تحليل الخطاب الرقمي: الأشكال والممارساتالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2024-02-01 21:41:41

سعيد بوكرامي

كاتب ومترجم مغربي

أضحت أشكال التعبير الرقمي أكثر هيمنة في مجتمعاتنا المعاصرة، بحيث أثرت تدريجيًا على أنماط عيشنا وتواصلنا وتفكيرنا في الحاضر والمستقبل. يتمظهر ذلك بجلاء في طقوسنا الخاصة جدًا مثل التواصل وقراءة الصحافة أو اقتناء تذكرة قطار أو الرغبة في التهنئة بعيد من الأعياد، بل أصبحت السعادة تكمن في المرور عبر الإنترنت وتلبية فرصه الكثيرة لتبادل التواصل المهني والاجتماعي. بل والأدهى من ذلك فقد صار الذكاء الاصطناعي الثوري أشد إغراء وتأثيرًا من أشكال التعبير الرقمي كلها، خاصة مع الظهور المثير للجدل لبرنامج GPT. من هنا، أصبح الخطاب الرقمي متقنًا ومتجددًا، ولعل طريقتنا في الكتابة والقراءة تحمل آثار هذا التحول الرقمي للغة والمعرفة. لهذا أصبح من اللازم إيجاد وسائل إجرائية ومفاهيمية لفهم هذه اللغة الرقمية المتنامية بشكل مطرد ولانهائي.

1 - الخطاب الرقمي: الأشكال والممارسات1:

وللاقتراب أكثر من هذا الموضوع الشائك والراهن، سنحاول تقريب القارئ من مؤلفات هامة للغاية في الموضوع، نبدأ أولا بكتاب اللغوية الفرنسية ماري آن بافو المعنون بـ: "قاموس تحليل الخطاب الرقمي: الأشكال والممارسات" الذي صدر عن دار هيرمان بباريس في 400 صفحة. يقدم الكتاب لمحة عامة عن هذه التغييرات التي استنبطت من خلال تحليل الخطاب الرقمي، الذي استعمل فيه الكاتب مقاربة جديدة تصف الأشكال والممارسات التعبيرية الرقمية، مثل الهاشتاج والنص الترابطي مرورًا بالتعليق، النص المكتوب المقروء، البروفيل، الترولينغ والتتبع الرقمي وجميع طرق الكتابة والتفاعل عبر الإنترنت...التي تشكل اليوم شبه قاموس تعبيري يقترح المفاهيم والأدوات المنهجية والمشار إليها، فإنه يقترح المفاهيم والأدوات اللازمة لتحليل التواصل الرقمي.

كيف ينتشر النشاط التواصلي ويتطور في بيئة متصلة عبر الانترنيت؟ ما هي الطريقة التي يظهر بها النص الرقمي، سواء كان لغويًا أو منطوقًا - في علاقته بمفهوم النسيج النصي وممارسة هذا النشاط؟ إذا كان تحليل الخطاب الكلاسيكي يراعي مقاربة النص فيما يتعلق بسياقه، والمكان الاجتماعي حيث يتم تدوينه، فإن النص الرقمي هو محتوى يتجسد وعلى الأخص منه الويب، المعروف بالترميز 2.0 الذي يعيد إعادة برمجة هذه الأماكن من خلال منحها بعدًا علائقيًا، يعمل بطريقة غير مسبوقة على تداول البيانات.

يعتزم كتاب ماري آن بافو تزويد العلوم اللغوية بالمفاهيم اللازمة لتحليل الخطاب الرقمي المتجدد، الذي يتوالد باستمرار ودون توقف، على شكل "إنتاج لفظي يتبلور على شبكة الإنترنت، بغض النظر عن الأجهزة، والواجهات، والمنصات أو أدوات الكتابة"(ص 8). لقد حفرت المؤلفة أخدودًا لغويًا متناظرًا يدمج العناصر اللغوية وغير اللغوية للخطاب الرقمي بشكل متساو. إن مقاربة تحليل الخطاب الرقمي تقطع بحزم مع مفهوم التمركز المنطقي للغة الموروثة وتأخذ بعين الاعتبار البنية التبادلية للخطاب التي أصبحت تتحقق بشكل آلي بواسطة الأجهزة التكنولوجية. ومن هنا يتم تصور البيانات الرقمية الأصلية باعتبارها مركبات، حيث ترتبط الأجزاء التقنية واللغوية ارتباطًا لا يمكن فصله: "إن إنتاج لغة الآلة هو في الواقع إنتاج للآلة وهذا تطور غير مسبوق. في تاريخ اللغة التي يجب على علوم اللغة استيعابها"(ص. 13).

ومن ثم تخلص ماري أن بافو إلى أن تحليل الخطاب الرقمي يتموضع داخل "منظور إيكولوجي تكاملي" (ص 11)، حيث يفترض مفهوم البيئة "استمرارية بين مواضيع اللغة وبيئة إنتاجها" (ص 28) ومن هنا تقترح كـ"بديل حاسم" لذلك السياق، أن يتم التركيز أكثر على "البارامترات الاجتماعية والتاريخية والسياسية" (ص. 165). التي تختلف في هذا الصدد عن المقاربات السابقة التي تطبق أساليب ما قبل الرقمية التي كانت تفصل البيانات الرقمية عن الجزء التقني، وبالتالي تنتج نتائج تعتبر مشكوك في مصداقيتها.

