العدد الحاليالعدد رقم 48ثقافات

رؤى ثقافيَّـة

تُمثِّل الرواية العَرَبيَّة اليوم تجلِّيًا لشبكةٍ من العلاقات اللُّغويَّة والثقافيَّة والحضاريَّة، تسري في الذات العَرَبيَّة، تربيةً وتعليمًا ونُضجًا حضاريًّا. وحين نتخذها منظارًا للواقع، لا نستغرب أن نرى حواراتنا تؤدِّي عادةً إلى (لا نتيجة)، بل إلى نتائج عكسيَّة، من تأجيج الخلافات القديمة والصراعات المطويَّة. ولا عجب أن تُفضي بعض الممارسات التي تُسمَّى ديمُقراطيَّة إلى ما تُفضي إليه من فوضى و«مليشيَّات»؛ لأنَّ العقل غير المهيَّأ لثقافة الحِوار، سيظلُّ مُزايِدًا، مُدَّعيًا، مُزوِّرًا للأقوال والحقائق، والمجتمع غير المهيَّأ للديمُقراطيَّة كذلك سيتحوَّل إلى قطعان من «العناتر» المدجَّجين بأسلحتهم، يأخذون المجتمع إلى القلاقل وتعطُّل المصالح، وربما إلى الحروب الأهليَّة. ولذا فإنَّ كثيرًا من مضامين الرواية العَرَبيَّة تعكس عقليَّتنا وثقافتنا وأمراضنا، لا بالمعنى الإيجابيِّ الذي يمكن أن يعكسه العمل الأدبيُّ عن مجتمعه، ولكن بصورةٍ استنساخيَّة لوجوه تلك العقليَّة والثقافة والأمراض البدائيَّة التقليديَّة، الهادفة باستمرارٍ إلى إقصاء الفريق الآخَر، ونفي اسمه وحضوره. حتى وصل الأمر إلى كتابة روايةٍ لا لشيء سِوَى لتَرُدَّ على روايةٍ صدرت عن حزبٍ نقيض! أي أنَّنا ما زلنا في أحراش (جرير) و(الفرزدق) النقائضيَّة، محافظين وليبراليِّين، يلعن أحدنا الآخَر، ويكيد له كيدًا بكلِّ وسيلة، بما فيها وسائل الكتابة والأدب، تحت دعوَى التنوير والتغيير وكشف المسكوت عنه. ولا تنوير، ولا تغيير، ولا كشف مسكوت عنه، وإنَّما تهارش قبائل وانتماءات وولاءات وتعصُّبات، لا يمكن أن تؤسِّس في واقعها المشهود مجتمعًا ثقافيًّا حضاريًّا، تتعايش فيه جميع الأطياف والرؤى على اختلاف مشاربها.  قلت لـ(سقراط/ ذي القُروح)، وقد كاد يخرج من إهابه:

ـ والخلاصة؟

ـ الخلاصة أنَّ فكرة «الأدبيَّة» المغلوطة لا تحمي الخطابات النَّزِقة، المضادَّة للمجتمعات وأعرافها بحالٍ من الأحوال، تحت ذريعة الحُرِّيَّة أو التعبير؛ فالحُرِّيَّة معروفة، والتعبير مفهوم، والأدب معلوم، وليست تلك الشعارات بشمَّاعاتٍ مقبولةٍ لتُلقَى عليها تفاهات النفوس وأمراض العقول وعَتَه الأقلام.

ـ في المقابل، ماذا عن الأدب الوعظي؟

ـ لستُ أدري- إنْ لم تكن واهمًا- لِـمَ وصفته بـ«الوعظي»؟ وما مفهوم الوعظيَّة لديكِ؟

ـ الوعظي…

ـ لاحظ أنَّ هذا ضربٌ من التصنيف المضادِّ، الذي تنفر منه! ما الوعظي؟

ـ هو ما يدعو إلى العِبرة، دون أن يُقدِّم بالضرورة تعليلاتٍ مقنعةً عقليًّا، وإنَّما يتَّكئ على النُزوع الإيماني.

ـ أنْ نصفَ كلَّ ما يدعو إلى مراجعة القِيَم، والسلوكيَّات، بالوعظيِّ، فيعنى ذلك أمرين: أنَّنا نُصِرُّ على أن نُتبع نفوسنا هواها- مغمضي العيون- وأن نُقصي مَن يحاول تنبيهنا إلى الهاوية، بحُجَّة أنَّه: واعظ، ومثالي! والمفارقة هنا أن تُصبح «العِظة» و«المثاليَّة» سُبَّةً، ونقيضهما مِدْحة!

ـ الإشكال هنا أنَّ الأسلوب الوعظي يتنافَى مع طبيعة الأدب.

ـ لكلِّ حادث حديث. حينما يكون المتحدِّث ناقدًا أدبيًّا، يتحلَّى بالعِلميَّة والموضوعيَّة، لا ناقدًا مؤدلجًا، فلا خلاف معه. أمَّا حين يأتيك القائل من خندق الأدلجة أو الجهل، وهو لا يعرف ما طبيعة الأدب أصلًا وما وظيفته، فيقال له، عندئذٍ، أرِنا عَرض كتفيك:

ما أنتَ بالحَكَمِ الـتُرْضَى حُكُوْمَتُـهُ

                       ولا الأصيلُ ولا ذي الرَّأْيِ والجَدَلِ!

ـ مَن الشاعر؟

ـ هذا بيت شاع وذاع، وحفِّظناه، صِغارًا وكِبارًا، على أنه للفرزدق، ولكن ليس في ديوانه المطبوع، ولا حتَّى في مستدركات ديوانه.(1) نسبَه (الأزهري) في «تهذيب اللُّغة»(2) إلى الفرزدق. ونقل ذلك عنه (ابن منظور)، كالعادة، في «لِسان العرب».(3) ومن المشتغلين بالنحو، ووَرَثَة نِسْبَتِه إلى الفرزدق (عبدالقادر البغدادي)، في «خزانة الأدب».(4) وقد مرَّ على كلامه، (عبدالسلام محمَّد هارون)، المنعوتُ بشيخ المحقِّقين، مَرور الأَضِرَّاء، بلا تحقيق، ولا توثيق، ولا تعليق. ومن المحدَثين (محمَّد محيي الدِّين عبدالحميد)، في «شرح ابن عقيل»؛ فحين وجد أنَّ ابن عقيل قد أورده بغير نِسبة؛ تطوَّع هو فنسبَه إلى الفرزدق، بلا توثيق، وساق حوله قصَّةً طريفة.(5)  وهكذا فالبيت ضائع، كمعظم تراثنا، والمحقِّقون- أو مَن ينعتون بالتحقيق- يمرُّون على ذلك غالبًا صمًّا وعميانًا! فلا تسألني أسئلة تثير الشجون من هذا النوع!

ـ كيف ليس في مستدرك ديوانه؟

ـ وهذا من أعجب العجب! يبدو أن الباحثَين اللَّذين حاولا أن يستدركا على ديوانه، لم يمرَّ بهما ذلك البيت المشهور، الذي نسبَه إليه غير واحدٍ من المتقدِّمين والمتأخِّرين، ليحقِّقا صحَّة نِسبته أو لينفياها. إنَّ مَن يتابع ما يحدث في شؤون تحقيق التراث في عالمنا العَرَبي لا يصدِّق ما يحدث! أمَّا (الفرزدق)، فيبدو أنْ قد تواكلته طوالع الشؤم، بدعوةٍ من (جرير)، فلم يحظَ بجمع شِعره وتحقيقه جمعًا وتحقيقًا عِلميًّا يليق به. وإنَّما هي أمشاجٌ بائسة، يستنسخ بعضها بعضًا، في منافساتٍ تجاريَّة غالبًا.

ـ ما لفتَ نظري توالي استشهادك بالفرزدق!

ـ يبدو أنَّه كان يثير حفيظة النُّحاة، فنسبوا إليه من الشِّعر والحكايات ما يصحُّ وما قد لا يصح!

ـ نعود إلى أدب الوعظ والدعوة والإرشاد!

ـ سَمِّه ساخرًا كما يحلو لك! غير أنَّ ما يُنعَت بهذا النعت لإقصائه، ليس وعظيًّا أحيانًا، وإنَّما هو «وَعْيِي»، إذا جاز القول، وداخلٌ في (النقد الثقافي). ولا يَعيبه، بحالٍ، أن تكون منطلقاته غَيرةً دِينيَّة، إلَّا لدَى من بات يرى الغَيرة الدِّينيَّة عيبًا في التكوين المعرفي والثقافي! ثمَّ ألا ترى أنَّ الطَّرَف الآخَر يَعِظ بطريقته الخاصَّة أيضًا؟! أعني أنَّ أرباب التيَّار، الذي يُسمَّى ليبراليًّا- وهو في الأكثر لا من الليبراليَّة في شيء ولا من الأدب، بمقدار ما هو على جبهةٍ من صراع نفسيٍّ واجتماعيٍّ مؤدلَج- يُقدِّم مواعظه هو الآخَر، ربما الشيطانيَّة، مهاجمًا أفكارًا بأفكار، وسلوكيَّات بأخرى، وتوجُّهات بتوجُّهات مضادَّة، داعيًا مخلصًا إلى تركيبةٍ اجتماعيَّةٍ معيَّنة، وأنماط حياتيَّة يحبِّذها. فهو واعظٌ، بدَوره، ومن وجهة مَيله ونظره، أو قُل، لتقريب المعنى: هو داعيةٌ أيديلوجي. ذلك أنَّ أدعياء الحُرِّيَّة، والليبراليَّة، والعلمانيَّة- العَرَب منهم بخاصَّة- قد يعجبك من أحدهم «قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ، وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ!» يعجبك خطابهم نظريًّا، لكن سرعان ما تكتشف أنه خطابٌ أُصوليٌّ مسيَّسٌ أو مؤدلَج، كخطاب غيرهم، فلا حُريَّة هنالك، ولا ليبراليَّة، ولا علمانيَّة، ولا يفرحون! لأنَّ هؤلاء كأولئك، أبناء البرمجة التربويَّة نفسها، التي ترَى: أنه لا مكان في الوجود إلَّا للكراسي الأصوليَّة؛ ومن ثَمَّ فلا سبيل إلَّا بالقفز من كرسيٍّ أصوليٍّ إلى آخَر!

ـ بمناسبة مصطلح (العلمانيَّة)، هل ظلَّ له من معنى في عالمنا العَرَبي؟

ـ اضطرب العَرَب في ترجمة مصطلح (العلمانيَّة) اضطرابًا واسعًا، في مقابل المصطلح الإنجليزي Secular ، علماني، وSecularism، علمانيَّة. والشائع أنه يعني العِلميَّة، بكسر العَين، أي: عدم الإيمان إلَّا بالعِلم، وما يدلُّ عليه. على حين أنَّه يشير إلى الدُّنيويَّة، واللَّا دِينيَّة، أو عدم المبالاة بالدِّين ومقتضياته.

ـ كان بإمكان مترجم هذا المصطلح أن يختار مفردة أخرى بعيدة عن ذلك اللَّبس في المصطلح العَرَبي، يشير إلى التجرُّد من العواطف الدِّينية.

ـ ولاسيما أنَّ كلمة (Secular) تبدو كأنَّها كلمة عَرَبيَّة!

