شرعية السلطة في الأنساق الثقافية والتاريخية المختلفة ما بين المقدس والمدنسالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2024-02-01 10:34:20

د. رمضان بن رمضان

باحث في الحضارة العربية الإسلامية

1 – مشروعية السلطة في العصور الوسطى

إن السؤال الذي يفرض نفسه هو من أين يستمد ممارسو السلطة سلطتهم ومن أين تأتي مشروعيتهم في ذلك؟ في الأنظمة التيوقراطية ظل الوحي يمد أصحاب السلط بأنواعها بالمشروعية العليا التي يطيعها الناس جميعهم دون أن يتساءلوا في أحيان كثيرة عن أسباب هذا الرضا والقبول إن لم نقل الإستسلام. حدث ذلك مع الأنبياء والرسل وكل أولئك الذين صاحبوهم وتوارثوا معارفهم وما جاؤوا به من تعاليم، إلا أن الأمر مع الملوك والأمراء والأباطرة ممن لا علاقة لهم بالوحي كانت مشروعيتهم التي تستند على الدم – العرق النبيل أو على الغلبة ثم على توارث الحكم -، تعاني من نقص بنيوي في تركيبتها لذلك كانت تخلع عليهم مشروعية الوحي – الدين لسد ذلك النقص. كان تقديم الطاعة والولاء من قبل الرعية عفويًا وفوريًا ولا يخضع لأي جدال ونقاش في الغالب، فصاحب السلطة يمثل خليفة الله أو خليفة نبيه في الأرض وله دين الطاعة على الرعية ولكن باسم ماذا وباسم من يقبل إنسان ما أن يقدم الطاعة لإنسان آخر سواء كان أميرًا أو ملكًا أو إمبراطورًا أو رئيسًا؟ يجيب مارسال غوشيه Marcel Gauchet  عن ذاك التساؤل بقوله: "إن أصل هذه العلاقة أي علاقة الطاعة هو "مديونية المعنى"  la dette du sens فما الذي يعنيه ذلك، إنه يعني أنني أقبل بإطاعة ذلك الشخص الذي يشبع رغبتي في التوصل إلى معنى مليء وبالتالي فأنا أطيعه طبقًا لضرورة داخلية ذاتية وليس لإكراه خارجي وعندئذ تتحول السلطة إلى سيادة عليا ومشروعية كاملة لا تحتاج إلى اللجوء إلى القوة من أجل أن يطيعها الناس"(1). هذا المفهوم يحتاج إلى تدقيق لا سيما حين يتم تعميمه على جميع فترات التاريخ التي شهدت أنظمة حكم متعددة ومختلفة. إن مفهوم دين الطاعة الذي ساد طوال قرون، شهد تحولاً جذريًا في مضمونه. لقد عاشت أوروبا كلها على سبيل المثال في ظل المشروعية الكهنوتية القديمة التي ترى في الملك أو الإمبراطور شخصًا إلهيا مقدسا يختلف عن سائر البشر، تلك كانت نظرة الجماهير وعامة الناس له، وذلك بسبب إستناد شرعيته على الوحي الإلهي. لقد تعرضت هذه المشروعية للتآكل منذ أن شهدت أوروبا حروب الأديان والمذاهب الفظيعة وكذلك عندما قامت حركة الإصلاح الديني التي قادها مارتن لوثر (1443 - 1587) والتي عملت على تحجيم النفوذ الواسع الذي كان يتمتع به البابا وكبار رجال الدين الذي بلغ بهم الأمر إلى حد المتاجرة بالدين من أجل كسب المال وصكوك الغفران خير شاهد على ذلك. في المجال العربي – الإسلامي لم يكن الأمر مختلفا كثيرًا عما حدث في أوروبا إبان العصور الوسطى، أو منذ أن أصبحت للمسيحية اليد الطولى في إسباغ الشرعية على الملوك والأمراء والأباطرة. ففي الإسلام ومنذ عهد النبي ثم الخلفاء الراشدين من بعده، كانت السلطة تستمد شرعيتها من السيادة العليا لنصوص القرآن و الأحاديث النبوية و سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ثم مبدأ الشورى – أهل الحل والعقد - في بعض الفترات التاريخية، لكن ومنذ أن تحولت الخلافة إلى ملك عضوض مع الدولة الأموية أصبحت السلطة تستمد شرعيتها من القوة والغلبة والقهر وسياسة فرض الأمر الواقع، ثم تأتي بعد ذلك السيادة العليا لتضفي الشرعية على تلك السلطة الجديدة، فيصبح لديها تصور للحكم أو إيديولوجيا هي نتاج لتضامن بين أولئك العلماء /الفقهاء الذين يوظفون علمهم  في تأويل النصوص المؤسسة لإرضاء السلطة القائمة وبين الدولة التي تضع إمكانياتها على ذمتهم لينجزوا تلك المهمة، فيتسرب شيء من القداسة يسبغ على تلك السلط. هذا الأمر حدث مع الأمويين والعباسيين، فجميع النظريات التي بلورها الفقهاء في مجال السياسة، كانت من أجل الإستجابة لحاجيات الدولة وتلبية لطلباتها، نحن إزاء سلطة تشرع نفسها بنفسها s'autolégitime  elleتخلع المشروعية على ذاتها بواسطة التقديس وبواسطة النصوص الأساسية للإيمان حيث تحتكر تأويلها وتطويعها لصالحها عبر علمائها أو ما يعرفون بفقهاء السلطة.

كانت تلك الممارسات محكومة بالمعادلة التالية: سلطة سياسية تقوم على القهر والغلبة، ثم تسبغ عليها شرعية تبرر أحقيتها بالحكم واستمرارها.(2) مع أننا لا نعدم  حدوث إنتفاضات وثورات قادها أناس ينازعون السلط القائمة مشروعيتها ويرفضون مديونية الطاعة بعضهم  قد نجح حين كان دعاتها لهم صلة قرابة بالماسكين بالسلطة والكثير منهم  تم قمعهم وإخماد أصواتهم وهناك من حالفهم النجاح فأسسوا دويلات وممالك في أطراف الإمبراطوريات بعيدًا عن حواضر السلطة المركزية، حدث هذا في المجالين المسيحي و الإسلامي.

2 – في انبثاق شرعية جديدة للحكم واضمحلال الرؤية القديمة للعالم:

كان المذهب البروتستنتي- كلمة بروتستنت تعني في اللغات الأوروبية الإحتجاج و المعارضة وهي من فعل protester – صرخة في وجه الإنحرافات التي أصابت الكنيسة الكاثوليكية والتي تجاوزت الحدود في الفساد الأخلاقي والخروج على الإنجيل ومبادئ الدين المسيحي(3) لقد فجرت أفكار البروتستانت والتي رفضها الكاثوليك حروبًا دينية في أوروبا والتي كان من نتائجها تثبيت مسار الإصلاح الديني، فقد شهدت فرنسا حروب أديان ما بين 1562 و 1598 والتي توجت بإعلان نانت edit de Nantes  فقد كان الصراع بين المذهبين صورة للإضطهاد التي تتعرض له الأفكار الجديدة من قبل مؤسسة كنسية راسخة في القدم، لقد مكن مرسوم نانت من إعطاء حقوق أساسية للبروتستانت في المناطق المحظورة عليهم وقد عد هذا المرسوم بداية التأسيس للتسامح الديني رغم هشاشته، لأنه لم يمنع من عودة الحروب الدينية، فقد تجدد الصراع بين النحلتين في حرب الثلاثين عامًا من سنة 1618 إلى سنة 1648 والتي إشتركت فيها تباعًا معظم القوى الأوروبية الموجودة في تلك الفترة باستثناء إنكلترا وروسيا وكان من نتائجها السماح للأمراء البروتستانت بمواصلة ممارساتهم الدينية، تراجع النظام الإقطاعي وتراجع كبير لنفوذ الكنيسة الكاثوليكية، ثم الدمار وفقدان أعداد كبيرة من السكان في الولايات الألمانية لا سيما بعد إرتفاع أعداد النساء بشكل كبير مقارنة بعدد الرجال مما جعلهم يسمحون بتعدد الزوجات وأباحوا لرجال الكنيسة بالزواج.(4)  ثم جاء عصر التنوير، فانتشرت أفكاره كرد فعل على تلك المجازر التي سببتها الحروب الدينية وعلى التعصب الديني الذي ساد في أوروبا طوال القرون الوسطى، إلا أن عصر التنوير ليس مجرد رد فعل، إنه تأسيس لرؤية جديدة للإنسان وللكون تقطع مع الماضي. فكانط Kant عند إجابته على سؤال: ما هو التنوير؟ قال: "هو خروج الإنسان من حالة القصور التي يبقى هو المسؤول عن وجوده فيها، والقصور هو حالة العجز عن إستخدام الفكر خارج قيادة الآخرين والإنسان مسؤول عن قصوره لأن العلة في ذلك ليست في غياب الفكر وإنما في انعدام القدرة على اتخاذ القرار وفقدان الشجاعة على استخدام فكرك بنفسك، ذلك هو شعار عصر التنوير."(5) لكن ميشال فوكو Michel Foucault  وأثناء شرحه لنص كانط حول عصر التنوير فصل القول في النتائج المترتبة عن مفهوم كانط للتنوير واهتم أساسًا بالجانب السياسي من تلك الإستنتاجات فقرن بين مفهوم عصر التنوير ومفهوم الثورة واعتبر كليهما متلازمين بل إن الثورة في نظره هي الوليد الشرعي والحتمي لعصر الأنوار، يقول معلقا على الدستور الذي اختاره الشعب بمحض إرادته بعد الثورة الفرنسية: "إن الثورة هي بالفعل وفي الوقت نفسه التتويج والتواصل لعصر الأنوار وفي هذا الإطار يصبح عصر التنوير والثورة من الأحداث التي لا يمكن نسيانها."