بـول سيـزان.. أبو الفنّ الحديثالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2022-05-30 06:10:07

محمد ياسر منصور

موسكو

لقد صُنِّف العبقري الفرنسي (بول سيزان) بأنه أبو الفن الحديث بلا منازع نظرًا للإضافات الجذرية التي هزَّ بها الأنماط التقليدية والرؤى الجمالية الأكاديمية المتحجرة للفنون التشكيلية عامة التي وضعتها النهضة الإيطالية. لقد كانت أعمال الفنان بول سيزان انعكاسًا وتجليًا أمينًا لذاته الشاعرة القلقة المضطربة والمعروفة بانطوائها وحساسيتها الشديدة إزاء أشياء العالم ومَرَدّ ذلك في الأساس تلك التربية المحافظة والقاسية التي انتهجها أب هذا الفنان "لويس أوغست سيزان" أثناء طفولته في مدينة "اكس ان بروفانس" Aix en – provence المدينة الريفية الواقعة جنوب فرنسا والتي تبعد أميالاً قليلة عن البحر الأبيض المتوسط. إذ وُلِدَ بها في 19/1/1839 وهو الابن الوحيد لوالديه، وكان بول سيزان الذي شغف بقراءة الشعر الكلاسيكي، ونظمه له باللاتينية والفرنسية إبَّان صباه قد دَرسَ في شبابه مُرغَمًا بكلية الحقوق نزولاً عند إرادة والديه. وسنة 1861 رحلَ إلى باريس ملتحقًا بصديق طفولته الروائي الشهير (إميل زولا) ، وذلك ليدرس فن الرسم هناك ، فزار متحف اللوفر، وزار "الصالون" ذلك المعرض الكبير للفن الأكاديمي. وكما هو متوقَّع، سَجَّل سيزان في الأكاديمية السويسرية، حيث التقى مع كاميل بيسارو.

لم يعرض سيزان أعماله مع الانطباعيين سوى مرَّتين. وفي سِنّ 56 عامًا، أقام أول معرض شخصي له. وطوال سنوات ظل سيزان يطرق باب "الصالون" وهو أشهر قاعة لعرض الأعمال الفنية في يونيو 1865، و أبريل 1866، وأبريل 1867، وأبريل 1868، وأبريل 1869، ومارس 1870، وأبريل 1872. وفي كل مرَّة، كان يحمل لوحاته على عَرَبة ليذهب ليعرضها على لجنة تحكيم هذه التظاهرة الفنية، وفي كل مرة كانت تُواجَه بالرَّفض.

عندما قَصدَ سيزان باريس، كان يتردَّد على مقهى غيربوا بالقرب من ساحة كليشي، حيث كان يتردَّد الفنانون مانيه، وديغا، ورينوار، وويستلر، وبيسارو، وغوغان، والكثير من الفنانين الآخرين. وفي العام 1874 ، قرَّر هؤلاء الرسامون، باستثناء مانيه، تأسيس رابطة تتيح لهم عرض لوحاتهم. وعثروا على مكان لذلك، وهو المراسم القديمة للفنان نادار، في شارع الكابوسين. ثم علَّقوا لوحاتهم لِلعَرض. وكان عدد الفنانين العارضين 30 فنَّانًا. وكان فيها لوحات لكل من مونيه، بيسارو، سيسلي، موريسوت، إلى جانب ثلاث لوحات لسيزان وهي: لوحة "بيت المشنوق في أوفير" ومخطَّطاً للوحة "أوليمبيا عصرية"، ودراسة للوحة "منظر من أوفير" . وقد زار هذا المعرض 3500 زائر حيث اكتشفوا براعة أعمال هؤلاء الذين سرعان ما أطلقت عليهم تسمية "الانطباعيين". وحاز المعرض على إعجاب الكثيرين. وبعض النقَّاد مَنَحه علامات ودرجات عالية، حتى إن بعضهم ظل متسمِّرًا أمام اللوحات زمنًا طويلاً لا يودّ مفارقتها. في العام 1874 كان عمر سيزان 35 سنة. وظلَّ باقيًا في باريس بفضل المصروف الشهري الذي كان يصله من والده.

وبفضل آمبرواز فولار، وهو تاجر أعمال فنية، شاب ماهر فَطِن، ذاعت شهرة سيزان وعَرَفه الجمهور في العام 1895، وكان عمره آنذاك 56 سنة، حيث أقام أول معرض شخصي له، حيث احتوى نحو خمسين لوحة ورسمًا وعرضت في غاليري افتتحه فولار حديثًا في شارع لافيت.

