التعليم وفن السباكةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2015-11-17 10:58:57

حامد بن شيخ العيدروس

الولايات المتحدة الأمريكية

هل هناك علاقة "في المجتمعات المتقدمة" بين شوارعها التي لا تسيل فيها المياه هدرًا، ومصانعها التي تنتج أجود المنتوجات؟ الجواب على ذلك "نعم" فهناك علاقة بينهما يمكن أن تفسر من خلال فن السباكة.

كثيرة هي الأمور التي تظهر متواضعة في حياتنا اليومية، وفي مضمونها تحمل ملمحًا عظيمًا. ومن ذلك "السباكة!"، التي في مظهرها البسيط ترتبط بتدفق المياه والغاز، وفي مضمونها العميق ترتبط بتدفق الأخبار عبر القنوات الإعلامية، والأموال عبر القنوات الاقتصادية، والعلوم عبر القنوات التعليمية. ومن أهمها ما يتعلق بتدفق العلم عبر قنواته المحددة، لهدف بناء إنسان واع وراق ومنتج. وأهمية هذه الصورة تكمن في أن مجموع هؤلاء المتعرضين لقنوات التعليم، هم من سيحددون سعادة واستقرار وتنمية مجتمعاتهم. ويمكننا القول: إن للسباكة ثلاث مكونات رئيسة، وهي المادة الصحيحة، والقناة السليمة، والوجهة السديدة.

أركان سباكة التعليم

 أولاً: مادة التعليم: تمامًا كاختيار الماء الغني بالفيتامينات اللازمة لحياة الإنسان، فإن مادة التعليم لابد أن تكون محتوية على الفيتامينات اللازمة لحياة المجتمعات. فهي لابد أن تحتوي على ما يجب معرفته من حقائق الحياة، التي يستقر بها داخل الإنسان أولاً، ومحتوية كذلك على الأخلاق التي تسلم وتسعد بها المجتمعات ثانيًا، ومتضمنة أيضًا لفلسفة اللغات والعلوم الرياضية والتاريخ ثالثًا، ثم من الضرورة رابعًا أن تكون المادة المختارة متوافقة مع متطلبات العصر، ومن هنا فإن بناء مرصد لرصد متطلبات العصر المتسارعة، وربط ذلك بمحتويات مادة التعليم يعد أمرًا ضروريًّا.

ثانيًا: القناة السليمة: وأبرزها ثلاثة، الأول منها هو الكتاب الذي يهدف لتبسيط لغة المصدر، بما يتناسب مع إمكانات الطالب، والثاني هو المعلم الذي يقوم بمساعدة الطالب على الفهم السليم للمادة، والتأكد من إيصالها إلى ذهنه كاملة، دون نقص مخل بها. وأما الثالث فهو طريقة التفكير، حيث إنه من الممكن أن يحصل الطالب مباشرة على المادة دون الحاجة إلى كتاب أو معلم، وحاله كحال من أخذ دلوه واستقى من البئر مباشرة. وطريقة التفكير هي الأداة المتسارعة التي تسبق الزمن، وتؤدي بالنتيجة إلى قفزات تنموية هائلة.

ثالثًا: جاهزية عقل الطالب، والطلاب في مقاعد الدراسة على ثلاثة أصناف، الأول هو الطالب الحاضر جسدًا وذهنًا ، فحاله كما لو أنك تحمل وعاء كبيرًا فيه ماء، وتود نقله إلى إناء أصغر منه، واستطعت فعلاً أن تنقله دون أن تفقد قطرة ماء واحدة، فالعملية "السباكية" هنا نجحت. أما الصنف الثاني فهو الحاضر جسدًا والغائب ذهنًا، فحاله كما لو أنك تحمل ذلك الوعاء الذي به الماء وتود نقله الى الإناء الأصغر منه، ولكنك لم تستطع، فنصف الماء قد تطاير خارج الكوب وضاع هدرًا، فكلما يحاول المعلم أن يسكب الماء يقوم الطالب بتغيير مكان ذهنه، وعلى هذا الحال إلى أن يدق الجرس!، فالعملية "السباكية" هنا فشلت بالنسبة لهذا الطالب. وأما الصنف الثالث فهو الكوب المتسخ، فهو وأن استطاع المعلم أن يسكب فيه الماء إلا أنه في واقع الأمر قد أهدره.

وهكذا، فإن المقصود من منظومة التعليم هو أن توصل المادة المناسبة إلى الذهن المناسب عبر الوسيلة المناسبة، وبعد ذلك يبقى الدور على بقية أنظمة المجتمع بأن تستفيد بحكمة من هذه المادة، وتبني ذلك المنتج الجيد.


عدد القراء: 3726

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-