(6) على إثر الثورة الفرنسية عام 1789، تأسست مشروعية حديثة وعلمانية قائمة على مبادىء الثورة: إلغاء الملكية، تأسيس الجمهورية، إلغاء نظام الإقطاع، إلغاء العبودية،  قيام منظومة لحقوق الإنسان،... فتولد تبعًا لذلك مديونية جديدة للمعنى متصلة بحق التصويتle suffrage universel  فالرئيس المنتخب بهذه الطريقة يفرض طاعته – مديونية الطاعة – حتى على القسم المضاد من المواطنين الذين صوتوا ضده لصالح المرشح الآخر المهزوم. في الأنظمة السياسية القديمة ينعدم الحديث عن المعنى في بعده السياسي سواء كان هذا المعنى معارًا أو قرضًا مؤجل الدفع. فالحاكم يمارس سلطة مطلقة دون حسيب أو رقيب، ومهما كانت مشروعية السلطة في تلك الأنظمة، فما يجمعها هو أن الرعية لا حق لها في إختيار الحاكم وهنا يسقط أحد أركان مفهوم مديونية المعنى كما حدده مارسال غوشيه وهو الإطاعة طبقًا لضرورة داخلية ذاتية وليس لإكراه خارجي، فأين الذات في كل ذلك وأين الضرورة الداخلية إذا كان الأمر قائمًا على الغلبة والقهر وأين هو البحث عن المعنى المليء إذا كانت حرية الإختيار مصادرة. ففي ظل أنظمة من هذا النوع تصبح مديونية المعنى كما جاء بها عصر الأنوار أمرًا غير مفكر فيه، فالإنسان يخضع لسلطة دون أن يدور بخلده التساؤل عن مشروعيتها. قد تتعاضد الغلبة والقهر من ناحية والتوظيف السياسي للدين من جهة أخرى ليشكلا مشروعية السلطة مما يمكنها من الإنفراد بالحكم وتعزيز نفوذها والتخلص من أعدائها ممن ينازعونها تلك المشروعية. فمديونية الطاعة في المجتمعات القديمة مديونية مغتصبة تم سلبها من أصحابها دون إستشارتهم ويتجلى ذلك في إكراه الرعية على تقديم فروض الطاعة والولاء والجباية، بل أكثر من ذلك فإن الرعية مطالبة بالدفاع عن تلك الأنظمة وبذل الأرواح في سبيل بقائها واستمرارها. إن مفهوم مديونية المعنى حديث العهد هو دين في معناه السياسي يمكن استرجاعه عند كل استحقاق انتخابي وإعادة تقديمه من جديد لمن يكون أكثر جدارة بالحكم. فمديونية المعنى تفضي إلى مديونية الطاعة وكلتاهما ملتصقتان بالعملية الانتخابية وبالاختيار الحر والمباشر لهرم السلطة وللنواب الجديرين بثقة ناخبيهم، ضمن آلية ديمقراطية قائمة على الشفافية وعلى احترام إرادة المواطنين، إنها التجسيد الفعلي والحقيقي للاختيار الحرle libre arbitre  والذي هو نقيض الاختيار المستعبد le serf arbitre  الذي يخضع لمعطى خارجي يفرض فرضًا على الإنسان. إن القطيعة التي أحدثها عصر التنوير مع القرون الوسطى في مستوى الرؤية للإنسان ولمنزلته في الوجود ولاسيما إستتباعات تلك الرؤية في المجال السياسي الغربي وفي بلورة مفهوم الدولة عندهم. فعندما تم قطع رأس الملك لويس السادس عشر كان ذلك إيذانًا بوضع حد لسيادة عليا استمرت قرونًا كان من أبرز تجلياتها خلع المشروعية على الملك الفرنسي في كاتدرائية مدينة رانس وتأسيس لسيادة عليا جديدة ونظام سياسي آخر مختلف بمشروعية جديدة. لقد أصبح منذ ذلك الحين البحث عن المشروعية مسؤولية الإنسان المقطوع عن التعالي أي عن الوحي.(7)

3 – في الإخراج الممسرح للسلطة أو في تقاطع الديني والدنيوي:

نحن إزاء مشروعية للسلطة تأسست على أنقاض مشروعية قديمة لها علاقة بالقرون الوسطى وبكل أشكال الإنتظام التي عرفتها البشرية ولكن التساؤل الذي يطرح نفسه، هل كانت القطيعة بين الرؤيتين طلاقًا بائنًا أم ظلت هناك وشائج خفية تربط بين الديني والدنيوي في المجال السياسي ولا سيما في ما يتعلق بكيفية تشكل السلطة وبطريقة إخراجها وبكيفية تمثل الناس لها واستبطانهم لمختلف مراحل استوائها: أجهزة ومؤسسات، بعبارة أخرى هل تخلصت المشروعية الجديدة  للسلطة الحديثة نهائيًا وإلى الأبد من كل أثر للمقدس أم أنها حاولت توظيفه لتضفي على نفسها مسحة من الهيبة والإجلال والقداسة وإن صاغت كل ذلك بلغة معلمنة بغرض التمويه عن منشئها الأصلي؟ فبفضل توظيف الأنتروبولوجيا السياسية لمفهوم المتخيل l' imaginaire  في تشريح الظاهرة السياسية والكشف عن آليات إشتغال العمل السياسي، أمكن اكتشاف علائق وثيقة بين عامل التقديس من جهة والعامل السياسي من جهة أخرى. فالمتخيل يلعب دورًا كبيرًا في تشغيل آلية السلطة، و هو يسمح للسياسي الكبير (البطل القومي، القائد العام، الرئيس الملهم، ملك ملوك إفريقيا، ..) بأن يقود الواقع ويتحكم بالجماهير والرعية بواسطة المخيال الجمعي المليء بصور الزعيم الفذ والمجاهد الأكبر، وحامي حمى الوطن والدين، وأن يتلاعب بتمثلاتها المستبطنة. لقد أكد جورج بلاندييه Georges Balandier  على أن للسلطة علاقة بالمقدس وبالجانب الديني في كل المجتمعات البشرية و منذ ظهور الأشكال الأولى للسياسة بما في ذلك المجتمعات الغربية الحديثة، يقول: "ينبغي أن تبقى الكنيسة مفصولة عن الدولة ولكن سوف يبقى هناك شيء من التقديس في السياسة، هذا شيء محتوم وإلا فإن السياسة لا تستمر ولا تشتغل."(8) إذا كان الغرض من استدعاء المقدس هو استمرار السياسة وتواصل اشتغالها أي تأبيد الفعل السياسي، فما هي الوسائل المعتمدة لتحقيق ذلك الغرض؟ لم يجد السياسيون أفضل من المسرح باعتباره أقدر الفنون على توليد الإنطباعات وخلق المشاعر في نفسية المشاهدين عبر تقنية الديكور وقدرة الممثلين على أداء أدوارهم. لقد عمدت السلط منذ فجر التاريخ إلى إستثارة تلك الأحاسيس وترويج الأوهام لإقناع الناس بشرعية كل ولادة جديدة للسلطة وكذلك لتثبيت مشروعيتها وذلك من خلال حفلات التنصيب الكبرى التي كانت تقام للملوك والأمراء والرؤساء والتي كانت لا تخلو من مسرحة وإبهار، إنه الحكم الممسرح une theatrocratie لتوليد الهيبة وخلق الانطباعات القوية. على الحاكم أن يتصرف على هيئة الممثل السياسي من أجل أن يستولي على السلطة ويحافظ عليها وينبغي أن تكون الصورة المشكلة عنه والآثار التي تولدها مستجيبة لرغبة الرعية والجمهور في الواقع إن الحاكم لا يمكنه أن يحكم إذا كانت السلطة عارية، كما هي، ينبغي أن تكون مقنعة، أي أن تبدو على غير ما هي عليه وأن توهم بأشياء كثيرة ليست حقيقية. فالسلطة في تجلياتها ممسرحة: انظر لحظة استلامها، آنظر إلى العاهل أو الملك أو الرئيس كيف تخلع عليه السيادة من أجل تكريس مشروعيته في ممارسة الحكم ومن أجل أن تقدم له فروض الطاعة والولاء تتسم المراسم التي ترافق عملية التنصيب بالفخامة والأبهة ثم تتبع الآثار النفسية التي تحدثها في نفوس المشاهدين/المواطنين،  فحتى مع مجيء الجمهورية في فرنسا، راح النظام الجمهوري يشهد طقوسا للتقديس،  ففي حفلة تنصيب الرئيس الجديد للجمهورية وحين يشرع في إلقاء خطابه بعد تسلمه السلطة من سلفه تبدأ المدفعية في إطلاق قذائفها لإحداث الهيبة ولمواكبة الخطاب التدشيني، ثم بعد ذلك يركب سيارة مكشوفة ويصعد إلى شارع الشانزيليزيه حتى يصل إلى قوس النصر ثم يزور البانتيون le Panthéon  حيث مقابر عظماء فرنسا وينزل إلى الدهاليز السفلية ويقف خاشعًا هناك، كل ذلك تنقله شاشة التلفزة لحظة بلحظة أمام أبصار ملايين المتفرجين إنه لا توجد سياسة دون إخراج مسرحي(9) ودون تهويل une dramatisation  ودون طقوس وشعائر تثير الخشية. تبدو حفلات التنصيب في الولايات المتحدة الأمريكية مثيرة للإنتباه فهي مزيج من شعائر دينية وطقوس معلمنة تحترم ثقافتها الدينية العميقة وتتظاهر مع ما بلغه المجتمع الأمريكي من تطور وتنوع واختلاف، فالدستور الأمريكي لا يورد أي إشارة إلى أداء الرؤساء اليمين على كتاب مقدس لكن العرف والتقاليد التاريخية وانسجامًا مع ثقافتهم الدينية حولت الإنجيل إلى جزء من إحتفالات التنصيب منذ إنتخاب جورج واشنطن عام 1789. ألم يستهل جو بايدن الرئيس الأمريكي المنتخب، في 20 يناير 2021 فعاليات تنصيبه بحضورها رفقة عدد من نواب الكونغرس قداسًا في كاتدرائية متى بواشنطن. كان برنامج الحفل يقوم على صلاة يحضرها الرئيس، يتلوها قراءة تعهد بالولاء ثم يتبع ذلك قراءة للنشيد الوطني من قبل المطربة ليدي غاغا ثم قراءة أشعار من قبل أماندا جورمان وهي شاعرة أمريكية سوداء و بعدها أغان للفنانة جنيفر لوبيز ثم يؤدي الرئيس اليمين الدستورية ليصبح الرئيس السادس والأربعين بصورة رسمية، بعدها بساعتين ونصف يضع إكليلاً من الزهور في مقبرة أرلينغتون الوطنية على قبر الجندي المجهول ترافقه نائبته كاميلا هاريس ثم يتلقى بايدن مرافقة عسكرية توصله إلى البيت الأبيض ليبدأ مهامه رسميًا (10)  ففي كل الأزمنة والأمكنة تنتهي الأنظمة وتتبدل ولكن الحكم الممسرح يبقى لأنه الآلية المثلى لفرض الهيبة وللمحافظة على ديمومة السلطة.

