العدد الحاليالعدد رقم 48ترجمات

مدخل إلى سيمون فايل: حياةً وفكرًا (1)

ترجمة: بثينة المعيقل

 

جُودُ الفتى يَكفيكَ تَسآله

مقولة عربيّة

 

أفضل المعروفِ ما لم تُبتذل فيه الوُجُوه

أبو العتاهية

 

استهلال المترجمة

حين يقترن اسم سيمون بالفلسفة، تتبادر إلى الذهن دي بوفوار، الفرنسيّة الوجودية والنسويّة الأشهر. أقل شهرة معاصرتها الوحيدة في كلية الفلسفة آنذاك سيمون فايل1 (1909-1943م) والتي انتهجت مسارًا فكريًا معاكسًا للمجرى العام للفكر الغربي التقليدي الذي يفصل الأخلاق عن السياسة كما استهلّه ميكافيللي وكرّسه نيتشه. تنتمي فايل إلى تيّار فكريّ يعود إلى أفلاطون؛ يبحث عن الثابت خلف المظاهر المتغيّرة، يقدّس الكرامة الإنسانية، ويضع العدالة – باعتبارها التجسّد الأهم للخير الأسمى على وجه الأرض – نصب عينيه. ما يُقرّب فايل إلى النفس هو أنها لم تُنَظّر من عِليّة نُخبويّة، إنما أنزلتْ فكرها لتختبره ببسالة على محكّ الواقع؛ مع العمال في المصانع، ومع الجنود في ساحة الحرب. ورغم أن أصالة فكرها تُحجب غالبًا بسبب تصنيف متسرّع لها على أنها متصوّفة مسيحية، إلا أنها عنيت بالأسئلة المتعلقة بالقدرة البشرية؛ الفعل والفكر، وحدود اللغة، كما حاجتنا إلى الوساطة – تحديدًا المعاناة والجمال – للتماس مع الواقع الأقصى.

لا أُطيل في التقديم لشخصها، وإنما أوجزه في حادثة قصيرة تحكيها عنها سيمون الأشهر في (مذكرات فتاة رصينة) فتقول:

كنت وإيّاها بصدد تأديّة نفس الامتحانات في السوربون. وقد لفتتني لسمعة عن ذكائها المتوقّد ولغرابة مظهرها. اندلعت آنذاك مجاعة كبيرة في الصين، وقيل لي أن سماع الخبر أبكاها. أجبرتني تلك الدموع على احترامها أكثر من أي موهبة فلسفيّة حُبيت بها. حسدتُها على قلبٍ يتسع ليتواجد كل البشر 2. دار بيننا حديث ذات مرة، أعلنَتْ لي بصرامة أن الأهم في عالم اليوم هو ثورة تُطعم الجوعى، فلا تذر على الأرض منهم أحدًا. رددتُ بحدّة: «ليس الإشكال إسعاد البشر، بل إيجاد معنى لوجودهم» صعّدت فيّ النظر قائلة: «بادٍ أنكِ ما ذقتِ ألم الجوع قط». افترقنا ولم يجمعنا حديث بعده.

مدخل إلى سيمون فايل، حياةً وفكرًا3

– الربع الأول –

فِكر فايل في لمحة 

سيمون فايل مفكّرة فرنسية، كرّست جهد حياتها لفكرها الذي بقي إرثًا لها. إن الحيّ من أفكارها يُبقي لهذا الإرث قيمته، وفيما يلي عرض موجز لخطوطه العريضة.

