
آراء نقدية حول رواية (الطبل الصفيح) لكونتر كراس
بين هانز ماكنوس إنزينسبيركر ومارسيل رايش رانيكي كونتر كراس - نقد التناقض
لمْ يتمكن أي كاتب أو روائي ألماني بالتأثير على الأدب الألماني بعد عام 1945 في داخل ألمانيا وخارجها، مثلما فعل كونتر كراس: منذ بداياته كنحات حتى نجاح روايته الأولى (الطبل الصفيح)، وكذلك لوجودهِ المؤثر في المجتمع الألماني كونهِ شخصية عامة لعبت أدوارًا كبيرة على صعيد الأدب، وتمثل ذلك بحصولهِ على جائزة نوبل في الأدب. وتبقى السيرة الذاتية والعمل لكونتر كراس لا تخلو من النقد والتناقضات. وفي داخل الأوساط الأدبية والنقدية كان لكونتر كراس نصيبًا كبيرًا من الانتقادات وكذلك من الثناء. إذًا ما هو تأثير ذلك على الحائز على جائزة نوبل في الأدب؟ ما الذي يمكن أن يفعله النقد وما الذي يمكن ألا يفعله؟ كيف نحكم على الأدباء في الأوساط العامة؟
كتب الناقد الألماني هانز ماكنوس (1959) عن رواية (الطبل الصفيح)، للكاتب الألماني المعاصر كونتر كراس جاء فيها: «إن
رواية الطبل الصفيح هي روايةٌ لا تعرف المحرمات، ولا تتعامل مع الحدود. وقدْ تبدو هذه الرواية قاسية وعنيفة لأنها تمس كل شيء وكأنه ملموس. ونستدلُ على ذلك حين يصف الكاتب في مشهدٍ يثر الاشمئزاز ويوقظ داخل النفس البشرية النزعة الجامحة لاستدراك المشهد، والفضول في إيقاظ الرغبة في التواصل مع الرواية إلى مديات يريد الكاتب إدراكها من خلال القراءة».
وحين يصور الكاتب جيفة حصان تعج بثعابين البحر، عندما يتم انتشال تلك الجثة ليتم إلقاءها على رصيف ميناء نيوفارفاسر. تدخل الرواية مرارًا وتكرارًا إلى ذلك المجال المحظور حيث يلتقي الاشمئزاز، والجنس والموت والتجديف معًا، وحين يُقدم لنا الكاتب مزيجًا غير متجانس من المفردات غير المطروقة. وفي هذا الصدد، ما الذي يميز كونتر كراس عن كل الطروحات غير المقيدة من ناحية، وما الذي يميزه عما يسمى بـ(الواقعية التي لا هوادة فيها)، للمدرسة الأمريكية من ناحية أخرى، وما الذي يضفي الشرعية على تدخلاته الفظة، بل ويحولها إلى أعمال فنية يُمجدُ لها، ذلك هو الحياد الكامل الذي يدسه غراس في مجملِ أعمالهِ. وهنا يمكننا التشبيه بينه وبين الكاتب هنري ميلر؛ إذ أن غراس لا يطارد المحرمات مثل هنري ميلر: بل إنه ببساطة لا يلتفتُ إليها أو لا يلاحظ غراس ذلك أصلًا.
من جانبٍ آخر تطرق الكاتب الألماني مارسيل رايش رانيكي (1960) لهذهِ الرواية بعنوانٍ كبير هو (حظًا سعيدًا لرواية الطبل الصفيح)، وجاء في مداخلتهِ؛
إن كونتر كراس الذي أثارت قريحته المتجذرة على نحو غير عادي حماسة كل النقاد الألمان تقريبًا، وهو في الواقع كاتبٌ
وروائيٌ بالفطرة، على الرغم من أنه لا يزال راويًا جيدًا بأي حال من الأحوال. الراوي تتدفق من شفتيه أحداثُ الرواية، وسيل التعابير التي يُريد إيصالها. وتوجد في بعض الأحيان لدى الراوي سلسلة من الكلمات ذات القوة غير العادية والحيوية الكبيرة. وفي رواية (الطبل الصفيح)، نرى عندما يقضي ساعة كاملة يقرع ثم يقرع الطبول بغضب شديد وغريزة إيقاعية تكاد تحبس الأنفاس. وهذا ناتجٌ من قدرة الراوي على إتقان اللغة الألمانية بشكل كبير ومهارة عالية. إنه يدور ويغلي ويزأر ويهسهس، كما لو كان الماء مختلطًا بالنار. غالبًا ما تكون تلك النارُ هي نار هذا النثر السردي الواقعي.