لأن الموضوع اللوغاريتمي للويب "يقتضي إعادة النظر في تصميم الخطاب والمخطط الدائم لحالة الخطاب المبني على أساس أربع معلمات هي المتكلم المخاطب والمكان والزمان." ( ص 24-25). يمتلك الخطاب الرقمي الوليد خصائص مميزة تدفع جزئيًا إلى التخلي عن شبكات التحليل التقليدية ومكوناتها (أو طبيعتها المركبة التقنو خطاب). 

يضم القاموس، ثلاثين مقالة مرتبة حسب مداخل موضوعاتية، حيث تقوم المؤلفة بدراسة أشكال ومكونات خطاب الويب: الخوارزمية، التعليقات، التغريدات، كما تهتم أيضًا، بأخلاقيات الخطاب الرقمي، الهاشتاغ أو الاسم المستعار أو المواقع المزيفة. هذه بعض الأمثلة التي يستند إليها التحليل وتتكون أساسًا من مقولات تنبثق من الويب 2.0 أو من الشبكات الاجتماعية. إن المنهج النوعي للكاتبة متميز في سياق الخطاب الرقمي، والمنظور الإيكولوجي الذي يرتكز عليه ويبرز في تشكيكه في طرق انتاج المحتوى، بسبب عدم الاستقرار الخاص بالبيانات الرقمية الأصلية.

من الضروري الإشارة إلى أن "قاموس أشكال وممارسات تحليل الخطاب الرقمي" الذي طورته ماري آن بافو قد نجح بشكل كامل في إعادة التفكير في الإطار المفاهيمي للخطاب الرقمي، مع الأخذ بعين الاعتبار المادية الخاصة للبيئة الرقمية، وما تقوم به بالنسبة للمقولات بحيث تجعلها ملزمة، وعقلانية، لا يمكن التنبؤ بها، إلخ. ويؤدي هذا إلى تزايد النشاط المندفع (تكاثر المدونين والكتاب والقراء المعلقين إلخ). إن الانعكاسات المفتوحة مثيرة للغاية، مما يؤدي إلى إثارة بعض الأسئلة والملاحظات المتعلقة بالتطبيق الملموس لتحليل الخطاب الرقمي. من جهة أخرى، إذا وافقنا المؤلفة موافقة تامة بشأن الحاجة إلى رفض الفصل بين العناصر اللغوية وغير اللغوية للخطاب الرقمي الأصلي، وإذا كان من المفهوم أن هذه العناصر يجب اعتبارها عناصر مركبة، من المقاربة الإيكولوجية التي "لم تعد موضع ملاحظة الوحيد لتحليل الخطاب الرقمي، بل جميع عناصر البيئة" (ص 131)، ألن يؤدي هذا إلى التخفيف من الملاحظات في هذه البيئة؟ ألا ينبغي لنا الاستمرار في التركيز على العناصر الخطابية، على افتراض أن هذه وجهة نظر انضباطية؟ من جهة أخرى، يبدو أن الويب 2.0، المتوخى بشكل رئيسي هنا من خلال منظور وسائل الإعلام الاجتماعية، يتم تقديمه في بعض الأحيان ككل موحّد من خلال شبكيته. بينما، هناك أجهزة تنظم النشاط الحواري، وتصف الأنشطة الكتابية والقرائية والاستخدامات الخاصة للنص الرقمي.

ويمكن القول إجمالاً أن قاموس تحليل الخطاب الرقمي عمل نظري وتصوري وإجرائي متميز لتحليل الخطابات الرقمية المتطورة بسرعة مذهلة، والتي تشكل عماد المحركات الرقمية الخاصة ووسائل التواصل التكنولوجية والتحويل الرقمي. إن مظان القاموس تُظهر معرفة دقيقة واستخدامًا منتظمًا لأجهزة الويب. كما تلاحظ ماري آن بافو على نحو ملائم، "إن الأشكال الرقمية ليست مجرد أشكال من بين أخرى، وإنما هي حقول تتطلب من الباحث استخدامها الدائم" (ص 133).

من هنا أصبح الشكل المعتمد في القاموس أداة استعمال سهلة الاستخدام، لأنه مصحوب بفهرس للأسماء والمفاهيم التي تقدم طريقة إبحار تكميلية بالإضافة إلى المدخلات المفاهيمية. ويتساءل المرء عما إذا كان من المقرر إصدار طبعة رقمية يمكن اعتمادها رقميًا، ترفق بالكتاب المطبوع كنسخة رقمية قابلة للتطبيق على الحاسوب. وبالتالي ستحقق المؤلفة انتشارًا أوسع لقاموسها التحليلي للخطاب الرقمي وخدمة جليلة للباحثين والمهتمين بالخطابات الرقمية المتجددة.

وقبل الانتقال إلى المؤلف الثاني، لا بد من الإشارة إلى أن ماري آن بافو أستاذة علوم اللغة في جامعة باريس 13 جامعة السوربون باريس، وعضو في فريق سلسلة لابيلياد الشهيرة التابعة لدار غاليمار. تشتغل منذ سنوات على نظرية الخطاب بمنهج متعدد التخصصات (الفلسفة، العلوم الاجتماعية، دراسات الإنترنت...). من بين مؤلفاتها المهمة نذكر: الخطابات الشبيهة: المعنى، الذاكرة، الادراك 2006. واللغة الفرنسية: بين العاطفة والجدال 2008. اللغة والأخلاق 2013.

2 - التواصل السوسيو رقمي2:

تعتبر مسألة التواصل الاجتماعي في خضم العوالم الرقمية المتطورة قضية معاصرة رئيسية في مجتمعاتنا. لكن ما هي مكانة ودور الأجهزة الرقمية في الديناميات الاجتماعية؟ استنادًا إلى استطلاعات ودراسات محددة ومتنوعة، يوضح هذا الكتاب كيف وإلى أي مدى أصبح الإنترنت من أكثر ممارساتنا شيوعًا، إذ غير من طرق لقاء الناس، والتفاعل مع الأقارب، والدراسة، واللعب، والمناقشة، والتعبير عن الذات، والخروج مع الغرباء، والعمل، والتفاعل مع القضايا المهمة والتافهة على حد سواء؟ يكشف هذا الكتاب كيف تكيفت حياتنا مع الإنترنت وكيف تكيف النظام الرقمي مع وجودنا، فأصبح يعرفنا أكثر من معرفتنا بأنفسنا. إن فهم دور ومكانة الإنترنت يعني فهم عدد من الوقائع الاجتماعية العامة الراهنة والملحة.

تتجاوز الموضوعات التي يتناولها هذا الكتاب "الفضاء الرقمي"، إذ تُظهر الدراسات امتداد وتعقيد الفضاءات المتصلة بالإنترنت. وقد أكد دومينيك كاردون وكريستوف بريور "إن حيوية الممارسات الرقمية هي قبل كل شيء مسألة محادثة ص 261". هذا هو السبب في أن التفاعل الرقمي هو محور المساهمات الإثني عشر المقترحة في هذا الكتاب. يعرفنا تحليل التواصل الاجتماعي المعاصر كيف تضيف وتوسع وتزعج التفاعلات عبر الإنترنت التواصل الأسري والودي والعاطفي والمهني، وتؤثر فيها سلبًا أو إيجابًا.

يصر فرانسوا دو سينغلي أيضًا على هذا الجانب في مقدمته للكتاب مقترحًا تأملاً عميقًا لهذه الاستمرارية، بدلاً من القطيعة، الناجمة عن خصوصية التواصل السوسيو رقمي. لهذا يستعير من جورج سيميل العديد من المفاهيم من أجل توفير إطار نظري للمساهمات المدرجة في الكتاب. إذ تقدم مقدمة المشرفين على الكتاب السياق النظري والمنهجي الضروري. كما يصر أوليفييه مارتان وإريك داجيرال بشكل خاص على تعقيد التكنولوجيا الرقمية في حياتنا العادية من خلال تحدثهما عن "الوقائع الاجتماعية الخاضعة للتقنية" التي لا تعارض الوقائع الاجتماعية الأخرى، ولكنها تكملها وتعقدها: "إن الوقائع الاجتماعية من المحتمل جدًا وفي نطاقها الواسع، أن تكون وقائع اجتماعية خاضعة للتقنية" لأن الأجهزة التقنية تتدخل، بطريقة أو بأخرى، في الممارسات الاجتماعية، وفي التفاعلات، وفي السلوك الفردي والجماعي"(ص 14).

بعد ذلك يحدد المؤلفون من منظور تربوي ثلاث مآزق يجب التغلب عليها وخمس نقاط يجب الانتباه إليها. إنهم يحذرون من فرضيات الحتمية التقنية والاجتماعية وينبهون إلى فخ اعتبار فضاء الوقائع الاجتماعية والوقائع التقنية فضاء منغلقا على نفسه. إلى جانب هذا التحذير، يقدم المؤلفون مبادئ التضمين، وعدم الفصل، والتحديد، والحياد، والتشابك بين المادي وغير المادي التي تحكمت في إنجاز تحقيقات هذا الكتاب. في الواقع يوجد هذا الاهتمام التربوي في جميع مظان الكتاب، وفي جميع المساهمات تقريبًا المصحوبة بإطار منهجي يعرض ظروف التحقيق وينتهي كل فصل بإطار آخر يقدم تفاصيل ومراجع مختلفة تعمل على توسيع نطاق التفكير في الموضوع.