عُنيت فايل – قبل كل شيء – بالتأسيس الفكري اللازم لتصوّر شكل المجتمع العادل. ومن ثم فإن مفهوم العدالة يمثل الركيزة الأساسيّة التي تمحور حولها تفكيرها الناضج، ولا سيما في ابتعاده عن تصوّر مألوف للعدالة استهلّت به حياتها الفكريّة. ما يميّز مفهومها اللاحق للعدالة تعارضه مع كل من: الفردانيّة الديمقراطية باعتبارها الأساس الذي يقوم عليه النظام السياسي الحديث، ومع الأولوية التي تحظى بها الحقوق الفرديّة في نظامنا السياسي [الغربي]. العدالة عند فايل تقتضي أكثر من مجرّد الضمان الكافل لتحقيق الذات؛ فهي لا تقلّ عن يقظة أخلاقية ساهرة على رعاية احتياجات كل إنسان4. أمّا العدالة المتكيّفة براغماتيًا فلا تليق بكائن قادرٍ على معرفة «الخير» والرغبة به. ومن ثمّ فقد بوّأت العدالة مكانًة مركزيّة في بُنية الوجود الإنساني، وإذا ما أضيف إلى ذلك تفكيرها المتعمّق بمقتضيات تحقيقها على أرض الواقع، بات مفهومها للعدالة حاذقًا وصارمًا. الأمر الذي يجعل ما يُقدّس اليوم باسم العدالة متهافتًا – كما أيقونة بلاستيكية – بالمقايسة.

الركيزة الثانية في إرثها الفكري تقوم على مفهوم مركّب للحريّة الإنسانية. بل إن تصوّر فايل للحدود التي تواجهنا، باعتبارنا كائنات جُبلت على إمكان التوجّه نحو «الخير»، مُقلق وصارم أكثر من تصورها للعدالة. فهي تقدّم مفهومًا للحرية يتعارض تمامًا مع الرأي

السائد القائل بأنه على الناس صنع عالم أفضل، أو أنهم مسؤولون عن دعم غيرهم لبلوغ أهدافهم حياتهم. فايل تُلح على إمكان، بل واقتضاء، اللا-فعل النشط عبر «الانتباه» و «الموافقة5» و«المحبة». وعوضًا عن تمجيد الفرد المستقل الذي يحقق أهدافه، تُعزّز فايل ضرورة «الامتثال6»، و «الموافقة» – وإن كان ذلك رغمًا عن النفس – على الواقعيّ لا المُتمنّى. فالإنسان لا يُسبغ النظام على العالم؛ بل يُدرك نظامًا قائمًا أصلًا. ومن ثم، الامتثال، المقترن بالتواضع، لهذا النظام كفيلة بإنتاج حريّة حقيقية. يؤطّر هذا التصوّر للحريّة تفكير جدليّ يؤكد على نظام كونيّ ضروريّ وثابت، مما يجعل الغايات الإنسانية، التي تتطلّب الحرية، مفهومة.

هاتان الركيزتان، العدالة والحريّة، تدعمان تصوّرًا للإنسان وللحياة يجمع بين التفاؤل من جهة، والتأسّي إزاء التشاؤم من أخرى؛ إذ يؤكد أن البشر قد مُنحو مسارًا نحو كمالِهم، وبالتالي، ثمة أمل في إحراز تقدمٍ نحوه. إن جوهر فِكر فايل أن لكلِّ إنسانٍ في حياته نزوع مُلِحّ إلى الخير لن يُلبى إلا بتحقيق العدالة للجميع. وهذا الفكر تستكمله نبرتُها الجادة الآسرة وهي تؤكد أن العدالة ليست محصورةً في نتائج مرجوة تُراعى أثناء تخطيط مسار تطوّراتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، إنما هي نجم في المركز تدور حوله سائر الأمور الحياتيّة. ولهذا لا تظهر العدالة كتجريد مبهم يُلاك كمسوّغ ويتخذ ذريعة لتبرير أي قضيّة نبيلة رائجة، إنما تتجذّر في الماديّ والواقعي. وبما أن العمل، ملموسًا وخلافه، يُشكّل جزء كبير من الحياة البشرية، فإن العدالة لا تتحقق دون التفكير في كيفية تطبيقها على العمل وبيئته الإنسانية. وهكذا لا يُغفل تفكيرها – حتى في أعلى مستوياته تجريدًا – الواقع. فالعمل، شأنه شأن العدالة، حجر محكّ؛ يُرسيّ الفِكر في خضم العالم المعيش.

