العدد الحاليالأدب والنقدالعدد رقم 47

شخصية الفلاح ما بين محمد عبدالحليم عبدالله، ويوسف إدريس

تتناول المقالة صورة شخصية الفلاح في القصة العربية الحديثة من خلال مقارنة بين رؤيتين أدبيتين مختلفتين عند محمد عبدالحليم عبدالله ويوسف إدريس، بوصفهما كاتبين من جيل واحد لكن بمنهجين ورؤيتين متباينتين للريف والإنسان الريفي.

يقدّم محمد عبد الحليم عبدالله الفلاح في صورة رومانسية مثالية، مشبعة بالحنين والقيم الأخلاقية، فالفلاح عنده إنسان نقي، طيب القلب، مرتبط بالأرض ارتباطًا روحيًا، يحلم ويصابر ويثابر، ويواجه آلامه بالتأمل والحب لا بالصدام، الريف في أعماله فضاء أخلاقي شاعري، تُستعاد فيه الكرامة الإنسانية عبر العاطفة والوفاء، وتغيب عنه حدة الصراع لصالح الحلم الإنساني النبيل.

في المقابل، يرسم يوسف إدريس صورة واقعية قاسية للفلاح، بوصفه إنسانًا مسحوقًا ومهمشًا، ضحية للفقر والسلطة والتقاليد الجائرة، لا يجمل إدريس الريف، بل يكشف قسوته وبؤسه، ويقدّم الفلاح ككائن مأزوم، ممزق بين الغريزة والقهر الاجتماعي، وتأتي لغته مباشرة حادة، تميل إلى العامية، لتعكس التصاقها بالواقع ورفضها لأي تزييف جمالي.

وتخلص المقالة إلى أن الاختلاف بين الكاتبين ليس فنيًا فقط، بل اختلاف في الرؤية والوظيفة الأدبية، فعبدالحليم يوظف شخصية الفلاح لترسيخ القيم الأخلاقية وبث التعاطف والتطهير، بينما يستخدمها إدريس أداة لكشف الظلم الاجتماعي والتحريض على التساؤل، وبين الرومانسية الحالمة والواقعية الصادمة، تتجلى ثراء صورة الفلاح في الأدب العربي الحديث، بوصفه شاهدًا حيًا على تحولات المجتمع والأدب معًا.

شكّلت شخصية الفلاح في القصة العربية الحديثة مرآة عاكسة لتحولات المجتمع، وصراع القيم، وتوتر العلاقة بين الإنسان والأرض، والريف والمدينة، والسلطة والهامش. وفي هذا السياق، تبرز شخصيتان أدبيتان بارزتان قدّمتا صورتين مختلفتين للفلاح:

– الأولى: مثالية، حالمة، ورومانسية عند محمد عبدالحليم عبدالله.

– والثانية: واقعية، صادمة، ومأزومة عند يوسف إدريس.

تعكس هذه المقارنة اختلاف المنهج الفني والرؤية الاجتماعية بين كاتبين من جيل واحد، لكن من موقفين مختلفين تجاه الريف والإنسان الريفي.

الفلاح الرومانسي في أدب محمد عبدالحليم عبدالله

يقدّم محمد عبد الحليم عبدالله صورة مثالية للفلاح، ممزوجة بنزعة وجدانية شفافة، تتجلى في أعمال مثل: (شجرة اللبلاب)، و(لست وحدك)، و(بعد الغروب). يظهر الفلاح في أدبه مخلصًا، طيب القلب، نقي السريرة، مرتبطًا بالأرض برباط شبه روحي، وكأن الأرض امتداد لروحه.

كما أن الفلاح في عالم عبدالحليم عبدالله طموح مثابر، ومقبل على الحياة بالرغم من ثقل همومه، وما يحيط به من مشكلات، وما تجره إليه واقع حياته من صراعات، كما نلمح من شخصية (جلال) في شجرة اللبلاب: «ونلت شهادة الكفاءة، وكنت من المتفوقين، وانتقلت إلى السنة الرابعة الثانوية، وبدأت أجتاز السابعة عشر من عمري، وبدأت أتفاعل مع الحياة تفاعلًا حقيقيًا..» (شجرة اللبلاب – ص 58).

ترتكز كتابات عبدالحليم عبدالله عن الريف المصري على: استحضار القيم الأخلاقية والحنين، وتجده دائمًا يُعلي من شأن الحب والوفاء والكرامة الإنسانية، فالريف عنده عالم صافٍ، وإن اعتراه الفقر أو الجهل، فهو ليس مصدرًا للشر، بل فضاءً للتأمل والنقاء.

إن الفلاح الرومانسي عنده لا يتمرّد على واقعه بقدر ما يتأمله بحزنٍ نبيل، وكأنه شاعر يمشي بين السنابل، أما الصراع النفسي لدى الأبطال فيتمثل في رغبتهم في الاحتفاظ بمثاليتهم ومشاعرهم الطاهرة، وبرغم الألم، يبقى الحب عند محمد عبدالحليم عبدالله وسيلة للسمو، لا للانكسار: «وأعجبتني القصة ….، أعجبني فيها الوفاء وإن كان متطرفًا، وأعجبني الحب وإن كان عنيفًا جارفًا، ورأيت طرازًا من الناس يختارون أحبابهم بحاسة سادسة لا يملكها غيرهم من الناس، يختارون، ثم لا يعنيهم بعد ذلك أن يعجب العالمون من هذا الاختيار» (شجرة اللبلاب – ص 105).

في نصوص عبدالحليم عبدالله يغيب الطابع الصراعي، ويحل محله نوع من الحلم الأخلاقي، حيث تتحول الحياة الريفية إلى خلفية شاعرية لدراما إنسانية نبيلة، تعيد للفلاح كرامته من خلال الحلم لا المواجهة. وتتميز كتاباته بلغة شاعرية رقيقة، وإحساس عاطفي مرهف، فهو يقدّم شخصيات نقية ومجروحة في الوقت نفسه، ويمثل الريف والحب والأخلاق والتأمل في الحياة السمات الأساسية لعالمه السردي.

الفلاح الواقعي والمهمّش في أدب يوسف إدريس

أما يوسف إدريس، فهو ابن الواقع الصاخب، صاحب القلم الحاد، الذي أراد أن يجعل من الأدب أداة لكشف القهر البنيوي.

ففي مجموعاته القصصية ورواياته، مثل: (أرخص ليالي)، و(الندّاهة)، و(الحرام)، تتبدّى صورة الفلاح مختلفة تمامًا: فلاحٌ مسحوق، مهدور الكرامة، ضحية السلطة الاجتماعية، والاستغلال الاقتصادي، والتقاليد الجائرة.

لا يجمل إدريس الريف، بل يقدّمه كما هو: جافًا، قاسيًا، مليئًا بالظلم والحرمان، والفلاح عنده ليس ملاكًا ولا شاعرًا، بل كائن بشري تسيطر عليه الغرائز أحيانًا، وتفتك به الحاجة دائمًا. ففي قصة (الحرام)، مثلًا، تصبح المرأة الفلاحة رمزًا مزدوجًا للقهر والتمرد، ضحية مجتمع لا يرحم ولا يغفر، وحتى وصفه لحياة الريف يتحد مع انسحاق أبطال قصصه تحت وطأة الحياة: «وانبسط الظلام أمامه، حيث تعشش البيوت المنخفضة الداكنة، وترقد أمامها أكوام السباخ كالقبور التي طال عليها الإهمال، ولا شيء بقي يدل على الأحياء المكدسين تحت السقوف إلا مصابيح متناثرة في الدائرة المظلمة الواسعة، وكأنها عيون جنيات رابضات يقدح منها الشرر». (أرخص ليالي – ص 8).

تتميّز لغة إدريس بالعامية البسيطة، وبالحوارات الحادة، مما يعكس التصاقه بالواقع، ورفضه للتجميل أو التزييف، كما تميل شخصياته إلى الحيرة والصراع، ويقدّم الفلاح ككائن اجتماعي يتأرجح بين غريزته الفطرية وقهر النظام الذي يعيش فيه.

اختلاف الرؤية والوظيفة الفنية

يتضح أن الفرق بين الكاتبين لا يتوقف عند حدود الشكل الفني، بل يمتد إلى الرؤية الكلية للإنسان والمجتمع، فبينما ينطلق محمد عبد الحليم عبدالله من رؤية أخلاقية حالمة، ترى في الفلاح نموذجًا للكمال البشري، يرى يوسف إدريس في الفلاح مرآة للمأساة الوجودية والاجتماعية، شخصية درامية تنوء بأثقال القهر والفقر.

فالأول يستخدم شخصية الفلاح لتأكيد قيم المحبة والنقاء، بينما الثاني يوظفها لفضح الظلم والتناقضات الاجتماعية. لذا، فإن صورة الفلاح عند كل منهما تحمل وظيفة فنية وأيديولوجية مختلفة: واحدة للتعاطف والتطهير، والأخرى للتحريض والتساؤل.

ختامًا: تكشف المقارنة بين الفلاح الرومانسي عند محمد عبدالحليم عبدالله، والفلاح الواقعي المهمّش عند يوسف إدريس، عن مدى تنوع صورة الريف في القصة العربية الحديثة، بين مثالية مشبعة بالحنين، وواقعية مشحونة بالصراع. وإذا كانت صورة عبد الحليم قد منحت الفلاح مساحة للتأمل الأخلاقي، فإن إدريس انتزع منه صوته ليتحدث عن واقعه الصامت بلغة فنية جارحة. وبين الحلم والحقيقة، يبقى الفلاح العربي شاهدًا على تحولات الأدب والمجتمع معًا.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

د. جابر فتحي

الأقصر – مصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى