
(عندما بكى نيتشة) ترنيمة علم النفس ومطرقة سندان الفلسفة بين الرواية والسينما
يُعرف الفيلسوف الألماني «فريدريك نيتشه» بأفكاره ونظرياته العدمية التي تتصف بالجرأة والقوة والصرامة. ولد الفيلسوف «نيتشه» في بروسيا عام 1844 وقد عاصره في نفس الحقبة الفيلسوف النمساوي الشهير الدكتور (سيغموند فرويد) مؤسس نظرية التحليل النفسي وصديقه الطبيب النمساوي «جوزف بروير» وهذا الأخير كان من أشهر أطباء فيينا آنذاك، في نفس الحقبة عاشت الروسية الحسناء ملهمة العباقرة والمحللة النفسانية الشهيرة «لو سالومي». هؤلاء كانوا الشخصيات الأساسية لرواية «عندما بكى نيتشه» التي تحولت إلى فيلم، مستندًا على الرواية من تأليف «إيرفين د. يالوم» الطبيب النفسي الأمريكي، في هذا العمل الأدبي يتخيل «يالوم» لقاءً بين الفيلسوف «فريدريك نيتشه» والدكتور «جوزيف بروير» الطبيب النمساوي الشهير، وعالم النفس، والذي لعب أيضًا دورًا رائدًا في مجال التحليل النفسي. يظهر سيغموند فرويد أيضًا في الرواية. نجح «يالوم» في ابتكار حبكة تجمعهم عبر خيوط تحرك أولها شخصية الروسية اللعوب (لو سالومي). في زمن كانت فيينا عاصمة الإمبراطورية النمساوية مدينة متألقة بمثقفيها وعلماؤها، وكان «جوزيف بروير» واحدًا منهم، طبيب مشهور في مدينة (فيينا) وخارجها لأهمية تشخيصاته وله تجارب في استخدام التنويم المغناطيسي لعلاج الهستيريا، وطبقها على حالة المريضة (آنا أو) التي بنى عليها الطبيب الشاب وصديق للعائلة (سيغموند فرويد) أسطورته لاحقًا كتاب للتحليل النفسي. نلاحظ في هذ العمل الروائي، تأمل في مدى إعجاب «فرويد» ببراعة «بروير» في علاج إحدى أشهر مريضاته، (آنا). صاغ الطبيب «بروير» العديد من مفاهيم العلاج النفسي الحديث. إلى جانب إلقاء نظرة خاطفة على العلاقة بين (بروير وفرويد)، ومن خلال هذا اللقاء بين بروير ونيتشه (فرويد في الواقع شخصية ثانوية في الرواية)، تُطرح أسئلة جوهرية حول الوجود الإنساني: معنى الحياة، والبحث عن الحرية. الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في الكتاب الحوار العميق حول المعضلات الإنسانية. رواية «عندما بكى نيتشه» تسرد قصة اجتماع افتراضي يعقد في عام 1882 بين الفيلسوف «فريدريك نيتشه»، الذي لا يزال غير معروف لعامة الناس، وجوزيف بروير الطبيب النمساوي الشهير وأحد مؤسسي التحليل النفسي. يستكشف هذا اللقاء الذي تخيله «إيرفين يالوم» العلاقات بين الشخصيتين، ومن خلال اللقاءات والرسائل نتعرف على بدايات العلاج النفسي والتحليل النفسي. يعمل الكاتب «يالوم» من خلال مجهره في التدقيق في النفس والأعمال الفلسفية المبكرة للفيلسوف «نيتشه». يشمل تحليل بروير المنهجي لنيتشة الأنسان والفيلسوف. مما لا شك فيه أن خبرة الروائي «يالوم» في مجال التحليل النفسي انعكس في التحقيق النفسي البارع للطبيب بروير. يوثق بروير بشق الأنفس أعراض الأمراض الجسدية والنفسية المتعددة لنيتشه – الصداع النصفي المؤلم، نوبات الغثيان، تدهور الرؤية، عسر الهضم المزمن، الإدمان على الحبوب المنومة والحساسية العصبية الشديدة، على سبيل المثال لا الحصر. ولكن بشكل رئيسي نيتشه مثقل بالحزن، ومع ذلك، يجد الطبيب بروير نفسه يشبه نيتشه، يعاني أيضًا من مشاكل نفسية، وكذلك مهووس رومانسيًا بمريضته السابقة «آنا أو». ويكافح مشاعر الشعور بالذنب بسبب الاغتراب عن زوجته ماتيلدا. تدريجيًا يشعر بروير بعمق محنته في حياته الروتينية المملة ويتقبلها ويعتمد على نيتشه في مساعدته على الخروج منها وتحرير نفسه من القيود الاجتماعية التي تثقل كاهله. يشهد القارئ لعبة القط والفار بين مريض غير عادي وطبيبه المتمرس. في رواية «عندما بكى نيتشه» تجد سردًا جذابًا وواضحًا لظروف الحياة الحقيقية للاعبيها الرئيسيين وإعادة اختراع خيالية لإرهاصاتهم الفكرية والفلسفية.