إلى جانب هاتين الركيزتين في فكر فايل، تبرز قراءتها اللافتة للمسيحية التي تركت تأثيرًا واسع الانتشار وطويل الأمد. وتلك قراءة غير تقليدية، عُدّت هرطقة ضمن طوائف مسيحية. بصرف النظر عن حقيقة التهمة، فلا شكّ في أهمية علاقة فايل بالمسيحية، والتي انجذبت إليها لأسباب متباينة. فمنها الألفة؛ إذ اعتقدت أنها اللغة الأم للروحانية في الحضارة الأوروبية. والآخر، قناعتها بأن المسيحية – في أفضل حالاتها – هي كمال الروح الإغريقية الكلاسيكية التي قدّرتها. ومن ثم اعتقدت أيضًا أن إحياء الروح المسيحيّة في الحضارة الأوروبية سبيل للخلاص؛ نهوض أوروبا من حالة الخمول والانحطاط الروحي اللذين ظهرا في مطلع القرن العشرين، وهما الثمرة الفاسدة لبذورٍ رعناء زُرعت في عصري النهضة والتنوير. ومع أن فايل جَحَدت مفاهيم القيامة والجنة والجحيم، إلا أنها عدّت صلب المسيح صورة – قد تكون الأسمى – تحمل مفتاحًا للحقيقة الكامنة في الحالة البشرية 7. وقد منحها «الصلب» إلهامًا شخصيًا، كما معينًا لا ينضب للتأمل.

ومع ذلك، فإن اعتبار فايل مفكرة مسيحية، أو حتى صوفيّة، مجافٍ للصواب. صحيح أن قراءاتها وشروحاتها للآراء المسيحية تشكلّ جزءًا كبيرًا من دفاترها، كما تُكرّس بعض مقالاتها لصقل تلك الأفكار بنزاهة استثنائية، إلا أنها استلهمت مصادر أخرى، بما فيها التراث الشعبي لثقافات متعددة، والفكر الروحي في الهند والصين. فلا المسيحية، ولا أفكارها، ضروريان للتعبير عند فايل التي اعتبرت معظم تلك الأفكار سابق على المسيحية تاريخيًا. بل تغيب المسيحية تمامًا عن بعض كتاباتها، وكثير من أفكارها لا يتوقف اتساقها على قبول الادعاءات المسيحية. إن فايل، التي تلقّت تدريبًا فلسفيًا صارمًا، لم تنفصل يومًا عن تكوينها الفلسفيّ؛ لا في الأسئلة التي تُؤطّر مسارها الفكري، ولا في الإطار المرجعي الذي تستند إليه للإجابة. وحين يُنظر بتروٍ في أعمالها تتكشف أسس ميتافيزيقية ومعرفية لا شك أنها خاصة بمفكرة. مثلما لا شك في أنها مدينٌة لأفلاطون.

إن جانبًا شائقًا في فكر فايل يتمثل في تطويرها لأفلاطونية معاصرة. ورغم أن تأثير أفلاطون لم يكن حصريًا، إذ لديكارت، وكانط واسبينوزا نصيب، إلا أن له نصيب الأسد. فقد استقت منه الأفكار الرياضية الفيثاغوريّة، وأضافت إليها آراء رواقية، ومن ثم عزّزتها بتطورات لاحقة من رياضيات القرن العشرين، ولا سيما نظرية الأعداد. كما ربطت بين العلوم اليونانية والعلوم المعاصرة، مكتشفةً وحدة جوهرية عبر الأنظمة الاستتبابيّة homeostatic systems  والقوانين الطبيعية بوصفها دوال تصف العلاقات بين الكميات أو الأحجام. والنتيجة هي إطار ميتافيزيقي، لا يُقدم بوصفه تحفة أثريّة، إنما كمرشّح للحقيقة متوافق مع تقدّم التفكير العلمي. لم تملِ فايل إلى التكهنات الأكاديمية أو الفلسفية؛ إذ أن الغرض نصب عينيها دائمًا هو العثور على الحقيقة في الحالة البشرية.

