
فاوست:
(إلى السيد ص.ص.م) صديقي، أدرك أن هذه مسألة مخزية، أنت ساذج كالأطفال.
السيد ص.ص.م:
فلماذا لا تخبرني؟
يهوذا الإسخريوطي:
رجل طيب! كانت مجرد مسرحية، وكان لدينا مشهد يظهر فيه الممثلون وقد رسموا على وجوههم، ونطقوا بالعبارات التي تدربوا عليها من قبل، وكانوا يسيرون أمامه كما قيل لهم. رجل طيب! لم تكن هناك خيانة أو صداقة. جميعنا، الثلاثة عشر أو أكثر، كان لدينا حبال على رؤوسنا وأعناقنا، وأيدينا وأقدامنا وألسنتنا. وارتفع صوت البوق وتقدمنا ونظرنا في عيون المتفرجين.
السيد ص.ص.م:
هل تقول الحقيقة؟
يهوذا الإسخريوطي:
ألم ترونا معًا في جنة عدن، كيف كنا نتحدث بحرارة بعضنا مع بعض؟ ألم يخبرك أحد بمقدار محبتنا بعضنا لبعض؟
دون كيشوت:
نعم! حقًا، لا شيء سوى هذا. (ص 99، 100)
الشخصية الرابعة والرئيسة ص.ص.م، يمثل أزمة الإنسان المعاصر – ربما يمثل المؤلف نفسه – فهو يشعر بأنه قطرة صغيرة متلاشية، ورقة خريف، إنسان ضعيف وعاجز: ليس لديه أدنى قدرة على أن يكون أو لا يكون (ص 24، 25)، ينظر إلى الطبيعة على أنها أم الحياة! نقرأ حديثه إلى الطبيعة:
آه، أيتها الطبيعة! يا أم الحياة! هل يمكنني التحدث مع أي أحد غيرك؟ أنت مولد الحياة وروح الوجود، أنت المثال المتجسد والمعصوم للقبح والجمال، والشر والخير، وكل ما هو موجود في أصلنا نحن البشر من تراب، أنت دقات قلب النبات، والنار التي تدفئ أرواح عشاقك. (ص 22)
ومن الطبيعي أن يستجيب صاحب هذا الموقف الفكري لنصيحة فاوست، بحثًا عن السعادة، بتكرار حيلة فاوست نفسه مع الشيطان (مفيستوفليس)، نقرأ:
فاوست:
(متحدثًا إلى ص.ص.م): اذهب إلى مفيستوفليس، وأخبره أنك ستمنحه روحك؛ لتحظى بنعيم الجسد وتصل إلى الملذات القصوى،….، وفي الوقت المناسب تُعلن توبتك!
وبالفعل ينفذ ص.ص.م نصيحة فاوست (المشهد الأول والثاني من الفصل الثاني)، وعندما حدد المؤلف مقر إقامة الشيطان (مفيستوفيليس)، لم يجعلنا نراه في الدرك الأسفل من النار، باعتباره إمبراطور العالم الأليم، بل اختار ناطحة سحاب في السماء، وهذا لأن الفرس نظرًا لتقديسهم النار لم يتصوروا عذاب الآخرة إلا من البرد الشديد، احترامًا للنار من ناحية واستجابة لطبيعتهم كسكان مناطق جبلية أشد ما يخيفها هو العواصف الثلجية من ناحية أخرى.
كما أن المؤلف لم يتوقف كثيرًا أمام الوصف الحسي للشيطان مثل فنان إيطاليا الأكبر «دانتي» في ملحمته الخالدة الكوميديا الإلهية بأجزائها الثلاث.. بل سجل موقفًا للشيطان من زاوية فلسفية ودرامية تُعبر عن عدم ثقة الشيطان في الإنسان، وهنا عملية الغواية عكسية!! يرفض الشيطان غواية الإنسان، بل يُعلن الشيطان استقالته!
مفيستوفيليس:
(متوجهًا إلى السماء) لماذا لا توقفني؟ لماذا لا تجد أحدًا آخر؟
ص.ص.م:
(بخبث) أليس لديك شرف، أليست لديك عدالة ونزاهة؟
مساعد مفيستوفيليس:
(موجهًا كلامه إلى ص.ص.م) هل لديك أنت؟
مفيستوفليس:
لماذا لا تتركني وحدي؟ لماذا لا تجد أحدًا آخر؟
ص.ص.م:
(بالشكل نفسه، أكثر هدوءًا) بعد كل شيء، لم أتوقع منك شيئًا. لم أتوقع شيئًا منك.
المساعد:
(إلى مفيستوفيليس) اهدأ سيدي. كن هادئًا.
مفيستوفليس:
لماذا لا تدعني أعود إلى مكاني؟
السيد ص.ص.م:
ليست لي عداوة مع أي شخص.
المساعد:
(للسيد ص.ص.م) ألا تلاحظ كيف حطم صراخك الهائل أعصاب السيد مفيستوفيليس؟
مفيستوفليس:
(يمسك بقبضتيه ويرفعهما في الهواء) سأستقيل!
ص.ص.م:
(يجلس في منتصف الغرفة) فماذا أفعل؟ أعطني بابًا حتى أطرقه. طريقًا واحدًا.
مفيستوفليس:
أقدم استقالتي.