أصبحت موهبته الأسلوبية العظيمة بمثابة سقوط كراس. لأنه لا يستطيع الحفاظ على كلماته حين تسيلُ منه. ويقول مارسيل رايش رانيكي: «لو كانت الرواية أقصر بمائتي صفحة على الأقل، لكانت أفضل بكثير، وعلى الرغم ذلك تبقى هذهِ الرواية بمثابةِ عملٍ مهمٍ بالتأكيد. ويقول صنعت الدعاية المغلوطة الكثير من الروائيين».
كراس هو أيضًا رجل يتمتع بروح الدعابة المتجذرة فيهِ بالأصالة، ويتمتع بقدرٍ كبيرٍ من الفطنةِ والذكاء. كان المقصود من الأمر برمته أن تكون رواية (الطبل الصفيح) لوحة ساخرة وحساسة للفترة ما بين الأعوام 1924 إلى 1954. ويروي رايش رانيكي بأنه «لا يمكن أن يكون هناك شكٌ في وجود رواية تنموية بالمعنى الكلاسيكي»، وأن أوسكار ماتسيرات، الموجود في مصحة للأمراض العقلية يمكن أن يكون بوصلةً لذلك الفهم المجتمعي، لأن أوسكار «الذي كان واحدًا من الأطفال ذوي الأذنين الكبيرتين والبراقتين، والذين اكتمل نموه الفكري عند ولادتهم، ومنذ ذلك الحين فصاعدًا يحتاج فقط إلى تأكيد ذلك النمو الذهني». وفي سن الثالثة، قرر أوسكار التوقف عن النمو، لذلك ظل طوله أربعة وتسعين سنتيمترًا. والسؤال هنا هو: «ما الذي يفترض أن يفعله هذا البطل القزم الوحشي؟».
لم يتمكن كونتر كراس أن يقدم للقارئ فكرة أفضل من التي طرحها في روايتهِ. قد لا نشعر نحن لا نشعر بالصدمة على
الإطلاق، ونحن نقلب أحاث تلك الرواية. وهنا قدْ لا يحتاج الكاتب إلى تجنب أي شيء إنساني أو تعاطفي. لكن عليه أن يقنعنا من خلال أحداث الرواية بأن تقبُل هذه الأحداث، وأنها جديرةٌ في الاعتبار، وكان ضروريًا أو على الأقل مفيدًا تقبُلها. إن الأوصاف الدقيقة والحسية للكاتب كونتر كراس، وتحديدًا في روايتهِ هذهِ تكونُ في الغالب تجسيدًا حيًا لأسلوبه، وإنها قد تغلق الأبواب أمام النقاد، ولا تمنحهم شيئًا لانتقاده. إن البهجة شبه الطفولية التي تمنحها استفزازات المؤلف مثيرة للقلق أيضًا.
ولو افترضنا أن يكون كراس ممثلًا، فماذا سوف يقولُ عن تلك الرواية؟؛ لقال بأنه يتوجبُ على أفضل مخرج ألماني وأكثرهم نشاطًا أن يتبنى هذهِ الرواية وأن يعتني بهذهِ الموهبة الفذة للراوي، ويهتم بأسلوبهِ الفطري. ولكن كما نعلم جميعًا، فأنه لا يوجد مخرجون ولا داعمون لجيل الكُتابْ. وينبغي على الروائي الفطن أن يتعامل مع قدراتهِ بنفسه، وأن يطور تلك القُدرات والمهارات. ومن منظورٍ نقدي نرى بأن رواية (الطبل الصفيح) ليست رواية مميزة، ولكن كما يبدو أن المؤلف كونتر كراس يمتلك موهبة كبيرة، مكنت الرواية من الانتشار، وحصلت على هذا الكم من النقدِ والتحليل. ويختمُ مارسيل رايش رانيكي قوله: يبقى على كاهل المؤلف أن يحارب من أجلِ ما قدمهُ من أفكار وما تضمنتهُ كتاباتهِ، ونتمنى لرواية (الطبل الصفيح حظًا سعيدًا).
المصدر:
-1 Markiert in den Texten von Enzensberger und Reich-Ranicki die Aussagen zu a) dem Inhalt des Werks „Die Blechtrommel“ und b) zu der jeweiligen Beurteilung.
-2 Erklärt die Unterschiede zwischen den Kritiken.