مثل أفلاطون، يبدأ إطار فايل الفكري من الجانب الطبيعي للواقع، ضمن محتوى تجاربنا الحسيّة ومعتقداتنا التجريبية؛ أيّ ما نرى ونلمس ونقيس. خلف هذا الجانب الملموس، تكمن عناصر الواقع التي تُشكّل خبرتنا، دون أن تكون جزءًا ماديًا من الواقع. وهي تظهر في الأوصاف التي تتوسّل لغات الرياضيات، أو الهندسة، أو القوانين العلمية. ومع أن هذه العناصر ليست طبيعية – مثل الأشياء المُقاسة – إلا أنها ليست منفصلة عن الطبيعة ولا عن الفكر الإنساني. وراء هذه العناصر – العاملة كوسائط بين الفكر والطبيعة – تتبعُ فايل خطى أفلاطون بافتراض وجود عنصر منفصل عن الطبيعة، وخارجها، متجاوز للحدود الطبيعية للفكر البشري العادي، ومع ذلك حقيقيّ، وتسميه: الفوق-طبيعي Supernatural. منه ينبع النظام الأساسي للواقع، ويكمن في كل ما ينبغي أن يكون، بحيث تصدق الأوصاف التي تستخدم قوانين الرياضيات أو القوانين العلمية. «الفوق-طبيعي» هو النظام الأقصى، ومثال الجمال الكوني، ومفهوم الخير الذي يتوقف عليه إمكان الفكر الإنساني ذاته. فلا غرو إذًا أن تستحسن فايل أحيانًا تسميته وتصوّره على أنه الربّ. كما سيتضح لاحقًا، فإن هذا الواقع الأساسيّ، وإمكانية التواصل معه، أساسيان في فكرها.

التكوين الفكري

دام نشاط فايل اثني عشر عامًا قبل وفاتها المبكرة في عام 1943م عن عمر يناهز 34 عامًا، وقد خلّفت مقالات منشورة، كما مخطوطات ومذكرات لم تنشر إلا بعد وفاتها. درَستْ فايل الفلسفة، واعتبرتها رسالتها حتى أيامها الأخيرة، كما شكّل تدريسها معظم مسيرتها المهنية. وقد عكست كتاباتها للآخرين تكوينها الفلسفي، فاتسمتْ بتمييزاتٍ دقيقة في التجربة، والمفاهيم، واللغة، والعلاقات بين الأفكار.

ولدت فايل في باريس في 3 فبراير 1909م لأسرة يهودية مستقرة ماليًا واجتماعيًا. كان والدها طبيبًا ناجحًا، وآندرية، شقيقها الأكبر والوحيد، أحد أبرز علماء الرياضيات في القرن العشرين. أظهر سيمون وأندريه كليهما نبوغًا منذ الصغر، وتفوقًا دراسيًا، كما إجادةً لعدّة لغات. التحقت سيمون بمدرسة ليسيه هنري الرابع، إحدى أرقى المدارس الثانوية في باريس، وهناك تأثّرت بمعلمها، إميل شارتييه، المعروف كفيلسوف عام باسمه المستعار «آلان». بعد تخرجها من الثانوية، تنافست ففازت بالقبول في كبرى الجامعات المرموقة في فرنسا؛ المدرسة العليا للأساتذة ENS – École normale supérieure في باريس، وقد كانت من قلة نساء التحقن بها آنذاك. أتمت دراستها في عام 1931م فنالت شهادتها الجامعية التي خوّلتها خوض امتحان انتقائي للخدمة المدنية معروف بـالأغريغاسيون agrégation، وقد نجحت فيه وحصلت على وظيفة رسمية كمعلمة فلسفة مؤهلة. ظلّت تعود إلى هذا العمل على فترات متقطعة حتى أوائل عام 1938م حين أخذت إجازة مطوّلة بسبب اعتلال صحتها، ثم مددتها قسرًا لاندلاع الحرب. في أواخر سبتمبر 1931م، باشرت فايل أول مهامها كمعلمة فلسفة في مدرسة ثانوية للبنات في لوبوي، وهي مدينة صغيرة وسط جنوب فرنسا.

استعراض موقف فايل الفكري في عام 1931م يساعد في استيعاب وقياس تطوّرها اللاحق. آنذاك مان انشغالها بالعدالة جليًا، وهي الآن في الثانية والعشرين من عمرها، وقد كانت العدالة هاجسًا راسخًا لديها منذ مراهقتها المبكرة وستظلّ كذلك حتى نهاية حياتها. اشتهرت في المدرسة العليا بانتمائها إلى قضية العمال والنقابات العمالية ومن ينحاز إليهم كالشيوعيين، أما خارج أسوار المدرسة، فقد شاركت في المسيرات والمظاهرات، كما خاضت نقاشات حول استراتيجيات ورؤى لمستقبل فرنسي جديد. السعي لتحقيق العدالة في ذلك الوقت كان يعني تغيير البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية القائمة في فرنسا للقضاء على القمع.  الهدف من جهة تخفيف معاناة العمال، وخاصةً عمال المصانع والمزارعين، ومن جهة أخرى إعادة هيكلة الحكومة بما يُحقق رفاه جميع المواطنين، لا الطبقة الوسطى وأرباب الصناعة والنخب البيروقراطية فحسب. المشهد السياسي/الاجتماعي اتسم بالتنافس بين طرفين؛ قوة العمال، والمصلحين، وقوة الصناعيين، والدولة. رام الطرف الأول زعزعة النظام القائم، لخلق ظروف تُلزم استبداله بآخر. بيد أن الأمر لم يكن فوضويّة anarchist بلا هدف، إنما نضال لبناء نظام أفضل. وقد استوعبت فايل، من معلمها آلان، أن فضيلتي المواطن هما الامتثال والمقاومة معًا؛ لا بدّ من نظام يُمتثل إليه وإلّا فلا حريّة، لكن المقاومة ضروريّة أيضًا لمنع النظام من الانحراف إلى طغيان يُطفئ جذوة الحرية. كان التحدي، ويظلّ دائمًا، في تصوّر وبناء نظام يُمكّن من تحقيق العدالة.

في تلك المرحلة كانت فايل لاتزال تحت تأثير أفكار آلان الذي يرى أنه على المرء تقبّل مالا يُمكن تغييره، أي ذلك الكامن في الكون وفي طبيعة الواقع، أمّا الأمور الأخرى القابلة للتغيير، فلا بد أن تغيرها الإرادة. الكون عنده محايد؛ لا يُعنى بأحد بعينه، وبهذا المعنى كل إنسان وحده. الإرادة الفردية هي ما تُميز النظام في كل تجربة، فتفصل هذا الكيان عن ذاك، وذلك الحدث عن الآخر، مُضْفية على الخبرة الحياتية تماسكًا واتجاهًا حتى يتخذ الواقع طابعًا مألوفًا ومستمرًا ومتسقًا. وهذا هو النظام. إلى جانب النظام المفروض على التجربة، فإن القيم التي يعيش وفقًا لها كل فرد هي أيضًا من صنع إرادته. وآلان يرى أن المرء يُدرك سبب تصرفاته في ضوء القيم التي أسستها إرادته، كما أن تلك القيم تضمن جدارة الغايات التي يسعى إليها. أي أننا نختار قيمنا لأنفسنا. قبل سارتر بسنوات، درّس آلان أن الوجود سابق على الماهيّة8، وأن الماهيّة – تحت ستار النظام – هي ما يخلقه المرء متوسلاً إرادته، ضمن الحدود الكونية التي يُدركها العقل. هذه النظرة للحرية الفردية ذات قيود جذرية قليلة. وعليه، في النضال من أجل العدالة، فإن الإرادة يجب أن تكون منشأ النظام الجديد. تركيز آلان على الإرادة كان نقطة الانطلاق في تفكير فايل المبكر.