نُظمت المقترحات الاثني عشر التي تلت هذه المقدمة في ثلاثة أجزاء تتكون من أربعة فصول: الجزء الأول عن "ديناميات العلاقات الخاصة" يجمع المساهمات حول العلاقات الأسرية في المناطق الريفية (الفصل 1 ، وقد أنجزه  دومينيك باسكير) ، وعرض للمشاكل الجنسية في مرحلة المراهقة (الفصل 2 ، بقلم يائيل أمسيلم-ماينغوي وآرثور فواتو)، ثم يليه الخلط بين المراهقة والتنمر (عبر الإنترنت) (الفصل 3، الذي قدمه ناتالي دوبين)، وكذلك فصلاً عن ممارسات الانفصال عن الانترنيت خلال الجولات أو النزهات في المناطق الجبلية أو النائية (الفصل 4، المنجز من طرف كارولين داتشاري وبيير ميركلي ودلفين مورالدو وبينوا تودو). يوضح هذا الجزء الأول التعقيدات الهائلة التي تحدث على الانترنت وخارجه. ويتمحور الفصل الثالث حول "صراعات" المراهقين عبر شبكات التواصل. استنادًا إلى العديد من الاقتباسات الميدانية التي جعلت التحليل ملموسًا وأكثر واقعية، توضح ناتالي دوبين كيف تُظهر الشبكات الاجتماعية العلاقات الاجتماعية العادية بين المراهقين وتطيل أمدها. ودون الوقوع في التعميم، فقد طورت مفهوم "الحضور المباشر عبر الإنترنت" قبل تحليل ثلاثة أمثلة مختلفة تتضمن ثالوث العلاقات العاطفية والشائعات ونشر الصور عبر الإنترنت. تؤكد ناتالي دوبين على نقطة التحول التي تحدث عمومًا عن طريق تدخل طرف ثالث في العلاقة وتقترح تصنيفًا زمنيًا ومتسلسلًا في حدوث هذه التوترات، ونقطة التحول المرتبطة بتدخل طرف ثالث مما يجعل الارتباك علنيًا. يكون الحل المحتمل للنزاع مشروط بشكل خاص بأهمية نشره عبر الإنترنت. لذلك يفتح هذا البحث الباب أمام دراسة العنف (السيبراني) والتسلط (عبر الإنترنت) في مرحلة المراهقة، سواء خلال الاتصال بالإنترنت أو خارج الإنترنت. وكيف أصبح الناس يعيشون في عوالم افتراضية تمتد إلى واقعهم المادي والعاطفي وتتدخل في مصيره.

ويهتم الجزء الثاني بـ"الأنشطة الاجتماعية، ونسج العلاقات". يتناول المؤلفون ممارسة الألعاب ويتناولون لعبة البوكيمون غُووْ في (الفصل 5، قام بإنجازها فانسون بيري وصمويل فانسيغل)، وهي منصة رقمية تتيح لمرتاديها مقابلة الغرباء والخروج برفقتهم (أما الفصل 6، فبقلم آن سيلفي فارابود)، ويتمحور حول انتشار الأمية الرقمية في صفوف طلاب الجامعات، لا سيما في سياق الجائحة والتعلم عن بعد (بينما الفصل 7، الذي أنجزه سيدريك فلوكيجر) ويتناول إنتاج المعرفة والصلات الاجتماعية ضمن مجموعات الهواة (الفصل 8، بقلم فاليري بودوين). في الفصل الثامن، يؤكد المؤلف أن منتديات الهواة هذه لا يمكن اختزالها في مساحة للتفاعل ولكنها أيضًا مكان لإنتاج المعرفة: "إنها أماكن لحل النزاعات وتنظيمها في بيئة الأفكار وأماكن افتراضية لبناء العلاقات "(ص 180). التي تسمح بالمشاركة المتزامنة في المناقشة وكذلك القراءة غير المتزامنة من خلال الأرشيف المتاح. إنها توضح أخيرًا أن هذه المنتديات ليست فضاءات مقسمة ولكنها على العكس فهي فضاءات متصلة بأماكن أخرى وجماهير أخرى، وهذا هو الحال أيضًا بالنسبة لمعظم الوسائل التي اعتنى الكتاب بتحليلها.

ويتناول الجزء الثالث "منصات ووسائل ربط العلاقات أو منصات التواصل الاجتماعي"، ويحلل تأثير تطبيقات المواعدة الرومانسية ونجد ذلك في (الفصل 9، الذي انجزته ماري بيرجستروم)، وهي منصة لمشاركة أنماط الحياكة والكروشيه وفي (الفصل 10، المنجز بواسطة فينسيان زابان) فيهتم بمنصات البحث عن وظائف للطلاب (الفصل 11، بواسطة إليز تينريت وماري تريسبيوك وإليز فيرلي). أما فصل فانسيان زابان فقد اهتم بشكل خاص باكتشاف شبكة البنية التحتية المعقدة والغنية التي تسمح بقدر ما بتبادل المعرفة والنماذج والإنتاج من خلال بعض الأعمال المنزلية، لذلك تهتم المؤلفة بمنصة مركزية للحياكة عبر الإنترنت، كما تصف كيف "يفتح الإنترنت إمكانيات جديدة من الإنتاج وكذلك توزيع النماذج والمواد الخام" (ص 221). فإذا كانت هذه المنصة المتخصصة للغاية تعزز تطوير ثقافة تقنية، فإن توحيد صفحاتها يعتبر أيضًا أحد القيود، لا سيما من خلال منع مشاركة أعمال الخياطة، على سبيل المثال. الحياكة هنا تجعل من الممكن معالجة مسألة بنية هذه المنصات، ومزايا وعيوب توحيد النموذج، وكذلك الأشكال الجديدة للتبادل، التجاري أو غير التجاري، والتي ما فتئت تزدهر عبر الإنترنت.

يقدم الفصل الثاني عشر، بقلم دومينيك كاردون وكريستوف بريور، تفكيرًا أوسع في مسألة التفاعلات في الفضاءات الرقمية من خلال تحليل سلسلة الممارسات بين التفاعلات على "شكل تعليق" وتلك الموجودة في "نموذج المحادثة". يتكون الأول من التعليقات المفككة التي تصاحب المحتوى المنشور، بينما تتوافق الثانية مع المناقشات التي تعمل أحيانًا على تعبئة المحتوى الذي سينشر في مكان آخر. بين هذين القطبين، هناك سلسلة متصلة من "الوسائل التي تعبر عن كثب عن وجود المؤثر الجاذب ونظام التبادل" (ص 263). من خلال هذه الرحلة عبر تاريخ وسائل المحادثة على الويب، يقدم المؤلفان صورة محفزة للأشكال المعاصرة للتواصل والتفاعل عبر الإنترنت.

كتب خاتمة الكتاب كل من أوليفييه مارتان وإريك داجيرال، اللذان يؤكدان حقيقة أن "إنتاج التقنيات يدمج مجموعة من الخيارات الاجتماعية المتعلقة بالشكل والمبادئ والقواعد التي تشكلها، وعلى وجه الخصوص الاحتمالات المفتوحة - أو لا! - بواسطة الوسائل نفسها الموجهة إلى المستخدمين الذين تستهدفهم مسبقًا "(ص 285). وأخيرًا، وضعت باتريس فليشي كلمة الختْم حول: "التهجين وهو في المقام الأول نوع من التعايش" (ص 289)، قبل أن تُمثّل، من خلال منظور التهجين، الممارسات المعاصرة للتواصل الاجتماعي، والعلاقات الجديدة بين العمل والترفيه، والأشكال الجديدة للتعبير العام وأخيرًا الأساليب المقدمة من خلال التقنيات الرقمية.

إن تنوع الدراسات المقترحة والاهتمام الملحوظ بمسائل منهجية الاستقصاء يجعل هذا الكتاب مؤلفًا يجب التوصية به لجميع الطلاب والباحثين في العلوم الاجتماعية إذ سيمكنهم من إلقاء نظرة عامة وواسعة على موضوع راهن وملح، وسوف يستفيدون من النصائح المنهجية الحكيمة، وقبل كل شيء، سوف يكتشفون كيفية تدخل الرقمي وتأثيره في كل ركن من أركان المجتمعات المعاصرة وفي كل ثناياها وخفاياها. بالإضافة إلى ذلك، سيكون الطلبة الجامعيون قادرين على أن يجدوا أنفسهم في مساهمتين على الأقل، تركزان بشكل خاص على "مهنة الطالب". الأولى، بقلم سيدريك فلوكيجر، الذي يستخدم مفهوم "الأمية الرقمية" لاستكشاف كيفية يتفاوض الطلاب حول مساراتهم الرقمية عند دخولهم إلى الجامعة. بحيث يمكن مفهوم الأمية الرقمية من "النظر في كيفية قيام التحولات التكنولوجية بتغيير العلاقات الاجتماعية، والعلاقة بالمعرفة، والعلاقة بالتكنولوجيا والمجتمع بأسره" (ص 163). أما المساهمة الثانية، فهي من تأليف إليز تينريت، وماري تريسبيوك، وإليز فيرلي، الذين يدرسون سوق عمل الطلاب، الذي يعتمد بشكل متزايد على المنصات. بحيث يصف هذا الفصل بالتفصيل، استنادًا إلى بيانات عام 2020، وعود المنصات والقيم التي تروج لها، لا سيما قيم المرونة، وإدارة الوقت بشكل أفضل وسهولة التواصل.

إن القراءة المتأنية لهذا الكتاب تؤكد جليًا أنه من أهم الدراسات الاجتماعية التي حللت آليات وتأثير منصات التواصل الرقمي على الحياة الاجتماعية المعاصرة، لأن المتخصصين في العلاقات الاجتماعية والدراسات الرقمية سيجدون في كل مساهمة تحليلًا دقيقًا ومفصلاً وحديثًا، أنجزه خبراء مشهورون في هذا المجال. حتى وإن كانت العديد من المساهمات في هذا العمل عبارة عن إعادة طبع لمقالات منشورة في منابر متخصصة، إلا أن جمعها وتنسيقها في انسجام تام جعل مظانها كلها أصيلة وحديثة تستشرف الكثير من القضايا الاجتماعية القادمة المرتبطة بالعوالم الرقمية لأن كل مساهمة على حدة تقدم حقائق محددة وبطريقة دقيقة.

في الواقع، وعلى الرغم من تقديم العديد من المفاهيم المهمة في جميع الفصول، إلا أن القارئ المتخصص يشعر بالأسف لغياب دراسات نظرية متعمقة في بعض النصوص. ومع ذلك، فإن الهوامش الموجودة في نهاية كل فصل تغنينا عن ذلك، لأن العمل يُقصد منه قبل كل شيء أن يكون ميدانيًا وتجريبيًا وأكثر فعالية، وبصرف النظر عن هذا النقص المبرر فإن الكتاب عمل هام وأساسي لكل مهتم بالطريقة التي تخترق بها التكنولوجيا الرقمية حياتنا الاجتماعية، خصوصًا وأن التطور الرقمي الميتافيرسي يسير في اتجاه الهيمنة الذهنية والنفسية الشاملة على الانسان المعاصر وتهجينه وفق مرامي النظام العالمي الجديد.

3 - النشر في العصر الرقمي3:

في عصرنا الرقمي الحالي أصبح مستقبل الأشكال التقليدية للثقافة والمعرفة والبحث الدراسي محل تساؤل وارتياب. كما إن حالة الكتابة وتقاليد النشر الموروثة قد تم استبدال سلطتها الثقافية والعلمية بإنشاء مساحات ووسائل إعلام جديدة لنشر المعلومة والمعرفة. بحيث طرأ تغيير على أنماط الطباعة من الورقي إلى أشكال مختلفة من المعالجة النصية، والعرض الرقمي بحيث انتقلت العمليات التي يستخدمها الناشرون والباحثون لإدارة المشكلات العملية للنشر إلى مرحلة جديدة من توليد المفاهيم المختلفة لطبيعة النصوص وطرق نقلها عبر الوسائط الرقمية.

يعمل الرقمي على إعادة تشكيل العملية الكاملة لإنتاج المعرفة واتباث صحة المحتوى ونشر المعرفة. والسبب يعود إلى ظهور أدوات جديدة وممارسات جديدة للكتابة والقراءة، ولكن أيضًا إلى تغيير عالمي شامل يمكن وصفه بأنه تغيير تقني ثقافي.

لقد طرح الناشرون بعبارات مفهومة ومهيمنة عددًا كبيرًا من الأسئلة، لا سيما حول مستقبل الكتاب، وأساليب الوصول إلى المعرفة، وإضفاء المصداقية على المحتوى عبر الإنترنت وحقوق التأليف والنشر. يقترح هذا الكتاب قائمة بالأثر الفعلي للتغيرات التكنولوجية على النشر، استنادًا إلى ثلاث وظائف رئيسية لهيئات التحرير: إنتاج المحتوى، وتداوله، وإضفاء المصداقية عليه.

يجمع هذا الكتاب الصادر مؤخرًا بين نهج أكاديمي لفهم النماذج، وملاحظة تجريبية للممارسات والاستخدامات وتحليل للمنطق الاستراتيجي المنتشر في هذا القطاع. إن الإمكانيات التي توفرها التكنولوجيا الرقمية هائلة، من حيث تداول المحتوى بالإضافة إلى قابلية تشغيل النص، وتحويله بطرق متعددة الى سلسلة تحريرية وتنسيقات للنشر. أولاً وقبل كل شيء، لأنه في البيئة الرقمية، "يصبح كل شيء تقريبًا قابلاً للنشر" (ص 28): الكتب والمقالات بالطبع، ولكن المساكن، والمطاعم، وحتى الأفراد، كل شيء يغدو موضوعًا للتحرير، لأنها أصبحت مرئية ويتم تنظيمها في الفضاء الرقمي الذي يمنحها مكانة في شبكة العلاقات.

بعد ثماني سنوات عن صدور عمل مارين داكوس وبيار مونييه حول النشر الاليكتروني الصادر عن دار لاديكوفيرت يصدر هذا الكتاب المهم عن الموضوع نفسه وبقلم بونوا إبرون ومارسيلو فيتالي-روزاتي، لكن برؤية مختلفة بحكم التطور التكنلوجي التي عرفته الحوامل الرقمية. يهدف الكتاب إلى إنجاز تركيب عما أصبح عليه النشر في العصر الرقمي. في الواقع إن المسألة لا تتعلق بالنشر الرقمي بالمعنى الدقيق للكلمة، لأنه "لا يوجد أي محتوى لم تلمسّه تكنولوجيا المعلوميات" (ص 3). السؤال إذن ليس النظر إلى النشر الرقمي بأنه "حقل منفصل" (ص 5)، ولكن التساؤل عن الطريقة، كما هو الحال الآن، التي تتخذها عملية النشر في فضاء متصل بالانترنت.

يمكن النظر إلى الكتاب على أنه "تفكير موجه لكل القراء الذين يرغبون في فهم أفضل لكيفية إنتاج جميع المعارف المرتبطة بالمعرفة والمحتويات الرقمية بشكل عام ونشرها والتحقق منها في عصرنا" (ص 3). منذ البداية، ينتقد المؤلفان بشكل واضح المتخيل الذي يتداول حول المحتوى على شبكة الإنترنت، كما عبرا عن رغبتهما في إبراز "الوظيفة التحريرية الجديدة لم تكن أبدًا حاضرة بهذا القدر من الأهمية كما هي عليه اليوم "(ص 3). ولتحقيق ذلك، فقد فصّلا ملاحظاتهم ضمن أربعة فصول: الفصل الأول خصصاه لمقاربة تعريفية لمفهوم النشر، "عملية الوساطة التي تسمح للمحتوى بالتواجد والوصول إلى الطرف الآخر" (ص 5).  بينما تتعامل الجهات التالية مع الوظائف التحريرية المتمثلة في الإنتاج والمصداقية ونشر المحتويات.