السرد يرتكز على الحكايات الصغيرة وحقائق تاريخية مستمدة من واقع حياة جميع الشخصيات الرئيسية في الرواية. لذلك يبدو كل شيء في هذه الرواية صحيحًا وموثوقًا بشكل غير عادي، رغم أن الأساس الذي بنيت عليه الرواية وهو اللقاء الذي تم بين الفيلسوف فريدريك نيتشه والطبيب جوزيف بروير لم بحدث. اللقاء بين الرجلين هو قلب الرواية، نيتشه في بدايته وقبل اصدار كتابه المعروف (هكذا تكلم زرادشت) كان وحيدًا ومنهكًا من الصداع النصفي الذي يبقيه طريح الفراش، تعذبه الأمراض الجسدية التي لا تترك له أي راحة. جوزيف بروير طبيب مشهور يبلغ من العمر 40 عامًا، متزوج من ماتيلدا الوريثة الثرية المثالية وأب لعدة أطفال، لكنه أجبر على العيش في بيئة برجوازية ذات معايير مشددة، يمر بنقطة تحول في حياته حين تخلى عن عائلته لتكريس نفسه لمرضاه وبالتحديد (أنا أو) التي تسكن أوهامه وتغزو لياليه التي طور معها علاجًا للهستيريا من خلال (الكلام). يعاني «فريدريك نيتشه» منذ سنوات عديدة من نوبات الصداع النصفي البغيضة وتتضاءل في بصره. لقد خرج من علاقة أفلاطونية وعاطفية مع «لو أندرياس» سالومي والتي أغرقته في اكتئاب مدمر. جمالها وعبقريتها جعلا أكثر العباقرة في عصرها يهيمون بها مثل «نيتشه» الذي كتب عنها أنها «أنانية كقط» ثم أرسله هيامه بها إلى مصحة مدينة (إينا) النفسية تحت رعاية والدته، وريلكه الذي كتب لها عبر الرسائل أجمل ما كتب في حياته، وسيغموند فرويد الذي أصبحت على يده من أشهر المحللات النفسانيات وكذالك الموسيقي الألماني الشهير «فاغنر» رفيق «نيتشه». في نفس الحقبة أيضًا عاشت الناشطة الحقوقية الألمانية (بيرثا بابنهايم) مريضة الطبيب بروير والتي كرمتها ألمانيا بعد وفاتها بوضع صورتها على طابع البريد عام 1945.
قصة رواية «عندما بكى نيتشه»
رواية (عندما بكى نيتشه) التي صدرت في عام 1992، ونقلت الى العربية من قبل منشورات الجمل طبعة أولى عام 2015 وترجمها (خالد الجبيلي). عمل الكاتب والطبيب النفسي الأمريكي «إرفين د. يالوم» على منح روايته بعدًا زمانيًا ومكانيًا. تدور أحداث الرواية في مدينة فيينا ويتخذ من الشخصيات الحقيقية مثل (نيتشه وفرويد ولوسالومي والطبيب جوزيف بروير ) وغيرها، جزءًا لا يتجزأ من سرد الرواية.
في أكتوبر 1882. تسافر«لو سالومي» إلى فيينا لمقابلة الدكتور بروير. لم يُثنِهِ استياؤه من تلقّيه رسالةً وقحةً تُحدّد فيها الآنسة سالومي المجهولة يومَ ووقتَ ومكانَ لقائهما، عن استعداد الطبيب لمقابلتها. أُسرَت الطبيب المرأة الشابة، الجذابة، الرشيقة – التي كانت ترتدي الفراء، تمشي بخطى ثابتة وتحدّق بجرأة في عيني الباحث. «نيتشه مريض، مريض جدًا. إنه بحاجة لمساعدتك». لم يكن وصف جميع الأعراض – الصداع النصفي الحاد، والغثيان، وخطر فقدان البصر، والأرق، وأيام من الدوار – كافيًا للوصول إلى تشخيص دقيق.
بدايتها برسالة الى الطبيب بروير من الفتاة الروسية لوسالومي تتمحور حول مستقبل الفلسفة الألمانية، بعد ذلك يتقابل الطبيب بروير مع لوسالومي وتطلب منه معالجة الفيلسوف نيتشه من اليأس والعدول عن رغبته في الانتحار كونها طرفًا أساسيًا في إصابته بالاكتئاب. في البداية يرفض الطبيب طلبها، ولكن سحر «لو سالومي» وجمالها يجبران الطبيب على الموافقة في معالجة نيتشه، ولصعوبة أقناع نيتشة بحقيقة مرضه، وكونه حاد في أراءه اتجاه الضعف الإنساني زادت الصعوبة في إقناعه بالخضوع للعلاج. ورغم روحه المتعاونة، لم ينطق بكلمة واحدة عن يأسه. أجل، كانت الآنسة سالومي محقة في تحذيرها لجوزيف بروير من أن «نيتشه» لن ينخرط في عملية تتضمن التخلي عن جبروته. كان من الغريب أنه يتحدث عن مرضه وكأنه يراقبه من الخارج، يخبره مريضه: «أمرّ بفترات عصيبة. من منا لا يمر بها؟ لكنها لا تسيطر عليّ. إنها ليست جزءًا من مرضي، بل من كياني. يمكن القول إن لديّ الشجاعة لتحمّلها». حاول البروفيسور بروير، المقتنع بأن يأس نيتشه – كما وصفته الآنسة سالومي – كان أيديولوجيًا بحتًا، فجأة، طرح نيتشه سؤالًا: «هل ستخبرني الحقيقة؟» أصبح الحوار شيقًا. لقد اختبر بروير كيف أن «السؤال المهم عمومًا هو السؤال الذي لا يُطرح». يواجه الطبيب بروير صعوبة في جعل نيتشه يتكلم عمّا بداخله، عندها يفكر بإيجاد طريقة مختلفة للعلاج تبدأ بكسب ثقة المريض (نيتشه)، ويطرح عليه فكرة تبادل الأدوار، وأن يقوم بروير بعلاج نيتشه جسديًا، أما نيتشه فيقوم بعلاج الطبيب بروير نفسيًّا. بعد فترة يبدأ علاج نيتشه مع الطبيب بروير يتخلله مناقشة مواضيع عديدة، مثل الموت والشيخوخة والخوف من سن الأربعين والزواج والفضائل كالإخلاص والواجب والأخلاق وفكرة التكرار الأبدي والحرية ومواضيع فلسفية مختلفة وكان لها النصيب الأكبر في الرواية. ومن هنا تبدأ أحداث الرواية التي تأخذك في رحلة داخل النفس البشرية ومكنوناتها. بعد اعتراف الطبيب «بروير» بوقوعه حتى الجنون في حب مريضته بيرثا المُصابة بالهيستيريا وباتَ يراها في كوابيسه ويمارس الحب معها في أحلامه. كما يرافقنا سيغموند فرويد في كل مراحل العلاج في الرواية، فقد كان يلجأ إليه «بروير» طالبًا منه استشارة في التحليل النفسي. لكن الحقيقة أن بروير كان مفتونًا بطريقة «نيتشه» وحواراته معه وربط أحلامه مع تفسيرات نفسية مُقنعة. ذهب بروير إلى منزله وأخبر عائلته قراره بالرحيل مُبرّرًا لهم هروبه (لكي يصبح إنسانًا سعيدًا يجب أن يتحرر من كل قيوده)، ويعيش حياته منعزلًا ومختلفًا عن السابق شكلًا ومضمونًا ليتبيّن لنا في النهاية أنه كان يحلم بعد أن طلب من سيغموند فرويد تنويمه مغناطيسيًا وقد استفاق الآن. تعاطف نيتشه مع الطبيب بروير بعد أن وجد أن القهر واليأس الذي يتملّكه متعب جدًّا «حتى بكى نيتشه» من أجل الطبيب. صوّر الكاتب اللحظة التي انتقل فيها نيتشه إلى الواقع الإنساني، وهنا انطلقت فلسفته الجديدة بأن الإنسان انتصر على الفيلسوف المُتَخفّي بحيادته. هناك تماثل في الأحداث بين شخصية نيتشه والطبيب بروير، فالطبيب عالج مريضته «بيرثا» واشتهاها بعقله، أي في أحلامه وظلت تراوده أفكار جنسية عنها، لكن غيرة زوجته «ماتيلد» من بيرثا دفعته إلى تحويلها إلى طبيب آخر، إلا أن شخصية بيرثا ظلت تراوده في أحلامه، وكان ذلك سبب لإصابته بألم نفسي. أما «نيتشه» فلم تربطه بلوسالومي إلا علاقة عفيفة لكن خيانتها مع صديقه أدت إلى حقده ونقمته عليها. وخلال تلك الأحداث ظهرت حنكة الكاتب من خلال أسلوبه في تسلسل الأحداث وتشابه الأدوار. في النهاية، يتوصل الطبيب إلى طريقة في العلاج بـ(الكلام). وكان هدف الطبيب استثارة نيتشه وجعله يتكلم عن نفسه للوصول إلى طريقة لعلاجه.
«عندما بكى نيتشه» رواية تجمع بين علم النفس والفلسفة، وبالتحديد فلسفة نيتشه العدمية، المتمثلة بالموت والوجود
والأخلاق والدين والإيمان، وما رافقها من تفسيرات نفسية لشخصية الطبيب بروير وقد نجح الكاتب في الربط بين أحداث تكررت مع الشخصيتين. وما إن وافق الطبيب حتى بدأت رحلته في علاج نيتشه ليجد نفسه في خضم ذلك وقد أخذ دور المريض بدل أن يكون الطبيب ويكتشف وجود تشابه في الأعراض ما بينهما، تلك الأعراض التي يخلقها الوجد الفلسفي تجاه المرأة، وجد الدكتور (جوزيف بروير) نفسه وقد أمسى يبحث عن نيتشه ليرقد أمامه على السرير ويبدأ هو في الحديث عن مريضته الناشطة الحقوقية (بيرثا بابنهايم) التي أحبها رغم أنه متزوج، وعن الكوابيس التي تطارده منذ أن أضطر لهجرها بعد أن علمت زوجته بأمرهما. هكذا تلازما أثناء العلاج وتصادقا وحبكا خيوط الرواية التي بدأت بالتركيز على محور فكرة (التداعي الحر) وانتهت ببكاء نيتشه لأول مرة أمام صديقه الطبيب (جوزف بروير). بعدها يستقل في نفس المساء قطارًا متجهًا إلى جبال إيطاليا الدافئة ويختار عزلته في كهوفها ليخرج منها بعد حين برفقة رائعته (هكذا تكلم زرادشت).
الرواية استكشاف رائع للعلاج النفسي والفلسفة
يسرد الكاتب «إيرفين يالوم» روايته من خلال تبادل الأدوار بين المريض والمعالج، ويتيح لنا كشف ما سيطلق عليه لاحقًا، الأنا، والأنا العليا، من ناحية أخرى حيث يتبادل كل من الأبطال حياتهم الشخصية أو على الأقل أفكارهم. لكن هذه هي بدايات لتؤسس لاحقًا ما يعرف (التحليل النفسي). يحفز الروائي «إيرفين يالوم» القارئ باستكشاف موضوعات الإيمان والهوية ولمس العوالم العليا للعقل. هذه المرة يفرض إيقاعًا مذهلًا ومؤرقًا عندما يتخيل الاجتماع بين جوزيف بروير والفيلسوف نيتشه، بالرغم من أن الاجتماع كان خياليًا، لكن الشخصيات مستمدة جيدًا من الواقع. المؤلف وهو الأستاذ الفخري للطب النفسي يعرف هؤلاء الأشخاص المشهورين جيدًا. أنجب بروير بالفعل مع فرويد الأدوات الأولى للتحليل النفسي ويوفر هذا اللقاء الخيالي الوصول بطريقة جديدة إلى الفكر المحكم أحيانًا لفريدريك نيتشه. ونكتشف بشغف الأفكار غير العادية لفيلسوف سابق لعصره بكثير الذي عاش في عالم لم يكن مستعدًا لفهمه. يعبر إيرفين يالوم عن نظريته حول قيمة المعاناة التي ترفعنا وتجعلنا أقوى وكذلك أهمية فهم وقبول تعاسة المرء وقلقه. في هذه الرواية تدور معركة فكرية حقيقية بين رجلين ساهما في مستقبل الفلسفة والعلاقات الاجتماعية وتقدم التحليل النفسي. عدد قليل جدًا من المؤلفين استطاعوا التقاط شخصية نيتشه في الخيال. نيتشه مادة خصبة ويعني الكثير من الافكار المختلفة مع الكثير من الناس لدرجة أنه سيكون من السهل تحريفه عن صورته الخاصة. لكن يالوم يلتزم بنصوص نيتشه في بناء شخصيته الخيالية والحوارات المثيرة للاهتمام بين نيتشه وطبيبه بروير، أنه استكشاف رائع للعلاج النفسي وإيجاد رابط مع الفلسفة.