حاجّت فايل في أطروحتها الجامعية «العلم والإدراك عند ديكارت»، على نحو ينسجم مع أفكار آلان، بأن العقل والموافقة والعمل هم جوهر الحياة الانسانية. وقد سعت في بحثها الطموح إلى توسيع نطاق مقولة ديكارت اليقينية «أنا أفكر، إذن أنا موجود». وما لاحظته أن اليقين الديكارتي، بمفرده، غير كاف لتوكيد الكينونة لأن الإنسان كائن فاعل ذو إرادة. ومن ثم الإضافة المطلوبة إلى الكوجيتو هي من قبيل «أنا قادر، إذن أنا موجود». إن اليقين الوحيد الذي تستطيعه الأنا هو «الموافقة»، وبتعبير أدقّ، لديّ القدرة في أيّة تجربة على رفض التسليم بما يبدو واقعيًا. فمثلًا، قد يبدو أن هناك واحة أمامي، لكنني قادر على رفض التسليم بصحة الأمر. وهذا الحد الأقصى، وبرفض التسليم لا أقبل أن الأمر ليس كذلك. قبولي – أو رفضي – التسليم بصحة الأمر لا يغير شيئًا من كونه كذلك أم لا [أي حقيقته]. بعبارة مألوفة، أستطيع دائمًا أن أشك فيما تدلّ عليه حواسي. وفايل تصف ذلك بأنه حريتنا المحض الوحيدة. إن القدرة على الرفض، وهي الوجه الآخر للموافقة، هي قدرة على التصرّف، طالما هي شيء يفعله المرء وهو متيقّن من أنه يفعله. وفعله يؤثر على ما سيقوم به لاحقًا. علاوة على ذلك، هو فعل لا يتعلّق بكيفية ظهور الأشياء في العالم، لأن هذا الفعل ليس استجابة لكيفية العالم [في ذاته]. إنه استجابة للمظاهر ليس إلّا، كما أنه ليس حكمًا على أن العالم هو على هذا النحو أو ذاك. لكل ذلك، هو فعلٌ، لا مشروط، وبالتالي حرّ مطلقًا وبلا قيد. وباعتباره قدرتنا الأوليّة والأساسيّة، فإن المرء بممارسته يؤكد كينونته يقينًا لنفسه.

إلى جانب هذه الحرية المطلقة، ناقشت فايل في أطروحتها مفهوم الضرورة9 والذي سيغدو، كالعدالة، محوريًا في تفكيرها طيلة حياتها. بيد أنها في تلك المرحلة تصوّرت «الضرورة»، متبعةً ديكارت والعلم المعاصر، على أنها شبكة القوانين الطبيعية التي تحكم الوجود المادي بأسرة. وبالتالي، فإن تحقيق الإرادة لمقاصدها في العالم المادي مشروط بالضرورة: قد أرغب في القفز مترين في الهواء، لكن قدرتي على ذلك مشروطة بالإمكان الطبيعي والضرورة، أي: بالجاذبية والكتلة والقوة العضلية، إلخ. أي فعل في العالم المادي يتطلّب توافقًا مع الضرورة حتى يحدث. لذا، تُسند فايل مهمة التفاوض للتوافق مع الضرورة، متبعةً ديكارت، إلى العقل؛ عليه إدراك الضرورة لصياغة ترتيب فعّال. وهذه بلا شك عملية مستمرة طالما أن العقل يكتشف باطراد منتظم عن المزيد من القوانين الطبيعية، مع فهم أعمق للتفاعلات بينها. كانت فايل إبّانها تشرح فلسفة ديكارت الطبيعية كما وردت في كتابه «العالم»، وأنشطة العقل على النموذج الذي وصفه في كتاب «قواعد لتوجيه التفكير». نجاح العقل في المهمة الموكلة إليه كامن في تسخير الإرادة للضرورة، بتعلّم آلية عملها، لجعلها مطيّة يحقق بها المرء غاياته. وهذه الغايات، عند فايل، تشمل حتى تلك الموجودة في أبسط صور الإدراك. فمثلًا، إدراك المسار الذي يجب أن يتبعه جسم متحرك يتيح توقّع وجهته، أو تغيير موقع المراقبة بحيث يستمر ضمن مجال الرؤية. وبالمثل، فإن المعرفة الحدسية بالرافعة أو المعرفة الصريحة بكابلات وبكرات التحكّم، تتيح تحقيق غايات يستحيل إنجازها بالاعتماد على القوة العضلية البشرية وحدها. وعلى مستوى أعلى، قد تكون الغاية بناء سد كهرومائي باستخدام المعرفة الفيزيائية اللازمة لذلك. المشترك بين تلك الغايات جميعها هو أنها ضروب من العمل، وفايل كانت تسعى إلى التنظير في العمل منذ صلتها بالآن.

عدّت فايل العمل آنذاك أنه غير مباشر دائمًا. العمل ليس غاية الفعل، بل أداة لتحقيق قصد له غايته الخاصة، وليس غاية ذاته. فمثلًا، تُزرع البذور من أجل المحاصيل التي ستنمو، وتُزرع المحاصيل لأجل لغذاء، والغذاء معدّ ليُستهلك. تُصنع المنتجات في المصنع ليتم بيعها، من أجل إيراداتها للشركة، من أجل الأجور التي ستُدفع للعمال. وحتى الملاحظات الإدراكية البسيطة لا تتم لذاتها، ولكن لأجل الغايات التي تخدمها رؤية الموضوع المُلاحظ. العمل، بوصفه سلسلة من الأفعال، يعتمد على معرفة، سواء ضمنية أو صريحة، اكتسبها العقل حول السلوك المنتظم للمادة، الذي يعود إلى القوانين الطبيعية والضرورة. إن العمل منهجي وفعّال لأنه يستخدم تلك المعرفة. فالعمل بالمجرفة، مثلًا، يعتمد على معرفة ضمنية بأن نقطة الارتكاز المثلى لرفع التربة واقعة بين المقبض والنصل، أو أن الضغط القوي بكعب القدم على الحافة العليا للنصل يدفعه إلى أقصى حدّ في التربة. أساليب العمل هذه تعلّمها العقل من سلوك المادة. لذا، فإن الأفعال، التي تُحقق بها الغايات، غير مباشرة لأنها تُنجز دائمًا بطريقة تستغلّ الضرورة الكامنة في المادة. كما لو أن البشر في رقصة مع الضرورة، يستخدمون هذه الطريقة أو تلك، لتحقيق غايتهم ومقاصدهم.

بعد استعراض أساسيات فايل الفلسفية، يمكن الآن رسم صورة لما يستلزمه النضال من أجل العدالة في نظرها. لا بد من تصوّر وإنشاء نظام سياسي جديد يُفضي إلى العدالة. ولكي يتحقق لا بد من أن يبلغ الوضع السياسي في فرنسا حدًّا يصبح فيه استبدال النظام بآخر جديد حلًا حتميًا عند جميع الأطراف، أو على الأقل أفضل من البدائل الأخرى. هذا هو الجانب العملي، الذي سيُكتسب بالنشاط في الشوارع وأمام بوابات المصانع. لكن لا بدّ أيضًا من جانبٍ نظريّ لإنشاء نظام سياسي جديد لن ينشأ تلقائيًا بمجرد التنازل عن السلطة للعمال، لا سيما وأنّ الاختلاف والهرميّة والسلطة هياكل حتمية في مجتمعٍ مركّب. كان على النظام السياسي الجديد تحسين الأجور، وظروف العمل، والعلاقات بين العمال والإدارة، وربما إعادة هيكلة الصناعة، بالإضافة إلى مشاركة حقيقية لجميع المواطنين في إدارة شؤون الحكومة. وبعبارةٍ أخرى، لتحقيق العدالة، لا بدّ أن يكون النظام فعّالًا، ولتحقيق الفاعليّة لا بد من ابتكار وسائلها، كما هو الحال مع أي غاية أو عمل. إن ابتكار الوسائل يعني تعلّم ما الممكن، وما المحال، وما القابل للتنبؤ في سلوك المادة المكوّنة للاقتصاد أو الحكومة أو القوى العاملة. وهذا التنظير الذي استهلّه ماركس لا بد أن يُستكمل على يد شخص ما. وهكذا، بالإضافة إلى تصوّر نظام سياسي جديد، كانت هناك حاجة إلى إرساء الأساس الفكرية لنظام مفاهيمي بتمييزات جديدة، وإلى قيم تفسّر الحياة الإنسانيّة وتُوجِّهها وتضفي عليها معنى في ظلّ الظروف المعاصرة. هذه المهمة الأخيرة، كما أشار آلان وأقرّت فايل آنذاك، ينبغي إنجازها عبر الإرادة في ظل حرية مطلقة. وها قد ابتدأت فايل مشروعها الفكري في سبيل العدالة.

 

الهوامش:

1 – لم يُترجم لها إلى العربيّة سوى «التجذر» (2010)، و«مختارات» (2009) كلاهما من ترجمة محمد علي عبدالجليل ونشر دار معابر، دمشق.

2 – المواجدة: الولوج إلى وجود إنسان آخر، وبالأخص وَجده أو معاناته الوجدانيّة، وخبرة العالم من داخل هذا الإنسان في ضرب من التقمّص. في فكر فايل، يرتبط هذا المعنى بمفهوم «الانتباه» خاصة.

3 – نص مترجم بإذن من كاتبه من مقدمة كتاب:

Simone Weil: Basic Writings, edited and translated by D. K. Levy and Marina Barabas, Routledge 2024

4 – «الاحتياجات الإنسانية»: مفهوم خاص لدى فايل يشمل الجسديّة الضرورية للبقاء: الماء والغذاء، والملبس، والنوم والمأوى، وكذلك النفسية: النظام، الحريّة، الامتثال، المسؤولية، المساواة، التراتبية، الشرف، العقاب، حريّة الرأي، الأمان، المخاطرة، الملكية الخاصة، والملكية العامة، الحقيقة. وهي تتحدث عنها بإسهاب في كتاب «الحاجة للتجذّر: تمهيد لبيان الواجبات تجاه البشريّة».

5 – الموافقة consent: تحمل معاني الرضا والتقبّل والقبول.

6 – فكرة مستعادة في تاريخ الفلسفة؛ أن الحريّة والامتثال يلتقيان في فعل الانضمام الحرّ إلى الأفضل. ذاك أن الحريّة ليست اختيارا عشوائيًا، بل إقرار بوجود ضرورة مثالية ثم الامتثال لها (عند اسبينوزا ايضًا).

7 – الجزء الغير قابل للاختزال في الطبيعة البشرية المتأصلة، مثل البحث عن الغرض، والخوف من الموت… إلخ.

8 – إن الإنسان لا يملك بداية أيّة ماهيّة لأنه يولد غير مكتمل، ثم يصير من بعد ما يجعل من نفسه.

9 – الضرورة: طبيعة الية تفسر الوجود وتحركه دون علّة غائية، ظهرت منذ الفلاسفة الأيونيين.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

بثينة المعيقل

الخبر - السعودية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى