
كالملاك قصة أنجلينا
ترجمة: آلاء شنان ثابت السعيدي
ليودميلا ستيفانوفنا بتروشيفسكايا- كاتبة روسية متعددة المواهب؛ فهي روائية وممثلة مسرحية وشاعرة وفنانة ترسم بالألوان المائية وملحنة ومغنية ومخرجة أفلام رسوم متحركة. ولدت في موسكو عام 1938، تُرجمت أعمالها الى الكثير من اللغات الاجنبية، وعُرضت أعمالها الدرامية على أفضل المسارح في روسيا والعالم، ونالت العديد من الجوائز الروسية والدولية عن أعمالها السردية والمسرحية. حتى يومنا هذا لا تزال فنانة متعددة المواهب وناشطة في الاعمال الخيرية.
في مفارقةٍ لا يجيد صياغتها إلا القَدَر، وُلدت «أنجلينا». اسمٌ يحملُ خِفَّة الملائكة في حياةِ زوجَيْن أثقلهما العُمرُ وغلبت السنونُ ملامحهما البسيطة. كانا كيميائيَّيْنِ في قسم الآفات الزراعية، تخصصا في إبادةِ ما يفسدُ القطن، لكنهما في «عشق آباد» اكتشفا ما يُحيي القلب. تزوجا في وقتٍ ظن فيه الجميع أنَّ قطار الحياة قد فات، وحين بلغا الأربعين، أهدتهما السماءُ «ملاكًا» صار مِحور كَوْنٍ كامل؛ تتقاذفه أيدي الجدة العجوز وعماتٍ خمس، وكأنَّ هذا الصغير هو التعويضُ العادل عن كل تلك العزلة الطويلة.
كانت عائلةُ أنجلينا الكبيرةُ، التي يتجاوز عدد أفرادها العشرين، تلتئمُ في كل مناسبة؛ وبينما كان الكبارُ يرحلون تباعًا والصغارُ يكبرون، ظلَّ دفء الاحتفال ساكنًا في زوايا المنزل. كانت أنجلينا الصغيرة تنتقلُ من حضنٍ إلى آخر، وتُرفعُ فوق الأكتاف، وتُغمرُ بالهدايا دومًا بغض النظر عن صاحب المناسبة الحقيقي، حتى أصبح ذلك عادةً مألوفة لها.
ومع بلوغها الخامسة عشرة، لم تعد تكتفي بالمشاهدة، بل أخذت تطالب بصوتٍ جهوريٍّ بنصيبها من الفرح والحياة. «أين هديتي؟ أين نصيبي؟»؛ هكذا كانت تصرخُ أيضًا في فناء المنزل حين يُسمح لها بالخروج وحدها: «وأنا؟ أين نصيبي؟».
ورغم أنها كانت تُجابهُ أحيانًا بضربةٍ أو اثنتين على رأسها كنوعٍ من الزجر، إلا أن عزيمتها لم تفتر؛ فكانت تلحُّ في طلب «الآيس كريم» أو تندفعُ للحصول على لعبةٍ لا تناسبُ سنها وكأنها طفلةٌ في الثالثة. لم تكن تطلب ذلك من والديها فحسب، بل كانت تفتحُ فمها كفرخِ طيرٍ نضج قبل أوانه، مخاطبةً الأطفال وأهاليهم وهم يداعبون صغارهم بما لديهم.
لم يخطر ببالِ أنجلينا المريضةِ أنَّ الخيرَ لا يُوزَّعُ بالتساوي، وأنَّ العدالةَ التي حلمَ بها المفكرون في كلِّ زمانٍ ومكانٍ غائبةٌ تمامًا عن عالمِها الصغير. لم تكن هناك قسمةٌ عادلة؛ بل كان الجميعُ يأخذُ لنفسِه، بلا مساواةٍ، ولا إخاءٍ، ولا حريةٍ حقيقيةٍ تمنحُها حقَّ الاقترابِ والأخذِ، التلذُّذِ بما طابَ لها من زادٍ، الذهابِ حيثما تشاءُ، الاستمتاعِ بما تقعُ عليهِ عيناها، المكوثِ ضيفةً حيثما طابَ لها المقامُ؛ لعلَّهم في الغدِ يتعهَّدونها بالرعايةِ أيضًا، ويحوموا حولها بالأطباقِ، يُغدقونَ عليها من زادِهم ويغمرونها بالثناءِ، ويُجلسوها في مقعدٍ مميزٍ، ويمسحوا على رأسِها المتعبِ، ثم يُهدوها لعبةً في الختام. هكذا كان كلُّ هذا جزءًا من طفولةِ أنجلينا، وامتدَّ معها حتى غدت شابة.