لتعريف النشر كما يظهر في البيئة الرقمية، يعيد بينوا إبرون ومارسيلو فيتالي-روزاتي استثمار مفهوم المحتوى الرقمي المنشور ليجعله، في أوسع معانيه، يشمل "الدينامية الشاملة للإجراءات أو التفاعلات الفردية والجماعية مع بيئة رقمية معينة - التي تنتج وتهيمن على الفضاء الرقمي. يستند هذا التعريف إلى افتراض سابق: حقيقة أن هناك تهجينًا بين المساحة الرقمية والمساحة غير الرقمية. وبالتالي، فإن هيكلة الفضاء الرقمي تعني هيكلة المساحة بشكل عام "(ص 28). إذا كانت ميزة هذه المقاربة هي التأكيد على مركزية النشر للمحتوى الرقمي، فإنها فضلاً عن ذلك تجعل طبيعته الإجرائية عرضة للزيادات المستمرة، قد يبدو لنا التأكيد الأخير قويًا جدًا، إلا أنه يستحق على الأقل مناقشة أوسع، يصعب تحقيقها في كتاب تركيبي وذي نطاق عام نسبيًا. تثبت شبكة القراءة للمنشورات الرقمية أن لها صلة وثيقة تمامًا بفهم كيفية تطور المعنى المعطى التحريري وسيرورته في العصر الرقمي، وديمومة الوظائف المرتبطة به. أولا وقبل كل شيء، على مستوى إنتاج المحتوى الرقمي، تعمل الآليات على الأشكال والموضوعات، وبالتالي على علاقتنا بالمعرفة: في هذا الصدد، يعدل الرقميّ بطريقة معينة أشكال التدوين المصغّر، أو الويكي وهو نوع من المواقع الإلكترونية يسمح للزوار بإضافة المحتويات وتعديلها دون أية قيود في الغالب، وقد تشير كلمة ويكي أيضًا إلى برامج الويكي المستخدمة في تشغيل هذا النوع من المواقع. تعني كلمة ويكي بلغة هاواي "بالغ السرعة"، وقد استخدمت هذه الكلمة لهذا النوع من أنظمة إدارة المحتوى للدلالة على السرعة والسهولة في تعديل محتويات المواقع. وأيضا استخدامات أخرى مثل (وظائف التلاعب، والبحث، والشروح، وما إلى ذلك) من أشكال الكتابة، تمامًا كنماذج النشر الاقتصادية.

بعد ذلك، يتطرق المؤلفان إلى مسألة المصداقية الرقمية، إذا كان الامر يتعلق "بأزمة المؤلف وحقوق الملكية" بمعناها الكلاسيكي، فإن وظيفة النشر الرقمي تتطور في الوقت الذي تكون فيه أساليب المصادقة الجماعية أو الخوارزمية. وبالتالي تقوم، على مستوى عمليات النشر، جهات فاعلة جديدة مثل المنصات مثل تلك التابعة للغافام ويمثلها عملاقو الويب، غوغل، وأبل، والفيسبوك، وأمازون ومايكروسوفت وهي خمس شركات أمريكية كبرى (نشأت في السنوات الأخيرة من القرن العشرين أو بداية القرن الحادي والعشرين، باستثناء ميكروسوفت التي تم إنشاؤها في 1975 وأبل في عام 1976) تهيمن على السوق الرقمية.

هذه المجموعة الرقمية هي التي تقوم بتحديد طريقة توزيع المحتوى، والتنافس مع المكتبات في دورها لتصنيف المواد الثقافية وتوزيع المحتوى المنشور من أجل الجمهور. (بخصوص هذه النقطة الأخيرة، ربما كنا نرغب في معرفة المزيد عن قضايا المحافظة على تراث للمنتجات الرقمية المنشورة (الإيداع القانوني، أرشفة المحتوى، وما إلى ذلك)، التي تبدو لنا أنها تؤسس نظيرًا منطقيًا لأسئلة النشر الرقمي) ويذكر الباحثان أن بإمكاننا تحديد اتجاهين متناقضين في طرق إنتاج المحتوى وتعميمه: ذلك النموذج من الشركات متعددة الجنسيات الكبيرة على الويب - الذي يمكننا تسميته منشورات غافام وهو اختصار كما قلنا يشير إلى العمالقة الخمسة مثل غوغل وأمزون وفيسبوك وأبل ومايكروسوفت، وهذا يعني بكل بساطة أن جميع الشركات الكبرى التي تهيمن على السوق الرقمية - والمتخصصين، ومحترفي النشر والباحثين ينتجون الطبعات الرقمية. فهي تتميز بالاعتماد على البيانات بدلاً من الوثائق: حيث تشارك الشركات التجارية في التقاط كميات هائلة من المعلومات، بغض النظر عن هيكلها ومعناها. كما لا يلزم التحقق من صحة هذه المعلومات لأن كتلتها ذات قيمة من وجهة نظر اقتصادية. لا أهمية لجودة المعلومات، بل تحولت القيمة إلى كمية المعلومات التي تم بناء نموذجها الاقتصادي في هذا السياق من البيانات الضخمة أو البيانات الكثيرة، فإنه من الأساسي جذب عدد كبير جدًا من المستخدمين وإمساك بياناتهم، لهذا، يركز إصدار غافام جهوده على تجربة المستخدم من خلال تقديم الخدمات البسيطة والفعالة (السريعة)، حتى لو كانت سطحية المحتوى، فإنها تتميز بالجاذبية. لكن يجب أن تكون عملية التشغيل مبهمة، لإخفاء الجوانب التقنية، بحيث لا يمكن للمستخدم أن يتساءل عنها - أوضح مثال على ذلك هو واجهات آبل. إذ يعتاد المستخدمون على عدم معرفة كيفية عمل الجهاز، وليس لرؤية الملفات، وليس للوصول إلى مظهّر البرنامج. يجب أن تكون طبعة غافام فعالة وتستجيب إلى أكثر الممارسات شيوعًا. لهذا فهي تتطور بسرعة لتلبية احتياجات ورغبات الجمهور الواسع.

وعلى النقيض من ذلك، هناك النشر العلمي، ويكون الهدف الأول منه هو هيكلته والتحقق منه من خلال أنظمة شرعية واضحة وذات أسس سليمة. لذلك، فإن النشر العلمي ثريّ ومعقد وينتج فوق كل ذلك اعتمادا على الوثائق - وليس البيانات فقط - التي يعلن عنها هيكلها المنظم وعملها الشفاف. وبالتالي، فإن الطبعة العلمية أكثر صعوبة للامساك بالمستخدم المطمئن، مما يعرضها لخطر كونه أقل فعالية من حيث السرعة، وبالتالي تكون أقل استشارة وتتبعا. إنها تتطلب من المستخدم وعياً تقنيا قويًا، ويشير الباحثان إلى أن هذا أيضًا أحد القضايا السياسية المتعلقة بتداول المحتوى. تتطلب الطبعة العلمية بالضرورة مزيدًا من الموارد، سواء في إنتاجها أو استقبالها، مما يولّد زمانية إشكالية، لأنها لا تتوافق مع المتطلبات التي تنشأ عن الممارسات الشائعة. وتكمن المشكلة الكبرى في هذا الشكل من النشر في أنه غالبًا ما ينأى بنفسه عن الممارسات الواقعية- وليس فقط من ممارسات عامة الناس، ولكن أيضًا من ممارسات الباحثين الذين يفضلون - كما تظهر العديد من الدراسات على حد سواء استخدامها للبحث والنشر، ضمن محركات البحث العامة: على سبيل المثال، بحث غوغل بدلاً من محركات البحث الدلالية المصممة خصيصًا لأغراض البحث، التي تمتلك مواصفات النشر العلمي الدقيق. يسوق الباحثان أمثل كثيرة عن هذه المعارضة بين أشكال النشر الرقمي من بينها مثال "تنسيق جزون" و"تنسيق إكسمل": فجزون، من ناحية، هو تنسيق ترميزي مسطح، بسيط، وخفيف، ولكنه غير منظم وغير سليم. من ناحية أخرى، فإن النشر بواسطة إكسمل، غني للغاية، وأكثر تعقيدًا، وأكثر مصداقية، ولكن في بعض الأحيان يقدم معلومات قليلة جدًا للمستخدمين (وهو ما يفسر سبب عدم إيلاء معظم الناشرين/المبرمجين اهتماما كبيرًا له). لكن المشكلة في هذه المعارضة هي أن الممارسات العلمية تميل إلى أن تصبح موحدة بالنسبة لممارسات (غافام): فمن جهة لأن الباحثين ليس لديهم كل المهارات التقنية، ومن جهة أخرى لأن علماء الكمبيوتر الذين يطورون الأدوات ليس لديهم حساسية كافية تجاه القضايا التي ينبغي أن تثير اهتمام الناشرين والباحثين على حد سواء.

وإلى جانب ذلك، يقدم الكتاب نظرة شاملة عن موضوع النشر الرقمي، تتخللها بعض الملاحظات الإخبارية نذكر منها على سبيل المثال (تطور حقوق التأليف والنشر) كما يدرج المؤلفان جداول توضيحية وموجزة حول (محركات البحث، والتاريخ على شبكة الإنترنت، وما إلى ذلك). يحاول الباحثان تفسير بعض الأساسيات، التي تنطوي عليها عملية الرقمنة للمحتوى من حيث الخطوات وخيارات المواد، الخ (ص 48). وبالتالي فإنها تضع بوضوح قضايا النشر الرقمي في قلب العمليات التقنية، التي غالبا ما تمنح "كل شكل من أشكال الرقمنة قيمًا، وتفسيرات ما عن مضمون معناها، والسياق، كيف يجب أن تُقرأ وتُفهم، إمكانياتها في التداول والاستقبال... "(ص 52). مثال آخر، ويتعلق بإجراءات التحقق الخوارزمي من صحة عمليات المبتكرين على شبكة الانترنت، مما يفتح باب السؤال عن إنتاج سلطة المنتَج (ص 85 وما يليها). إن تشابك القضايا الاقتصادية والرمزية المتعلقة بالجوانب التقنية وشرحها بشكل جيد، مما يساعد على تزويد القارئ بأدوات رقمية تمكنه من تطوير نظرة فاحصة على عمليات النشر في البيئة الرقمية.

حاولنا في هذه الدراسة المركبة أن نقدم بحثًا توثيقيًا عن المراجع الأجنبية التي تنظر لتحليل الخطاب الرقمي، بأشكاله المتعددة وممارساته المتنوعة، عسى أن يفتح أفقًا، لمزيد من التعمق والبحث.

الهوامش:

1 - Marie-Anne Paveau, L'analyse du discours numérique. Dictionnaire des formes et des pratiques, Paris, Hermann, coll. «Cultures numériques», 2017

- Olivier Martin, Eric Dagiral (dir.), Les liens sociaux numériques. Pratiques et usages du web, Paris, Armand Colin, coll. «Sociologia», 2021

3 - Benoît Epron, Marcello Vitali-Rosati, L'édition à l'ère numérique, Paris, La Découverte, coll. «Repères», 2018


عدد القراء: 842

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-