ـ كيف؟

ـ لأنَّها تشير إلى السَّكِّ، وهو السَّد، مثل الصَّك. حتى إنَّ الناس باللَّهجة المِصْريَّة يصفون الإنسان غير المبالي بأنه: «راجل سَكَّة»، وحين تسألهم عن معنى هذه الكلمة، يقولون: معناها أنَّه «أيّ كلام»! والعلماني كذلك؛ لا يقيم وزنًا لا لدِين ولا لقيم اجتماعيَّة مرعيَّة.  ومن ثمَّ، يَصِحُّ القول إنَّ العلمانيَّ: رجل سَكَّة، مُنْسَكٌّ/مُنْصَكٌّ عن سِوَى مصالحه الدُّنيويَّة.

ـ هل نقول (السَّكَّة Secular) و(السَّكِّيَّة Secularism)، بدل (العلماني) و(العلمانيَّة)؟

ـ سبق السيف العذل! أمَّا بشأن الرواية العَرَبيَّة، التي كانت منطلق هذا النقاش، فالحقُّ أنَّ معظمها ليست بأدبٍ، أصلًا، بمقدار ما هي مطايا لمواعظ فكريَّة، واجتماعيَّة، وأيديولوجيَّة. بل معظم كاتبيها لا يُحسنون قواعد العَرَبيَّة! فأيُّ أدبٍ ذاك؟!

ـ باتت الركاكة تُنعَت بالتجديد، والعِيُّ اللُّغوي يوشَّح بوسام الحداثة، والعُجمة توصف بالطليعيَّة، والسُّوقيَّة تقدَّم في زِيِّ التنوير والإبداع.

ـ في وقتٍ تُنعَت اللُّغة العَرَبيَّة السليمة والرصينة بأنها لُغة اتباعيَّة تقليديَّة. ولا عجب، فالمعوَّق يعاني من نزوع قَسْريٍّ نحو الدفاع عن شعوره بالنقص، بمهاجمة الأسوياء، في حالة نفسية من (الإسقاط Projection)، بالمفهوم (الفرويدي). وأيُّ عُجمةٍ أشدُّ من نصٍّ متفرنس، على سبيل النموذج، تكاد لا تفهم منه شيئًا، يأتيك بعنوان «ليلة الفلق»، لمستغرب عَرَبي؟! صاحبه قطعًا لا يُحسِن اللُّغة العَرَبيَّة، بدليل كتاباته ومؤلَّفاته، ثمَّ بدليل آخَر تجده من لقاءاته المسجَّلة، حتى إنَّه في بعضها قد يسأله المحاور باللُّغة العَرَبيَّة فيجيب بالفرنسيَّة!

ـ لماذا لا يكتب هذا بالفرنسيَّة، إذن، ليُترجَم عمله إلى العَرَبيَّة، إنْ كان حريًّا بالترجمة أصلًا؟ بدل أن يكتب بلغةٍ، لا أعجمية ولا عَرَبيَّة!

ـ هذه حال العَرَب مع لغتهم اليوم! وهو يوم، كما قال الشاعر: «مثل سالفةِ الذُّبابِ»! لا لقِصَره وطِيْبِه، بل لقِصَره وطِيْنِه، المطيِّن بستين طِينة!

ـ حال استلابٍ مخجل، وعبوديَّةٍ حُرَّةٍ للغرب والشرق. غير أنَّ الغرب أوَّلًا، وهو أَولى؛ من حيث هو سيِّد الأمس واليوم والغد!

ـ لذا حينما تزور عاصمة عَرَبيَّة، لا تستطيع تمييز هويَّة أهلها، لولا كتابة اسمها بالحروف اللاتينيَّة على مدخلها في المطار. يظن هؤلاء المساكين أنهم سيصبحون كالغرب حضارة ماديَّة إنْ تحدَّثوا بلغةٍ غَرَبيَّةٍ مكسَّرة، وإذا مَلؤوا شوارعهم بلوحاتٍ بالحروف اللاتينيَّة، بألسنة مستعمريهم في القرن العشرين والحادي والعشرين، فسمَّوا «وسط البلد»- كما كنا نسمِّيه نحن أيَّام الجاهلية- مثلًا: Downtown! لتشعر، أيُّها المواطن العَرَبيُّ المغلوب على لُغته، أنَّك تعيش في عاصمة التُّجار الأوباش (منهاتن)!

ـ لماذا هذا المنحدَر؟

ـ لأنَّ هؤلاء لا يدركون مَن هم؟ هذا إنْ كانوا عَرَبًا حقًّا! ولا يَعُون إلى أيِّ أُمَّة ينتمون؟ ولا أنَّ من يحاكونه لا يحترمهم، بل يزدريهم، وينظر إليهم كعبيد خانعين بالفعل، ثقافيًّا وعُنصريًّا. لكنَّهم يستمرؤون هذا وذاك. وستراهم يحاربون مَن يسعَى إلى إيقاظهم لتحريرهم من العبوديَّة. وهذه طبيعة راسخة دلَّ عليها التاريخ. فقديمًا قيل إنَّ المستعبدين في (الولايات المتَّحدة الأميركيَّة) رفضوا المحاولات التحريريَّة في عهد الرئيس الجمهوري (أبراهام لينكلون، – 1865)، الذي مات اغتيالًا، عن 56 سنة. وبدل أن يثوروا لتحرير أنفسهم بأنفسهم ثاروا ضِدَّ لينكلون لاستبقاء عبوديَّتهم. لأنَّ الحُرِّيَّة مسؤوليَّة، والعبوديَّة زريبة، يعيش فيها المستعبَد كدابَّة، يأكل ويشرب مجانًا، وربما يتكاثر أيضًا، وسوف يذبحه سيِّده متى شاء، ولكن ربما لم يشأ، فمنَّ عليه بالحياة وأعفاه من سكِّينة عيد الفِصح أو عيد الذَّبح الكبير. أمَّا الحُرِّيَّة، فمسؤوليَّة، وأمانة، ومواجهة، وتهديدٌ دائم. «لولا المشقَّة سادَ الناسُ كلُّهم»، كما قال جدُّك (أحمد بن الحسين)!