 

الهوامش والتعليقات:

 

- Marcel Gauchet  ," La dette du sens et les racines de l' Etat " dans La condition politique,  coll, tel,Éditions Gallimard,et Lefort, 2005, pp 45- 89.

2 – انظر مقالنا "إشكالية العلاقة بين السلطة ومشروعيتها قراءة في فكر محمد أركون" مجلة كتابات معاصرة، العدد 79، المجلد العشرون، بيروت، كانون- شباط 2011، ص 21.

- voir , Stephen F.Brown, Protestantism (facts on file), Hardcover,(2007), 128 pages

4 – الحروب الدينية في أوروبا، موسوعة ويكيبيديا، الموقع: Wikipedia.org

5 – إيمانويل كانط، "ما هو عصر التنوير؟ "مجلة الكرمل، العدد 13 / السنة 1984، بيروت، ص 60، ترجمة يوسف الصديق.

6 – ميشال فوكو، "كانط والثورة "مجلة الكرمل، العدد 13 / السنة 1984، بيروت، ص 70، ترجمة يوسف الصديق.

7 – محمد أركون، العلمنة والدين، دار الساقي، بيروت، ط 3، 1996، ص 63.

8 – حوار مع جورج بلاندييه، "السلطة والحداثة" مجلة الفكر العربي المعاصر، بيروت، العدد 41 ، سبتمبر/ أكتوبر 1986، ص 34 ، أجرى الحوار وترجمه هاشم صالح.

- voir, G .Balandier, le pouvoir sur scène, Ed . Balland,1980, il dit : " Le politique dépend encore davantage de l' art de paraître, l'événement le met en situation,  le cérémonial le ritualise , la commémoration l' entretient par la répétition. " p.151.

10 – حفل تنصيب بايدن، جدول المراسم والفعاليات، قناة الحرة، واشنطن، 19 يناير 2021.


عدد القراء: 4402

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-