في النهاية، لدي ثلاث ملاحظات فقط حول هذا العمل الأدبي. الأولى: الشخصيات النسائية كانت أحادية البعد بشكل رهيب. قد يؤدي الفصلان الأولان اللذان يتعاملان مع شخصية لو سالومي والغرض منه كشف جانب من شخصية سالومي المغرورة والانانية. من زمن سالومي ينتقل السرد إلى زوجة الطبيب بروير بعد الاشارة إلى أفتتان بروير بالمريضة (آنا.أو)، وبعدها نكتشف غيرتها ومحاولتها في أبعاد المريضة عن زوجها الطبيب، تفتقر الشخصيات النسائية إلى عمق الشعور والتعقيد النفسي. ويكون أكثر وضوحًا عندما يحاول الطبيب بروير التصالح مع زوجته المنفصلة منذ فترة طويلة وتقبله على الفور، على الرغم من خطيئته الكبرى وجرحه لها. الثانية: عندما يقبل الطبيب المهمة في معالجه نيتشه والكشف عن حالته المرضية، كان القارئ يتوقع سوف يحدث رد فعل أكبر من جانب نيتشه لأنه يرفض الكشف عن نقاط ضعفه. الملاحظة الثالثة: يصور الكاتب يالوم في نصه الروائي الفيلسوف نيتشه لديه خوف كبير من الموت وحيدًا، في الحقيقة لم يخش نيتشه الموت بمفرده، بل كان يخشى أن يصاب بالجنون كما حدث لوالده. وكان يخشى أن يكون لديه القليل جدًا من الوقت المتبقي للكتابة. يتطرق يالوم إلى هذا، ولكنه جعل الخوف من الموت وحده الخوف الأعظم بالنسبة الى نيتشه وهذا الامر غير قابل للتصديق. يواجه الكاتب الشخصيات بأفكارها الداخلية، ويحثها على إيجاد طريق نحو حياة أكثر أصالة. في الحقيقة، إنه مصدر إلهام قيّم للمعرفة الذاتية والتطوير الشخصي. مع أنني أقرّ بأنه قد يكون مُربكًا ويصعب فهمه أحيانًا. تهدف الحوارات الفلسفية التي يُقدّمها يالوم بوضوح إلى دعوتنا لفحص معتقداتنا ومشاعرنا وأنماط سلوكنا… لكنّ وضع حوار فلسفي في كتاب يُثير إشكالية عدم قدرة القارئ دائمًا على استيعابه.
لم يستطع نيتشه تقبّل الحديث عن الأمل أو العزاء. لم يستطع تقبّل الحلول السهلة التي تُعيق مسيرة البشرية نحو الحقيقة. نعم، كان مُقتنعًا بأنّ الحقيقة لا تُدرك إلاّ من خلال الشكّ والريبة، وليس من خلال الرغبة الطفولية في حدوث شيء ما. رأى نيتشه مرضه كطريق للتحرر، طريق لم يحرره فقط من التزاماته المرهقة، بل إنه من خلال مواجهته بحقيقة الموت المبكر، «منحه منظورًا وشجاعة». لا يمكنه التخلي عن التوتر، ثمن حساسيته المفرطة. يُؤكد نيتشه على مرضه كنعمة، ولكن إلى أي مدى سيظل قادرًا على تحمّل الحقيقة؟ تتردد عبارات الأستاذ القوية، التي يتألق فيها فكره النبوي، في ذهن بروير حتى تُصبح سؤالًا: هل فريدريك نيتشه أكثر حرية منه؟. يُظهر إيرفينغ د. يالوم عالم النفس والأستاذ في جامعة ستانفورد – قدرةً كبيرةً على البصيرة النفسية في إعادة خلق شخصية مثل نيتشه من خلال هذه القصة، مُظهرًا ازدواجية ثباته وطاقته. يجمع ببراعة بين فن الرواية والتحليل النفسي، ويكشف المعنى الإنساني للفكر النيتشوي دون إخضاع مؤلفه. يُصوّر نيتشه الرجل وهو يبحر في عزلة: سيفيض ابني زرادشت بالحكمة، لكن رفيقه الوحيد سيكون نسرًا. يبدو واضحًا أن نيتشه اختار طريق العزلة، لكن يبقى السؤال مطروحًا: هل بكى نيتشه يومًا ما؟. يظهر إيرفينغ دي يالوم عالم النفس – قدرة كبيرة على الاختراق النفسي من خلال إعادة إنشاء شخصية مثل نيتشه من خلال هذه القصة، مما يدل على تناقض ثباته وطاقته. إنه يجمع بمهارة بين فن الرواية والتحليل النفسي، ويكشف المعنى البشري لفكر نيتشه دون إخضاع مؤلفه.
فيلم «عندما بكي نيتشه» انتاج عام 2007
كيف يمكن للسينما أن تقدم فلسفة نيتشه بطريقة فريدة من نوعها؟، وكيف تعرض صورة سينمائية وثيقة الصلة بفلسفة نيتشه؟ فيلم (عندما بكى نيتشة) عام 2007 الذي يستند إلى رواية إيرفين د. يالوم، ومن إخراج بينشاس بيري، كما يتميز الفيلم بأداء رائع من أرماند أسنتي في دور نيتشه. يصور الفيلم لقاءً متخيلًا بين عالِم النفس الشهير جوزيف بروير والفيلسوف نيتشة. أحداث الفيلم تقع في فيينا في عام 1882، دكتور جوزيف بروير (بن كروس) طبيب ناجح متزوج من ماتيلدا (جوانا باكولا) ولديه ثلاثة أطفال، وأفضل صديق له هو الدكتور الأصغر سنا فرويد (جيمي إلمان). يعمل المحللان النفسيان معا على دراسة حالة عن الهستيريا على المريضة أطلقوا عليا اسم (آن أو) التي كانت في الواقع أخصائية اجتماعية في فيينا تدعى بيرثا (ميشال ياناي) والذي وقع الطبيب في حبها. لاحقًا يتلقى الطبيب بروير رسالة وبعدها زيارة من مهاجرة روسية جذابة تدعى لو سالومي (كاثرين وينيك) وتطلب منه معالجة الفيلسوف فريدريك نيتشه (أرماند أسانتي) الذي يفكر في الانتحار بعد أصابته بحالة اكتئاب ويعاني من الصداع النصفي. تطلب لو سالومي أن يساعد الطبيب بروير الفيلسوف من غير معرفته بسبب إنكاره لأمراضه الجسدية والعقلية. في البداية يرفض بروير على أساس أنه ليس ساحرًا ولا يمكن علاج اليأس. ولكن بعد أن قرأ بروير كتابي نيتشه المنشورين في ذلك الوقت للتعرف على أفكار مريضه وكذلك تأثير شخصية سالومي عليه يوافق على طلبها. بروير طبيب نيتشة نفسه يواجه الكثير من المشاكل الخاصة به ويوافق على علاج الصداع النصفي لنيتشه و«اليأس» مقابل تعليم نيتشه له كيفية التعامل مع وحدته ومشاعر الفراغ. نيتشه يقول لبروير: «الوقت هو أكبر عبء لنا، وأكبر تحد لنا هو العيش على الرغم من ذلك».
في فيلم «عندما بكى نيتشه»، تواجه الشخصيتان الرئيسيتان، «جوزيف بروير وفريدريش نيتشه»، التحرر النفسي على الرغم من حقيقة أن هذين الشخصيتان المتميزان قد حققا وساهما كثيرًا في التطوير المهني لحياتهما المهنية لكنهما لم يتحررا من عقدهما النفسية. الفيلسوف نيتشه لم يتعاف أبدًا من رفض طلبه للزواج من سالومي. لذلك يواجه مشكلة في التغلب على مشاعر الحب المضطربة أتجاه لو سالومي، رفضها يقوده بشكل مدمر للغاية. يعاني من الصداع النصفي المتكرر، إنه حطام عاطفي ويقف الآن على الحدود مع الجنون ويعاني من عذاب نفسي. في الجانب الآخر، دكتور جوزيف بروير يكافح انجذابه وهوسه بأحد مرضاه إضافة الى القيود المجتمعية والمراسيم المهنية، لكونه رجل متزوج وعليه أن يحترم زواجه ويمنح مؤسسة الزواج الاحترام الذي تستحقه. لذلك الاستمرار في علاقة حب مع (آن أو) إحدى مرضاه سيكون غير مقبول اجتماعيًا. أحد المراسيم الأساسية للمهنة الطب بشكل عام والمحلل النفسي بشكل خاص دائما الحفاظ على علاقة مهنية مع مرضاه، وبالتالي، فإن الوقوع في حب المريض يندرج في باب الاستغلال الوظيفي وإلى سوء الممارسة المهنية. على هذا النحو، يعاني جوزيف بروير من صدمة عاطفية بسبب الظروف التي يجد نفسه فيها. تتركه الحدود الاجتماعية والثقافية المحيطة به في سجن نفسي لا يمكنه تخليص نفسه منه. ومن المثير للاهتمام أن الطريق إلى التحرر النفسي لكلا هذين الرجلين يحدث من خلال التحدث وتبادل تجاربهما.

في رواية إيرفين د. يالوم، تكمن القوة في التأمل الذاتي والبناء التدريجي لجلسات العلاج؛ فالحوارات أشبه بتمارين فلسفية نفسية، وهناك متسع للمونولوج الداخلي، والاستطرادات، والجو الفكري لفيينا. تُخصّص الرواية وقتًا لدوافع كل شخصية، ودقائق النقل، ولجذب القارئ إلى العملية العلاجية خطوة بخطوة. أما الفيلم، فبسبب قيود الإيقاع والشكل البصري، يُكثّف ويُبسّط، ما هو في الرواية من حوار طويل وكثيف يتحول إلى مشهد، وإيماءة، وصمت على الشاشة: تُفقد بعض الفروق النظرية الدقيقة، وينصبّ التركيز على المشاعر الظاهرة، والوجوه، والصمت الدرامي. كما تتغير أولويات السرد. في الرواية، تُستكشف العلاقة بين بروير ونيتشه (والشخصيات الثانوية) بعمق نفسي أكبر؛ أما في الفيلم، فتُصبح العلاقات أكثر سينمائية، مع تركيز رومانسي أو درامي أحيانًا لا يُقدمه الكتاب بنفس القوة. بعض المشاهد مُختصرة أو مُرتبة بشكل غير مُتسلسل للحفاظ على التوتر البصري؛ بعض الحوارات الفلسفية مُبسطة لتناسب الشاشة دون أن تُشتت انتباه المُشاهد. في المقابل، يُضيف الفيلم عناصر بصرية – تصميم الديكور، والموسيقى، والتمثيل – تُعزز التجربة العاطفية حتى وإن خففت من حدة الحجج الفلسفية.
بينما يشرع الدكتور بروير في علاج نيتشه فإنه يفعل ذلك من أجل أن يشفي نفسه أيضًا من خلال مشاركة أعمق لمشاعره وعواطفه مع نيتشه. وينتهي الأمر بالرجلين بمعالجة بعضهما البعض من خلال مشاركة قصصهما، وبالتالي مساعدتهما بعضهما على تجاوز علاقاتهما المضطربة مع النساء كلما اقتربوا أكثر من التحرر النفسي. في النهاية، يتأثر نيتشه كثيرًا ويبكي أمام الدكتور بروير الذي أصبح صديقه الآن، في لحظة صدق قوية تصور التحرر النفسي لكليهما. فيلم جميل وحورات غنية في الفلسفة وعلم النفس وإرتباط كلًا منهما بالآخر. يتجاهل الفيلم أيضًا ذكر زوجة ريتشارد فاجنر التي وقع نيتشه في حبها قبل أن يقع في حب لو سالومي وهي عشيقة نيتشه المفقودة في الفيلم . كما لم يتم ذكر أخت نيتشه على الإطلاق في هذا الفيلم والتي تعتبر واحدة من أكثر الأشخاص نفوذًا في حياته والتي كان يحتقرها بشدة. فيلم عميق جدًا في فكرته وفي أبطاله والرسائل التي يحاول أن يقدمها. والحوارات التي تدور بين الفيسلوف والمعالج والأسئلة التي تدور بينهم. قصة الفيلم هي خيال كامل وجميع الشخصيات في الفيلم حقيقية لكن القصة نفسها خيالية من بداية الفيلم حتى نهايته. وهذا أمر لا جدال فيه، لأن نيتشه على حد علمي لم يقم حتى بزيارة فيينا على الإطلاق. هذه حقيقة مثيرة للاهتمام، نظرًا لأن فيينا كانت مركزًا ثقافيًا وربما حتى أهم مدينة ناطقة باللغة الألمانية في ذلك الوقت. في نهاية الفيلم تتكشف مصائر شخصياته. وهنا يؤكد الفيلم على واقعية وصدق الشخصيات. أعتقد أن هدف كاتب الرواية (دي بالوم) الذي استند إليه الفيلم هو إثارة نقاش حول كيفية تأثير فلسفة نيتشه على نظرية التحليل النفسي على الطبيب جوزيف بروير وسيجموند فرويد.
يقدم لنا الفيلم رحلة استبطانية إلى عقل نيتشه في خضم أزمة وجودية وعلى وشك الاستسلام للجنون، وتحليل فرويد العميق لوضعه. ومن خلال هذا اللقاء بين بروير ونيتشه تُطرح أسئلة جوهرية حول الوجود الإنساني: معنى الحياة، والبحث عن الحرية، والصراعات الداخلية التي نواجهها جميعًا. يُصوّر الفيلم نيتشه مُنهكًا بمرض عقلي، غارقًا في بحر من الحيرة واليأس. عبقريته، المتألقة والمُثيرة للتفكير، تُطغى عليها وطأة المرض. يُظهر لنا الفيلم هشاشته وضعفه ومعاناته في مواجهة اليأس. لا يتردد الفيلم في تصوير المرض العقلي، مُظهرًا بوضوح المعاناة النفسية لرجل شكّك في أسس المجتمع. يركز السرد على اليوم الذي انهار فيه نيتشه باكيًا، وهو حدث يُشكل حافزًا لاستكشاف أعماق روحه المُعذبة. يواجه نيتشه فيلسوف التغلب على المحن، عجزه عن تجاوز هاوية مرضه، مما يجعله شخصية أكثر إنسانية وقربًا للمشاهد. لعلّ أكثر ما يثير الإعجاب في هذا الفيلم هو تلك اللحظات التي ينخرط فيها نيتشه وبروير. في سلسلة من اللقاءات واللقاءات التي يكرسان فيها أنفسهما لحوار حميم حول مسار حياتهما، يتبادلان فيه الحديث، ويشيدان، ويحترمان، بشكل مباشر، ليس فقط مختلف التقلبات الشخصية التي تميزهما، بل أيضًا التصور الشخصي الذي يمتلكه كل منهما ويحافظ عليه، من أكثر جوانب وجودهما المشترك متعةً إلى أكثرها عدائية. ظهور سيغموند فرويد في حياة نيتشه، وإن كان شخصية خيالية، أداةً بالغة الأهمية لفهم وضع الفيلسوف. يغوص فرويد، بصفته محللًا نفسيًا، في عقل نيتشه، باحثًا عن أسباب معاناته من خلال الحوار. يُمكّننا منظوره التحليلي النفسي من استكشاف صراعات نيتشه الداخلية، وصدماته، وقلقه، وإحباطاته. يصبح فرويد مرآةً تعكس شياطين نيتشه الداخلية، وفي الوقت نفسه، يُتيح للمشاهد فهم تعقيد فكر الفيلسوف وشخصيته. التفاعل بين الشخصيتين هو قلب الفيلم. من خلال محادثاتهم، يتم استكشاف مواضيع مثل الجنون والموت والدين والأخلاق ومعنى الحياة. لا يسعى الفيلم إلى تقديم إجابات سهلة، بل إلى إثارة أسئلة عميقة تدعو إلى التفكير. ويتمحور في محاور عدة زمنها:
1 – الجنون كمرآة للمجتمع: يقدم الفيلم جنون نيتشه ليس فقط كمرض فردي، ولكن أيضًا كانعكاس لتناقضات وتوترات المجتمع في عصره.
2 – أزمة الإيمان: كان نيتشه ناقدًا شرسًا للدين، ويعكس الفيلم هذا الموقف من خلال استجوابه المستمر للقيم التقليدية. البحث عن معنى الحياة: قاتل نيتشه بلا كلل للعثور على معنى لوجوده، وهو بحث ينعكس في أزمته العقلية
3 – التحليل النفسي كأداة للفهم: يقدم الفيلم التحليل النفسي كأداة قوية لتحليل العقل البشري وفهم تعقيدات السلوك.
«هكذا بكي زارادشت»
هناك دلالة لمعنى كلمة «بكى» في الفيلم، قد يكون تقيح – جروح الروح -، وله سياق وعمل أكثر بكثير، لأن الفيلم يدور حوله
ويتصدر عنوانه، والتأثير الناتج عن الازدراء الأساسي لأهداف المرء الخاصة. بعد موافقة الطبيب بروير على تولي علاج (نيتشه) من حالته المرضية رغم إنها مهمة صعبة للغاية. في أول زيارة للبروفسور نيتشة إلى عيادة الدكتور بروير، ينكر يأسه ويؤكد بأنه جاء للبحث عن دواء للصداع النصفي، وأن معاناته ماهي إلا المخاض لولادة كتابة مؤلفه الجديد (هكذا تكلم زار دشت). كانت جلسات العلاج اليومية بين الرجلين صعبة ومثيرة للجدل بعض الشيء، لكن مع مرور الوقت، يتخلصان من أمتعتهما الشخصية ويزدادان راحة مع بعضهما البعض. يتم تبادل الأسرار ومناقشة الرغبات والمخاوف الوجودية العميقة، نيتشة يحدث الدكتور قائلًا: «كلما نهضت كي أبني جسرًا مع الآخرين، أصدع بالخيانة، في البداية كان ذاك الموسيقى (ريتشارد فاغنر) وقد عانيت بسببه، وبعدها مع تلك المرأة» ويقصد بها (لو سالومي). وفي لقائهما الثاني، يصدم الدكتور بعزمه على الرحيل إلى مدينة بازل. عندها يفكر الطبيب بخطة للحيلولة دون رحيل نيتشة قبل استكماله للعلاج، ويقترح عليه صديقه وطالب الطب (فرويد) «ربما لو كشفت نفسك على نيتشة فقد تجذبه اليك، وما أن تكسب ثقته حتى يصبح كتاب مفتوح أمامك».
يقتنع الطبيب (بروير) بالفكرة ويقدم عرضه الى البرفسور نيتشة وهوعملية تبادل مهنية، هذا يعني أن يكون الدكتور طبيبه لعلاجه الجسدي لمدة شهر وبعدها يصبح الفيلسوف نيتشة هو المعالج للدكتور لعلاجه العقلي ويشفيه من يأسه. يوافق نيتشة على المقترح. طريقة علاج نيشة هي التحرر الذاتي ويشجع الطبيب بروير على التصرف بناءً على رغباته قبل نفاد الوقت. تلازما الاثنان أثناء العلاج وتصادقا وحبكا خيوط الفلم التي بدأت بالتركيز على محور فكرة (التداعي الحر) وانتهت ببكاء نيتشه لأول مرة أمام صديقه الطبيب (جوزف بروير)، أصبح فرويد مفتونًا بجلسات العلاج التي أجراها الدكتور بروير مع نيتشه ويتبادلان أدوارهما. الدكتور بروير (بن كروس) طبيب متميز وحقق اكتشافات رئيسية في الفسيولوجيا العصبية. يستخدم الطبيب طريقة اندماج الوعي باللاوعي في علاج الفيلسوف نيتشة. اللقاءات بين الإثنين تتكرر وتتطور. حاول الطبيب أن يطور هذا اللقاء عبر الحوارات التي تناقش بعض المسائل الوجودية، ليغدو لقاءً رمزيًا بين الفلسفة وعلم النفس، وفي نفس الوقت، وجد الدكتور (بروير) نفسه وقد أمسى يبحث عن نيتشه ليرقد أمامه على السرير ويبدأ هو في الحديث عن مريضه (بيرثا بابنهايم) التي أحبها رغم أنه متزوج والكوابيس التي تطارده منذ أن أضطر لهجرها بعد أن علمت زوجته بأمرهما. الفيلم يقدم تصورًا للطريقة التي صاغ بها نيتشه كتابه المعروف «هكذا تكلم زرادشت». أراد الكاتب أن يجمع بين عالم النفس جوزيف بروير والفيلسوف فريدريك نيتشه وهما شخصياتان واقعيتان عاشتا في نفس الزمان، ولكنهما لم يلتقيا في الواقع، بل في خيال الكاتب حين جمعتهما لوسالومي. في أحد المشاهد، يطلب الدكتور بروير من الفيلسوف نيتشة تفسير حلمه حين يراه بهيئة جنرال يساعد جنوده على الانتحار، وعندما يسأله: «هل ذقت طعم الحب؟»، يجيب نيتشة «دعني أذكرك بكلمات غوته (كن رجلًا ولا تتبعني، بل إتبع ذاتك)، ثم ينصح الدكتور «أتريد ما يهدئ من روعك؟، أذهب إذًا، وأرضع حلمة الخرافة». تظل الاحلام تراود الطبيب وكلها تدور حول عشيقته بيرتا وهيامها به، وصوتها يطارده في منامه «ستبقى على الدوام الرجل الوحيد في حياتي». أداء الممثلة (ميشيل ياناي) التي أدت دور بيرثا كان مدهشًا ومتقنًا وخصوصًا عند تجسيد حالات التشنج والهلوسة التي تنتابها بين حين لآخر. الطبيب يعترف لنيتشة بأن الحياة بدون بيرثا ستكون بلا ألوان، لأنه بحاجة ماسة الى العاطفة، الى السحر والذي تمثله مريضته السابقة بيرثا!، رغم إنه يعيش حياة آمنة. لكن نيتشة يهمس في أذنه، «الخطر يكمن في الحياة الآمنة». ربما تمثل بيرثا بالنسبة للطبيب جوزيف بروير هروب من حياته الأمنة ومن فخ الروتين. تصبح أيام الجلسات مع نيتشة بالنسبة للطبيب جوهر أيامه ووراحة للانكشاف. ويبرر له نيتشه حالة الهوس بيرثا لم يكن متعلقا أبدًا بـ(بيرثا)، بل هذه المشاعر تتعلق بوالدته التي ماتت في ريعان الجمال والصبا وأسمها (بيرثا) أيضًا ونعرف انها ماتت وهو في السنة الثالثة من عمره. والتي تسكن في عقل الطبيب وتحميه من السقوط هي أمه (بيرثا الحقيقية) وليس مريضه (بيرثا العاجزة)، ويبوح الطبيب للفيلسوف نيتشة بأنه صحيح خائف من مواجهة الموت، لكنه في نفس الوقت، يشعر إنه عاش من أجل عائلته ومرضاه وطلابه، والشيء الوحيد الذي أحبه في حياته هو أنه أنجز واجباته اتجاه زوجته واولاده، هنا ينتفض نيتشة ويرد بقوة: «واجب؟، واجبك خدعة، ما هو إلا الستارة التي تختبئ خلفها كي تبني أبناءك كما يجب، إبدا ببناء نفسك! وفيما يخص زوجتك، دعها تهرب من هذا السجن الذي تتقاسمها».