سعت أنجلينا دومًا لاستمالةِ قلوبِ المارّة، فكانت تندفعُ نحو كلِّ عابرِ سبيلٍ يحملُ في يدِه طعامًا؛ سواء كان فطيرةً، أو آيس كريم، أو قطعةَ حلوى، أو فتاتَ خبزٍ، أو حبةَ برتقال. كانت تهرعُ إليهم كفرخٍ سنونو صغيرٍ ينشدُ القوت، ورغم كلِّ ذلك السعي، لم تحصد في النهايةِ سوى خيبةِ الأمل، إذ ظلَّ ما تطمحُ إليهِ بعيدَ المنال.
ومع إشراقِة كلِّ صباح، كانت أنجلينا تنسى خيباتِ الأمس؛ تقفُ بزهوٍ أمام مرآتها، تعقدُ فيونكةً كبيرةً فوق رأسِها، وتتركُ خصلاتِ شعرِها المتشابكةَ تتطايرُ كزغبِ الوسادةِ بلا تمشيط. ثم تشرعُ في تزيينِ وجهِها: ترسمُ شفتيها بالأحمر، وتلوّنُ جفنيها بظلالٍ زرقاء، وتحددُ حواجبَها بسوادٍ داكن. كانت علبةُ المكياجِ تلك هديةً من أحدِ أقاربِها، وما إن استقرّت بين يديها، حتى غمرت الألوانُ وجهَها، فإذا ما حاولَ أحدٌ انتزاعَها منها، أجهشت بالبكاء. وفي تلك الأثناء، كانوا يحاولونَ إشغالَها بشتى الوسائل؛ تارةً بالرسومِ المتحركة، وتارةً بالهدايا. كانت أنجلينا تُزيّنُ نفسَها بكلِّ ما تقعُ عليه يداها، حتى تجمعت فوق جسدِها فوضى من الخرزِ والأقراطِ والشرائط، وازدحمت أصابعُها الممتلئةُ بالخواتمِ والأساورِ والدبابيسِ الزهيدة. أما ملابسُها، فقد تشبثت بها كأنها جزءٌ من جلدِها، رافضةً استبدالَها أو التخليَ عنها. ولشدةِ تعلقِها بأحذيتِها الباليةِ ورفضِها التامِ لكلِّ ما هو جديد، وجدت الأمُّ نفسَها مضطرةً لارتداءِ تلك الأحذيةِ الجديدةِ أولًا؛ لتُليّنَ صلابةَ جلدِها بقدميها العليلتين، قبل أن تلمسَ قدمي ابنتِها.
وهكذا، كانت أنجلينا تستعدُّ بلهفةٍ منذ الصباحِ الباكر، على أملِ أن تنالَ رضا العالمِ هذه المرة؛ فتنطلقُ مع والدتِها في نزهةٍ تجوبُ شوارعَ المدينةِ وأزقّتَها مهما تبدّل وجهُ السماء؛ بين زمهريرِ البردِ ووهجِ الشمس، وبين انهمارِ المطرِ وصفاءِ الصَّحو، وفي عصفِ الريحِ أو غبشِ الضباب. كان المشيُ خيارَها الحتميّ؛ إذ لم تُطق أنجلينا عتمةَ مترو الأنفاق، ففي جوفِه كان ينقبضُ صدرُها وتضطربُ أعصابُها، لدرجةِ أنها هاجمت مرتين بقبضاتٍ غاضبةٍ ركابًا لم يَرُقها نظرُهم إليها.
لم يكن سنُّ الثلاثين رحيمًا بملامحِها؛ إذ توارت عيناها خلفَ نظاراتٍ ذات عدساتٍ بالغةِ السَّمك، تشبهُ في ضخامتِها مصابيحَ السيارات. أما أسنانُها الأماميةُ الثمانيةُ فقد تساقطت نتيجةَ خوفِها المزمنِ من الأطباء، ووَهَنِ بِنْيَتِها التي وُلدت ضعيفةً وهشةً منذ طفولتِها.
وكان وجهُها المُلطَّخُ باللونين الأحمرِ والأزرق، وفمُها الفَاغرُ الخاوي إلا من أربعةِ أنيابٍ بارزة، يُجفِلُ العابرين. في حين لم يَرَ الأقاربُ في ذلك الوجهِ سوى تلك الطفلةِ البائسة؛ إذ لا تزالُ صورتُها القديمةُ عالقةً في أذهانِهم وهي تكافحُ بمَشَقَّةٍ لتقاسمِ قطعةِ بسكويتٍ مع الآخرين؛ يوم كانت صبيّةً ممتلئةَ الجسم، مسلوبةَ الإرادة، تثيرُ الضحكَ والشفقةَ في آنٍ واحد.
كان الجميعُ يحبونها حينذاك، ويتظاهرون بأنَّ كلَّ شيءٍ على ما يرام؛ لقد بذلوا قُصارى جَهْدِهم، وفعلوا المستحيلَ كي لا يُفرِّقوا بين أطفالِهم الطبيعيين وبين تلك «المعتوهةِ المسكينة»، التي لم تتعلمْ حتى كيفَ تحسبُ الأرقام، فكانت تظنُّ أن نصف اللتر هو خمسون، وتتساءلُ بارتباكٍ وذهول: «كيف لخمسين لترًا من الحليب أن تُحشرَ داخلَ عبوةٍ صغيرة؟».
كانوا يشرحون لها بمنتهى الرقة والحنان، لكنهم كانوا أهلها؛ أما الغرباءُ فلم يتقنوا يومًا لغةَ الرأفة، أطلقَ عليها أقرانُها اسم «التمساح»، وكانوا ينهالون بضرباتهم على رأسِها دونما إنذار؛ لذا، ما إن كبُرت أنجلينا حتى واجهت صراحةَ العالمِ بذاتِ القسوة، وصارت تَهوي بقبضتِها على رؤوسِ العابرين في المترو، بعد أن استوعبت دروسَ طفولتِها جيدًا.
عندما بلغت الثلاثين، اكتملت ملامح أنجلينا؛ حيث غدت أمراة قوية البنية، شديدةَ البأسِ. كان تَرُدُّ بفعل فوري وحاسم على كلِّ اعتراضٍ من والِدَيْها؛ ولدرجة أن الأم، رغم تجاوزها السبعين، تنهضُ منذ السابعةِ صباحًا على ساقيها المتهالكتين، لتمضي في مسيرةٍ عبرَ المدينةِ تستغرقُ ساعات. كانت تخرجُ مع ابنتها من البيتِ كي لا تنهالَ الأخيرةُ بالضربِ على أبيها ذي الخمسةِ والسبعين عامًا دونَ سبب، وهي تصرخُ في وجهه: «أنهض من سريرك، كفاكَ نكدًا!»، وهي ذاتُ الكلماتِ التي كانت تقال لها في طفولتِها، حين كان الأبُ طريحَ الفراشِ يصارع آثار النوبةٍ القلبية.
عانت العائلةُ من ضيقِ ذاتِ اليد؛ إذ اقتصرت مواردُها على الراتب التقاعدي لخبيرين في المبيدات الكيميائية. أما «أنجيلينا»، فكانت تطلبُ شراءَ كلِّ ما تراه؛ تقفُ لساعاتٍ طوالٍ أمام واجهاتِ العرض، تلتهمُ بعينيها القلائدَ الزهيدة، بل وحتى الألماس، وترمقُ البائعاتِ بنظراتٍ مليئة بالحسرة، ثم تصرخُ في وجهِ أمّها واللعابُ يسيلُ من جنباتِ فمها: «مااا! يا أمي! اشتري لي يا أمي!».
كانت الأم تلوذ بالفرار خجلًا، لكن جسد «أنجيلينا» الثقيل كان يحاصرها في كل زاوية، ويقطع عليها سبل الهروب، متشبثًا بها من الخلف بقبضة لا مفر منها. وفي خضم هذا الحصار، لم تكن الأم تملك سوى كيس خبزٍ تحمله؛ فكانت تغمسُ قطع الخبز في السكر وتطعم بها ابنتها، كما يطعمُ السنونو فرخَه الصغير، لتسدَّ بهذه اللقيمات صراخَ ذلك الحلقِ الجائع الذي لا يشبع.
وفي المساء، بعد أن تغلق المتاجرُ أبوابها، تعودان إلى المنزل سيرًا على الأقدام؛ فتبدأ «أنجيلينا» بالتهام ما تبقى من العصيدة الباردة التي أعدها والدها، ثم ترتمي على أريكتها بكامل ملابسها، دون أن تخلع حتى معطفها.
كانت الأمُّ تترقبُ اللحظةَ المواتية لتنزعَ عن أنجيلينا حذاءَها، وتُدثر تلك المسكينة، بينما هي نفسُها تفتقرُ غالبًا للقوةِ حتى على خلعِ ثيابِها؛ فكانت تغفو أحيانًا وهي جالسةٌ إلى الطاولةِ تحت الضوءِ الساطعِ، وعيناها تفيضانِ بالدموع. كانت تشبهُ ابنتَها؛ بلا أسنانٍ، وبقايا شعرٍ، لكنها كانت صلبةً كأنما سُبكت في أتونِ النار.
لقد كان كل شيء في حياتهما خاضعًا للكفاح من أجل تأمين لقمة العيش، لكن الوالدين لم يجرؤا قط على إيداع «أنجيلينا» مشفىً للأمراض العقلية؛ خشيةَ أن تذل وتُهانَ، أو ترعبها القضبانِ والأبوابِ الموصدة، وهو الأمرُ الذي لم تكن تطيقُه، تمامًا كما لا يحتملُ وحشٌ حبيسٌ الأماكنَ المغلقة.
ويبدو أن الوالدين، في قرارة أنفسهما، كانا يؤمنان، بأن «أنجيلينا» لا تقلُّ شأنًا عن سائر البشر؛ فهي ليست سوى عليلةٍ، والعليل لا يلام. لذا، انقطعا عن مخالطة الناس شيئًا فشيئًا؛ خشيةَ النظراتِ الجارحة، وتحسُّبًا من هذا العالمِ الجائر الذي لا يتورعُ عن السخرية من أكثر الأرواح عوزًا وانكسارًا- من تلك «المعتوهة» كما يوصِمونها. فبالنسبة لهما، هي أيضًا خلْقٌ من خلْقِ الله، ولها الحق في الحياة.
غير أن «أنجيلينا» كانت تجرُّ أمَّها بالحاح نحو الزحام، نحو المتاجرِ ووسط الحشود؛ لعلّها كانت ترجو في خبيئةِ نفسها أن تُحملَ بين الأذرعِ من جديد، وأن يتلقفَها الناسُ كطفلةٍ محبوبة، يطعمونها ويغدقون عليها العطايا، ويكفُّون عن التحديقِ في ذلك الوجهِ البدينِ الكليلِ ذي الأنيابِ البارزة.. فهي هناك، في جوهرها، لا تزالُ تلك الطفلةَ الصغيرةَ العاجزة.
ومما ضاعف المأساة، أن «أنجيلينا» لم تكن تنام إلا قليلًا رغم نزهاتها الطويلة، أما الأم فكان نصيبها من النوم أقل؛ إذ كان يشغل بالها ليل نهار سؤالٌ واحدٌ مضنٍ: لِمَ كان عليها أن تواجه كل هذا؟ لقد كانت هي والأب نفسانِ وادعتانِ مفعمتان بالمحبة، وكذلك كان حالُ أقاربهما جميعًا.. كانوا في غاية اللطف، حتى إنهم اعتادوا على ذلك الوجه المخيف لـ «الضيفة الأبدية»؛ وعلى عينيها الجائعتين وهما تفتشان في الرفوف، ويديها اللتين تتسخان وهي تلتهم الطعام، ودموعها الغزيرة التي كانت تنسكب من تحت نظارتها، لتشقَّ طريقها فوق وجهها الملطخ بالأصباغ.
ومع مرور الوقت، ما إن تأتي «أنجيلينا» زائرةً حتى تبدأ سريعًا في سحب أمها نحو الشارع من جديد، دون أن تشبع رغبتها من الطعام. وإذا ما حاولوا إقناعها بالبقاء، تجمّد الدمع في عينيها وانزوت بعيدًا، لتدفن وجهها بين الثياب المعلقة في الردهة؛ فتمسح مساحيق تجميلها وإفرازاتِ وجهها بمعاطف الغرباء. وبذلك، كانت تُجبر أمها على المغادرة مرة أخرى، حارمةً إياها من لحظةِ دفءٍ وسكينة وسط أناسٍ طبيعيين.. وسط عائلتها الحقيقية. كانت «أنجيلينا» تهمس بصوتٍ مخنوق بأن رأسها يؤلمها وأنها ترغب في ضرب أحد ما، فتغادر الأم معها، لتتلقى في الشارع لكمةً غادرة من ابنتها الباكية، دون ذنبٍ جنته.. بل في الحقيقة، كان الذنب معروفًا؛ فقد حدستْ «أنجيلينا» أن أمها تستريح من عنائها بين أولئك الذين تحبهم حقًا. كانت تلك دموع الابنة على الجور، دموعُ الحيرة والتقسيم غير العادل للحظ: الكل نال كل شيء، أما أنا.. فلم أنل أي شيء.
وعلاوة على ذلك، ربما كانت «أنجيلينا» تدرك أن أمها، في أغوار روحها الوديعة، كانت تأمل أن تستريح يومًا ما؛ فترمي بعبئها على كاهل الأقارب لتعيش بينهم فترة، يُطعمونها ويقومون على تهذيبها. غير أنهم لم يكونوا يغدقون عليها الثناء والطعام إلا حتى ساعة محددة، وبعدها.. ينتهي كل شيء، ويصبح لزامًا عليها العودة إلى بيتها. كانت روح «أنجيلينا» العليلة تشعر بذلك أيضًا؛ تشعر بزيف ذلك «الحب الجماعي» المزعوم الذي ينتهي بانتهاء الوقت المتفق عليه. أما في الشارع، فلم يكن أحد يكذب عليها؛ كان الجميع يحدقون فيها بصراحة أو يضحكون في وجهها دون مواربة. كانت تلك هي الحقيقة الوحيدة، وهناك لم تكن «أنجيلينا» بحاجة للتصنُّع.. تلك كانت حريتها المنشودة. ويبدو أنها كانت تندفع نحو الشارع كمن يهرع إلى مسرح، حيث تؤدي هناك من كل قلبها دور «فزاعة المدينة».
ها هي تمضي في مواجهة البشرية جمعاء؛ متمردةً، حرةً، ضاريةً، وطوبى للمساكين بالروح، فأولئك الذين قيل إن لهم ملكوت السموات.. ولكن أين؟ هناك في العلياء، «في مكانٍ ما هناك» كما تتردد أصداء أغنية صاخبة غامضة. أما الآن، فحياتها يحرسها ملاكٌ حارس هو «الأم»، التي تقتطع لها كِسَرًا ضخمة من رغيف الخبز، بينما تواصل «أنجيلينا» ملاحقتها بطلبها الأبدي: «أعطني.. أعطني.. أعطني».
والأم لا تكف عن السعي لئلا يؤذي أحدٌ ابنتها الملاك، أو يقتلها، ولئلا تقتل هذه الابنةُ أباها الملاك القابع في فراشه. «الجميع أبرياء»؛ هكذا تحدث الأم نفسها، «وسأظل أركض معها هكذا حتى ألفظ أنفاسي الأخيرة.. لكن، لا بأس بالهواء الطلق والحركة»، هكذا تعزي الأم نفسها، «فأمي أنا قد عاشت حتى بلغت الثالثة والتسعين». إنها تأمل – ويا لَسخرية القدر- أن يوافيهم الأجلُ جميعًا، في لحظة واحدة، معًا.
المصدر:
Людмила Петрушевская “КАК АНГЕЛ