وفي هذا الإطار وبعد انجاز سيزان لعدة لوحات محاولاً الدخول بها إلى كلية الفنون بباريس، رَفَضَتها لجنة التحكيم ناعِتَةً إيَّاها بأنها رُسِمَت على نَسَق "ثوري" لا يترافق وشروطها المطلوبة، وقد أثار هذا الرفض في نفس سيزان انتفاضة عارمة تَمَرَّد إثرها على جميع القوالب النقدية الآلية السائدة والمُتعِبَة في ذلك الحين بحيث تميَّزت أعماله ورسوماته فيما بعد بطغيان النظرة الدرامية والذاتية والابتعاد الكلِّي عن التركيز على الإنسان دون الطبيعة والواقع كمقياس أعلى لبلوغ الجمال المثالي. ولم يعبأ سيزان بتهكُّم النقَّاد وتَبَرُّم الجمهور بأعماله، وواصلَ عمله بتفانٍ مطلق بلغ حدّ انطوائه التام على نفسه واعتكافه داخل غرفته ــ مَرسمه لأيام وأسابيع متتالية، مُؤمنًا في ذلك بعبقريته وموهبته التي ــ حسب قوله ـــ سيعترف بها العالم يومًا ما. وإذا ألقينا نظرة على لوحات بول سيزان في تلك الحقبة لرأينا مضامينها تنحصر في رسم مناظر الطبيعة، والطبيعة الصامتة، وهذا خير شاهد على اعتدال مزاج سيزان آنذاك وتوازن رؤيته الفنية لكن مع بقاء وسيطرة ما يسميه هو بحالة "فقدان الشعور" التي لازَمَته حتى وفاته.

وهكذا ومع مرور الزمن أخذت ريشة بول سيزان تمنح ثمارها المتميزة بعد طول ممارسة وتجريب وتطلع طموح للنجاح والشُّهرة التي كثيرًا ما مَنَّى نفسه بتذوّقها، وفي سنة  1866تزوَّج عَقب هَجر وتَمَنُّع داما 30 سنة من إقامة أي علاقة مع النساء فقد تزوَّج بـ(هورتنس) التي ظلَّت رفيقة عمره ودربه مدى الحياة، ورَسَمها مرَّات عديدة وفي أوضاع وأشكال متباينة، وقد أنجب منها ولدًا أسماه "بول". وقد كان لصديقه "بيساور" في ذلك الحين فضل عليه كبير، وهذا من جملة نواح أهمها تلقينه "أبجدية" الرسم وآلياته القاعدية التحتية بدءًا من سنة 1872 حتى 1874 هذا الصديق الأمين الذي قال عنه سيزان أنه كان بالنسبة له بمثابة الأب المرشد الوادع في الوقت الذي تخلَّى عنه كل العالم فأعطى ظهره له وتنكَّر لجهوده في الخلق والإبداع حتى بعد وفاته وحتى بعد أن طوَّر من أسلوبه في الرسم تطويراً بات ذا تمايز واضح من بينها أن اللوحة بتضاريسها التجريدية الجديدة استطاعت أن تنقلب على يديه "عالمًا" قائمًا بذاته لا يحيل إلى أي أثر واقعي معيَّن كما كان الحال سائدًا من قبل.

ومن الفنانين الكبار الذين أخذوا عن سيزان واستفادوا من طريقته في الرسم  "بيكاسو" و"براك" و"ماتيس". أمَّا فيما يتعلق بروائع سيزان التي لاقت بعد وفاته رواجًا هائلاً وإعجابًا بالغًا فكانت لوحته الفنية الرائعة التي رسمها في باريس عام 1980، والمعنونة "الصبي والصديري الأحمر"، والتي بيعت في سنة 1958 بمبلغ مليوني ونصف مارك ألماني، ولوحته الضخمة أيضًا "السباحون الكبار" والتي قضى سيزان في رسمها ونَحت عوالمها مدة سبع سنوات كاملة ومات ولم ينته منها عام 1906.

وقد اقتنى "اللوفر" أول عَمَل له سنة 1914، كما اقتنى اللكسومبروغ مجموعة من لوحاته للوفر أيضًا.

وسنة 1936 أُقيم لسيزان معرض خاص كبير الأمر الذي دَفع بالباحثين والمُنَظِّرين إلى أن يتدارسوا أعماله وينشرونها في كراريس و"كتالوجات" خاصة. ويُعتبر ثاني أعظم معرض أقيم لأعمال سيزان هو ذلك الذي جرى في مدينة توينغن الألمانية سنة 1993، هذا المعرض الذي زاره خلال خمسة عشر أسبوعاً أكثر من 400 ألف زائر ظلَّ بعض هؤلاء منتظرًا بِمَدخَله مدة خمس ساعات كاملة.


عدد القراء: 129

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-