عند عودته إلى المنزل، يتصل الدكتور بروير بـ«صديقة» فرويد ليأتي وينومه مغناطيسيًا. يقوم فرويد بذلك، وبينما يخضع الدكتور بروير للتنويم المغناطيسي، فإنه يتصرف بخياله المتمثل في ترك عائلته للحياة مع بيرثا في إيطاليا. يؤكد الدكتور بروير على اتخاذ القرار المتعمد كوسيلة لتحقيق السعادة في اختيار المهنة وأين يعيش وما إلى ذلك. يدرك أنه قد حقق (دون وعي) الحياة التي كان يحلم بها طوال الوقت ومن خلال العلاج بالتنويم المغناطيسي، يتخلص الدكتور بروير من هوس ببيرثا ويبدأ في طريق الشفاء ويتعافى وينجح الدكتور بروير في علاج نيتشه من الهوس بـ (لو سالومي) بشكل صحيح. نيتشه يبكي ويتحسر على حياته التي لم تتحقق، معربًا عن رغبته في العيش بشكل طبيعي. يعترف نيتشه أن أصل يأسه وهوسه هو رهاب الذات (الخوف من أن يكون وحيدًا).
في نهاية الفيلم يروي نيتشة للطبيب قصته مع معشوقته (لو سالومي) وكيف أنها سحرته بجمالها وبذكاءها.
وبشخصيتها ووصف له اللحظة الوحيدة التي تبادلا القبل فيها وكيف أنها لحظة خالدة لن ينساها أبدًا، ثم حكى له كيف أنها غدرت به لتهجره علانية مع صديقه ورفيق دربه الموسيقار الشهير فاغنر..!. لكن الطبيب يقرر نقض عهده مع لو سالومي حينها ويخبر نيتشه بأمر مجيء لو سالومي إليه بدافع الإحساس بالذنب كونها السبب الوحيد في نوبات الهستيريا التي ألمت به. عندها اعترف الدكتور بروير بأن لو سالومي كان وراء العلاج الكامل من البداية، يصاب نيتشه بالذهول. وحينها شعر نيتشة بالخسارة، خسارة لو سالومي والطبيب ايضًا بعد اكتشاف خدعته له، نزلت دموعه على خده وبكي نيتشة، عندها يسأله الطبيب (جوزيف بروير) «لوكان لدموعك صوتًا، فماذا كانت تقول؟»، ليرد «لكانت دموعي قالت نحن أحرار، لم تحررنا يومًا إلى أن فتح الدكتور بروير البوابة»، وماذا عن الحزن الكامن خلف دموعك؟، «ليست حزن، بل هي راحة عظيمة. أنها مفارقة فالعزلة لا توجد إلا في العزلة»، يرد الطبيب على وجع وحزن نيتشة بعد بكائه: «وما أن تشاركها مع أحد حتى تتبخر يا صديقي». كان مشهد بكاء نيتشه من أجمل مشاهد الفيلم. في هذا الموقف، يحدث أمرٌ جوهريٌّ بالغ الأهمية: يغمر وجه الفيلسوف الدموع، وتُعبّر روحه عن صرخةٍ مكبوتةٍ خفيّةٍ، سبّبت له ألمًا وعذابًا في وجوده الفردي. من المعقول الافتراض أنه بفضل أسلوب الحوار المباشر، قد تحرّرت روح الإنسان، وبالتالي طُهّرت. هذه المرة، نيتشه هو من يُقرّر تطهير فكره بطرد ذكرياته الأكثر فظاعةً عن فراقٍ مُؤثّرٍ ومُصير. ومرةً أخرى، كان للكلمة المنطوقة أثرها الإيجابي، مُثبتةً أن الأفراد هم اللغة.
في الختام: نهاية الفيلم، يقرر بطلا الفيلم (نيتشه وبروير) الانفصال، والابتعاد عن بعضهما، ليس فقط لاختلاف مساراتهما وتطلعاتهما، بل لأن كلًا منهما يؤكد فكرة محورية: يجب على كل فرد أن يواصل اكتشاف وبناء معنى حياته الخاص، إذ تتجلى فرديته في رحلته الأصيلة والفريدة؛ أي في وجودهما، الذي تتجسد إنسانيته ضمن مفهوم أنثروبولوجي جديد، حيث يندمج الإنسان واللغة في شبكة من التوتر الدائم لتعزيز وجودية أرضية جوهرية، وتواصل بين الذوات، لا سيما وأن الشخصيتين المذكورتين تعكسان بزوغ عصر ثوري ومبتكر، سيضع الوجود نفسه في تجدد مستمر. أستقل نيتشة في المساء نفسه القطار الذاهب الى روما الدافئة في رحلته الجديدة مع كتابه الأشهر (هكذا تكلم زارادشت). واستمر الطبيب (بروير) في ممارسة الطب ثلاثين عامًا أخرى ، لكنه لم يستخدم العلاج بالكلمات مجددًا. أما (لوسالومي) فقد تابعت جمعها لأعظم عقول أوروبا، وتحت رعاية (سيغموند فرويد) أصبحت محللة نفسية شهيرة. (بيرثا بابنهايم) قامت بدور رائد في مجال الخدمات الاجتماعية وقد كرمتها ألمانيا بعد وفاتها عام 1954 بإصدار طابع تذكاري بحمل صورتها. (سيغموند فرويد) بقى زائر دائم لمنزل بروير وقد وصف حالة (أنا أو) وهو الاسم المستعار لـ(بيرثا) في كتاب (دراسات في الهستيريا) الكتاب الذي أطلق ثورة في التحليل النفسي. أجاد الروائي إيرفن يالوم في ابتكار حبكة تجمع هذه الأسماء عبر خيوط تحرك أولها شخصية الروسية (لو سالومي)، وأجاد المخرج أيضًا في ربط هذه الخيوط في قالب درامي وكوميدي أحيانًا.