ـ أكثر من هذا أنَّ التردِّي اللُّغوي قد طال لغة التواصل مع الآخَر، ترجمة منه وإليه!

ـ التخلُّف بنيةٌ واحدة! نعم، لقد تردَّت الترجمة اليوم بتردِّي اللُّغة العَرَبيَّة والناطقين بها، إنْ كانوا ما زالوا ناطقين. غير أنها أفضل حالًا في غير عالمنا العَرَبي، وتلك مفارقةٌ دالَّة!  وإنْ شِئتَ شاهدًا على هذا، فما عليك سوى موازنة ترجمات بعض القصص العالميَّة، كقصص الروسي (أنطون تشيخوف)، نموذجًا، منشورةً في بعض المجلَّات العَرَبيَّة، خلال العقود الأُولى من القرن العشرين، مثل «المقتطف»، أو «الرسالة»، وغيرهما، بترجماتٍ لاحقةٍ للقاصِّ نفسه أو غيره، تكاد لا تفهم منها شيئًا؛ لأنَّها مكتوبة بلغةٍ شوهاء، لا عَرَبيَّة ولا أعجميَّة! وما تَردِّي الترجمات في العقود الأخيرة إلَّا وليد عاملين: تردِّي اللِّسان العَرَبي، وتحوُّل الترجمة في معظمها إلى تجارةٍ صِرف، كأكثر الأشياء في حياتنا اليوم. مع أنَّ المترجِم يأتيك مُقْعَنْسِسًا بأعلى الشهادات الجامعيَّة العُليا، ومدجَّجًا بأسمَى الألقاب، فيما عمله، ترجمةً، لا يدل على شيء ممَّا يدَّعي، بل هو، بالأحرى، لا يرقَى إلى مستوى ترجمة تلميذٍ كسولٍ في أحد أقسام اللُّغات والترجمة المتواضعة! وأفدح من هذا، أن تقرأ كتابًا في «تاريخ الأدب العَرَبي» لأستاذٍ جامعيٍّ، عمل- إلى أن توفي بجلطةٍ لُغويَّة- في أحد أقسام اللُّغة العَرَبيَّة في جامعة من جامعاتنا «العريقة»، فإذا أنت تقف على ما لا يصدِّقه عقل من الأخطاء اللُّغويَّة والأسلوبيَّة، وربما النحويَّة، التي لا تُقبَل من طالبٍ في ذلك القسم. فما أعجب حالنا وحال اللُّغة العَرَبيَّة في عالمنا العَرَبي البائس!

ـ لماذا ظلَّ العَرَب في تخلُّفٍ مطَّرد، خلال قرنٍ واحدٍ، وغيرهم استمرَّ في تقدُّم مطَّرد، أو في أسوأ الأحوال في سكونٍ وثباتٍ على ما هو عليه؟!

ـ والَّذِي حَارَتِ البَرِيَّةُ فِيهِ

                                  حَيَوانٌ مُسْتَحْدَثٌ مِنْ جَمَادِ!

تلك مسألة مركَّبة، ذات أدواء بنيويَّة، داخليَّة وخارجيَّة. فيروسها الأوَّل: الاستسلام للتآمر العالمي على العقل، وأوَّل رايات هذا الاستسلام تبعيَّة العقل- الفردي والجماعي- للآخَر، إنْ صحَّ وصف ما في الرأس، وهو بتلك الصِّفة، بـ«العقل»، «وبعضُ العَقْلِ عُقَّالُ»!

ـ أصبح لدى العَرَب في العصر الحديث، قابليَّة للاستعمار، كما كان يقول (مالك بن نبي).

ـ بل قل: قابليَّة «للاستعمال»!

ـ تلك نظريَّة (ابن خلدون)، في أنَّ المغلوب مغرم أبدًا بمحاكاة الغالب.

ـ ما عادت كل المقولات السالفة تستوعب حالتنا الراهنة؛ فيا ليت الحكاية توقَّفت عند المحاكاة! إن قابليَّة العَرَب اليوم هي قابليةٌ للانسلاخ من كلِّ جلودهم!

ـ ولعلَّ من أسباب نقص المناعة الثقافيَّة الذاتيَّة، بصفةٍ عامَّة، التي تفتح النوافذ والأبواب لذلك الاستسلام، أنَّ ثقافتنا ظلت ثقافة كلاميَّة مِرائيَّة.

ـ هي كذلك. انظر- على سبيل النموذج- إلى معظم فعاليَّاتنا الثقافيَّة، في وطننا العَرَبي، ستجدها نظريَّة غير منتجة حضاريًّا.

ـ وهي مسيَّسة غالبًا.

ـ تمامًا. التنوير، العلمانيَّة، الأصوليَّة، السلفيَّة، الفلسفة، ضد الفلسفة، قصيدة النثر، الشِّعر «العمودي»، الحداثة، التُّراث… وكلُّها خطابات استهلاكيَّة، يتلهَّى بها العُربان منذ مئة عام!

ـ بل قل منذ ألف عام.

ـ منذ مئة عام ازداد السُّعار، وما شهِدنا إلَّا بما علِمنا. يُناكِف أتباع تلك الأحزاب بعضهم بعضًا، مستهلكين الطاقات في ما لا يُسمِن ولا يُغني من جوع، ولا يُغيِّر من الواقع قيد أنملة! على حين أنَّ الثَّورة الصناعيَّة هي التي أنتجت الحضارة الحقيقيَّة في الغرب. وهو ما أدركتْه بعض الأُمم الآسيويَّة، وعلى رأسها (اليابان)، فلم تنشغل بالمؤتمرات التي لا أوَّل لها ولا آخِر حول التنوير، والعلمانيَّة، والأصوليَّة، والسلفيَّة، والفلسفة… إلخ؛ لتعيد صناعة العجلات من جديد. بل بدأت من حيث انتهى الآخرون، مع المحافظة على مكتسبات التُّراث؛ فكانت تلك الأُمم كما أرادت، وأثبتت التحدِّي على مسرح العصر.

ـ بل أكثر من ذلك، لقد بقيت معظم النُّظُم الفكريَّة والاجتماعيَّة هناك على حالها القديم، ومهما بدت بدائيَّة.

ـ على حين يبدو أنَّ العَرَب سيرتعون في اجترار مؤتمراتهم السالف ذكرها إلى أبد الآبدين؛ فلا هُم أنتجوا تنويرًا ولا هم صنعوا صناعة.

ـ أمَّا في شأن اللُّغة والثقافة تحديدًا، فحدِّث ولا حرج!

ـ وفي مقابل الحال الآنف وصفها، وأمام أولئك الممسوخين المستلَبين المستعبَدين للآخَر، لغةً وثقافة، جماعاتٌ أخرى من المتشدِّدين، الذين لا يقلُّون إضرارًا بالعَرَبيَّة؛ بتحويلهم إيَّاها إلى جنادل من الحجارة، أو عجين هجين، لا هو عَرَبي ولا أعجمي. ليس بتجميدها في الماضي فحسب، بل أيضًا بتخريط مولَّدها، ومصطلحها، ودخيلها، في خريطةٍ واحدة، ظاهرها عَرَبي، وباطنها بلا هوية.

ـ مثلًا.

ـ خذ مثالًا من إصرار بعضهم على إلباس الكلمات الأجنبيَّة، بل التي هي من قبيل المصطلحات العلميَّة عباءة (أبي جهل) و(أبي لهب)!

ـ مع أنها عباءة قديمة لا تليق بها!

ـ وليست على مقاساتها، مضحِّين بالكلمة العَرَبيَّة قبل الكلمة الأجنبيَّة. مثال هذا كلمة (خارطة)، التي ليست بكلمة عربيَّة الأرومة، بل أصلها باللَّاتينيَّة (خارتا Charta). وتعني رُقعة وَرَقيَّة أو نحوها، مرسومة عليها صورة الأرض، أو صورة جغرافية ما. جمعها: خارطات.(6) فماذا فعل العُربان المحدَثون، لله دَرُّهم؟ سَمَّوها، لله دَرُّهم: (خريطة). مع أنَّ الخريطة معروفة عند العَرَب، ولها معنى آخَر، لا علاقة له بالموضوع، من قريب ولا بعيد، بل الخريطة كيس، أو وعاءٌ من جلد، أو من قماش. ارتبطَ في المجتمعات العَرَبيَّة إمَّا بالطَّحين، أو بالمتسوِّلين، الذين يحملون خرائطهم لملئها بما يجدون، أو يجود عليهم به الناس. ولن تجد كلمة (خريطة) في الشِّعر الجاهلي ولا في صدر الإسلام. وفي العصر الأموي، قال (الفرزدق)(7)، مشيرًا إلى متسوِّلٍ يتلقَّط في خريطته ما قسمه الله:

          أُسَيِّدُ ذُو خُرَيِّطَةٍ نَهَارًا

                           مِنَ المُتَلَقِّطِي قَرَدَ القُسَامِ

حتَّى إنَّ (أبا بكر محمَّد بن جعفر بن محمَّد بن سهل الخرائطي)، المتوفَّى 327هـ، إنما لُقِّب بـ(الخرائطي)، لا لعلاقته بالجغرافيا ورسم خارطاتها، كما قد يتبادر إلى الذِّهن الملتاث بتعريب المعرِّبين، بل لصناعة الخرائط أو بيعها، وهي الأكياس المعروفة. فخلطَ معرِّبونا، لله دَرُّهم، هذا المعنى العتيق بعِلم الجغرافيا. كلُّ هذا هروبًا من الأحرف اللَّاتينيَّة. ولم يكتفوا بهذا، بل أدانوا، «بأشدِّ العبارات»، من يستعمل كلمة (خارطة) في المعنى الجغرافي، قائلين: قل: خريطة، ولا تقل: خارطة! حتَّى إنَّ (نزار قباني) قمعوه لُغويًّا، فصار يحمل خريطته ويمشي خائفًا، وهو يقول:

أمشي على ورقِ الخريطةِ خائفًا

                                   فعَـلَـى الخـريطـةِ كُلُّنا أغـرابُ

وخريطةُ الوطنِ الكبيرِ فضيحةٌ

                                  فحَـواجـزٌ ومَـخـافـرٌ وكِـلابُ

والصواب العكس، للأسباب الآتية.

1- العَرَب لم يعرفوا قطُّ كلمة (خريطة) بالمعنى الجغرافي.

2- كلمة (خارطة)، بوصفها مصطلحًا جغرافيًّا، ليست عَرَبيَّة أصلًا. بل أصلها لاتيني، كما أوضحنا.

3- ليس من الحكمة الاصطلاحيَّة، في كلِّ حال، مزاحمة كلمةٍ عريقةٍ مستقرَّةٍ بأخرى مولَّدة، وإنْ كانتا عربيَّتين كلتاهما.

ـ ولكن ما أكثر ما يرتكب المعرِّبون من هذه الحماقات، فيخلطون الحابل بالنابل، مخترعين للكلمة معاني شتَّى، ما عرفها العَرَب.

ـ والبركة في مجامع اللُّغة العَرَبيَّة غالبًا، وفحولها من اللُّغويِّين الأخيار! وفي هذا إفساد معجمي، وعبثٌ لُغوي، وتضخيمٌ مرضي في دلالات الألفاظ. فكيف إذا كانت الكلمة المولَّدة مصطلحًا، وقد قيل قديمًا لا مشاحَّة في المصطلح؟! من حيث إنَّ المصطلح تعبيرٌ رمزي أو مجازي، وليس بكلمةٍ موروثة عن العَرَب بالضرورة، لا العاربة ولا المستعربة.

ـ بل كيف إذا كان المصطلح غير عَرَبي أصلًا؟!

ـ وإنَّما الصواب هنا ما قاله الشاعر (عبدالكريم معتوق)، مثلًا:

واعرفْ عَدُوَّكَ من صديقِكَ ربَّما

                 غيَّرتَ خارطةَ الصداقةِ والعداوةْ

وهذا النموذج من «التخريط»- أي إدخال مصطلحٍ عِلميٍّ أجنبيٍّ في خريطة (الفرزدق) القديمة، وإلزام ألسنة الناس بدخول تلك الخريطة، إنْ تحدَّثوا أو كتبوا، وإلَّا أُقيم عليهم الحَدُّ، تحت مقصلة (قُل ولا تقُل)- ليس بالنموذج الفريد، بل ستجد معجماتٍ كاملةً منه في العصر الحديث، تدلُّ على الجهل المركَّب، بالعَرَبيَّة، وبالمصطلح، فضلًا عن تاريخ الألفاظ وتطوُّر الدلالات، وعلاقة العَرَبيِّ بالمُعَرَّب والدخيل.

* مرفأ:

نقوشٌ سبئيَّةٌ على سَيف ذي الفِقار: ترجمة إبيجرافيَّة

ولَـوْ أَنَّ الحِجـابَ شَـذَاهُ زَالا

                    لَـما ازْدَدْنـا بِطَلْعَـتِـهَا هِـلالا

مُدَجَّـجَـةً صَبَاحًـا مِنْ عَـبِـيْرٍ

                  يُـبَدِّدُ في الـمَدَى لَـيْلًا تَتَالَى

تُجَدِّدُ في الضُّلُوْعِ هُيَامَ صَبٍّ

                قَدِيْمٍ في الهَوَى أَضْحَى مِثَالا

وتَحْـتَ لِسَانِـها لَـيْلَـى ولُـبْنَى

               بِغَيْمِ شَـبَابِـها ارْتَـشَفَـتْـكَ آلا

ومَنْ يَكُ ذا فَمٍ مِنْ  سَلْسَبِيْـلٍ

               يَذُقْ شَهْدًا بِه الدَّاءَ العُـضَالا

ويُـوْرِقُ غُصْنُـهُ شَـمْسًا وظِـلًّا

               ويُوْرِثُ في الوَرَى قِيْلًا وقَالا!

*  *  *

إذا ما كُنْتَ تَسْمَعُ نَـبْضَ عَيْنِيْ

              فمِـلْءُ العَـيْنِ ساكِنُها جَـمَالا

وكَـمْ  حُـرٍّ  يُـكَـبِّـلُـهُ  جَـمِيْـلٌ

              وكَـمْ  عَـبْدٍ  يُـحَرِّرُهُ، اعتِـقَالا

هِـيَ الدُّنـيا وما فِيها؛ فـأَنَّـى

          تُقَطِّعُ مِن عُرَى الدُّنيا الحِبَالا

بَـلِ  الدُّنْـيَا تَزُوْلُ وعَاشِقُـوْهَا

            ويَـأْبَـى وَجْـدُ عَاشِقِهَا زِيَـالا

وأَعْجَـبُ ما رَأَيْـنا في المَـرَايـا

              جُـنُـوْنٌ عَارِيًا يَفْرِيْ الرِّمَـالا

وما هُوَ واصِلٌ في الأُفْقِ عِشْقًا

             ولا اسـتَدْنَى لِوَاصِـلَةٍ وِصَالا!

*  *  *

أَرَى هـذا الزَّمَانَ أَبـًـا وأُمـًّـا

               وأَشْـبَـهَ بِالفَـتَى عَمًّـا وخَــالا

وقِـيْمَةُ كُـلِّ جَــارِحَـةٍ جُـرُوْحٌ

                تَبَـسَّـمُ  بَـرْقُـها فِـيْـنا خَيَـالا

ولَوْلا غِـشُّ نَفْـسِكَ، يا جَـهُوْلًا

         لِنَفْسِكَ، ما انْطَفَأْتَ فَتًى سُـؤَالا

وكَمْ ذَا غَـشَّ مُهْـجَـتَـهُ أَمِـيْنٌ

              ونَـارُ جَـهَنَّمٍ تَـفْلِـيْ القَـذَالا!

فلا تَسْمَعْ إلى مَنْ صَاحَ: «إِنِّي..»،

            وقِفْ وارْفَعْ لِوَا «إِنِّي» النِّضَالا

تَمِيْدُ طُلَى الدَّعَاوَى كالزُّرَافَى

            وتَـقْصُـرُ فـي تَطَاوُلِـهَا فَـعَـالا

فلا تَعِدَنْ ، فإنَّ الوَعْـدَ وَغْـدٌ

            إذا جَـابَلْـتَـهُ اقْـتَـادَ الجِــبَـالا

ووَعْــدُ الحُـرِّ يَمْلِكُــهُ كَعَـبْـدٍ،

         وحُـرًّا باشِــقًا يَـخْفِـيْ المُحَالا!

*  *  *

وإِنَّ الصَّبْرَ، إنْ تَصْبِرْ، فُـوَاقٌ،

         وإِنْ تَجْزَعْ، تَـمُتْ جُرَعًا طِوَالا

فلا تَجْزَعْ لِصائـلَـةٍ ضَرُوْسٍ؛

        فكُـلُّ ضُــرُوْسِها عَجَـمَتْ زَوَالا

ولا ظَفَـرٌ مَعَ البَاغِـيْ يُرَجَّـى

         ولا رَجُـــلٌ إِذا رُمْـتَ الرِّجَــالا

وأَعْـدَى مَنْ تُعادِيْـهِ صَدِيْـقٌ

         بِسَـيْفِكَ يَمْتَرِيْكَ دَمًا سِــجَالا

وما كُلُّ  امْرِئٍ  مَارَى يُـعَادَى

          ولا كُلُّ  امْرِئٍ جَـارَى يُـوَالَـى!

*  *  *

إذا استَغْنَـيْتَ، لَـمْ تَنَلِ اللَّيَالي

         مِنَ الإِصْـبَاحِ فِـيْكَ لَـها الْتِـيَـالا

وإلَّا صِرْتَ رِجْلَـةَ(1) كُـلِّ رِجْـلٍ

          ونَـعْـلًا عَـنْـهُ تَـدَّخِـرُ النِّـعَـالا!

*  *  *

وخَيْرُ المَالِ ما ادَّخَرَ اليَتامَـى

        وشَرُّ المـَالِ ما انْتَـفَشَ اخْتِـيَالا

وما فَقْرٌ سِوَى خَوْفِ افْتِـقَارٍ

         ولا أَغْنَى مِنَ الرَّاضِيْ اتِّـكَالا

فبَشِّـرْ قابِـضَ الكَفَّـيْنِ فَقْـرًا

         وبَـشِّـرْ  باسِـطَ الكَفَّـيْنِ مَـالا!

*  *  *

يَقُوْلُوْنَ:  الـمَلُـوْلُ بِلا وَفَـاءٍ؛

       فقُلْتُ: سُجُوْدُ عَبْدِ الأَمْسِ طَالا

رَوَاغُ الذِّئـبِ لا يُدْعَـى وَفَـاءً

          وكَيْفَ تَفِيْ السَّرَاحِيْنُ الغَزَالا؟!

تَمَلُّ الأرضُ سِحْنَتَها، فتَصْحُو:

          مُــرُوْجًا، أو يَـبَابًا، أو غِـــلالا

ولكِنْ رُبَّـما تَـسْـعَى شُــمُـوْسٌ

          لِـمَثْوَاها، فـتَدْعُوْ اللَّيْلَ شَالا!

*  *  *

تَظَلُّ السُّفْنُ تَنْهَلُ مِنْ سَــرَابٍ

            وما يُرْوِيْ السَّرَابُ بِها النِّهَالا

فـأَسْرِعْ بِـالخُطَـا لكِنْ بِـبُـطْءٍ

            فكَمْ مِنْ مُسْرِعٍ بالمَـهْـلِ نَـالا

وكَمْ مِنْ مُمْعِنٍ في أَنْـفٍ عَـالٍ

           إذا هُوَ مِنْهُ يَسْتَـفِـلُ اسْتِـفَالا!

*  *  *

أَطِعْ مَنْ شِئْتَ، واعْصِ هَوَاكَ، تَنْجُو؛

          فسُلْطَانُ الهَوَى الأَمْضَى نِصَالا

وسُــلَّـمُ كُـلِّ مُـعْـجِـزَةٍ كِـفَـاحٌ

            يُفَتِّـقُ في جِدَارِ الغَـيْبِ جَـالا

وخَوْفُ المَوْتِ مَوْتٌ فَوْقَ مَوْتٍ

             فَأَعْتِقْْ من كِلا مَوْتَـيْـكَ بَـالا

وأَخْوَفُ مِنْ حِيَاضِ المَوْتِ كَأْسٌ

            تُحِيْلُ المَوْتَ راحًـا وارتِـحَــالا

فلا تَـشْرَبْ مِنَ السُّـمِّ اتِّـكَـاءً

        عَلَى التِّرْيَاقِ، مَهْما الطِّبُّ غَالَى!

*  *  *

بَنَيْتُ الشِّعْرَ بَـيْـتًـا شَـعَّ بَـيْـتًـا

              فبَاتَ مَـدِيْـنـَـةً لِلـحُـبِّ حَـالا

تَضُمُّ عُرُوْقَ غَرْبِ الأرضِ شَرْقًا

            وتَسْقِيْ فَيْضَ جَذْوَتِها الثَّكَالَى

تُـعَنْقِـدُ في ضَمائِرِهَا شُـمُوْسًا

             وأَقْـمَارًا وتَـهْصِـرُها اشْـتِعَـالا

إِذا نَادَى المُنَـادِيْ: يَـا لَبَـعْـثٍ!

          رَأَيْتَ النَّـارَ تَلْـتَهِـمُ الكُسَالَى!

*  *  *

كَذَا، فلْتَـلْـتِـقِ الآمَـاسُ يَـوْمِيْ

           بِفَجْرِ غَدِيْ،  يَنَابِـيْـعًا حَبَالَـى

تُـرَوِّيْ شَاحِبَ الأَزْمَانِ فَـتْـحًا

             مِنَ التَّارِيْخِ يَـنْـتَـهِبُ المِحَـالا

إِذا ما سِيْمَ خَسْفًا، سَامَ عَـسْفًا

           ضَوَارِيْ الكَوْنِ، إِنَّ لَهُ اصْطِيَالا

فـآبَ كَقَشْعَمٍ ، قَــوْلًا وفِـعْـلًا،

            وآبَ عُـدَاتُـهُ رَخَـمًـا خِـطَـالا!

*  *  *

ولَوْلا نَقْشُ (ذِيْ يَزَنٍ) بِـ(سَيْفٍ)

            لَمَا هَطَلَ السُّيُوْفُ دَمًا تَـوَالَى

فـحَرَّرَ أُمَّـهُ مِـنْ كُـلِّ أَفْـعَـــى

          مِنَ (افْرِيْقِـيَّـةٍ) زَحَفَتْ شَمَالا

ومَهْما الْتَمَّ مِنْ حَـطَبٍ ولَـيْـلٍ

          فَإِنَّ شَرَارَةً تَـشْـفِـيْ الـنِّـزَالا!

*  *  *

مَتَى سَيْـفٌ سَيُوْلَدُ في جُفُـوْنٍ

            تَطَاوَلَ نَـوْمُـها حِقَـبًا طِـوَالا؟

يُـحَـرِّرُ أُمَّـهُ مِنْ زَحْــفِ صِـلٍّ

         شَمَالِـيٍّ عَلَيْـنَا الـيَـوْمَ صَـالا!

*  *  *

(فِلَسْطِيْنُ) الَّتِيْ عاشَتْ كَنَفْسِيْ،

            وآبـَائِـيْ، وأَجْـدَادِيْ، احْـتِـلَالا

وما هَبَّتْ لِتُـنْجِـدَها (قُـرَيْـشٌ)

              ولا (الأَنْصَارُ) هَبُّوا، لا، ولا… لا…

*  *  *

تَـهُبُّ الأَرْضُ قَاطِبَةً وقَـوْمِـيْ

              بِقَعْـرِ الـقَــاعِ أَوْتَــادًا ثِـقَـالا

فَلا حَـرْبٌ تُـحَرِّكُهُـمْ، ولا فِـي

             رَبَـابِ السِّـلْمِ بَـرْقُـهُـمُ تَـلَالا

فلا تَـرْحَلْ لِبُـغْـيَتِـهِمْ ودَعْـهُمْ

          عِيَـالًا بِـئْـسَ لِلـبَـاغِـيْ عِـيَالا

كَـأَنَّ دِماءَهُمْ أَمْسَتْ عَـصِـيْرًا

           لِـشَارِبِـهَا، حَـلَالًا.. أو حَــلَالا

تَـبَـلَّـدَ فـي جَـرَاثِـمِـهِمْ إِبَـــاءٌ

          خُرَافِيٌّ عَلَـيْـهِ الـدَّهْـرُ مَــالا!

*  *  *

وما يُجْدِيْ الغِنَاءُ عَلَى المُـغَنِّـيْ

           إذا ابتَلَعَتْ حَنَاجِرَهُ الثُّعَالَـى؟!

ولكِنْ نَـحْنُ قَـوْمٌ مِـنْ ضِـرَامٍ

           فلا تَقْنَـطْ إِذَا البُرْكَـانُ سَـالا

فبَعْدَ سُـيُـوْلَةِ الذَّهَبِ انْـفِـجَارٌ

         يُطَهِّرُ مَـعْدِنَ الذَّهَـبِ المُسَالا

لِكُـلٍّ يَـوْمُــهُ، لا رَيْــبَ فِـيْـهِ،

           وإِنْ أَمْطَى مَواعِـدَهُ المِـطَـالا!

 

الهوامش:

(1)  يُنظَر: النهار، طرَّاف طارق، «المستدرك على ديوان الفرزدق»، مجلَّة الآداب، كليَّة الآداب، جامعة ذمار، اليَمَن، العدد 4، يوليو 2008، ص288- 312؛ محمَّد طالب الأسدي، «المستدرك على شعر الفرزدق»، مجلَّة اللُّغة العَرَبيَّة وآدابها، كليَّة الآداب، جامعة الكوفة، مجلد1 عدد 9، نيسان 2010، ص 251-282.

(2)  يُنظَر: (أمس).

(3)  يُنظَر: (أمس)، (لوم).

(4)  يُنظَر: (1979)، خزانة الأدب ولُبُّ لُباب لسان العَرَب، تحقيق: عبدالسَّلام محمَّد هارون، (القاهرة: الهيئة المِصْريَّة العامَّة للكتاب)، 1: 32.

(5)  يُنظَر: (1980)، شرح ابن عقيل على ألفيَّة ابن مالك، تحقيق: محمَّد محيي الدِّين عبدالحميد، المسمَّى «منحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل»، (القاهرة: دار التُّراث)، 1: 157.

(6)  وقد نبه إلى هذا الأصل (بطرس البستاني)، في معجمه (محيط المحيط، (خرط).

(7)  يُنظَر: (1983)، ديوان الفرزدق، عناية: إيليا الحاوي، (بيروت: دار الكتاب اللبناني- مكتبة المدرسة)، 2: 530/ 6.

(8)  نبتة الرِّجْلَة، المسمَّاة في (فَيْفاء): مِرْجِلَة، وفي (فِلَسطين): فَرْفَحِيْنَة، وفي معجمات العَرَبيَّة: رِجْلَة، وفَرْفَخ، الموصوفة بأنها: «البقلة الحمقاء». قيل: لضَعفها، أو لأنَّها تَنْبُت على الطُّرق، فتُداس. (يُنظَر: ابن دريد، جمهرة اللُّغة، (حقم)؛ الزَّبيدي، تاج العروس، (حمق).

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

أ.د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

العضو السابق بمجلس الشورى - أستاذ بجامعة الملك سعود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى